[اشتراط الاجتهاد بمعرفة علم الكلام]
فاعلم: أنّ جمعا من الأصحاب و غيرهم عدّوا في الشرائط: معرفة ما يتوقّف عليه العلم بالشارع من حدوث العالم و افتقاره إلى صانع موصوف بما يجب، منزّه عمّا يمتنع، باعث الأنبياء، مصدّق إيّاهم بالمعجزات، كلّ ذلك بالدليل الإجمالي، و إن لم يقدر على التحقيق و التفصيل (1) ما هو دأب المتبحّرين في علم الكلام.
و ناقشهم في ذلك بعض المحقّقين: بأنّ هذا من لوازم الاجتهاد و توابعه، لا من مقدّماته و شرائطه. و هو حسن، مع أنّ ذلك لا يختصّ بالمجتهد، إذ هو من شروط الإيمان (2)
(1) هذا البيان ملخّص ما أرادوه من قولهم بشرطيّة معرفة الكلام، كما عن النهاية و التحرير، و التهذيب، و الذكرى، و الدروس، و التنقيح، و الروضة، و الفوائد الحائريّة، و رسالة الاجتهاد و الأخبار، و الوافية.
و وجه الاشتراط- على ما يستفاد من كلام جماعة-: أنّ معرفة الأحكام الشرعيّة يتوقّف على الاعتقاد بوجودها، المتوقّف على معرفة الشارع و صفاته من كونه قادرا عالما مرسلا للرسل، و معرفة النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و صدقه و عصمته، فإنّ معرفة الوجوب بدون الموجب بل معرفة الحكم الشرعي بدون معرفة الشارع بالمعنى الشامل للنبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)محال.
و أمّا ما في كلام جماعة- منهم بعض الأعلام- من التعليل بأنّ المجتهد يبحث عن كيفيّة التكليف و هو مسبوق بالبحث في معرفة نفس التكليف و المكلّف، فلعلّه مسامحة في التعبير و وارد على خلاف التحقيق، فإنّ المطلوب في مقام الاجتهاد ما هو موضوع التكليف، لا نفس التكليف و إلّا لزم أن لا يكون العلم من شروط التكليف لئلّا يلزم الدور، كما يعلم وجهه بالتأمّل و سبق بيانه في غير موضع من كلماتنا.
(2) و في الروضة: «أنّه صرّح جماعة من المحقّقين بأنّ الكلام ليس شرطا في التفقّه، فإنّ ما يتوقّف عليه منه مشترك بين سائر المكلّفين» إلى آخره.
و قد تحمل هذه العبارة على نفي الشرطيّة رأسا كما هو مفاد ما حكاه المصنّف، و لكنّه ليس كما حمل كما يشهد به التأمّل في مساقها، فإنّ النفي عند التحقيق راجع إلى ما زاد على المعارف الخمس من المطالب الكلاميّة الّتي منها مباحث الجواهر و الأعراض كما
..........
فهمه الشهيد الثاني(رحمه اللّه)، فلم يثبت قول بنفي الشرطيّة إلّا محكيّ المصنّف الّذي استحسنه.
و من الأعلام من وافقه على أصل المطلب و إن خالفه في وجهه، حيث قال: «و التحقيق أنّ العلم بالمعارف الخمسة و اليقين بها لا دخل له في حقيقة الفقه.
نعم هو شرط لجواز العمل بفقهه و تقليده، فإذا فرض أنّ كافرا عالما استفرغ وسعه في الأدلّة على ما هي عليه و استقرّ رأيه على شيء على فرض صحّة هذا الدين، ثمّ آمن و تاب و قطع بأنّه لم يقصّر في استفراغ وسعه شيئا فيجوز العمل بما فهمه.
و لا ريب أنّ محض التوبة و الإعادة لا يجعل ما فهمه فقها، بل كان ما فهمه فقها و كان استفراغ وسعه على فرض صحّة المباني» إلى آخره.
و فيه من الضعف ما لا يخفى، فإنّ الفقاهة بعد تحقّق الاجتهاد و أدائه إلى نبذة من الاعتقاد عنوان لا يتأتّى إلّا بانضمام كبرى كلّية قطعيّة إلى صغرى يحرزها مقام الاجتهاد، و ظاهر أنّ الكافر ما دام كافرا فاقد لتلك الكلّية و معه يستحيل صدق «الفقيه» عليه و «الفقه» على علمه.
و تحقيق المقام: أنّ هذا الخلاف راجع إلى أمر لفظي، إذ لو فسّر الاجتهاد باستفراغ الوسع في تحصل الظنّ بمؤدّيات الأدلّة المتعارفة في الجملة على فرض قصر النظر عمّا بين الأدلّة المتعارفة على الكتاب و السنّة من حيث إنّهما من الأدلّة اللفظيّة المبنيّة على الدلالات العرفيّة، اتّجه القول بعدم الشرطيّة، فإنّ الاستدلال بالأدلّة اللفظيّة بعد الإحاطة بالشروط المحرزة للدلالة و معالجة المعارضات منوط بملاحظة مداليلها الثابتة لها بمقتضى أوضاعها اللغويّة أو العرفيّة و ظهوراتها الأوّلية أو الثانويّة من غير مدخل لخصوص متكلّم دون آخر فيه.
و لا ريب أنّ الألفاظ- كتابيّة و غيرها- إذا اخذت بهذا الاعتبار و لا بشرط ملاحظة قائلها الخاصّ أفادت للناظر فيها مداليلها- باعتبار أنّها صالحة لأن تكون مرادة لقائليها- إفادة ظنّية بل جزميّة في بعض الأحيان، و إن كان الناظر كافرا بل منكرا للصانع و الشرائع أو خصوص هذا الشرع.
و توهّم أنّ الدلالة المثبتة للحكم في الألفاظ عبارة عن فهم المطلب على أنّه مراد للافظها، و هذه في ألفاظ الكتاب و السنّة لا تحرز إلّا بعد إحراز صدورها من الشارع بالمعنى الأعمّ من اللّه سبحانه و النبيّ و الوصيّ، و لا يحرز ذلك إلّا بعد إثبات الشارع و الشرع.
يدفعه: أنّ حصول الدلالة بهذا المعنى إنّما يقتضي وجود لافظ لتلك الألفاظ، و الكافر يعتقد لا محالة أنّ لها لافظا فيفهم مداليلها على أنّها مرادات لذلك اللافظ، و أمّا أنّه هو الشارع أو النبيّ أو الوصيّ أو غيرهما فممّا لا مدخليّة له في حصول هذه الدلالة، بل هو
..........
أمر يرجع إلى مقام الحجّية و الاعتبار.
نعم لا يبعد القول بأنّه يستحيل للكافر استفادة المطلب من الأدلّة اللبّية كالإجماع و العقل و غيرهما، لابتناء دلالة الأوّل على الكشف و هو مع إنكار المنكشف محال و العقل لا يدرك ما ينكر ثبوته، بخلاف الأدلّة اللفظيّة بالقياس إلى مداليلها الّتي لا مدخل لآحاد اللافظين و خصوصيّاتهم في إفاداتها، و لا لكون الشارع و من بحكمه لافظها.
هذا مع إمكان منع استحالة الاستفادة في الإجماع و العقل أيضا بتقريب: أنّ الإجماع يكشف عن رأي الرئيس و لو مع إنكار شارعيّته أو عدم الإذعان بكونه معصوما بسبب إنكار النبيّ و الوصيّ، و العقل يدرك حسن الأشياء و قبحها الملزومين للمحبوبيّة و المبغوضيّة لكلّ عاقل حتّى رئيس الأئمّة[1]و هذا يجامع مع إنكار كونه شارعا.
هذا و لكنّ الإنصاف: أنّ القول بكون المعارف الحقّة من شروط تحقّق الاجتهاد لا حكمه فقط قويّ، و ذلك لأنّ اصطلاحهم في الاجتهاد لمّا انعقد بجعل استفراغ الوسع- المأخوذ في مفهومه- مقيّدا بالظنّ بالحكم الشرعي، فهو يتوقّف لا محالة على الشرط المذكور باعتبار قيده و لو في الأدلّة اللفظيّة، فإنّ مفاد القيد بعد اعتبار التقييد إنّما هو الظنّ بالشيء على أنّه حكم شرعي.
و لا ريب أنّ الظنّ بمؤدّيات الأدلّة- و لو لفظيّة- على أنّها أحكام شرعيّة لا يتأتّى ممّن لا يعتقد وجود الصانع أو ينكر ثبوت الشرائع أو ينفي خصوص هذا الشرع.
فالقول بالشرطيّة حينئذ متّجه و قائله مستظهر و منكرها مكابر، و كونه من شروط الإيمان المتساوي فيه العالم و الجاهل لا ينافي كونه من شروط الاجتهاد أيضا إذا كان المنظور من أخذه شرطا نفي تحقّقه عمّن فقده، فالفاقد له كما أنّه ليس بمؤمن كذلك ليس بمجتهد اصطلاحا، على معنى تعذّر صدقه عليه و إن جامع الشروط الاخر، فالتشريك فيه بين العالم و العامي بجعله من شروط الإيمان ممّا لا تعلّق له بهذا المطلب.
لكن لا يذهب عليك أنّ اللازم من البيان المذكور كونه شرطا للاجتهاد الفعلي لا الملكي كما هو واضح.
و إن أخذناه مع ذلك من شروط التفقّه كان الأمر فيه أوضح على ما أشرنا إليه في صدر الباب، و كما أنّه بهذا الاعتبار من مبادئ الفقه و الاجتهاد فكذلك يكون من مبادئ علم اصول الفقه أيضا كما صرّح به جماعة، معلّلين بأنّ هذا العلم باحث عن طرق الأحكام
[1]كذا في الأصل و الصواب: «رئيس الامّة» كما يقتضيه السياق.
..........
الشرعيّة و أدلّتها و كونها مفيدة لها شرعا و ذلك يتوقّف على معرفة اللّه تعالى، فإنّ معرفة الحكم الشرعي بدون معرفة الشارع محال.
و لا يذهب عليك أنّ تحصيل هذا الشرط على وجه يترتّب عليه الغرض المطلوب منه بالقياس إلى الامور المذكورة لا يستدعي لزوم مراجعة الكتب الكلاميّة، و لا الخوض في علم الكلام و التبحّر فيه، و استقصاء مسائله بالقراءة و المذاكرة و المناظرة لأهلها على وجه يصير متكلّما كما نصّ عليه غير واحد، فإنّ الّذي يتقوّم به الشرطيّة من مسائله على قسمين:
أحدهما: المعارف الخمس و ما يتعلّق بها، بل بعض المعارف لا كلّها كما لا يخفى، و هذا القسم ما يكفي فيه الإجمال الّذي يتيسّر حصوله لعامّة المكلّفين من غير حاجة إلى الخوض في الفنّ و مزاولة كتبه بالقراءة و غيرها، و لذا كان هذا ما يشترك فيه العالم و العامي، و هذا هو معنى ما في كلام غير واحد من أنّ كلّ ذلك بالدليل الإجمالي و إن لم يقدر على التحقيق و التفصيل.
و ثانيهما: المسائل المتفرّقة المعبّر عنها عند الاصوليّين بالمبادئ الأحكاميّة، كوجوب شكر المنعم، و التحسين و التقبيح العقليّين، و قبح التكليف بما لا يطاق، و امتناع اجتماع الأمر و النهي، و عدم جواز الأمر مع علم الآمر بانتفاء الشرط، و جواز التعليق من العالم بالعواقب و عدمه، و كون الامتناع بالاختيار منافيا للاختيار، و قبح الخطاب بما له ظاهر و إرادة خلافه بلا بيان عند الحاجة إليه، إلى غير ذلك ممّا لا يخفى على الخبير البصير.
و هذا القسم ما يكفي فيه تعرّض الاصوليّين له و البحث عنه بجميع خصوصيّاته في الكتب الاصوليّة على وجه أبسط و نمط أوفى و معه يرتفع الحاجة إلى مراجعة فنّ آخر، مع عدم ورود عنوان أكثر المذكورات في غير الكتب الاصوليّة.
و على ما ذكرنا يمكن حمل كلام المنكر لشرطيّة علم الكلام، و عليه فلا مشاحّة و يعود النزاع لفظيّا.
و لا يذهب عليك أيضا أنّ في إطلاق القول بشرطيّة المعارف الخمس نوع مسامحة إذ الموقوف عليه منها للاجتهاد بعضها كما أشرنا إليه أيضا، و هذا البعض هو الّذي فصّلته العبارة المحكيّة عن العدّة قائلة: «و ذلك نحو العلم باللّه تعالى و صفاته و توحيده و عدله.
و إنّما قلنا ذلك لأنّه متى لم يكن عالما باللّه لم يمكن أن يعرف النبوّة، لأنّه لا يأمن أن يكون الّذي يدّعي النبوّة كاذبا، و متّى عرفه و لم يعرف صفاته و ما يجوز عليه و ما لا يجوز
[اشتراط الاجتهاد بمعرفة فروع الفقه]
و أمّا معرفة فروع الفقه، فلا يتوقّف عليها أصل الاجتهاد (1). و لكنها قد صارت في هذا الزمان طريقا يحصل به الدربة فيه و تعين على التوصّل إليه.
لم يأمن أن يكون قد صدّق الكاذب، فلا يصحّ أن يعلم ما جاء به الرسول، فإذا لا بدّ من أن يكون عالما بجميع ذلك، و لا بدّ أن يكون عالما بالنبيّ الّذي جاء بتلك الشريعة، لأنّه متى لم يعرف لم يصحّ أن يعرف ما جاء به من الشرع.
و لا بدّ أن يعرف أيضا صفات النبيّ و ما يجوز عليه و ما لا يجوز عليه، لأنّه متى لم يعرف جميع ذلك لم يؤمن أن يكون غير صادق فيما يؤدّيه، أو يكون ما[1]أدّى جميع ما بعث به، أو يكون أدّاه على وجه لا يصحّ له معرفته، فإذا لا بدّ من أن يعرف جميع ذلك» انتهى[2].
و الظاهر أنّ معرفة الوصيّ أيضا لها مدخليّة، لأنّه متى لم يعرفه أو لم [يعرف] صفاته لم يعرف كون مضامين الأخبار الصادرة منه أو المنسوبة إليه أحكاما شرعيّة أو ممّا جاء به النبيّ، و المفروض أنّ الاجتهاد لا يتمّ إلّا مع انضمام الأخبار الإماميّة إلى سائر طرقها و مداركها عند الفرقة المحقّة.
و كأنّ الشيخ إنّما أهمل ذكر ذلك على الانفراد لأنّ المراد بالاجتهاد المتوقّف على هذا الشرط ما يعمّ الاجتهاد بطريقة أهل الخلاف، أو لأنّ المراد ممّا جاء به النبيّ الّذي يجب معرفته بمعرفة النبيّ ما يعمّ التنصيص بالخلافة.
(1) قال في الفوائد: «و من الشرائط معرفة فقه الفقهاء و كتب استدلالهم، و كونه شرطا غير خفيّ على من له أدنى فطانة، إذ لو لم يطّلع عليها رأسا لا يمكنه الاجتهاد و الفتوى».
و الأظهر ما عليه المصنّف و فاقا للقواعد و التحرير و المنية و الدروس- على ما حكي عنهم- فإنّ المعرفة بفروع الفقه بل المسائل الفقهيّة المبحوث عنها في الفقه ليس لها بنفسها كثير دخل في الاجتهاد سواء اخذ باعتبار الملكة أو الفعل.
و علّله في المنية: «بأنّ هذه الفروع استخرجها المجتهدون بعد تحقّق كونهم مجتهدين فكيف يكون شرطا في الاجتهاد مع تأخّرها عنه» انتهى.
نعم هو لازم عادي لما له مدخليّة تامّة فيه، و هو الانس بطريقة الفقهاء في الدخول و الخروج و الخبرة بمذاقهم في كيفيّة الاستدلال و تقريبه و جرح الأقوال و تعديلها كما يرشد إليه بداهة الوجدان المغني عن مئونة البرهان، و به صرّح في الزبدة قائلا: «و لا بدّ من الانس
[1]«ما» نافية.
[2]العدّة 2: 727.
..........
بلسان الفقهاء» و كأنّه مراد من عبّر بما تقدّم من المعرفة بفقه الفقهاء.
فالقول بتوقّفه على معرفة فروع الفقه إن اريد بها ما عدا الانس المذكور ضعيف جدّا.
و أضعف منه ما عن بعض أفاضل متأخّري المتأخّرين من توهّم اشتراطه بكونه عالما بجملة يعتدّ بها من الأحكام علما فعليّا بحيث يسمّى في العرف فقيها، كما في «النحوي» و «الصرفي» فإنّهما لا يصدقان عرفا بمجرّد حصول الملكة الكلّية، بل لا بدّ بها من الفعليّة المعتدّ بها عند أهل الصناعة.
فإنّ إضافة العلم إلى الأحكام- على ما تقرّر في غير موضع- لا يستقيم إلّا إذا اريد بها الأحكام الفعليّة، و لم ينهض دليل من الشرع و العقل على أنّ مجتهدات فاقد الملكة أحكام فعليّة في حقّه و لا في حقّ غيره، بل الدليل ناهض بخلافه.
و المفروض أنّ مقصود المقام بيان شروط الاجتهاد بمعنى الملكة، و من المستحيل أخذ العلم بجملة من الأحكام الفعليّة يعتدّ بها المتوقّف على الملكة شرطا له بهذا المعنى للزومه الدور، و أخذه شرطا له بمعنى الفعل خروج عن فرض المسألة، مع أنّ قضيّة العبارة المذكورة ابتناء المطلب على كون الاجتهاد مرادفا للفقه.
و قد عرفت سابقا منعه مع توجّه المنع إلى توقّف صدق اسم «الفقيه» على العلم المذكور، على معنى كونه مأخوذا في مسمّاه العرفي إن اريد به الإذعان بالمسائل الحاصل بطريق الاستدلال، بل قصارى ما يسلّم اعتباره إنّما هو الإحاطة بجملة يعتدّ بها من مسائل الفنّ، بل هذا هو القدر المسلّم في «النحوي» و «الصرفي» و غيرهما على أربابها، و المراد بالإحاطة هنا التصديق بهذه الجملة على أنّها من مباحث الفنّ الباحث عنها عند أهلها، لا على أنّها امور ثابتة لموضوعاتها باعتبار الواقع.
و من الفضلاء من جعل العلم المذكور شرطا غالبيّا لتحقّق الاجتهاد خارجا و ذهنا على معنى تحقّقه الخارجي و العلم به معا، حيث قال: «و التحقيق أنّ الملكة المعتبرة في الاجتهاد المطلق- أعني الملكة الكلّيّة- لا يحصل غالبا إلّا بالممارسة المستلزمة للفعليّة المذكورة، و كذلك العلم بحصولها لا يحصل غالبا بدونها، فهي طريق إلى حصول الملكة و معرفتها غالبا، لا شرط في الاعتداد بها»[1]و هذا ليس بسديد، إلّا إذا رجع إلى إرادة أخذ الشرط هو الممارسة الملزومة للفعليّة المذكورة لا نفس الفعليّة.
[1]الفصول: 404.
و ما يلهج به جهلا أو تجاهلا بعض أهل العصر، من توقّف الاجتهاد المطلق على أمور وراء ما ذكرناه، فمن الخيالات الّتي تشهد البداهة بفسادها (1) و الدعاوي الّتي تقتضي الضرورة من الدين بكذبها.
و حينئذ يكون قريبا ممّا قدّمناه من شرطيّة الانس بطريقة الفقهاء و مذاقهم، نظرا إلى أنّه لا يتأتّى إلّا بالممارسة، و قد وافق في هذا التعبير على التوجيه المذكور عبارة الوافية القائلة:
«بأنّ الحقّ أنّه لا يكاد يحصل العلم بحلّ الأحاديث و محاملها بدون ممارسة فروع الفقه»[1].
(1) الحقّ وفاقا لغير واحد من أساطين الطائفة من كون شروط الاجتهاد مقصورة على الامور المتقدّمة و لا مزيد عليها.
نعم هاهنا امور اخر نصّ غير واحد بكونها من مكمّلات الاجتهاد كمعرفة الحساب و الهيئة و الهندسة و الطبّ.
أمّا الأوّل: فبأن يعرف منه الأربعة المتناسبة و الخطأين و الجبر و المقابلة[2]و الأعداد المتماثلة و المتداخلة و المتوافقة و المتباينة.
و أمّا الثاني: فبأن يعرف منه ما يتعلّق بالقبلة، و بكون الشهر ثمانية و عشرين يوما بالنسبة إلى بعض الأشخاص.
و أمّا الثالث: فبان يعرف منه ما يتعلّق بالسطوح و غيرها ليظهر فائدته فيما لو باع بشكل العروس[3]و غيره.
و أمّا الرابع: فبأن يعرف منه ما يحتاج إليه في القرن و نحوه من العيوب المفسخة للنكاح، و غير ذلك من الأمراض المبيحة للإفطار.
و عدم كونها من شروط الاجتهاد واضح، لأنّ وظيفة الفقيه بيان الحكم لا معرفة الموضوع، و هذا هو معنى ما قيل في وجه عدم الحاجة من: «أنّ الفقيه ليس عليه إلّا الحكم باتّصال الشرطيّات و أمّا تحقيق أطراف الشرطيّة فليس وظيفته».
[1]الوافية: 283.
[2]تجد توضيح هذه المصطلحات في: مفتاح السعادة 1: 370 و أبجد العلوم: 2: 263.
[3]شكل العروس- عند القدماء من علماء الهندسة- عبارة عن: كلّ مثلّث قائم الزاوية، فإنّ مربّع وتر زاويته القائمة يساوي مربّعي ضلعيها، و إنّما سمّي به لحسنه و جماله- راجع كشّاف اصطلاحات الفنون 1: 785.
تعليقة- [التخطئة و التصويب]
أصل اتّفق الجمهور من المسلمين على أنّ المصيب من المجتهدين في العقليّات الّتي وقع التكليف بها واحد و أنّ الآخر مخطئ آثم (1) لأنّ اللّه تعالى كلّف فيها بالعلم و نصب عليه دليلا. فالمخطئ له مقصّر فيبقى في العهدة، و خالف في ذلك شذوذ من أهل الخلاف. و هو بمكان من الضعف.
و من لواحق الاجتهاد المعدودة من مسائله بحث التخطئة و التصويب اللاحقين للمجتهد باعتبار أنّه مجتهد، و طريق الكلام فيه يختلف على حسب اختلاف موارد الاجتهاد باعتبار كونها من العقليّات- كلاميّة و اصوليّة و فروعيّة- و الشرعيّات- ضروريّة و نظريّة قطعيّة و ظنّية-
فالكلام في جميع ذلك يقع في طيّ مسائل:
المسألة الاولى في التخطئة و التصويب في المسائل العقليّة الكلاميّة
الّتي وقع التكليف بها، كحدوث العالم و إثبات المحدث و صفاته و بعثة الرسل و غير ذلك ممّا يرجع إلى الإيمان باللّه و رسوله و معاد يوم الجزاء، أو ما لا يرجع إليه كالرؤية و خلق الأعمال و قدم الكلام و عصمة الرسول و نحوها على اختلاف الوجهين حسبما تعرفه.
(1) و المخالف في المسألة هو الجاحظ و العنبري على ما نقل، قال العلّامة في النهاية:
«خالف الجاحظ و أبو عبد اللّه بن الحسين العنبري سائر المسلمين في ذلك، فذهبا إلى أنّ كلّ مجتهد في الاصول مصيب سواء أخطأ أو لا، و لم يريدا بذلك مطابقة الاعتقاد للمعتقد للعلم الضروري بفساده، بل نفي الإثم و الخروج عن عهدة التكليف».
و قال في التهذيب: «أجمعت العلماء على أنّ المصيب في العقليّات واحد إلّا الجاحظ و العنبري فإنّهما قالا كلّ مجتهد مصيب، لا على معنى المطابقة بل بمعنى زوال الإثم».
و لقد وافقه و المصنّف في دعوى الإجماع على القول الأوّل جماعة من العامّة و الخاصّة، فمن العامّة الحاجبي في المختصر و شارح المختصر في بيان المختصر.
قال الأوّل: «الإجماع على أنّ المصيب في العقليّات واحد، و إنّ النافي ملّة الإسلام مخطئ آثم كافر، اجتهد أو لم يجتهد».