[توقّف الاجتهاد على العلم باصول الفقه]
و أن يكون عالما بالمطالب الاصوليّة من أحكام الأوامر و النواهي و العموم و الخصوص إلى غير ذلك من مقاصده الّتي يتوقّف الاستنباط عليها (1)، و هو أهمّ العلوم للمجتهد، كما نبّه عليه بعض المحقّقين، و لا بدّ أن يكون ذلك بطريق الاستدلال على كلّ أصل منها، لما فيها من الاختلاف، لا كما توهّمه القاصرون.
من جهة حجّية الظنّ المطلق- كان المعتمد و مناط العمل هو هذا الظنّ وافقه مضمون رواية أو لم يوافقه، فلا يترتّب على موافقة المضمون حينئذ فائدة يعتدّ بها.
فإن قلت: إنّ الشهرة على تقدير عدم الحجّية إنّما نشأت عن مستند لا محالة، و موافقتها لمضمون الخبر ممّا يكشف عن استنادها إليه أو إلى ما يرادفه، و هذا كاف في إحراز السند و ظنّ الصدق و الصدور.
قلت: دعوى الكشف في مفروض المسألة بإطلاقها- خصوصا مع العلم باستنادهم إلى ما ليس من مقولة الأخبار، أو اختلافهم في المستند بحيث لم يكن الفتوى المشهورة مستندة إلى الأخبار إلّا من بعضهم- غير مسموعة.
و بالجملة فالشهرة في غير صورتي الاستناد و الترجيح لا تصلح رافعة للحاجة إلى الرجال، و ليس ممّا يغني عن المراجعة إلى الكتب الرجاليّة.
و أمّا الاكتفاء بتصحيح الغير فهو المعلوم من سيرة بعض الفقهاء، بل يعزى إلى أكثر العلماء كما عرفته، و مستنده- على ما نقل- أنّ اعتبار قول أهل الرجال سواء كان من جهة كونه شهادة أو رواية أو لإفادته الظنّ أو غيرها مثله تصحيح بعض العلماء خصوصا إذا كان من أهل الرجال، أو كثير البصيرة بذلك العلم كصاحبي التعليقة و المنتقى و غيرهما، و في إطلاق هذه الدعوى ما لا يخفى، و الأقوى إناطة الاكتفاء و عدمه بما هو معيار العمل بالأخبار حسبما استفدناه من أدلّة الباب من ابتنائه على الوثوق بالصدق و الصدور، فحيثما حصل الوثوق من تصحيح الغير و لو مع إعمال بعض القرائن فيجوز الاكتفاء به عن مراجعة الكتب الرجاليّة و إلّا فلا مناص عن المراجعة أو ما يقوم مقامها.
(1) و بداهة الحاجة في استنباط الأحكام الشرعيّة عن الأدلّة المعهودة و لا سيّما الكتاب و السنّة إلى مسائل اصول الفقه ممّا يغني عن تجشّم إقامة الحجّة.
و عن الفوائد: «أنّ الحاجة إليه من البديهيّات كما صرّح به المحقّقون، و أنّه الميزان في الفقه و المعيار لمعرفة مقاصده و أعظم الشرائط و أهمّها كما صرّح المحقّقون الماهرون الفطنون
..........
الّذين ليسوا بجاهلين و لا غافلين و لا مقلّدين من حيث لا يشعرون» انتهى[1].
و العجب من مقلّدة الأخباريّة كيف خفي عليهم هذا الأمر مع ظهوره و كمال وضوحه بحيث يدركه المخدّرات في الحجرات، فأنكروا الحاجة إليه رأسا و هو كما ترى مع الاعتراف بابتناء معرفة الأحكام على الأدلّة أو السنّة فقط- حسبما يزعمونه- ممّا يشبه التناقض، لوضوح أنّ شيئا ممّا ذكر لا ينهض دليلا و لا يتمّ حجّة إلّا بإعمال القواعد الاصوليّة و مراعاة ضوابطها المقرّرة، إلّا أن يرجع الإنكار المذكور إلى إنكار ابتنائها على النظر في الأدلّة حتّى السنّة بدعوى الضرورة في كافّة الأحكام الشرعيّة، و هو كما ترى أوضح فسادا، مع أنّهم ينادون بأعلى صوتهم بانحصار المرجع في السنّة و هو ممّا لا يجامع نفي الحاجة إلى مراعاة المسائل الاصوليّة بالمرّة.
و أوضح ما يرد على مقالتهم هذه من التدافع ما هم عليه من منع حجّية ظواهر الكتاب إلّا ما ورد تفسيره في الروايات، فإنّ التفسير حقيقة معناه ترجع إلى تخصيص عامّ الكتاب أو تقييد مطلقه بالرواية أو أخذها قرينة لمجازاته أو بيانا لمجملاته أو ناسخة لمنسوخاته.
و هذا كما ترى التزام بنبذة من المسائل الاصوليّة، و منه ما هم عليه من العمل بالبراءة الأصليّة لنفي الوجوب في فعل وجوديّ إلى أن يثبت دليله، و منع العمل بها لنفي التحريم في فعل وجوديّ إلى أن يثبت دليله، بدعوى: كون الأصل فيه التحريم أو وجوب الاحتياط أو الوقف و العمل باستصحاب حكم العموم إلى أن يقوم المخصّص، و حكم النصّ إلى أن يرد الناسخ، و استصحاب إطلاق النصّ إلى أن يثبت المقيّد.
و منع العمل[2]باستصحاب حكم شرعي في موضع طرأت فيه حالة لم يعلم شمول الحكم لها، على معنى ثبوته في وقت ثمّ يجيء وقت آخر و لم يقم دليل على انتفائه فيه، فلا يحكم ببقائه على ما كان استصحابا للحالة السابقة كما عليه المحقّقون من الفقهاء و الاصوليّين.
و قد صرّح في الحدائق[3]بنفي الإشكال و عدم الخلاف في حجّيّة البراءة الأصليّة بالمعنى الأوّل، و حجّية الاستصحاب بالمعنيين الاوليين، و مصيرهم إلى عدم الحجّية في الثاني من معنى البراءة الأصليّة و الأخير من معاني الاستصحاب، و الكلّ كما ترى من المسائل الاصوليّة بل عمدتها.
[1]الفوائد الحائريّة: 336.
[2]عطف على قوله: «و منه ما هم عليه ...».
[3]الحدائق الناضرة 1: 51.
..........
و منه ما هم عليه من حجّية الأخبار مطلقة أو خصوص ما في الكتب الأربعة و عدم ترجيح متعارضاتها إلّا بالقواعد الممهّدة من لدن أهل الذكر، و مع فقدها في بعض الأخبار يتوقّف كما قال(عليه السلام): «أرجه حتّى تلقى إمامك» و في بعضها: «يتخيّر في العمل بأيّهما شاء من باب التسليم»، و عن بعضهم أنّه جمع بينهما بأنّه حمل الأوّل على حقوق الآدميّين كالميراث و نحوه ممّا لا مجال للتخيير فيه و الثاني على ما عداه، كما نقله الشيخ سليمان بن عبد اللّه البحراني في رسالته المعمولة في الفرق بين الأخباري و المجتهد.
و فيها أيضا: «أنّه يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة عند جملة من الأخباريّين منهم الفاضل الأمين الأسترآبادي في الفوائد المدنيّة و المجتهدون مطبقون على امتناعه، و إنّما الخلاف عندهم في تأخير البيان عن وقت الخطاب» و فيها أيضا: «من الفروق عدم العمل على الإجماع المدّعى في كلام متأخّري فقهائنا، إذ لا سبيل إلى العلم بدخول قول المعصوم(عليه السلام)بغير جهة الرواية عنه، و وافقهم على هذا بعض المجتهدين.
و منها: أنّ خلاف معلوم النسب عند المجتهدين أو أكثرهم لا يلتفت إليه و لا يقدح في الإجماع، و أمّا الأخباريّون فلا يلتفتون إلى هذه القاعدة» انتهى.
و هذه الامور كلّها من المسائل الاصوليّة.
و بالجملة فهم بإنكارهم المضادّ لعملهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، و ظنّي أنّ هذه المقالة و نظائرها من الخرافات الّتي منشأها تعصّبهم و شدّة عنادهم لحفظة الشريعة و خزّان علوم أهل العصمة، و لو لا ذلك فأيّ عاقل يتفوّه بما يدافع البداهة و يناقض الطريقة؟
و مع ذلك يستند في مقالته الفاسدة و دعواه الرديّة إلى ما لا يلتفت إليه جاهل فضلا عن العاقل من الشبهات الواهية و التشكيكات الوهميّة الّتي منها: أنّ هذا العلم حدث بعد زمان الأئمّة(عليهم السلام)و أنّا نقطع بأنّ قدماءنا و رواة أحاديثنا و من يليهم لم يكونوا عالمين به مع أنّهم كانوا عاملين بهذه الأحاديث الموجودة و لم ينقل عن أحد من الأئمّة إنكارهم بل المعلوم تقريرهم لهم، و كان ذلك الطريق مستمرّا بين الشيعة إلى زمان ابن أبي عقيل و ابن الجنيد ثمّ حدث بين الشيعة، فلا حاجة إلى هذا العلم.
و منها: أنّ البداهة حاكمة بوجوب العمل بأوامر الشرع و نواهيه، و من علّم العلوم اللغويّة فهو ممّن يفهم الأوامر و النواهي، فالحكم عليه بوجوب التقليد المنهيّ عنه بمجرّد جهله باصول الفقه ممّا لا دليل عليه و لا عذر له في التقليد، و ليس مثله في التقليد إلّا مثل شخص
..........
حكّمه ملك على ناحية و عهد إليه أنّه متى أخبره ثقة بأنّ الملك أمرك بكذا أو نهاك عن كذا فعليك بالطاعة، و بيّن له المخلص عند تعارض الأخبار، فهو يترك العمل بما سمعه من الأوامر و النواهي من الثقات معلّلا بجهله بمسائل الاصول، فاستحقاقه للذمّ حينئذ لا ريب فيه.
و منها: أنّ هاهنا قوما لا يعملون بهذه الاصول بل يطرحونها خلف «قاف»[1]و ليسوا من المتحيّرين.
و منها: أنّه إذا لم نعرف تغيّر عرفنا من عرف زمان الشارع فلا بأس عليه، إذ الحجّة الآن أحاديثهم و ما كلّفنا بأزيد ممّا نفهمه منها، و إن علمنا تغيّر العرف فمن أيّ طريق نثبته أ من الكتاب أو السنّة أو الإجماع الكاشف عن قول المعصوم(عليه السلام)أم من تلك الاصول الضعيفة؟.
و منها: أنّه ليس في علم الاصول إلّا نقل الأقوال المتفرّقة و الأدلّة المختلفة فلا أصل له.
و لا يذهب عليك أنّ التأمّل في سياق هذه الكلمات و مساقها يعطي أنّ غرض هؤلاء نفي لزوم المراجعة في أخذ المسائل الاصوليّة المحتاج إليها في معرفة الأحكام إلى الفنّ المعهود المدوّن في كتبه المتداولة على وجه يستلزم التعلّم و الاستماع و صرف برهة من العمر حسبما هو متداول بين أربابه على حدّ سائر الفنون قديما و حديثا، لا نفي الحاجة إلى القدر المحتاج إليه من هذه المسائل بالمرّة و لو حصل استعلامها بغير جهة مراجعة هذا الفنّ، و إلّا فكيف يعقل الاستنباط من الكتاب و السنّة- المشتملين على الحقائق و المجازات مع القرائن و بدونها و المشتركات مع القرائن و بدونها، و ألفاظ العبادات و المعاملات و غيرها و الأوامر و النواهي و المناطيق و المفاهيم و العمومات و المخصّصات و المطلقات و المقيّدات، مع كون الخبر الواحد من السنّة قد يخالف ظاهر الكتاب، و مفهوم الموافقة أو المخالفة قد تعارض العامّ كتابا أو سنّة و عامّان كتابيّان أو خبريّان أو مختلفان قد يتعارضان، و كون اللفظ الوارد فيهما قد يتعارض فيه الأحوال المخالفة للأصل من المجاز و الاشتراك و النقل و التخصيص و الإضمار و التقييد و النسخ، و قد يتعارض فيه العرف و اللغة أو عرف الراوي و المرويّ عنه إلى غير ذلك من العناوين المأخوذة عند أرباب الفنّ- من دون معرفة أحكام الحقائق و المجازات من أنّ الأصل في الاستعمال الحقيقة و أنّ المجاز لا يصار إليه إلّا
[1]«قاف» جبل محيط بالدنيا من زبرجد أخضر و إنّما خضرة السماء من خضرة ذلك الجبل. (تفسير القمي: 595 و عنه في البحار 570/ 121 ح 9).
..........
بقرينة واضحة تترجّح على أصالة الحقيقة، و أنّ اللفظ مع القرينة المذكورة يجب حمله على المجاز، و أنّه لا يجوز استعماله في معنييه الحقيقي و المجازي أو يجوز مع المرجوحيّة.
و لا معرفة أحكام المشترك من أنّه بدون القرينة هل هو ظاهر في إرادة جميع المعاني أو لا؟ و أنّه يجوز استعماله في أكثر من معنى أو لا؟ و أنّه مع عدم القرينة حكمه ما ذا؟
و لا معرفة أحكام المشتقّ من أنّه حقيقة في حال التلبّس مطلقا أو خصوص حال النطق أو غيرهما؟ و إنّ حكمه بالقياس إلى ما انقضى عنه المبدأ ما ذا؟
و لا معرفة أحكام ألفاظ العبادات و المعاملات من أنّها هل هي مبقاة على معانيها الأصليّة اللغويّة أو منقولات إلى معان اخر شرعيّة؟ و هل هي في المعاني الشرعيّة بالقياس إلى عرف الشارع كانت حقائق أو مجازات؟ و هل المعنى الشرعي على التقديرين خصوص الصحيح أو الأعمّ منه و من الفاسد بالنسبة إلى الشرائط فقط أو هي و الأجزاء معا؟
و لا معرفة أحكام الأوامر من أنّها هل تفيد الوجوب أو غيره؟ و هل تفيد شيئا من المرّة و التكرار و الفور و التراخي أو لا؟ و أنّها إذا وقعت عقيب الحظر بأقسامه الثلاث هل تفيد الإباحة أو غيرها؟ و أنّها إذا كانت موقّتة هل ينتفي بفوات الوقت أو لا؟ و أنّها على فرض إفادتها الوجوب هل تدلّ على وجوب مقدّمات المأمور به أو لا؟ و هل تدلّ على النهي عن أضداد المأمور به أو لا؟
و لا معرفة أحكام النهي من أنّه هل يفيد التحريم أو غيره؟ و هل يفيد التكرار أو لا؟
و هل يدلّ على فساد مورده إذا كان عبادة أو معاملة أو لا يدلّ؟
و لا معرفة أحكام المفاهيم من أنّها هل هي حجّة أو لا؟ و على فرض الحجّية فهل هي على وجه الإيجاب الكلّي، على معنى كون المفهوم بجميع أنواعه حجّة حتّى ما كان لقبا أو على وجه الإيجاب الجزئي؟ و إنّ مفهوم المخالفة على فرض الحجّية هل يجب مطابقته للمنطوق في جميع الخصوصيّات المأخوذة معه كمّا وجهة و زمانا و مكانا و غيرهما من القيود و المتعلّقات عدا كيف القضيّة و ما علّق عليه حكمها من شرط أو وصف أو غاية أو عدد أو نحو ذلك؟
و لا معرفة أحكام العامّ و التخصيص من أنّ العامّ أيّ لفظ؟ و لأيّ عموم؟ و في أيّ مقام يحمل على العموم؟ و أيّ صورة يخصّص و بأيّ شيء يخصّص؟ و بأيّ شيء لا يخصّص؟
و على أيّ قدر يجوز تخصيصه؟ و أنّه بعد التخصيص يبقى على حجّيته أو لا؟ و أنّه إذا
..........
خصّ بمجمل فحكمه ما ذا؟ و أنّه يخصّص بخبر الواحد أو لا؟
و لا معرفة أحكام المطلق و المقيّد من أنّه في محلّ التنافي يحمل المطلق على المقيّد أو لا؟ و إنّ المطلق في أيّ موضع يؤخذ بإطلاقه و أيّ موضع لا يؤخذ به فيه؟ و إنّ الإطلاق في أيّ موضع يثبت و أيّ موضع لا يثبت؟
و لا معرفة أنّ العامّ هل يخصّص بمفهوم الموافقة و المخالفة معا أو لا يخصّص بشيء منها أو بالأوّل دون الثاني؟ و إنّ العامّين من وجه إذا تنافيا فحكمهما ما ذا؟ و كيف يجمع بينهما؟
و لا معرفة أحكام تعارض الأحوال من حيث الترجيح و الوقف، و أحكام تعارض العرف و اللغة و عرفي الراوي و المرويّ عنه و هكذا.
و لا ريب أنّه لا بدّ في كلّ من المذكورات و غيرها من بناء الأمر على شيء و الإذعان بشيء من أطراف القضيّة، و لا بدّ و أن يكون هذا البناء و الإذعان بطريق الاجتهاد عن دليل يعتمد عليه العقل و يسكن إليه النفس، و لا نعني من معرفة مسائل الاصول الفقه المحتاج إليها في الاستنباط إلّا هذا، سواء حصل هذه المعرفة بمراجعة الفنّ المدوّن حسبما هو متداول بينهم من السلف إلى الخلف، أو بطريق آخر ممّا يقضي العادة بامتناعه خصوصا في هذه الأعصار، و خصوصا بالقياس إلى من كان أجنبيّا بلسان العرب، فإن كان هذا القدر مسلّما عند الخصم يعود الخلاف بينه و بين المجتهدين و الاصوليّين من أصحابنا لفظيّا، و إلّا ترجع مقالته في نفي الحاجة إلى دعوى حصول معرفة الأحكام الشرعيّة من الكتاب و السنّة أو مطلق الأدلّة بطريق المكاشفة، على قياس ما هو الحال في الأسباب الضروريّة الغير المحتاجة إلى استفادة المطالب منها إلى إعمال شيء من المقدّمات الخارجة عنها كما لا يخفى.
و من المعلوم بالبداهة أنّ حدوث تدوين الفنّ لا ينافي وجود مسائله معمولا بها قبل التدوين، و عمل قدمائنا و رواة أحاديثنا بهذه الأخبار الموجودة و بغيرها ممّا ذهبت عنّا بمرور الدهور لا يعقل من دون استحصال المسائل المشار إليها و غيرها ممّا لم نشر إليها، كما أنّه لا يعقل من دون استحصال العلوم العربيّة و غيرها ممّا هو ملحوظ من باب المبادئ، و عدم المنع و التقرير من الأئمّة إنّما هو لأجل وجود شرط العمل لديهم و مراعاتهم له و علمهم(عليهم السلام)بهما، بل و في بعض الأخبار ما يشير إلى لزوم مراعاة هذا الشرط، و وجوب إعمال جزئيّاته الّتي هي مسائل علم اصول الفقه، كما في قصّة ابن الزبعرى المعترض على
..........
قوله تعالى:إِنَّكُمْ وَ مٰا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّٰهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ[1]بما فهمه خطأ من عموم كلمة «ما» لما يعقل أو ما لا يعقل قائلا: «أما عبد موسى و عيسى و الملائكة؟» من قوله(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):
«ما أجهلك بلسان قومك، أ ما علمت أنّ «ما» لما لا يعقل» حيث إنّه توبيخ على المعترض على ما لم يعلمه أو غفل عن مراعاة ما علمه من كون «ما» لغير ذوي العقول.
بل المتتبّع في أخبار الأئمّة و آثار أهل بيت العصمة يجد فيها إشارات غير محصورة إلى كون مسائل هذا العلم متداولة لديهم و معمولا بها عندهم، لو لم نقل بكونها تصريحات بذلك.
و يكفيك في ذلك ملاحظة ما تقدّم في الأخبار الّتي احتجّ بها الأخباريّة على إبطال طريقة المجتهدين من رواية سليم بن قيس الهلالي قال: «قلت لأمير المؤمنين(عليه السلام): إنّي سمعت من سلمان و المقداد و أبي ذر شيئا من تفسير القرآن و أحاديث عن النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)غير ما في أيدي الناس، ثمّ سمعت منك تصديق ما سمعت منهم و رأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة في تفسير القرآن و من الأحاديث عن نبيّ اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)أنتم تخالفونهم فيها و تزعمون أنّ ذلك كلّه باطلا؟ فترى الناس يكذبون على رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)متعمّدين و يفسّرون القرآن بآرائهم؟ قال: فاقبل عليّ(عليه السلام)فقال: قد سألت فافهم الجواب، إنّ في أيدي الناس حقّا و باطلا، و صدقا و كذبا و ناسخا و منسوخا، و عامّا و خاصّا، و محكما و متشابها، و حفظا و وهما، و قد كذب على رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)على عهده حتّى قام خطيبا فقال: «أيّها الناس قد كثرت عليّ الكذابة فمن كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النار» ثمّ كذّب عليه من بعده، و إنّما آتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس:
رجل منافق يظهر الإيمان متصنّع بالإسلام لا يتأثّم و لا يتحرّج أن يكذب على رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)متعمّدا، فلو علم الناس أنّه منافق كذّاب لم يقبلوا منه و لم يصدّقوه، و لكنّهم قالوا: هذا قد صحب رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و سمع منه و أخذوا عنه و هم لا يعرفون حاله، إلى أن قال:
و رجل سمع من رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)شيئا لم يحمله على وجهه و وهم فيه، فلو علم المسلمون أنّه و هم لم يقبلوه، و لو علم هو أنّه و هم لرفضه.
و رجل ثالث سمع من رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)شيئا أمر به ثمّ نهى عنه و هو لا يعلم به أو سمعه ينهى ثمّ أمر به و هو لا يعلم، فحفظ منسوخه و لم يحفظ الناسخ، فلو علم أنّه منسوخ لرفضه، و لو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنّه منسوخ لرفضوه.
[1]الأنبياء: 98.
..........
و آخر رابع لم يكذب على رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)مبغض للكذب خوفا من اللّه و تعظيما لرسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، لم ينس بل حفظ ما سمع على وجهه، فجاء به كما سمع لم يزد فيه و لم ينقص منه و علم الناسخ و المنسوخ فعمل بالناسخ و رفض المنسوخ، فإنّ أمر النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)مثل القرآن ناسخ و منسوخ، و خاصّ و عامّ، و محكم و متشابه، قد كان يكون من رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)الكلام له وجهان: كلام عامّ و كلام خاصّ مثل القرآن، و قال اللّه عزّ و جلّ في كتابهمٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا[1]فيشتبه على من لم يعرف و لم يدر ما عنى اللّه به و رسوله(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)» إلى آخره.
فانظر إلى مضامين هذا الحديث الشريف و فقراته و ما أشار إليه من جملة كثيرة من مسائل اصول الفقه كانت معمولة لديهم متداولة عندهم على وجه علم به الإمام فرضي به و لم يردعهم، بل أمر ضمنا بمراعاة جملة اخرى منها كما يظهر بالتأمّل.
و العمل بأوامر الشرع و نواهيه كيف يعقل مع عدم فهم المعنى المراد منهما، و لا يعقل الفهم من غير الإذعان فيهما و لو ظنّا بكونهما للإيجاب و التحريم أو الندب و الكراهة أو لهما معا بطريق الاشتراك لفظا و معنى، و لا الإذعان بأنّ الأمر يفيد المرّة و التكرار و الفور أو التراخي أو طلب الماهيّة، و أنّه إذا وقع عقيب الحظر فحكمه ما ذا؟ و إنّ الأوامر و كذا النواهي الصادرة عن الأئمّة صارتا من المجازات الراجحة المساوي احتمالها لاحتمال الحقيقة كما ذهب إليه بعض الأصحاب أو لا كما عليه المعظم؟
فلو اريد بالعلوم اللغويّة الموجبة لفهم الأوامر و النواهي ما يفيد جميع ذلك و غيره ممّا يرتبط به فهم خطابات الشرع كتابا و سنّة فهو اعتراف بعين المدّعى من قيام الحاجة إلى معرفة المسائل الاصوليّة فيعود النزاع لفظيّا، و نحن لا نقصد من مسائل علم الاصول إلّا الامور المذكورة و نظائرها إن شئتم سمّوها بهذا الاسم أو بغيره، و لو اريد بها ما لا يفيد ذلك كلّا أم بعضا. فدعوى الفهم غير مسموعة، فالحكم على من هذه حاله بوجوب التقليد إنّما هو لانصحار طريقه فيه و عدم تمكّنه من غيره، فكلّ من جهل مسائل علم اصول الفقه كلّا أو بعضا على وجه لا يغنيه ما علمه في التوصّل إلى الاستنباط على الوجه الشرعي و حسبما هو قانونه عند أهل الشرع ليس وظيفته إلّا التقليد، لا لأنّه جاهل بل لأنّ هذا الجهل موجب لعدم تمكّنه من فهم الأدلّة.
[1]الحشر: 59.