بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 289

..........

مسألة القبلة موضوعا للحكم و إن خالف الواقع، فالقبلة الّتي يجب الصلاة إليها في حقّ كلّ مكلّف ما اعتقده قبلة و إن لم يكن كذلك في الواقع.

و بالجملة التصويب بمعنى مطابقة اعتقاد كلّ من المجتهدين المختلفين في العقليّات لنفس الأمر ممّا لم يصحّ النزاع في عدم جوازه، لتأديته إلى اجتماع النقيضين أو الضدّين و هو غير معقول.

فإن قلت: لو كان مجرّد تأدية القول بالتصويب في العقليّات و ما بحكمها- في عدم تحمّل الواقع للتعدّد- إلى اجتماع النقيضين أو الضدّين موجبا لعدم صحّة النزاع فيه لسرى ذلك إلى الفرعيّات أيضا، و التالي باطل.

أمّا الملازمة: فلمكان محذور الاجتماع على القول بالتصويب فيها أيضا كما هو أحد حجج القائلين بالتخطئة.

قلت: ما يلزم من محذور الاجتماع في غير الفرعيّات- على القول بالتصويب فيها- إنّما هو بالنظر إلى أصل الواقع و لذا كانت الملازمة فيه بيّنة، بخلاف ما أورد على التصويب في الفرعيّات، فإنّه إن سلم من المنع الواقع في كلام غير واحد- على ما ستعرفه مع سنده- مفروض في الاعتقاد المتعلّق بالحكم من حيث تعدّده بالظنّية و القطعيّة، و لذا قرّرت الملازمة: بأنّ المجتهد إذا ظنّ بشيء جزم و قطع بأنّ حكم اللّه في حقّه ذلك، ضرورة علمه بأنّ كل مجتهد مصيب، و إذا قطع استمرّ قطعه إذا الأصل بقاء كلّ شيء على ما هو عليه، و استمرار القطع مشروط ببقاء ظنّه، للإجماع على أنّه لو ظنّ غيره وجب الرجوع، فيكون ظانّا عالما بشيء واحد في زمان واحد فيلزم اجتماع النقيضين، ضرورة اقتضاء القطع عدم احتمال النقيض و اقتضاء الظنّ احتماله.

و هذا المحذور على تقدير لزومه و عدم اندفاعه هنا إنّما يلزم بملازمة نظريّة غير بيّنة فلا يبعد في مثله وقوع النزاع في ملزومه، لإمكان الغفلة من قائله عن الملازمة بينه و بين لازمه، بخلاف ما هو في محلّ الكلام فإنّه إنّما يلزم بملازمة واضحة بيّنة لا تكاد تخفى على ذي مسكة، فإذا كان اللازم أمرا غير معقول بحكم البداهة كان القول بالملزوم أيضا ببداهة الملازمة أمرا غير معقول.

و ينبغي القطع أيضا بعدم كون خلاف الجاحظ و صاحبه في القضيّة الثانية، و هو الحكم بكفر الذاهب إلى خلاف الحقّ إذا كان نفيا لملّة الإسلام و ما هو بمثابته بإجراء أحكام


صفحه 290

..........

الكفّار عليه الثابتة بحسب الدنيا الّتي أقلّها النجاسة و إن لم يستحقّ القتل و نهب الأموال و أسر الأولاد و العيال حيث لم يكن من أهل الحرب، و الظاهر أنّه ممّا لا نزاع في ثبوته بل هو صريح كلمات الطرفين.

و قد سمعت في حكاية القول بالتصويب اعتراف الجاحظ بل العنبري أيضا بإجراء أحكام الكفر على المخالف للحقّ.

فتعيّن كون خلافهما في القضيّة الثالثة، و رجوع قولهما إلى دعوى رفع الإثم و عدم استحقاق العقوبة في المخالف للحقّ لخروجه عن عهدة التكليف، فهو المتنازع فيه بمقتضى صريح كلماتهم.

و لقد سمعت من العلّامة و الرازي تفسير التصويب بعدم الإثم، فالجمهور إلى تأثيم المجتهد المؤدّي اجتهاده إلى خلاف الواقع و عدم معذوريّته في خطائه بحسب الآخرة، و غيرهم إلى عدمه المعبّر عنه بالمعذوريّة و الخروج عن العهدة.

و مرجع النزاع أنّ خطأ المجتهد في العقليّات عذرا مسقطا للتكليف فيها رافعا للإثم و العقوبة على مخالفة الواقع و عدمه.

ثمّ إنّ المكلّف في اصول العقائد إمّا مجتهد و هو الّذي يجتهد في المعارف و يحصّلها بطريق النظر و الاستدلال، أو معاند و هو الجاحد للحقّ بعد وضوحه و تبيّنه، أو مقلّد و هو الآخذ في اصول العقائد بقول الغير مع تفطّنه بوجوب النظر متقاعدا عنه تقصيرا أو عدم تفطّنه به رأسا.

و لا ريب أنّ موضوع المسألة ليس إلّا المجتهد، أخذا بصريح عناوينها المشتملة على ذكر المجتهد مفردا و مجموعا، مع ورودها في الكتب الاصوليّة- و لا سيّما التهذيب و النهاية- في مبحث أحكام الاجتهاد، و ورودها أيضا مع مسألة التخطئة و التصويب في الفروع في باب واحد، فلا نزاع في حكم المعاند من حيث الكفر و التأثيم، و لا في حكم المقلّد أيضا من حيث الكفر بل التأثيم أيضا مع التقصير و عدمه مع عدم التقصير، بناء على ما تسمعه من رجوع النزاع إلى الصغرى من حيث إثبات التقصير و نفيه.

و يؤيّد خروج المقلّد عن هذا النزاع كونه موضوع مسألة اخرى- يأتي التعرّض لها- معبّر عنها بجواز التقليد في اصول الدين و عدمه، و لا ينافيه ما تقدّم في عبارة الحاجبي و غيره من أنّ النافي لملّة الإسلام مخطئ آثم كافر اجتهد أو لم يجتهد، لعدم قصده بذلك


صفحه 291

..........

إلى تعميم محلّ النزاع، بل إلى إجراء حكم موضع الوفاق و هو المخالف المعاند في محلّ الخلاف بدليل الإجماع، الّذي جمع العضدي بينه و بين خلاف المخالف بكونه إجماعا قبل ظهور المخالف.

ثمّ إنّ المجتهد بالمعنى المذكور أعمّ من العامي الّذي اجتهد في معارفه، و الأظهر دخوله في محلّ النزاع موضوعا و حكما كما هو مقتضى قرينة المقابلة بينه و بين المعاند و المقلّد، و يعضده عموم أدلّة القولين، ما مع عرفته من رجوع النزاع في المسألة إلى كون خطأ المجتهد في العقليّات عذرا مسقطا للتكليف رافعا للإثم على مخالفة الواقع و عدمه، و هذا ممّا لا يتفاوت فيه الحال بين العالم و العامي.

و من الأعلام من احتمل الاختصاص بالعالم حيث إنّه بعد المناقشة في أدلّة الجمهور استشكل من جهة الإجماع المدّعى في كلام جماعة من العامّة و الخاصّة على هذا القول، فقال: «و يمكن دفع هذا الإشكال بأن يقال: مراد من ادّعى الإجماع إنّما هو في حال العلماء العقلاء المجتهدين المطّلعين على أدلّة المسائل نفيا و إثباتا على التفصيل، لا مطلق من يجتهد في دينه و إن كان عاميّا.

و دعوى أنّ المجتهد الكامل لا يخفى عليه الحقّ لو خلّى نفسه و لم يقصّر ليس بعيدا عن الصواب، بل هي دعوى صحيحة في أغلب المسائل.

و يشهد بذلك أنّهم يذكرون هذه المسألة مع مسألة التخطئة و التصويب في الفروع في مبحث واحد» انتهى.

إلّا أن يقال: إنّ غرضه تخصيص معقد الإجماع بذلك لا تخصيص محلّ النزاع، و أمّا ورود المسألة في أحكام الاجتهاد و ورودها مع المسألة الآتية في مبحث واحد فلا شهادة له بالاختصاص، لأنّ المجتهد إنّما يؤخذ موضوعا في المسائل على حسبما اضيف إليه الاجتهاد، فإن كان ممّا يتأتّى الاجتهاد فيه من العالم و العامي كان المجتهد في موضوعه أغمّ منهما، و إن كان لا يتأتّى إلّا من العالم اختصّ به الموضوع، و عليه فإنّما خصّت المسألة الآتية بالعالم لأنّ الاجتهاد في الفروع لا يتأتّى من العامي بخلافه الاجتهاد في العقليّات فإنّه يتأتّى من العالم و العامي معا.

ثمّ ينبغي القطع بكون المراد من «المجتهد» أعمّ ممّن أدّى اجتهاده إلى القطع بخلاف الواقع أو إلى الظنّ به، لوضوح أنّ النزاع إذا كان راجعا إلى كون خطأ المجتهد عذرا و عدمه


صفحه 292

..........

فلا يتفاوت فيه الحال بين كون الخطأ على وجه القطع أو الظنّ، مع إطلاق المجتهد في كلامهم، مع أنّ احتجاج القول بالمعذوريّة بأنّ تكليفهم بنقيض اجتهادهم ممتنع عقلا و سمعا لأنّه ممّا لا يطاق أوفق بصورة القطع.

و لا ينافيه ما نقله العلّامة في النهاية عن بعض المعتزلة من تأويله مقالة القاضي و العنبري بالحمل على المعذوريّة في المسائل المختلف فيها بين المسلمين الّتي لا يكفر مخالفها، كمسألة الرؤية و خلق الأعمال و قدم الكلام و غير ذلك لأنّ الأدلّة فيها ظنّية متعارضة، لعدم ابتناء التعليل بالظنّية على كون موضوع المسألة هو المجتهد الظانّ، بل على ما ستعرفه من رجوع النزاع إلى الصغرى و هو استناد خطأ المجتهد إلى تقصيره فلا يكون معذورا أو إلى قصوره فيكون معذورا، فغرض بعض المعتزلة تنزيل قول الجاحظ و صاحبه- المبنيّ على دعوى القصور- على المسائل الّتي يجوز فيها القصور لظنّية أدلّتها و تعارضها الباعثة على الخطأ غالبا من غير تقصير.

ثمّ إنّ ظاهر هذا المؤوّل كون محلّ النزاع من المسائل العقليّة الكلاميّة، المسائل المختلف فيها بين المسلمين الّتي لا يكفر مخالف الحقّ فيها من حيث إنّه مخالف له، و إن كان قد يكفر باعتبار خصوصيّة اخرى منضمّة إليه ككونه ممّا ثبت بضرورة من الدين أو المذهب كالمسائل المشار إليها و نظائرها، و منها مسألة الإمامة المختلف فيها بين العامّة و الشيعة، دون المسائل المختلف فيها بين المسلمين و غيرهم من سائر فرق الكفر، بل هذا ممّا جزم به التفتازاني في شرح عبارة العضدي عند المناقشة في الإجماع الّذي تمسّك به العضدي على إثم المخطئ قال:

«و في ورود الدليل على محلّ النزاع مناقشة، لأنّ الإجماع إنّما هو في الكافر المخالف للملّة صريحا، و النزاع إنّما هو فيمن ينتمي إلى الإسلام و يكون من أهل القبلة، و إلّا فكيف يتصوّر من المسلم الخلاف في مسألة خطأ مثل اليهود و النصارى» انتهى.

و هذا كما ترى خلاف ظاهر الأكثر و خلاف مقتضى أدلّة الجمهور المصرّحة بكفر المخطئ، و خلاف ما صرّح به غير واحد كالعلّامة في النهاية و غيره كالعضدي في عبارته المتقدّمة: «بل المصيب من المتخالفين واحد ليس إلّا و الآخر مخطئ، و إنّ من كان منهم نافيا لملّة الإسلام كلّها أو بعضها فهو مخطئ آثم كافر سواء اجتهد أو لم يجتهد، خلافا للجاحظ فإنّه قال: لا إثم على المجتهد مع أنّه مخطئ و يجري عليه في الدنيا أحكام


صفحه 293

..........

الكفّار» إلى آخر ما ذكره.

و هذا كما ترى صريح في عدم اختصاص النزاع بما ذكر إن لم نقل بظهوره في الاختصاص بغيره ممّا يكفر فيه المخطئ و مخالف الحقّ.

و كيف كان فتحقيق هذا المقام يستدعي النظر في جهة اخرى من جهات تحرير محلّ النزاع، و هي كون النزاع كبرويّا أو صغرويّا؟

فلو قرّر النزاع بأنّ المكلّف بالعلم في اصول العقائد المجتهد فيها المقصّر في اجتهاده حتّى أدّى اجتهاده إلى اعتقاد خلاف الواقع معذور غير آثم على قول الجاحظ و العنبري، بناء منهما على أنّ الامتناع بالاختيار ينافي الاختيار خطابا أو عقابا، و آثم غير معذور على قول الجمهور بناء منهم على أنّه لا ينافي الاختيار خطابا أو عقابا كان كبرويّا.

و كذلك لو قرّر بأنّ المكلّف بالعلم المجتهد القاصر عن تحصيله معذور غير آثم دفعا للتكليف بغير المقدور القبيح على الحكيم على قول الجاحظ و العنبري، أو آثم غير معذور منعا لقبح التكليف بغير المقدور بحسب الفعل إذا كان مقدورا بحسب العادة، على معنى كونه ممّا يتأتّى عادة و إن خرج عن المقدوريّة لعارض على القول الآخر.

و هذا و إن كان ممّا يومئ إليه بعض كلماتهم كما ستعرفه، غير أنّ الأولى إسقاط هذا التقرير و سابقه، لبعد كون موضوع المسألة خصوص المقصّر أو القاصر، كبعد كون مبنى الخلاف على ما ذكر في التقريرين، لوجوب تحقّق موافق للجاحظ و صاحبه في القول بالمعذوريّة و عدم الإثم من أصحابنا، لأنّ منهم من يقول بمنافاة الامتناع بالاختيار للاختيار بل عليه محقّقوهم و هو الأصحّ، بل قاطبة العدليّة مطبقون على اشتراط صحّة التكليف بالمقدوريّة ذاتا و فعلا و عدم الفرق في قبح التكليف بغير المقدور بين الامتناع الذاتي و الامتناع العرضي.

و الأولى في تقرير كبرويّة النزاع أن يقال: إنّ المكلّف المجتهد في العقائد إذا أخطأ هل هو معذور غير آثم و إن كان مقصّرا، أو أنّه غير معذور و آثم و إن فرضناه قاصرا؟

و لو قرّر النزاع بأنّ المجتهد المؤدّي اجتهاده إلى مخالفة الواقع في اصول الدين آثم لكونه مقصّرا أو غير آثم لكونه قاصرا كان صغرويّا، لرجوعه إلى أنّ المجتهد المخطئ فيها هل هو مقصّر ليكون آثما أو قاصر لئلّا يكون آثما؟

و قد يقرّر ذلك بإمكان وجود القاصر عقلا أو عادة و عدمه، و هذا كما ترى بعيد عن


صفحه 294

..........

تضاعيف كلماتهم في تلك المسألة.

كيف و هذا البيان إنّما يلائم ما لو قرّر الكلام في نوع المكلّف مع كون المتنازع فيه إمكان التأثيم و عدمه و قد ظهر سابقا خلافه.

نعم لو قرّر الكلام في إمكان القصور و عدمه في نوع المكلّف و لو عاميّا نزاعا آخر غير النزاع في المسألة لم يكن بذلك البعيد.

و يمكن استخراج نزاع آخر في وجود الأدلّة القاطعة على المطالب الاصوليّة و عدمه من بعض كلماتهم الآتية، و لكنّ الظاهر أنّه متفرّع على النزاع في التعبّد بالظنّ و عدمه في اصول الدين، ضرورة أنّ التعبّد بالعلم على جهة التعيين يستدعي وجود الأدلّة العلميّة حذرا عن التكليف بغير المقدور.

و ما ستعرف من أهل القول بالتعبّد بالظنّ من منع وجودها فإنّما وقع منه قصدا إلى منع لزوم التعبّد بالعلم نظرا إلى أنّ انتفاء اللازم ممّا يكشف عن انتفاء الملزوم، أو قبالا لمدّعي وجودها.

و كيف كان فلا بدّ في تحقيق كون النزاع كبرويّا أو صغرويّا على الوجه الّذي بيّنّاه من ذكر أدلّة القولين و تحريرها و نقل سائر ما يتعلّق بها من النقوض و الإبرامات.

فنقول: احتجّ الجمهور بوجوه:

منها: ما قرّره المصنّف تبعا للعلّامة في التهذيب و السيّدين في شرحيهما له من: «أنّ اللّه تعالى كلّف عباده في العقليّات الكلاميّة بالعلم، و نصب عليه دليلا فالمخطئ له مقصّر فيبقى في العهدة».

و استدلّ في المنية على كلّ من مقدّمتي الدليل، أمّا على المقدّمة الاولى: فبقوله تعالى:

فَاعْلَمْ أَنَّهُ لٰا إِلٰهَ إِلَّا اللّٰهُو قوله أيضا: و اعلم أنّه لا إله إلّا هو[1]فإنّه بظهور الهيئة و المادّة يفيد إيجاب العلم بالالوهيّة و الوحدانيّة.

و أمّا على المقدّمة الثانية: فبأنّه لو لا نصب الدليل عليه لزم تكليف ما لا يطاق و هو قبيح.

فهذا الدليل بصراحته يقضي بابتناء الحكم في نظر الجمهور على التقصير في النظر و الاجتهاد و يرجع مفاده إلى دعوى ملازمتين:

أحدهما: ملازمة الخطأ هنا للتقصير، و الاخرى ملازمة التقصير للتأثيم، فينتظم بملاحظة الملازمتين قياس بتلك الصورة: المجتهد المخطئ في العقليّات مقصّر في اجتهاده،

[1]محمّد: 19.


صفحه 295

..........

و كلّ مقصّر في اجتهاده آثم.

أمّا الكبرى: فبحكم المقدّمة الاولى من الدليل.

و أمّا الصغرى: فبحكم المقدّمة الثانية، إذ المراد بالدليل المنصوب هو الدليل الواضح القاطع الّذي يجده من طلبه لئلّا يلزم تكليف ما لا يطاق، فمن لم يجده لم يطلبه بحكم عكس النقيض، و من لم يطلبه فقد فرّط في تحصيل الواجب الّذي هو العلم و المفرّط مقصّر جدّا.

و قد يقرّر الدليل- على ما في نهاية العلّامة كما عن المحصول-: «بأنّ اللّه تعالى نصب الأدلّة القاطعة على هذه المطالب و مكّن العقلاء من معرفتها، فوجب أن لا يخرجوا عن العهدة إلّا بالعلم».

و اجيب عن التقرير الأوّل: بالمنع من وضعه تعالى أدلّة قاطعة على تلك المطالب يتمكّن العقلاء من معرفتها، و الخطاب بالعلم الوارد في الآية متوجّه إلى الرسول(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و له من وفور العقل و دقّة النظر و كمال الحدس ما ليس لأحد من أمّته، فلا جرم كلّفه بالعلم به لتمكّنه منه، و لمّا كانت عقول الامّة قاصرة عن ذلك و فطنتهم ضعيفة لم يكلّفهم بالعلم حذرا عن تكليف الغافل و تكليف ما لا يطاق. و غرض المجيب منع كون المجتهد المخطئ في المعارف مقصّرا باعتبار منع تكليفه بالعلم فيها من جهة منع نصبه تعالى أدلّة يتمكّن من معرفتها العقلاء، فلا يكون آثما.

و هل هو في مراد المجيب لعدم تكليفه فيها رأسا من باب السالبة بانتفاء الموضوع كفاقد الطهورين بالنسبة إلى الصلاة، أو لخروجه عن عهدة تكليفه و هو التكليف بمؤدّى اجتهاده و هو اعتقاده جزما أو ظنّا و إن تعلّق بالباطل؟ احتمالان، منشأهما رجوع النفي في قوله: «لم يكلّفهم بالعلم» إلى جنس العلم الّذي هو عبارة عن الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، بناء على أنّ قصوره و عجزه عن الوصول إلى الواقع و إدراك نفس الأمر ينهض عذرا عقليّا كاشفا عن عدم توجّه تكليف إليه بالاعتقاد في الواقع كالحائض إذا طرأها الحيض في أثناء نهار رمضان، سواء كان قصوره من جهة تأدية اجتهاده إلى الجزم بالباطل و إن كانت زيادة النظر بعده مقدورة له بحسب الواقع، أو من جهة عدم تمكّنه من زيادة النظر و إن كان اجتهاده قد أدّى إلى الظنّ بالباطل أو إلى أحد فصليه: الجزم أو المطابقة بناء على وقوع التعبّد بالظنّ في اصول الدين و إن تعلّق بالباطل، أو كفاية الاعتقاد الجازم فيها[1]و إن

[1]عطف على قوله: «منشأهما رجوع النفي في قوله: لم يكلّفهم بالعلم إلى جنس العلم» الخ.


صفحه 296

..........

لم يطابق الواقع، فالمخطئ على كلّ من الوجهين امتثل تكليفه بتحصيل ما كلّف به من الاعتقاد مطلقا أو بشرط الجزم مطلقا.

و لكنّ الظاهر سقوط احتمال رجوع النفي إلى الجنس عن مراد المجيب بملاحظة ما اجيب به عن التقرير الثاني للدليل، القاضي ببناء قوله بالعذر و عدم الإثم على الاكتفاء بالظنّ الاجتهادي في اصول الدين و إن لم يطابق الواقع، حيث اجيب عنه: «بمنع نصب الأدلّة القاطعة و تمكّن العقلاء من معرفتها، خصوصا و نحن نرى الخلق مختلفين في الأديان و العقائد من زمن وفاة الرسول(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و يبعد أن يكون أحد منهم مكابرا.

سلّمنا لكن لا نسلّم اقتضاء ذلك أمرهم بالعلم، فجاز أنّهم كانوا مأمورين بالظنّ الغالب سواء كان مطابقا أو لا، و حينئذ يعذر الآتي به.

و يدلّ على أنّ التكليف إنّما وقع بالظنّ أنّ اليقين التامّ المتولّد من البديهيّتين المرتّبتين ترتيبا صحيحا متعسّر لا يصل إليه إلّا الآحاد، فلا يقع التكليف به لجميع الخلق، لقوله(عليه السلام):

«بعثت بالشريعة السهلة السمحة» و لا حرج أعظم من تكليف الإنسان في لحظة واحدة بمعرفة ما عجز الخلق عن معرفته في خمسمائة سنة، و لأنّا نعلم أنّ الصحابة لم يكونوا عالمين بهذه الأدلّة و الدقائق و الجواب عن شبهات الفلاسفة، كما لم يكونوا عالمين بدقائق الهندسة و علم الهيئة و الحساب، مع أنّه(عليه السلام)حكم بإيمانهم، سلّمنا أنّهم كلّفوا بالعلم لكن نمنع عقاب المخطئ و الإجماع في محلّ الخلاف ممنوع» انتهى.

و لك أنّ تقول: بأنّ المنع الأخير مبنيّ على إرجاع النفي إلى جنس العلم، فيراد بمنع العقاب دعوى انكشاف عدم توجّه التكليف إليه رأسا، لعدم تمكّنه من تحصيل العلم بسبب طروّ العذر المانع عن صحّة التكليف، بناء على عدم جواز أمر الآمر مع العلم بانتفاء شرطه، المبنيّ على قبح تكليف الغافل و قبح تكليف ما لا يطاق كما يشير إليه الحجّة الآتية لقول الجاحظ.

و منها: أنّا نعلم بالضرورة أنّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)أمر اليهود و النصارى بالإيمان و ذمّهم على إصرارهم على عقائدهم و قاتل بعضهم، و كان يكشف عن مؤثّر المبالغ و يقتله، و معلوم أنّ المعاند المعارض ممّا يقلّ و إنّما الأكثر مقلّدة عرفوا دين آبائهم تقليدا و لم يعرفوا المعجزة.

و اعترض عليه: بأنّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)قتلهم لجهلهم بالحقّ مع إصرارهم على ترك التعلّم لا الجهل مطلقا، فلعلّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)بالغ في إرشادهم و لم يلتفتوا إلى بيانه و اشتغلوا باللهو و الطرب، و أمّا