بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 274

..........

حيث أدائه إلى عدم قضاء حوائج المسلمين بل ربّما يشوّه الدين و يشوّش الشرع المبين.

و منها: أن لا يكثر في التوجيه و التأويل، فإنّه ربّما يفضي إلى الأخذ بأبعد الاحتمالات مكان الظواهر لمكان الانس بذلك، فإنّ للانس بكلّ طريقة أثرا بيّنا في إذلال الذهن و إضلال الفكر عن الصراط السويّ.

و منها: أن لا يكون بحّاثا يحبّ البحث و لا جدليّا يحبّ الجدال، فإنّ ذلك مرض قد يكون طبيعيّا كالعقرب المجبولة على حبّ اللسع، و قد يكون لغرض فاسد من حبّ الرئاسة و الشهرة و طلب إظهار الكمال و الفضيلة.

و الإنصاف أنّ هذه الامور ليست من شروط القوّة المبحوث عنها و لا من الامور الراجعة إلى قابليّة المحلّ.

نعم كثير منها من شروط الاعتبار و الوثوق و الاطمئنان.

نعم الإفراط في الاحتياط ربّما يكون لضعف قوّة الترجيح و قصور ملكة الاستنباط، و بعضها من آداب الورع و التقوى و لوازم الخلوص و حسن النيّة كالأخير.

و ثانيها: أنّ من القاصرين من أنكر اعتبار هذه القوّة أو مطلق الملكة في الاجتهاد لشبهات عرضت له.

منها: أنّه ينافي القول بوجوب الاجتهاد عينا أو كفاية على القولين، لأنّا نعلم بالعيان أنّ كثيرا من الناس ليس له تلك الملكة، و إن خصّصنا بذوي الملكات فهو أيضا باطل، لأنّه قبل الاجتهاد و مزاولة الفقه لا يظهر له أنّه ذو ملكة أم لا؟ فمع عدم العلم بالشرط كيف يجب عليه، مع أنّ كثيرا من المشتغلين يظهر له بعد السعي و بذل الجهد أنّه فاقد لها فكيف حكم الحكيم بوجوبه عليه مع فقدان الشرط، و قد مرّ أنّه لا يجوز التكليف مع علم الآمر بانتفاء الشرط.

و يزيّفه: أنّه إن أراد به أنّ إطلاقهم في اختيار أحد القولين حيث صار إلى كلّ فريق من دون تعرّض لذكر هذا الشرط ممّا ينفي اعتباره فيفسد معه القول بشرطيّته.

ففيه أوّلا- بعد عدم مساعدة ظاهر العبارة عليه-: أنّ الإطلاق على فرض قيامه متساوي النسبة إلى هذا الشرط و سائر الشروط المتقدّمة الّتي لا كلام لأحد بل لا خلاف يعتدّ به في اعتبار أكثرها، حيث إنّ الفريقين لم يتعرّضا في هذا المقام لذكر شيء منها، فيلزم التوصّل به إلى نفي الشرطيّة فيها بأسرها و هو كما ترى، و المدفع واحد و الفرق تحكّم.


صفحه 275

..........

و ثانيا: بطلان توهّم الإطلاق في هذا المقام، حيث إنّ الغرض الأصلي عند اختيار القولين و نظائرهما في سائر الموارد إنّما هو بيان أصل الحكم لموضوع محرز بالفرض أو معيّن بحسب الواقع من دون نظر إلى تفاصيل ما يعتبر في ذلك الموضوع و ما لا يعتبر، فالقضيّة حينئذ بالقياس إلى موضوعها مأخوذة على وجه الإهمال و الإجمال لا على سبيل الإطلاق و البيان، فلا ينافيها التعرّض للبيان في غير مقام بيان أصل الحكم كما في سائر القضايا بالقياس إلى موضوعاتها الّتي تبيّن في غير مقام البحث عن أحكامها متقدّما أو متأخّرا.

و ثالثا: أنّا في صدد تحقيق المسألة حسبما يقتضيه النظر و يساعد عليه القاعدة، فلا جرم نختار أحد القولين و لا نطلقه بل نخصّصه بواجدي الشروط الّتي منها هذه الملكة الخاصّة أو مطلق الملكة، فإن اخترنا القول بفرض الكفاية فلازمه سقوط الفرض بقيام من قام به الكفاية عن الآخرين ظاهرا و واقعا لو كانوا واجدين للشروط واقعا، أو ظاهرا فقط لو كانوا فاقدين لها واقعا، فلا محذور.

و إن اخترنا القول بفرض العين فلازمه وجوب الإقدام على كلّ مكلّف احتمل في حقّه حصول الشروط تحصيلا لمقدّمات وجود الواجب المطلق على حدّ سائر الواجبات المطلقة بالقياس إلى مقدّماتها الوجوديّة، نظرا إلى أنّ شروط الاجتهاد كلّها حسبما تقدّم مقدّمات وجوديّة صرفة.

و لا يقدح فيه قيام احتمال عدم اتّفاق حصولها كلّا أم بعضا بطروّ العذر، أو تبيّن مصادفة عدم التمكّن أخذا بظاهر الحال و غلبة السلامة المستتبعة لاتّفاق حصول المقدّمات، كما هو الحال في طيّ مسافة الحجّ المحكوم بوجوبه ظاهرا على المستطيع شرعا في العام الأوّل من الاستطاعة مع اطّراد قيام احتمال عدم اتّفاق الوصول لعذر طار.

غاية ما هنالك أنّه إذا تبيّن في الأثناء تعذّر الحصول و عدم التمكّن من الوصول انكشف عدم شمول الخطاب من أوّل الأمر قضيّة لعدم جواز الأمر مع علم الآمر بانتفاء الشرط، فيكون حال هذا المكلّف كغيره من الغير المتمكّنين من بدو الأمر، فيحكم عليه حينئذ بحكمه المقرّر عند أهل هذا القول.

و إن أراد به أنّ مصيرهم إلى اختيار أحد القولين مع انضمام علمهم العياني بأنّ كثيرا من الناس ليس لهم تلك الملكة يقوم مقام التصريح بعدم اعتبارها في الاجتهاد أصلا.


صفحه 276

..........

ففيه: منع صراحة القول و لا ظهوره في النفي فلا منافاة بين المقامين، و لو سلّم الدلالة على النفي بأحد الوجهين فهي بعد نهوض القاطع بشرطيّة الملكة دلالة فاسدة قصدت على خلاف التحقيق فلا يعبأ بها، مع عدم ابتناء المسألة على تقليد الغير من أصحاب القولين فلا ضير في المصير إلى مخالفتهم إذا ساعد عليه النظر المؤدّي إلى الشرطيّة و المفروض عدم انعقاد الإجماع على نفي الشرطيّة لمصير أساطين أهل الصناعة إلى الشرطيّة كما يظهر للمتتبّع.

و منها: أنّ اشتراط الملكة يستلزم عدم العلم بوجود المجتهد، لأنّها أمر خفيّ مع أنّه غير منضبط لاختلاف الطبائع فيها غاية الاختلاف، فلا يظهر ما هو المعتبر منها للعوامّ و معه لا يمكن الامتثال غالبا فيقبح التكليف.

و فيه: أنّ صاحب الملكة من كلّ شأن و صناعة يعرفه أهل الخبرة من هذا الشأن و تلك الصناعة بالطرق المقرّرة عندهم، بل معرفة وجودها في نظرهم أسهل شيء في مظانّه، و ليس هذه المعرفة من وظيفة العامي بل وظيفته الرجوع إلى العدول من أهل الخبرة، و لا يعتبر في أهل الخبرة وجود الملكة كما لا يخفى.

و منها: أنّهم(عليهم السلام)قرّروا لنا قواعد يستنبط منها بعض المسائل و لا حاجة لنا فيها إلى تلك الملكة.

نعم قد وضع الاصوليّون قواعد مبتنية على أدلّة مدخولة و مباني ضعيفة- مثل: أنّ مقدّمة الواجب واجبة، و الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه الخاصّ، و إنّ الأمر و النهي لا يجتمعان، و إنّ استصحاب الحال حجّة- يحتاج استنباط المسائل منها إلى تلك الملكة، و هذه قواعد واهية لا يحتاج إليها فلا يجوز التمسّك بها.

و فيه: أنّ بداهة الوجدان و ضرورة العيان تقضي بأنّ فهم أصل تلك القواعد المقرّرة من أدلّتها المتعارفة يستدعي ملكة، و إجراء تلك القواعد كلّ في موضعها اللائق بها ملكة اخرى لا يكفي عنها الملكة الاولى، و دعوى عدم الحاجة إليها مكابرة للوجدان و مدافعة لمقتضى العيان، و أمّا ما في آخر العبارة في القدح في المسائل الاصوليّة فقد أشبعنا الكلام في إفساده بما لا مزيد عليه.

و منها: أنّ هذه الأحاديث و الأخبار كان يعمل بها في عصر الأئمّة كلّ من سمعها عالما كان أو عاميّا، و تقريرهم(عليهم السلام)إيّاهم يدلّ على أنّ كلّ من فقهاء يجوز أن يعمل بها من دون


صفحه 277

..........

توقّف على شرط آخر من المسائل[1]و غيرها.

و فيه: أنّ مآل هذا الكلام إلى إنكار شرائط الاجتهاد كلّها، فيفسده كلّما تقدّم في إثباتها، هذا مع بطلان مقايسة حالنا على حال العاملين بالأخبار و الأحاديث من أهل عصر الأئمّة(عليهم السلام)مع ما في التقرير المدّعى من الإجمال المانع من الاتّكال من جهات عديدة باعتبار العامل و المعمول به و وجه العمل و كيفيّته ما لا يخفى على المتأمّل.

فالعموم المدّعى عليه التقرير غير مسموع، بل ثبوت أصل التقرير غير مسلّم، و قد تقدّم في الأخبار الدالّة على وجود الأحاديث الكاذبة فيما بين أحاديث أهل العصمة ما هو صريح في المنع من عموم العمل بكلّ حديث، و الردع عن إطلاق الأخذ بالأحاديث المسموعة، مع أنّ الأمر بالتفريع الوارد في الأخبار المستفيضة لا يتناول كلّ من سمع الحديث و لا كلّ عامل بالخبر و لو عاميّا.

فاختصاص هذا الأمر بغير العامي ينهض دليلا على اعتبار الشرائط كلّها حتّى الملكة المبحوث عنها، ضرورة أنّ التفريع المأمور به لا يتمّ بدونها.

فالاستدلال على نفي اعتبارها بما ذكر و غيره من الوجوه السخيفة يشبه بكونه اجتهادا في مقابلة النصّ.

و بذلك يبطل ما قيل أيضا: من أنّ عموم تكليف المكلّفين بالعمل بالأخبار يدلّ على أنّ العمل بالأفراد الخفيّة و اللوازم الغير البيّنة الّتي لا يهتدي إليها إلّا الأكثرون و لا يعرف فرديّتها و لزومها إلّا بالنظر و الاستدلال غير لازم، و إلّا لزم التكليف بما لا يطاق بالنسبة إلى غير المتمكّنين، فإنّ ما ادّعي من عموم التكليف بالعمل بالأخبار في محلّ منع لجهات عديدة: فتارة باعتبار العامل، و اخرى باعتبار المعمول به، و ثالثة باعتبار جهة العمل، مع أنّ التكليف العامّ على فرض وجوده حسبما ادّعي ليس إلّا من باب الخطابات المعلّقة على شرائط التكليف عقليّة و غيرها فيختصّ كمّا و كيفا وجهة بواجديها.

و بالتأمّل في جميع ما ذكر في دفع جميع الوجوه المذكورة يظهر ضعف ما قيل أيضا:

من أنّهم كانوا يعملون بالأخبار بدون الفحص عن المعارض و حصول الملكة المحتاج إليها في علاج التعارض.

[1]كذا في الأصل، و الأنسب بسياق العبارة هكذا: «من الملكة» الخ.


صفحه 278

[اشتراط الاجتهاد بمعرفة علم الكلام]

فاعلم: أنّ جمعا من الأصحاب و غيرهم عدّوا في الشرائط: معرفة ما يتوقّف عليه العلم بالشارع من حدوث العالم و افتقاره إلى صانع موصوف بما يجب، منزّه عمّا يمتنع، باعث الأنبياء، مصدّق إيّاهم بالمعجزات، كلّ ذلك بالدليل الإجمالي، و إن لم يقدر على التحقيق و التفصيل (1) ما هو دأب المتبحّرين في علم الكلام.

و ناقشهم في ذلك بعض المحقّقين: بأنّ هذا من لوازم الاجتهاد و توابعه، لا من مقدّماته و شرائطه. و هو حسن، مع أنّ ذلك لا يختصّ بالمجتهد، إذ هو من شروط الإيمان (2)

(1) هذا البيان ملخّص ما أرادوه من قولهم بشرطيّة معرفة الكلام، كما عن النهاية و التحرير، و التهذيب، و الذكرى، و الدروس، و التنقيح، و الروضة، و الفوائد الحائريّة، و رسالة الاجتهاد و الأخبار، و الوافية.

و وجه الاشتراط- على ما يستفاد من كلام جماعة-: أنّ معرفة الأحكام الشرعيّة يتوقّف على الاعتقاد بوجودها، المتوقّف على معرفة الشارع و صفاته من كونه قادرا عالما مرسلا للرسل، و معرفة النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و صدقه و عصمته، فإنّ معرفة الوجوب بدون الموجب بل معرفة الحكم الشرعي بدون معرفة الشارع بالمعنى الشامل للنبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)محال.

و أمّا ما في كلام جماعة- منهم بعض الأعلام- من التعليل بأنّ المجتهد يبحث عن كيفيّة التكليف و هو مسبوق بالبحث في معرفة نفس التكليف و المكلّف، فلعلّه مسامحة في التعبير و وارد على خلاف التحقيق، فإنّ المطلوب في مقام الاجتهاد ما هو موضوع التكليف، لا نفس التكليف و إلّا لزم أن لا يكون العلم من شروط التكليف لئلّا يلزم الدور، كما يعلم وجهه بالتأمّل و سبق بيانه في غير موضع من كلماتنا.

(2) و في الروضة: «أنّه صرّح جماعة من المحقّقين بأنّ الكلام ليس شرطا في التفقّه، فإنّ ما يتوقّف عليه منه مشترك بين سائر المكلّفين» إلى آخره.

و قد تحمل هذه العبارة على نفي الشرطيّة رأسا كما هو مفاد ما حكاه المصنّف، و لكنّه ليس كما حمل كما يشهد به التأمّل في مساقها، فإنّ النفي عند التحقيق راجع إلى ما زاد على المعارف الخمس من المطالب الكلاميّة الّتي منها مباحث الجواهر و الأعراض كما


صفحه 279

..........

فهمه الشهيد الثاني(رحمه اللّه)، فلم يثبت قول بنفي الشرطيّة إلّا محكيّ المصنّف الّذي استحسنه.

و من الأعلام من وافقه على أصل المطلب و إن خالفه في وجهه، حيث قال: «و التحقيق أنّ العلم بالمعارف الخمسة و اليقين بها لا دخل له في حقيقة الفقه.

نعم هو شرط لجواز العمل بفقهه و تقليده، فإذا فرض أنّ كافرا عالما استفرغ وسعه في الأدلّة على ما هي عليه و استقرّ رأيه على شيء على فرض صحّة هذا الدين، ثمّ آمن و تاب و قطع بأنّه لم يقصّر في استفراغ وسعه شيئا فيجوز العمل بما فهمه.

و لا ريب أنّ محض التوبة و الإعادة لا يجعل ما فهمه فقها، بل كان ما فهمه فقها و كان استفراغ وسعه على فرض صحّة المباني» إلى آخره.

و فيه من الضعف ما لا يخفى، فإنّ الفقاهة بعد تحقّق الاجتهاد و أدائه إلى نبذة من الاعتقاد عنوان لا يتأتّى إلّا بانضمام كبرى كلّية قطعيّة إلى صغرى يحرزها مقام الاجتهاد، و ظاهر أنّ الكافر ما دام كافرا فاقد لتلك الكلّية و معه يستحيل صدق «الفقيه» عليه و «الفقه» على علمه.

و تحقيق المقام: أنّ هذا الخلاف راجع إلى أمر لفظي، إذ لو فسّر الاجتهاد باستفراغ الوسع في تحصل الظنّ بمؤدّيات الأدلّة المتعارفة في الجملة على فرض قصر النظر عمّا بين الأدلّة المتعارفة على الكتاب و السنّة من حيث إنّهما من الأدلّة اللفظيّة المبنيّة على الدلالات العرفيّة، اتّجه القول بعدم الشرطيّة، فإنّ الاستدلال بالأدلّة اللفظيّة بعد الإحاطة بالشروط المحرزة للدلالة و معالجة المعارضات منوط بملاحظة مداليلها الثابتة لها بمقتضى أوضاعها اللغويّة أو العرفيّة و ظهوراتها الأوّلية أو الثانويّة من غير مدخل لخصوص متكلّم دون آخر فيه.

و لا ريب أنّ الألفاظ- كتابيّة و غيرها- إذا اخذت بهذا الاعتبار و لا بشرط ملاحظة قائلها الخاصّ أفادت للناظر فيها مداليلها- باعتبار أنّها صالحة لأن تكون مرادة لقائليها- إفادة ظنّية بل جزميّة في بعض الأحيان، و إن كان الناظر كافرا بل منكرا للصانع و الشرائع أو خصوص هذا الشرع.

و توهّم أنّ الدلالة المثبتة للحكم في الألفاظ عبارة عن فهم المطلب على أنّه مراد للافظها، و هذه في ألفاظ الكتاب و السنّة لا تحرز إلّا بعد إحراز صدورها من الشارع بالمعنى الأعمّ من اللّه سبحانه و النبيّ و الوصيّ، و لا يحرز ذلك إلّا بعد إثبات الشارع و الشرع.

يدفعه: أنّ حصول الدلالة بهذا المعنى إنّما يقتضي وجود لافظ لتلك الألفاظ، و الكافر يعتقد لا محالة أنّ لها لافظا فيفهم مداليلها على أنّها مرادات لذلك اللافظ، و أمّا أنّه هو الشارع أو النبيّ أو الوصيّ أو غيرهما فممّا لا مدخليّة له في حصول هذه الدلالة، بل هو


صفحه 280

..........

أمر يرجع إلى مقام الحجّية و الاعتبار.

نعم لا يبعد القول بأنّه يستحيل للكافر استفادة المطلب من الأدلّة اللبّية كالإجماع و العقل و غيرهما، لابتناء دلالة الأوّل على الكشف و هو مع إنكار المنكشف محال و العقل لا يدرك ما ينكر ثبوته، بخلاف الأدلّة اللفظيّة بالقياس إلى مداليلها الّتي لا مدخل لآحاد اللافظين و خصوصيّاتهم في إفاداتها، و لا لكون الشارع و من بحكمه لافظها.

هذا مع إمكان منع استحالة الاستفادة في الإجماع و العقل أيضا بتقريب: أنّ الإجماع يكشف عن رأي الرئيس و لو مع إنكار شارعيّته أو عدم الإذعان بكونه معصوما بسبب إنكار النبيّ و الوصيّ، و العقل يدرك حسن الأشياء و قبحها الملزومين للمحبوبيّة و المبغوضيّة لكلّ عاقل حتّى رئيس الأئمّة[1]و هذا يجامع مع إنكار كونه شارعا.

هذا و لكنّ الإنصاف: أنّ القول بكون المعارف الحقّة من شروط تحقّق الاجتهاد لا حكمه فقط قويّ، و ذلك لأنّ اصطلاحهم في الاجتهاد لمّا انعقد بجعل استفراغ الوسع- المأخوذ في مفهومه- مقيّدا بالظنّ بالحكم الشرعي، فهو يتوقّف لا محالة على الشرط المذكور باعتبار قيده و لو في الأدلّة اللفظيّة، فإنّ مفاد القيد بعد اعتبار التقييد إنّما هو الظنّ بالشيء على أنّه حكم شرعي.

و لا ريب أنّ الظنّ بمؤدّيات الأدلّة- و لو لفظيّة- على أنّها أحكام شرعيّة لا يتأتّى ممّن لا يعتقد وجود الصانع أو ينكر ثبوت الشرائع أو ينفي خصوص هذا الشرع.

فالقول بالشرطيّة حينئذ متّجه و قائله مستظهر و منكرها مكابر، و كونه من شروط الإيمان المتساوي فيه العالم و الجاهل لا ينافي كونه من شروط الاجتهاد أيضا إذا كان المنظور من أخذه شرطا نفي تحقّقه عمّن فقده، فالفاقد له كما أنّه ليس بمؤمن كذلك ليس بمجتهد اصطلاحا، على معنى تعذّر صدقه عليه و إن جامع الشروط الاخر، فالتشريك فيه بين العالم و العامي بجعله من شروط الإيمان ممّا لا تعلّق له بهذا المطلب.

لكن لا يذهب عليك أنّ اللازم من البيان المذكور كونه شرطا للاجتهاد الفعلي لا الملكي كما هو واضح.

و إن أخذناه مع ذلك من شروط التفقّه كان الأمر فيه أوضح على ما أشرنا إليه في صدر الباب، و كما أنّه بهذا الاعتبار من مبادئ الفقه و الاجتهاد فكذلك يكون من مبادئ علم اصول الفقه أيضا كما صرّح به جماعة، معلّلين بأنّ هذا العلم باحث عن طرق الأحكام

[1]كذا في الأصل و الصواب: «رئيس الامّة» كما يقتضيه السياق.


صفحه 281

..........

الشرعيّة و أدلّتها و كونها مفيدة لها شرعا و ذلك يتوقّف على معرفة اللّه تعالى، فإنّ معرفة الحكم الشرعي بدون معرفة الشارع محال.

و لا يذهب عليك أنّ تحصيل هذا الشرط على وجه يترتّب عليه الغرض المطلوب منه بالقياس إلى الامور المذكورة لا يستدعي لزوم مراجعة الكتب الكلاميّة، و لا الخوض في علم الكلام و التبحّر فيه، و استقصاء مسائله بالقراءة و المذاكرة و المناظرة لأهلها على وجه يصير متكلّما كما نصّ عليه غير واحد، فإنّ الّذي يتقوّم به الشرطيّة من مسائله على قسمين:

أحدهما: المعارف الخمس و ما يتعلّق بها، بل بعض المعارف لا كلّها كما لا يخفى، و هذا القسم ما يكفي فيه الإجمال الّذي يتيسّر حصوله لعامّة المكلّفين من غير حاجة إلى الخوض في الفنّ و مزاولة كتبه بالقراءة و غيرها، و لذا كان هذا ما يشترك فيه العالم و العامي، و هذا هو معنى ما في كلام غير واحد من أنّ كلّ ذلك بالدليل الإجمالي و إن لم يقدر على التحقيق و التفصيل.

و ثانيهما: المسائل المتفرّقة المعبّر عنها عند الاصوليّين بالمبادئ الأحكاميّة، كوجوب شكر المنعم، و التحسين و التقبيح العقليّين، و قبح التكليف بما لا يطاق، و امتناع اجتماع الأمر و النهي، و عدم جواز الأمر مع علم الآمر بانتفاء الشرط، و جواز التعليق من العالم بالعواقب و عدمه، و كون الامتناع بالاختيار منافيا للاختيار، و قبح الخطاب بما له ظاهر و إرادة خلافه بلا بيان عند الحاجة إليه، إلى غير ذلك ممّا لا يخفى على الخبير البصير.

و هذا القسم ما يكفي فيه تعرّض الاصوليّين له و البحث عنه بجميع خصوصيّاته في الكتب الاصوليّة على وجه أبسط و نمط أوفى و معه يرتفع الحاجة إلى مراجعة فنّ آخر، مع عدم ورود عنوان أكثر المذكورات في غير الكتب الاصوليّة.

و على ما ذكرنا يمكن حمل كلام المنكر لشرطيّة علم الكلام، و عليه فلا مشاحّة و يعود النزاع لفظيّا.

و لا يذهب عليك أيضا أنّ في إطلاق القول بشرطيّة المعارف الخمس نوع مسامحة إذ الموقوف عليه منها للاجتهاد بعضها كما أشرنا إليه أيضا، و هذا البعض هو الّذي فصّلته العبارة المحكيّة عن العدّة قائلة: «و ذلك نحو العلم باللّه تعالى و صفاته و توحيده و عدله.

و إنّما قلنا ذلك لأنّه متى لم يكن عالما باللّه لم يمكن أن يعرف النبوّة، لأنّه لا يأمن أن يكون الّذي يدّعي النبوّة كاذبا، و متّى عرفه و لم يعرف صفاته و ما يجوز عليه و ما لا يجوز