بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 266

..........

و لا ريب أنّ عدم التمكّن منه عذر قاطع و برهان ساطع في التقليد، و ليس للملك أن يحكم على ناحية إلّا من يعلم من حاله أنّه يعرف معنى الأمر و النهي باعتبار المادّة، و أنّ ما يبلّغه إليه الثقة بصيغة «افعل» أو «لا تفعل» هل يصدق عليهما الأمر و النهي أم لا؟ و على تقدير عدم الصدق فمفادهما أيّ شيء؟ و أن يعرف «الثقة» مفهوما و مصداقا، و أن يعرف سائر الجهات المتعلّقة بالخطاب الّتي لها دخل في فهمه، فلو حكّم من ليس له هذه المرتبة من المعرفة و لا أنّه متمكّن من تحصيلها و أوجب عليه مع ذلك أن يعمل بأمره و نهيه و مقتضى خطابه الواصل إليه من الثقة فلا ريب أنّه ارتكب فعلا قبيحا، و كان ممّن يرميه العقلاء بسخافة الرأي و دناءة الطبع، ثمّ إذا ترك هذا الرجل القيام بمقاصد الأوامر و النواهي الواصلة إليه معتذرا بعدم تمكّنه عن فهم تلك المقاصد كان معذورا و خارجا عن حدّ التقصير في نظر العقلاء، فلو عاتبه الملك حينئذ أو عاقبه لأطبقوا على تقبيحه و رميه بالسفه.

و القوم الّذين لا يعملون بهذه الاصول لا علم لهم بالأحكام الشرعيّة الفعليّة الّتي يترتّب عليها آثار الإطاعة و الانقياد، و ما يزعمونه علما بمعتقدهم الفاسد ليس في نظر الشرع إلّا جهلا مستقرّا نشأ عن التقصير، فعدم كونهم متحيّرين حقّ غير أنّ عدم التحيّر قد يكون لأجل العلم بالمسألة و لو شرعيّا، و قد يكون لأجل الجهل بها و لو مركّبا، و مجرّد عدم المعرفة بتغيّر العرفين لا يوجب استفادة المطلب من الخطاب ما لم يتصدّ لإعمال الاصول المقرّرة لإحراز المراد الّتي لا تعرف إلّا بمراعاة علم اصول الفقه، و الأحاديث إنّما يكون حجّة لمن يقوم بشرائط الحجّية المحرزة للسند و الدلالة و غيرها ممّا له تعلّق بمقام استفادة الحكم و استنباطه لا مطلقا، و عدم التكليف بأزيد ممّا يفهم إنّما يسلّم لمن نشأ فهمه عن القواعد المقرّرة و الضوابط المحرّرة الباعث مراعاتها على إدراج هذا الفهم في عداد العلوم الشرعيّة و إخراجه عن الجهل و الضلالة.

و ما علم فيه بتغيّر العرف يعلم حاله بسائر الطرق الاجتهاديّة و الاصول القويّة المحكمة الّتي رضي بها اللّه و رسوله(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و اكتفيا بها عن الواقع حيثما اجريت مجاريها، و الحكم عليها بالضعف إنّما ينشأ عن ضعف العقيدة و قصور الهمّة، و لا مجال للكتاب و السنّة و الإجماع الكاشف عن قول أهل العصمة في العرف و ما يتعلّق به، مع أنّ ما علم فيه بتغيّر العرف إن أوجب إشكالا فهو مشترك الورود.

و لا ريب أنّه يهون في نظر من يعتمد على تلك الاصول الضعيفة و يرتفع بطريقته أخذا


صفحه 267

[اشتراط علم المنطق في الاجتهاد]

و أن يعرف شرائط البرهان لامتناع الاستدلال بدونه (1)

بموجبها، و أمّا على طريقة من يزعمها ضعيفة فهو بحاله و لا مدفع له عنه إلّا الالتجاء بها أو بما يقرب منها ممّا دونها أو فوقها، و ليس ذلك في مذاقه إلّا الرجوع إلى الاحتياط، و أيّ شيء قضى بقوّة هذا الأصل و ضعف غيره ممّا يعتمد عليه المجتهدون من الاصول المعهودة لديه الّتي منها الاستصحاب و أصل البراءة و نحوها.

و تفرّق أقوال مسألة و اختلاف أدلّتها لو أوجب عدم الاعتداد بها لخرج المسائل الفقهيّة عن الاعتبار، إذ قلّما يتّفق فيها من مسألة لم يتفرّق فيها الأقوال و لا يختلف فيها الأدلّة.

و من المعلوم أنّ الاعتداد بالمسألة يتبع الإذعان بها من أيّ فنّ كانت و بأيّ سبب حصل حيثما قامت الحجّة على اعتباره أو اعتبار سببه.

(1) أراد بذلك بمقتضى ظاهر العبارة معرفة القواعد المنطقيّة و القوانين الميزانيّة المتعلّقة بصور الأدلّة من الاستثنائيّات و الاقترانيّات المحصورة بالأشكال الأربعة، لامتناع نهوض الدليل دليلا لمن جهلها، و لأنّ عدمها يؤدّي إلى امتناع استحصال سائر الشروط المتقدّمة، فإنّ هذه المعرفة كما أنّها شرط لأصل الاجتهاد فكذلك شرط لغيره من شروطه الّتي هي عبارة عن عدّة علوم و لا سيّما علم اصول الفقه الّذي هو العمدة في الباب لكونه من العلوم النظريّة، و لأجل ذا ربّما أمكن الاستغناء عن اعتبار هذا الشرط بالخصوص بعد اعتبار غيره من المذكورات، نظرا إلى أنّ المراد باستحصالها حسبما تقدّم استحصالها بمبادئها اللازمة الّتي منها مراعاة المنطق، فحصولها يستلزم سبق حصول معرفته، و هو يوجب الغناء عن التصريح بشرطيّته للاجتهاد، لأنّ العبرة في شرائط الوجود بحصولاتها الخارجيّة لا وجوداتها الذهنيّة، و هذا الكلام و إن كان يجري في سائر الشروط أيضا غير أنّها لا بدّ فيها من التصريح بالاعتبار بعثا لطالب صناعة الاجتهاد الغافل عن شرطيّتها على تحصيلها.

و لا يذهب عليك أنّ القدر المكتفى به من هذا الشرط أيضا حصول ما يوصل إلى التمكّن من إقامة الدليل بشرائطه المقرّرة عند أهل الصناعة و لو من غير جهة الكسب، و بغير طريق مراجعة أهل الصناعة و مزاولة كتبها المدوّنة.

و قضيّة ذلك كفاية حصوله على نحو الإجمال من غير حاجة إلى النظر التفصيلي الّذي لا يتأتّى إلّا بالخوض في مسائلها المدوّنة المستدعي لصرف برهة من العمر المفيد لتعرّف تفاصيل اصطلاحاته و استفصال مجملاته الحاصلة للأوساط من الناس حصول الفطريّات،


صفحه 268

[اشتراط الاجتهاد بالقوّة القدسيّة]

إلّا من فاز بقوّة قدسيّة تغنيه عن ذلك (1)

بل لا يزال نتائجه المجملة حاضرة في ذهن كلّ من له عقل و شعور حتّى العوام بل النسوان و الصبيان، خصوصا جملة من الأقيسة كالقياس الاستثنائي و الشكل الأوّل من الاقتراني المدّعى كونه بديهيّ الإنتاج.

ألا ترى أنّه لو قيل: «إذا كان الغراب قد طار من الهواء فقد مات زيد» أو قيل: «كلّ عالم شريف، فزيد شريف، و هو ليس من العلماء» أو قيل: «زيد كاتب، و كلّ كاتب خليفة السلطان، فزيد خليفة السلطان» كانت الملازمة فاسدة ببداهة نظر كلّ من وصله هذا القول و كان من ذوي العقول و الشعور، كيف و امور معاش العقلاء بجميع وجوهها المختلفة و عناوينها المنضبطة لا تكاد تنتظم إلّا باستدلالاتهم المحكمة المندرجة في فطريّاتهم و أظهر جبلّياتهم.

فالخوض في الفنّ بمزاولة مسائله و ممارسة مطالبه ممّا لا يجدي إلّا في تبدّل لباس الإجمال بلباس التفصيل، و تعرّف الاصطلاحات الّتي تعين على أداء المركوز في الذهن بحسب الفطرة الأصليّة على وجه التفصيل، و هذا كما ترى ممّا ليس له كثير مدخليّة في استنتاج المطلب الّذي هو الغرض الأصلي في مقام الاستدلال، فإنّ العجز عن تحرير الدليل و التعبير عن أجزائه و مقدّماته الحاضرة في الذهن على جهة الإجمال بالألقاب المحرّرة في الصناعة- و هو أمر بين الخارج عنها و الداخل فيها- لا يخلّ بالقوّة الراسخة في النفس المقتدر بها على إعماله.

و لا ريب أنّ كلّ من له هذه القوّة فهو محصّل للشرط المذكور و لا حاجة له معها إلى تكلّف مئونة التحصيل توصّلا إلى جهة التفصيل.

نعم حيث إنّ الاجتهاد في هذه الأزمنة و الأعصار صار من الصناعات المبتنية على الجدال الّذي لا يكاد يتأتّى إلّا بالتعرّض للأقوال و القدح في أدلّتها تارة بالنقض و المعارضة و الإصلاح لها اخرى بالتأويل و المعالجة، فالحاجة ربّما تكون ماسّة بالخوض المؤدّي إلى معرفة تفاصيل اصطلاحات هذا الشرط.

(1) و هذا الاستثناء كما ترى لا يرتبط بسابقه إلّا إذا كانت المعرفة المتقدّمة مرادا بها ما يحصل بطريق الكسب، إذ لولاه لكان مفاده: أنّ الفائزين بالقوّة القدسيّة لا حاجة لهم في استدلالاتهم إلى مراعاة قوانين الإنتاج و شروطه و لو إجمالا، بل يفيد أنّهم بقوّتهم القدسيّة بريئون


صفحه 269

و أن يكون له ملكة مستقيمة و قوّة إدراك يقتدر بها على اقتناص الفروع من الاصول و ردّ الجزئيّات إلى قواعدها (1) و الترجيح في موضع التعارض.

إذا عرفت هذا،

عن إقامة البرهان بمعونة شروطها المقرّرة عارون عن استحضارها حتّى على جهة الإجمال.

و قضيّة ذلك كونه من صفات النقص الّتي يجب تنزيه الفائزين بصفات الكمال الّتي منها القوّة القدسيّة و هذا هو معنى فوزهم بها، و في هذه الدعاوي كلّها من الفساد ما لا يكاد يخفى على ذي مسكة، و مثلها في الفساد المعنى الأوّل لو كان هو المراد- كما هو الأظهر- لما قرّرناه سابقا.

فالحقّ أنّ هذا الاستثناء وارد في غير محلّه، لكونه في كلّ من محتمليه على خلاف التحقيق.

(1) المعروف بينهم التعبير عن هذه القوّة بالقوة القدسيّة، و المراد بها على التفسير المذكور و ما يرادفه- على ما يظهر من تضاعيف كلماتهم- قوّة يتمكّن بها من إعمال الاصول الحاضرة و القواعد الكلّية المستحصلة الّتي جملة منها المسائل الاصوليّة و جملة اخرى القواعد المقرّرة في متن الفقه و طيّ مباحثه و ثالثة القواعد المتّخذة من علوم اخر ممّا يعدّ عندهم من الشروط.

و المراد بإعمالها إجراء كلّ في مواضعه اللائقة به حسبما ساعد عليه ظاهر النظر بعد استفراغ الوسع و بذل الجهد الّذي يدخل فيه علاج المعارضات و إن لم يطابق الواقع، و هذا هو السرّ في اختلاف أنظار أساطين الفقهاء(رضوان اللّه عليهم)في تفريعاتهم الفقهيّة و استنباطاتهم الفرعيّة المبتنية على الاصول الكلّية المختلف في أكثرها مع وجود المعارضات في كثير منها لمكان معارضة بعضها بعضا.

و هذه القوّة كما ترى ليست بعين العلوم المتقدّمة المعدودة من الشروط، و لا بعين القوّة الناشئة منها أو الباعثة على التمكّن من إدراك مسائلها، و لا بعين الملكة المأخوذة في مفهوم الاجتهاد باعتبار الملكة، ليلزم منه بناء على أخذها شرطا له بهذا الاعتبار شبهة اتّحاد الشرط مع مشروطه على ما سبق إلى بعض الأوهام، بل هي حالة اخرى ممتازة عن الجميع مأخوذة في الطرف المقابل لها جمع مغايرة للأحوال الثلاث الاول بالذات و الاعتبار و للحالة الرابعة المأخوذة في مفهوم الاجتهاد كذلك أيضا على بعض الوجوه و بالاعتبار فقط على البعض الآخر.


صفحه 270

..........

و توضيحه: أنّ حقيقة الملكة المأخوذة في مفهوم الاجتهاد المشروطة بالامور المتقدّمة الّتي منها القوّة المذكورة عبارة عن الحالة النفسانيّة المعتدلة الّتي يقتدر معها على إقامة الأدلّة الشرعيّة على الأحكام الجزئيّة الفرعيّة، و ظاهر أنّ إقامة الأدلّة تستدعي كبريات محرزة أو مقدّمات اخر مرتبطة بالكبريات هي قضايا كلّيّة تستحصل جملة منها من علم اصول الفقه و اخرى من علوم اخر و ثالثة من الأدلّة التفصيليّة كتابا و سنّة و غيرها، و صغريات أو مقدّمات مرتبطة بالصغريات هي قضايا محقّقة أو فرضيّة تدرك بالوجدان تحرز على وجه ينطبق موضوعاتها على موضوعات الكبريات المذكورة تعدية لما فيها من الأحكام المثبتة بأدلّتها إليها، و هذا هو معنى التفريع المأمور به في الأخبار بقولهم: «علينا أنّ نلقي إليكم الاصول و عليكم أن تفرّعوا» و يرادفه ما ورد في تفسير القوّة المبحوث عنها من قولهم: «ردّ الفروع إلى اصولها و إرجاع الجزئيّات إلى كلّيّاتها» نظرا إلى أنّ هذه المفاهيم ليس لها معنى محصّل إلّا تطبيق موضوع المسألة الفرعيّة على موضوع الأصل و القاعدة الكلّيين، ثمّ إجراء حكم موضوعيهما الكلّيين على موضوعها الّذي هو على فرض الانطباق من جزئيّات هذين الموضوعين.

و لا ريب أنّ إحراز الكبريات لا بدّ له من منشأ لا يكون إلّا حالة نفسانيّة هي إمّا نفس العلوم المشار إليها أو الحالة الناشئة منها، أو الباعثة على تمكّن إدراكاتها، كما أنّ إحراز الصغريات على الوجه المذكور لا بدّ له من منشأ لا يكون إلّا حالة نفسانيّة تغاير الحالة الاولى، و لا تلازم بينهما أيضا باعتبار الخارج، لبداهة التخلّف من الطرفين كما يدرك بالوجدان و صرّح به غير واحد من الأعيان، فقد يبلغ الإنسان في العلوم المشار إليها حظّا وافرا و لا حظّ له في التفريع المذكور لقصور باعه و ضعف فطنته كما هو المشاهد، و قد يتسلّط بفطانته و انسه بمذاق الفقهاء لمخالطته لهم و مزاولته متون كتبهم على التفريع و إدراج كلّ فرع في أصله المقرّر لدى أرباب الصناعة. و لا يتمكّن من تحقيق ذلك الأصل بنفسه، لعدم خبرته بالعلوم المشار إليها أو عدم استكماله لها، فإذا جمع الوظيفتين استكمل الحالتين و يحصّل له باجتماعهما حالة ثالثة هي الهيئة الاجتماعيّة أو الهيئة البسيطة المنتزعة عنها أو المتولّدة منها على وجه الحقيقة، و الحالة المعبّر عنها بالقوّة القدسيّة يغايرها على جميع الوجوه، غير أنّها على الوجه الآخر مغايرة لها ذاتا و اعتبارا و على الوجهين الأوّلين مغايرة اعتبارا، و الفرق بينهما أنّها على أوّلهما حالة مركبّة من الحالتين، فإن اخذت بوصف الاجتماع


صفحه 271

..........

كانت غيرهما بالاعتبار و إن اخذت لا بهذا الوصف كانت عينهما بالذات، فهي متّحدة معهما ذاتا مغايرة لهما اعتبارا.

و على ثانيهما حالة بسيطة اعتباريّة، لكون ثبوتها منوطا بالانتزاع الّذي ليس إلّا اعتبار المعتبر.

و لا ريب أنّ القوّة القدسيّة يصحّ على جميع التقادير عدّها شرطا بالإضافة إليها و إن كان في إطلاق الشرط عليها على أوّل التقادير نوع مسامحة يظهر وجهها للبصير بمصطلح القوم، و هذا هو الدافع لما أشرنا إليه من شبهة اتّحاد الشرط و المشروط بناء على أخذ القوّة المذكورة شرطا للاجتهاد بمعنى الملكة، فإنّ الملكة المقتدر بها على إقامة الدليل غير الملكة المقتدر بها على إقامة جزء الدليل كما عرفت، فلا مانع من جعل الاولى مشروطة بالثانية.

و الحاصل: ملكة الاجتهاد عبارة عن الحالة النفسانيّة الّتي يتمكّن بها على استنباط الأحكام الشرعيّة عن الأدلّة بطريق الاستدلال المشتمل على صغرى و كبرى، و ما يرتبط بهما من المقدّمات القريبة أو البعيدة الّتي لها مدخليّة في إنتاجهما، و هذه الحالة موقوفة في حصولها الخارجي على قوّة يتمكّن بها من التفريع، و حاصل معنى التفريع جعل الصغرى مرتبطة بالكبرى.

و بعبارة اخرى: قوّة بها يدرك اندراج الأصغر في الأوسط، مثلا قولنا: «كلّ متغيّر حادث» و قولنا: «كلّ مستغن من المؤثّر قديم» أصلان كلّيان و إثبات الحدوث أو القدم للعالم يتوقّف على قوّة بها يدرك كون العالم من جزئيّات المتغيّر، أو المستغني عن المؤثّر، و هذه هي قوّة التفريع المعبّر عنها بالقوّة القدسيّة.

و إليه يرجع ما أفاده بعض الفضلاء في هذا المقام من: «أنّ المذكور في الشرط قوّة ردّ الفروع إلى الاصول، و مرجعه إلى التمكّن من معرفة اندراج كلّ فرع تحت أصله، و ظاهر أنّ هذا المقدار من القوّة لا يستلزم التمكّن من معرفة حكم الفرع كما هو معنى الاجتهاد بالقوّة فضلا عن اتّحادها معه، فإن لم يتحقّق مباحث الاصول ربّما يحصل له بمزاولة الفقه ملكة يتمكّن بها من معرفة اندراج كلّ فرع تحت أصله، و لكن لا يتمكّن من معرفة حكم الفروع لعدم تمكّنه من تحقيق حكم الأصل».

و في معناه ما قرّر أيضا بعض الأعلام من: «أنّ الملكة الّتي هي نفس الاجتهاد هي الملكة الخاصّة المترتّبة على مجموع شرائط الفقه الّتي من جملتها الملكة العامّة، أعني


صفحه 272

..........

تمكّن ردّ مطلق الجزئيّات إلى الكلّيات و الفروع إلى الاصول، لا بردّ جزئيّات الفقه إلى كلّياته».

و لكنّك خبير بأنّه أظهر في بعض الوجوه المتقدّمة، كما أنّك بصير بأنّ ذيل كلامه غير خال عن حزازة، فإنّ التعميم المذكور المتعقّب للتصريح بنفي الخصوصيّة غير واضح الوجه.

إلّا أن يقال: إنّه لتوهّم التلازم بين صناعة الفقه و سائر الصناعات في قوّة التفريع، فإنّها حيثما حصلت لا تختصّ بصناعة دون اخرى، فليتدبّر.

و ربّما يفسّر هذا الشرط بسرعة الانتقال كما في بعض شروح التهذيب عند قول العلّامة: «و ثامنها: أن يكون له قوّة استنباط الأحكام الفرعيّة عن المسائل الاصوليّة» فقيل في شرحه: «هذا قريب من التمكّن الّذي مضى ذكره، و يمكن أن يراد بقوّة الاستنباط سرعة الانتقال، و يسمّيه بعض الفقهاء بالقوّة القدسيّة كما في الدروس، و يحمل ذلك على أن لا يكون متناهيا في البلادة و هو أن يكون بحيث إذا راعى أجزاء القياس و شرائطها يغلط في الانتقال، فهذا لا يكون مجتهدا، إذ من حصّل الأسباب كلّها فهو متهيّئ باعتبار الأسباب، لكن بعد ترتيب القياس يغلّط، فهذه مرتبة اخرى بعد المرتبة الاولى على ما يفهم من كتاب الإشارات» انتهى. و ضعفه واضح ممّا مرّ، فإنّ التمكّن من إقامة الدليل على وجه اشتمل على صغرى و كبرى لا يتأتّى إلّا بوجود ما يحرز به الصغرى من الهيئات النفسانيّة، و قوّة الاستنباط هاهنا مرادا بها القوّة الباعثة على التمكّن من إحراز الصغرى لتعدية الأحكام الاصوليّة بالمعنى الأعمّ من القواعد الكلّية المقرّرة في نفس الفقه إليها.

و لا ريب في مغايرته لما مرّ، مع أنّ سرعة الانتقال بمعنى عدم التناهي في البلادة ممّا لا مدخل له في حقيقة هذه القوّة، بل هي كجودة الذهن و غيرها كمال آخر من كمالات النفس.

و ما بيّنّاه في الفرق بين هذا الشرط و مشروطه- و هو الاجتهاد بالمعنى الملكي- لا ينافي ما قرّرناه في تعريف الفقه من أنّ مقام الاجتهاد ما يحرز فيه صغرى لينضمّ إليها كبرى مستحصلة من أدلّة حجّية اعتقاد المجتهد و مجتهداته و كونها أحكاما فعليّة، لأنّ ما يقع صغرى لهذا القياس هو النتيجة المستحصلة في مقام الاجتهاد المبتنية على الملكة المشترطة بامور منها: القوّة المفسّرة بالقوّة القدسيّة حسبما تقدّم.

ثمّ يبقى الكلام في امور ينبغي التعرّض لها:

أحدها: مقتضى التأمّل الصادق- كما تنبّه عليه بعض الفضلاء- كون أصل هذه القوّة


صفحه 273

..........

من حيث إنّها عرض قائم بالنفس أمرا كسبيّا منوطا عروضها بالأسباب الخارجيّة الّتي عمدتها التدبّر التامّ في جميع أطراف المسألة و وجوهها ليتميّز به ما به اندراجها تحت أصل من الاصول عن الخصوصيّات المكتنفة بها، و لملاحظة النظائر و الأضداد تمييزا لما به مضادّة الأضداد عمّا به اندراج النظائر المندرجة تحت الأصل المشكوك في اندراج المسألة تحته ليعلم اندراجها فيه و عدم اندراجها دخل عظيم في حصولها، و ليس ذلك من باب القياس في شيء، لوضوح الفرق بين الانتقال إلى حكم شيء لاندراجه تحت أصل كلّي بملاحظة ما به اندراج النظائر المندرجة فيه، و بين الانتقال إلى حكم شيء أصله مشتركة بينه و بين غيره المعبّر عنه بالأصل.

و ممّا له دخل في حصولها أيضا ملاحظة تفريعات أهل الصناعة و مزاولة تنظيراتهم و استنباطاتهم الجزئيّة، و لمجادلة أربابها و مباحثتهم أيضا دخل فيه و في ازدياده.

فما يستفاد من بعض الأعلام من كون هذه القوّة أمرا غريزيّا موهبيّا يختصّ ببعض النفوس دون بعض و لا يحصل أصلها بالكسب بل له مدخليّة في زيادتها و تقويتها، ليس بسديد.

نعم قابليّة المحلّ من حيث استعداده و تهيّئه لقبولها أمر موهبي لا بدّ و أن يكون من المبدأ الفيّاض و لا مدخل للكسب فيه، و مرجعها إلى الفطانة و الذكاوة و جودة الذهن و استقامة الطبع، و لعلّه(قدّس سرّه)اختلط عليه الأمر فاشتبه القوّة الحالّة في المحلّ بقابليّة ذلك المحلّ مع وضوح الفرق بينهما، فإنّ القابليّة بالمعنى المذكور من أسباب هذه القوّة و مقتضياتها. ثمّ إنّه كما أنّ لها أسبابا و مقتضيات فكذلك لها منافيات لا بدّ في تحقّقها من انتفائها:

منها: اعوجاج السليقة، فإنّه من معايب النفس الباعثة على عدم استقامة الطبع الّذي يستكشف عنه بمراجعة الغالب و المعتدلين و مشاهير الفقهاء و المجتهدين.

و منها: الجربزة الباعثة على عدم وقوف الذهن على شيء المعلوم انتفاؤها، بأن يكون له ثبات فيما يرجّحه.

و منها: البلادة الباعثة على عدم التفطّن بالدقائق المعتنى بها في مقام الاستنباط.

و قد يذكر هنا امور اخر منها: أن لا يكون جريّا في الفتوى غاية الجرأة، و لا مفرطا في الاحتياط، فإنّ الأوّل ممّا يهدم المذهب و الدين، و الثاني ممّا لا يهتدي إلى سواء الطريق من