..........
علماءنا كانوا يعملون بكلّ ما حصل لهم الظنّ بأنّه مراد المعصوم و إن كان من رواية ضعيفة أو غيرها، فلا حاجة إلى معرفة حال الرواة بل المتّبع إنّما هو الظنّ، سلّمنا لكن مراجعة الكتب الرجاليّة مبنيّة على لزوم المداقّة في عدالة الرواة و فسقهم و جرحهم و تعديلهم و هو خلاف ما هو المعهود من سيرة العلماء و أصحاب الأئمّة من عدم بنائهم على هذه المداقّات و بناء على العمل بالروايات بمجرّد ظنّ الصدور أو الظنّ بتحرّز الراوي عن الكذب، و هذا ممّا يحصل غالبا بدون مراجعة الكتب أيضا، فليكتف به لئلّا يراجع الكتب الرجاليّة».
و جوابه- بعد المنع عن كلّية الاستقراء المدّعاة كما يظهر وجهه بملاحظة ما تقدّم-:
أنّ العمدة في أسباب الظنّ و الغالب من طرق الأحكام الظنّية إنّما هي الأخبار الغير العلميّة، و قد مرّ مرارا أنّ الظنّ بالحكم من جهة الخبر ممّا لا يتأتّى إلّا بعد إحراز سنده علما أو ظنّا، فإنّ ملزوم الحكم الشرعي هو السنّة المقطوع أو الموثوق بها لا ذات الخبر من حيث هو.
و من البيّن أنّ إحراز السند بأحد الوجهين اللذين يغلب ثانيهما ممّا لا يتأتّى في الغالب إلّا بمراجعة الكتب الرجاليّة و معرفة أحوال الرواة، و لا ينافي ذلك حصول ظنّ الصدور و تحرّز الراوي عن الكذب في بعض الأحيان بدون المراجعة المذكورة من جهة الامور المتقدّم إليها الإشارة في صدر المسألة، إلّا أنّ مجرّد ذلك لا يرفع الحاجة عن أصل المراجعة، لأنّ مثل ما ذكر لا يتّفق إلّا في جملة قليلة من المقامات، كما أنّ استقرار العمل بكلّ ما حصل منه الظنّ- على فرض تسليمه- ممّا لا يرفع الحاجة عن العمل بالروايات الظنّية سندا و متنا و دلالة.
و قد ذكرنا في صدر المسألة أنّ معرفة أحوال الرجال المعدودة عندهم من شروط الاجتهاد أعمّ ممّا يحصل بمراجعة الكتب الرجاليّة و ما يحصل بدونها من جهة مراعاة الأسباب الخارجة عن تلك الكتب.
و منها: ما تقدّم عند الكلام على الشكوك الواقعة في انسداد باب العلم بالأحكام عن رئيس الأخباريّة الفاضل الأسترآبادي من أنّ أخبارنا كلّها قطعيّة الصدور عن المعصوم(عليه السلام)فلا يحتاج إلى ملاحظة سندها، أمّا الكبرى: فظاهر، و أمّا الصغرى: فلأنّ أحاديثنا محفوفة بالقرائن الحاليّة المفيدة للقطع بصدورها عن المعصوم.
و قد أشبعنا الكلام سابقا في هدم هذا الدليل و إبطال ما تضمّنه من دعوى وجود القرائن القطعيّة و دفع هذه القرائن بأجمعها من وجوه شتّى، إلّا أنّ ذلك ثمّة إنّما هو لإثبات مطلب
..........
آخر غير ما هو محلّ المقال من بيان وجه الحاجة إلى علم الرجال و إثبات توقّف الاجتهاد على ملاحظة أسانيد الروايات و معرفة أحوال رجالها، فالأولى التعريض لذكر هذه القرائن أيضا و إن استلزم تكرارا في أصل ذكرها، ثمّ الكلام عليها على وجه يتعلّق بالمقام و يثبت معه المرام.
فأوّل تلك القرائن- حسبما حكاها الوحيد البهبهاني في رسالة الاجتهاد و الأخبار- أنّه كثيرا ما نقطع بالقرائن الحاليّة و المقاليّة بأنّ الراوي كان ثقة في الرواية لم يرض بالافتراء و لا برواية ما لم يكن بيّنا واضحا و إن كان فاسد المذهب أو فاسقا بجوارحه، و هذا النوع من القرينة وافرة في أحاديث كتب أصحابنا.
و فيه: أنّه إن اريد بتلك القرائن الموجبة للقطع بوثاقة الراوي نظائر الامور المتقدّم إليها الإشارة في صدر المسألة أو ما يعمّها و ما يوجد في بعض المتون من ترديد الراوي بين اللفظين المحتملين في نظره، أو قوله في موضع الشكّ في لفظ الإمام(عليه السلام): «أظنّ أنّه قال كذا» أو «لا أحسبه إلّا قال كذا» أو ما أشبه ذلك أو ما يعمّها و ما يتّفق في بعض الأسانيد من قولهم: «فلان عن فلان الثقة» أو «فلان الجليل» أو «الشيخ الجليل فلان» و نحوه.
فالقول بلزوم مراعاتها اعتراف بالحاجة إلى مراعاة ما يوجب معرفة الرجال و لا يكون إلّا للحاجة إلى تلك المعرفة، بناء على ما بيّنّاه من أنّ معرفة الرجال المحتاج إليها ليست عبارة عن خصوص ما يحصل بمراجعة الكتب الرجاليّة، فرجع شبهة الخصم في نفي الحاجة إلى نفي لزوم مراجعة الكتب الرجاليّة لا نفي الحاجة إلى معرفة أحوال الرجال رأسا، فيعود الخلاف حينئذ لفظيّا.
و مع هذا نقول إلزاما له: إنّ مراعاة هذه القرائن على مقتضى كلامه إنّما هي للحاجة إلى معرفة حال الراوي في العمل بروايته، فلو فرض حينئذ انتفاء هذه القرائن بالمرّة بحيث لم يكن إلى معرفة حال الراوي طريق إلّا مراجعة الكتب أو ندرة وجودها بحيث لم يكن معه بدّ من مراجعتها أيضا، فهل يوجب تلك المراجعة أو ينكرها؟ فإن قال بالأوّل كان كرّا على ما فرّ منه، إذ الّذي يوجبها إنّما يوجبها لأحد هذين الفرضين، و إن قال بالثاني فقد أتى بما يناقض مقتضى كلامه، مع أنّ أمثال هذه القرائن لا توجد إلّا في طائفة قليلة من أحاديثنا بحيث لا تشفي العليل و لا تروي الغليل، فلا مناص عن مراجعة الكتب و مزاولة ما تضمّنتها من كلمات أهل هذه الصناعة، مع أنّ كون هذه القرائن صالحة لإفادة القطع بوثاقة الراوي
..........
كما ترى، بل قصارى ما ينشأ منها- على فرض التسليم- إنّما هو الظنّ أو الوثوق بها، و لو سلّم فالملازمة بين القطع بوثاقة الراوي و القطع بصدور روايته بعينها واضحة المنع، كيف و هو لا يستقيم إلّا بإحراز امور لا يفي بثبوتها مجرّد وثاقته المقطوع بها.
منها: القطع بصدق الإسناد من أوّل السند إليه الّذي لا يتأتّى إلّا بعد القطع بصدق الوسائط، و أيّ قضاء لوثاقة الراوي بهذا الأمر؟
و منها: القطع بأنّه إنّما رواها عن مشافهة للإمام المرويّ عنه، و لعلّه عوّل في ذلك على الأمارات اجتهادا و هو غير مأمون من الخطأ و إن فرضت الأمارات بالقياس إليه مفيدة للقطع و وثاقته غير منافية له، أو حذف الواسطة الّذي بينه و بين الإمام على حدّ ما يصنعه الرواة من الإرسال تعويلا منه على صدقه أو وثاقته و هو قد لا يكون موثوقا به عندنا لو عثرنا على حاله، و لا ملازمة بين وثوقه بصدقه أو وثاقته و وثوقنا بهما، كما أنّه لا منافاة بين وثوقه بهما و وثاقته.
و منها: القطع بعدم طروّ السهو و النسيان أو سبق اللسان له في نقل الرواية أو إسنادها إلى الإمام(عليه السلام).
و أيّ طريق إلى ذلك؟ مع ملاحظة أنّ وثاقته إنّما تمنع التعمّد على الكذب لا سائر الاحتمالات المشاركة لاحتماله في منع حصول القطع بالمطابقة.
و المفروض أنّ أقصى ما يوجبه الاصول المقرّرة لرفعها- على فرض تسليمه- إنّما هو الظنّ أو الوثوق بعدمها و هو دون القطع.
و بالجملة فصغرى الدليل المذكور فاسد الوضع من وجوه شتّى، مع توجّه المنع إلى كبراه أيضا، فإنّ القطع بصدور هذه الرواية- بعد تسليمه- ربّما لا يرفع الحاجة إلى الرجال بالمرّة، لجواز كونها إنّما صدرت على جهة التقيّة، أو كونها ممّا عارضها ما كان قد صدر على تلك الجهة مع القطع بصدورهما معا، فهما حينئذ إمّا أن يتراجحا فلا بدّ من الترجيح بإعمال المرجّح من الأعدليّة أو الأصدقيّة أو الأفقهيّة أو غير ذلك ممّا ورد في النصوص و لا تعرف إلّا بمراجعة الكتب الرجاليّة، أو يتعادلا إلى أن ينتهي الأمر فيهما على التخيير أو الطرح أو الوقف ثمّ الرجوع فيهما إلى الاصول على الخلاف في المسألة و لا مناص أيضا عن مراجعة الكتب الرجاليّة إحرازا للتعادل و فقد المرجّحات.
و بالجملة لا مناص عن المراجعة المذكورة في مقام المعارضة الّذي لا يتأتّى القطع
..........
بصدور المتعارضين معا، و إنّما ينافي القطع بكون مؤدّى كلّ منهما حكما واقعيّا، فكيف يدّعى الاستغناء عنه؟
و قد يوجّه الدليل المذكور بما لا يجدي نفعا في إصلاحه و هو: أنّ الظاهر أنّ مراد الفاضل المذكور بالراوي هو الأصل، فحينئذ لا احتياج إلى العلم بحال باقي السند إذا علم وجود الحديث في الأصل المنقول عنه، و قد كانت الاصول كلّها أو جلّها موجودة عند الصدوق، و العلم بعدم افتراء أرباب الاصول كلّهم أو معظمهم و بعدم افتراء الصدوق ليس بعزيز، و الغلط و السهو و إن كانا كالطبيعة الثانية لكن بملاحظة حال الراوي و جلالة شأنه قد يحصل العلم العادي بعدمهما.
و فيه: منع وجود الاصول كلّها أو جلّها عند الصدوق ليقطع به أخذه الرواية عن أحدها كما ربّما يقويه ما عن فهرست الشيخ من قوله: «و لم أظنّ أنّي أستوفي في ذلك كلّه، فإنّ تصانيف أصحابنا و اصولهم لا تكاد تضبط لانتشار أصحابنا في البلدان و أقصى الأرض» انتهى[1].
و لو عمّم في الدعوى المذكورة بالنسبة إلى جميع المشايخ الثلاث(رضوان اللّه عليهم)فكيف تصدّق بالنسبة إلى الشيخ فيما يرويه من الروايات في كتابيه التهذيبين بعد ما عرفت منه من التصريح بخلافها، فلو سلّم وجود جلّ الاصول عند الصدوق فكيف يقطع بكون الرواية الموجودة في كتابه ممّا أخذه من الأصل الموجود عنده، لجواز كونه أخذه من غير أصله أو معنعنا عن مشايخه.
قال الوحيد المتقدّم ذكره: «و الظاهر أنّهم كانوا يروون كذلك أيضا و ما كانوا يقتصرون على الرواية من الاصول» انتهى.
هذا لكنّ الإنصاف أنّ ذلك بالقياس إلى فقيه الصدوق مكابرة، لتصريحه في أوّله: «بأنّ جميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعوّل و إليها المرجع، مثل كتاب حريز بن عبد اللّه السجستاني، و كتاب عبيد اللّه بن عليّ الحلبي، و كتب عليّ بن مهزيار الأهوازي، و كتب الحسين بن سعيد» إلى آخره[2].
نعم يرد عليه: أنّ القطع بوجودها في الاصول على فرضه كيف ينفع في القطع بصدورها عن الإمام(عليه السلام)مع عدم القطع بصدق جميع هذه الاصول و لا بصدق كلّ واحد واحد من الأخبار الموجودة في كلّ واحد منها، و دعوى القطع من هذه الجهة غير مسموعة جدّا،
[1]الفهرست: 4.
[2]من لا يحضره الفقيه 1: 3.
..........
و كونها ممّا عليها المعوّل و إليها المرجع حسبما شهد به الصدوق في عبارته المتقدّمة أعمّ من القطع المذكور من الجهتين كما لا يخفى، خصوصا مع ملاحظة كون جملة من أصحابها كذّابين أو متّهمين أو معروفين بالكذب، و وجود الأخبار الكاذبة في اصول غيرهم من المعتمدين بدسّ الوضّاعين و تخليط المعاندين للملّة الحقّة و صادعيها الأئمّة المعصومين، فإنّ ذلك لو لم يكن مقطوعا به فلا أقلّ من احتماله القائم الكافي في منع حصول القطع بصدور جميع الآحاد، خلافا لبعض متأخّري المحدّثين كصاحب الحدائق في إنكاره قيام الاحتمال أيضا، فإنّه في مقدّمات الحدائق تصدّى لدفع طريقة أصحابنا المتأخّرين في تنويع الحديث إلى الأنواع الأربعة بعد ما تخيّل منهم أنّ منشأه حصول الاختلاف و كثرة المباينة و وفور المعارضة ما بين أخبارنا الموجودة الاخر، و كان ذلك مظنّة توهّم أنّ هذا الاختلاف الكذائي إنّما نشأ من جهة اختلاط الأخبار الكاذبة بالأخبار الصادقة فاضطرّوا إلى هذا التنويع ليتميّز به الأخبار الصادقة عن الكاذبة، فأخذ(رحمه اللّه)بدفع التوهّم و منع الاختلاط قائلا- ممّا ملخّصه-: «منع كون أخبارنا اليوم مشتملة على الكاذبة بل كلّها مقطوع بصدورها، لأنّ قدماء أصحابنا المحدّثين و سلفنا الصالحين(رضوان اللّه عليهم)صحّحوا الأخبار المرويّة عن الأئمّة(عليهم السلام)و نقّحوها و أخرجوا عنها الأخبار الكاذبة، فهذه الأخبار الّتي بأيدينا اليوم وصلت إلينا مصفّاة منقاة، فلا يمكن حينئذ توهّم دخول الأخبار الكاذبة فيها»[1].
و فيه- مع أنّه يعارضه ما عن بعض المحقّقين من أنّه كان الواجب على القدماء إيراد القطعيّات و غيرها مع ما يحصل به التمييز بين المعتمد و غيره من ذكر رجال أسانيد الأخبار و قد فعلوا ذلك-: أنّ إخراجهم الأخبار الكاذبة ليس إلّا باجتهادهم و الضرورة قاضية بأنّ الاجتهاد غير مأمون من الخطأ، فلو سلّمنا ارتفاع علمنا الإجمالي بوجود الأخبار الكاذبة فيما بين أخبار الأئمّة بذلك على فرض ثبوته فارتفاع احتمال الوجود غير مسلّم، كيف و قيامه من ضروريّات الوجدان المغني عن تجشّم إقامة البرهان.
و للوحيد المتقدّم ذكره كلام لطيف في هدم هذا البنيان يعجبني نقله بعين عبارته، فإنّه قال في جملة كلام له: «و مع ذلك كثير من أصحاب الكتب المشهورين ورد فيهم عن المشايخ المعتمدين العارفين الماهرين أنّهم وضعوا الحديث كذّابون مثل وهب بن وهب القرشي،
[1]الحدائق الناضرة 1: 14- المقدّمة الثانية.
..........
و محمّد بن موسى الهمداني، و عبد اللّه بن محمّد البلوي، و محمّد بن محمّد عليّ الصيرفي، و يونس بن ظبيان، و محمّد بن سنان و نظائر هؤلاء، و كثير منهم نسبوهم إلى الاضطراب و التشويش و رداءة الأصل و الضعف و أمثالها، و معلوم أنّ تضعيفهم ليس من جهة عدم العدالة بل من جهة عدم الوثوق به كما هو ظاهر للمتتبّع، و كثير منهم ورد فيهم ذموم دون الذموم المذكورة مثل: «ليس بذلك الثقة»، و «حديثه ليس بذلك النقي»، و «حديثه يعرف و ينكر»، و «الغالب في حديثه السلامة»، و «لا يعمل بما يتفرّد» و «يجوز أن يخرج شاهدا»، أو «أن يخرج حديثه للشهادة»، و أمثال ذلك.
و كثير منهم ورد فيهم أخبار كثيرة و آثار غير عديدة في ذمّهم و لعنهم و اتّهامهم و نسبتهم إلى الكذب و الامور الشنيعة و الأفعال الغير المشروعة، و اختلف الأخبار في شأنهم و اضطرب الآثار في حالهم، و سيّما بعد ملاحظة أنّ المشايخ المعتمدين نقلوا هذه الأخبار و الآثار في شأنهم ساكتين عليها أو قادحين قدحا يورث التزلزل للإنسان، و سيّما بعد ملاحظة و مشاهدة أنّ الاصول و الكتب حوت تلك الأخبار و الآثار، خصوصا بعد ملاحظة ما يظهر من حال رواة تلك الأخبار أنّهم معتقدون بما رووا معتمدون عليه، و كثير منهم اختلف في وثاقته و ضعفه مع تساوي القولين أو رجحان أحد الطرفين و كثير منهم مجهول الحال.
قال الفاضل المحقّق الشيخ سليمان البحراني في معراجه: «كون الرجل ذا كتاب لا يخرجه عن الجهالة إلّا عند من لا يعتدّ به» انتهى.
و بعض منهم يصرّحون بأنّ له أصلا و مع ذلك يقولون: «كذّاب متّهم»، و كثير من الأجلّة لا يحصل سوى الظنّ بوثاقته و مع ذلك فهو من علم الرجال» إلى آخر كلامه رفع مقامه.
و بالجملة مجرّد انتهاء أخبارنا إلى الاصول المعروفة لا يوجب كونها مقطوع الصدور، بل و لا كونها مقطوع العمل.
و ثانيها: تعاضد بعضها ببعض.
و فيه: أنّه يعارضه تعارض بعضها لبعض كما هو الغالب، بل قلّما يتّفق أخبار متعاضدة إلّا و لها معارضات متعدّدة، فكلّ من المتعارضين يتعاضد بعضه ببعض، و مع ذلك فأيّ أثر للتعاضد لو لا مراجعة سائر المرجّحات الّتي لا يتمكّن من العلم بها إلّا بمراجعة كتب الرجال.
ثمّ إنّ التعاضد لو اريد به ما يبلغ حدّ التواتر لفظا أو معنى فهو مع ندوره و قلّة وقوعه خارج عن محلّ البحث، إذ مراجعة الكتب و معرفة الرجال إنّما تعتبر عند قائليه في غير المتواترات.
..........
و لو اريد به ما دون ذلك فكيف ينهض قرينة على الصدور بعنوان القطع، و الاكتفاء بالوثوق الحاصل من جهته على فرضه اعتراف بلزوم مراعاة الرجال في موضع انتفاء هذا النوع من القرينة.
هذا مع أنّ الغالب في التعاضد حصول مراعاته في مقام الترجيح و هو كثيرا ما لا يجدي نفعا في الترجيح لو لا انضمام قرائن اخر إليه من صحّة طريق البعض و نحوها، بل ربّما يترجّح الطرف المقابل بقرائن اخر من صحّة طريقه و أعدليّة رجاله و نحوها، و لا ريب أنّ هذه القرائن لا تستفاد غالبا إلّا بمراجعة الرجال.
و ثالثها: نقل الثقة العالم الورع في كتابه الّذي ألّفه لهداية الناس، و لا يكون أصل رجل أو روايته على ظنّ مع تمكّنه من استعلام حال ذلك الأصل أو تلك الرواية و أخذ الأحكام بطريق القطع عنهم.
و فيه أوّلا: منع إطلاق دعوى كون كلّ ثقة إنّما ألّف كتابه لهداية الناس، لجواز كونه إنّما ألّفه لدواع آخر، و إن شئت لاحظ ما عن عدّة الشيخ التصريح: «بأنّ إيراد رواية لا يدلّ على اعتقاده بها، و يجوز أن يكون إنّما رواها ليعلم إنّه لم يشذّ عنه شيء من الروايات»[1].
و ممّا يصدّقه على هذه المقالة ما عن عليّ بن حسن بن فضّال في ترجمة حسن بن عليّ بن أبي حمزة: «من أنّه كذّاب ملعون رويت عنه أحاديث كثيرة و كتبت عنه تفسير القرآن من أوّله إلى آخره، إلّا أنّي لا استحلّ أن أروي عنه حديثا واحدا»[2].
و ما في ترجمة محمّد بن سنان: «أنّ أيّوب بن نوح دفع إلى حمدويه دفترا فيه أحاديث محمّد بن سنان، فقال: إن شئتم أن تكتبوا ذلك فافعلوا فإنّي كتبت عن محمّد بن سنان و لكن لا أروي لكم عنه شيئا»[3].
و ما في خصال الصدوق بعد ما روى عن عائشة و غيرها نصوصا مستفيضة متضمّنة لفعل النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)ركعتين بعد العصر و ركعتين بعد الفجر- من قوله: «كان مرادي بإيراد هذه الأخبار الردّ على المخالفين، لأنّهم لا يرون بعد الغداة و بعد العصر صلاة، فأحببت أن ابيّن لهم أنّهم قد خالفوا النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)في قوله و فعله»[4].
و ما في أوّل فقيهه من قوله: «و صنّفت له هذا الكتاب بحذف الأسانيد لئلّا يكثر طرقه
[1]غدّة الاصول 1: 131.
[2]رجال الكشي: 552 رقم 1042.
[3]رجال الكشي: 389/ 729.
[4]الخصال: 71.
..........
و إن كثرت فوائده، و لم أقصد فيه قصد المصنّفين في إيراد ما رووه، بل قصدي إلى إيراد ما افتي به و أحكم بصحّته و أعتقد فيه أنّه حجّة فيما بيني و بين ربّي»[1]، إلى آخره.
و بالجملة فالمستفاد من كلمات هؤلاء الأساطين و غيرهم أنّه ليس كلّ كتاب يؤلّف في الحديث كان الغرض من تأليفه الهداية بحيث عمل به مؤلّفه أيضا فضلا عن كونه معتقدا بصدقه أو صحّته، كيف و قد يكون الثقة يؤلّف كتابه محتويا للأحاديث مطلقا ليفرّغ نفسه عند الحاجة إلى الاجتهاد فيراجعه حينئذ و يستند إلى صحاحه بعد ما ميّزها عن ضعافها، و يعتمد على ما يصلح للاعتماد عليه و يترك ما لا يصلح لذلك، و قد يؤلّفه لغرض الهداية لكن لا بمعنى أن يعمل به المتأخّر كيفما اتّفق و بجميع ما فيه، بل بصحاحه بعد مراعاة التمييز بينها و بين ضعافها، لعلمه بأنّ له طريقا في ذلك و هو مراجعة الكتب الرجاليّة، بل هو بنفسه ربّما يتصدّى لتأليف ما ينفعه في مقام التمييز كما أشار إليه بعض المحقّقين في كلام محكيّ له و قد تقدّم نقله، و قد يكون هو ممّن لا يجوّز العمل بأخبار كتابه لعدم افتقاره إليها أو لمنعه العمل بأخبار الآحاد لكن يؤلّف الكتاب لعلمه بأنّ الحوائج تختلف و المذاهب في أخبار الآحاد تتعدّد، فربّما يحتاج المتأخّر إلى كتابه و هو قد يكون ممّن يرى العمل بأخبار الآحاد جائزا من باب التعبّد لدليله التامّ في نظره أو من باب الظنّ خصوصا أو عموما، فلا ملازمة بين نقله الأخبار- و لو لغرض الهداية- و كونها في نظره قطعيّة.
و يشهد بذلك كلّه ما سمعته عن فقيه الصدوق من قوله: «بل قصدت إيراد ما افتي به و أحكم بصحّته، و أعتقد فيه أنّه حجّة فيما بيني و بين ربّي» و على فرض قطعه فهو له بحسب اجتهاده الغير المأمون عن الخطأ.
و ممّا يرشد إلى جميع ما قلناه جريان عادة أصحاب كتب الحديث على ضبط أسانيد الأخبار المنقولة في كتبهم، حتّى أنّ الصدوق مع حذفه الأسانيد باعتذار ما سبق منه وضع رسالة منفردة عن الفقيه لضبط طرق رواياته المنقولة فيه و هي موسومة عندهم بالمشيخة، فلو أنّ الروايات بأجمعها كانت قطعيّة في نظرهم أو كان قطعهم بالصدور أو الاعتبار كافيا في حصول القطع بأحد الأمرين لم يكن لهم غرض يدعوهم إلى تحمّل هذه الكلفة.
و بجميع ما ذكر يتبيّن ما في قوله: «مع تمكّنه من استعلام حال ذلك الأصل» إلى آخره.
مضافا إلى توجّه المنع إلى أصل التمكّن، و على فرضه فقد يتعسّر على وجه يسقط
[1]من لا يحضره الفقيه 1: 2.