..........
و ما في حديث الخلافة: «فقلّدها رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)عليّا(عليه السلام)» أي جعلها في رقبته، و كأنّه بحسب الاستعمال استعارة فيه باعتبار المادّة، لكون ما يجعل في العنق و الرقبة لازما له، كلزوم القلادة له، كما ربّما يومئ إليه كلام الفيّومي في المصباح المنير قال: «و تقليد العامل توليته كأنّه جعل قلادة في عنقه» و لعلّه إنّما يسمّى المعنى العرفي الّذي ستعرفه تقليدا لأنّ المقلّد بالتزامه لفتوى المجتهد في كلّ مسألة يجعلها كالقلادة في عنقه، أو لأنّه لتعويله في امتثال أحكام اللّه تعالى على قول المجتهد بجعلها كالقلادة في عنق ذلك المجتهد، فلو قلت: قلّدت المجتهد مريدا به المعنى اللغوي أمكن كون تقديره: جعلت فتاويه قلادة على عنقي، أو جعلت أحكامي قلادة على عنقه.
ثمّ الظاهر أنّ تعديته إلى مفعولين- كما ظهر في الأمثلة المذكورة- ليست لمجرّد التضعيف و نقل مجرّده إلى باب التفعيل كما قد يتوهّم، لعدم كون مجرّده من المعاني الحدثيّة فضلا عن تعدّيه بنفسه إلى مفعول واحد، بل لضرب من التضمين على حدّ الأفعال الغير المتعدّية بأنفسها إلى مفعولين الّتي يضمّن في مفاهيمها معنى ما يتعدّى من الأفعال إليهما كالجعل و الإعطاء و ما يقرب منهما، و قد يجعل من هذا الباب البيع و الإجارة و الهبة و الرهن و غيره حيث تقع متعدّية إلى مفعولين مع عدم اقتضاء شيء منها بحسب وضعه و مفهومه اللغوي التعدّي إليهما، و ليس هذا إلّا من جهة تضمين معنى الإعطاء في مفاهيمها.
فحاصل معنى «بعتك داري أو آجرتك إيّاها أو وهبتها أو رهنتك إيّاها»: أعطيتك داري على وجه البيعيّة أو الإجارة أو على جهة الهبة أو الرهن، فمفاهيم هذه الأفعال بأنفسها وجوه و جهات للإعطاء، فإنّ إعطاء شيء شيئا له وجوه و جهات فقد يتحقّق على وجه البيعيّة، و قد يحصل على جهة الإجارة، و قد يتأتّى بعنوان الهبة و هكذا.
و لو قلت: «أعطيته جبّة» كان مدلوله الإعطاء المطلق من دون تنبيه على وجهه و عنوانه.
و لعلّ من جملة وجوهه كون المعطى الّذي هو المفعول الثاني قلادة على عنق المعطى له الّذي هو المفعول الأوّل، و يعبّر عنه بهذا الوجه و العنوان بالتقليد. فمعنى «قلّده القضاء» أعطاه القضاء على وجه يكون قلادة في عنقه لازما على رقبته، و كذا معنى قوله(عليه السلام): «قلّد الخلافة عليّا»، و حيث إنّ الإعطاء يرد في الاستعمالات تارة بحذف مفعوله الأوّل و اخرى بحذف مفعوله الثاني و ثالثة بذكر مفعوليه فكذا ما تضمّنه، «فقلّده القضاء» من باب ذكر المفعولين «و قلّدت البعير» من باب حذف المفعول الثاني، و «قلّدت السيف» من باب حذف
[معنى التقليد لغة و عرفا]
هو العمل بقول الغير من غير حجّة (1)
المفعول الأوّل، و «قلّدت المجتهد» من محتمل الوجهين، لكنّ الأظهر كون التقليد ما ضمن في مفهومه معنى الجعل، فليتدبّر.
(1) هذا هو معناه العرفي الفقهائي بل المتشرّعي، و أخذ العمل في تعريفه كما صنعه جماعة.
و في تعريف غير واحد التعبير ب«الأخذ» مكان العمل.
و في كلام آخرين التعبير بالقبول، و هو الأمر النفساني و العقد القلبي الّذي يعبّر عنه بالالتزام بالشيء.
و الظاهر أنّ هذا مجرّد تغيير في العبارة و اختلاف في التعبير فالمعنى العرفي واحد عنه الجميع لا أنّه اختلاف في المعنى لتكون المسألة خلافيّة، بدليل أنّهم في شرح هذه التعريفات يعبّرون بكلّ من هذه الألفاظ مكان الآخر، بل في شرح ما أخذ فيه «العمل» يعبّر عنه تارة بالأخذ كما في كلام المصنّف و غيره، و اخرى بالقبول كما في محكيّ الإحكام و النهاية، فيراد من الأخذ و العمل ما يرجع إلى القبول و هو الالتزام بفتوى الفقيه لحقه العمل- بمعنى الحركات و السكنات اللتين هما من الأكوان الأربع- أو لا.
فحمل «العمل» في تعريف من عبّر به على هذا المعنى ثمّ إرجاع القبول إليه ليكون المعنى المراد منه الالتزام المستتبع للعمل بعيد.
و أبعد منه جعل المسألة خلافيّة حيث لم ينبّه أحد على الخلاف فيها.
و يظهر ثمرة الوفاق و الخلاف هنا فيما لو أخذ التقليد في معاقد الإجماعات المنقولة في أبواب التقليد، كما لو نقل العلّامة مثلا الإجماع على عدم جواز العدول عن تقليد المجتهد، أو على عدم جواز تقليد الميّت، أو على عدم جواز تقليد المفضول أو نحو ذلك.
فعلى تقدير الخلاف فلا بدّ في معرفة معقد الإجماع من استعلام مذهب ناقله ليجري الأحكام المستفادة منه عليه بحسب مذهبه، و على تقدير عدمه كان الإجماع منقولا على المعنى الواحد المتّفق عليه فيجري الأحكام المستفادة منه على المعنى الواحد.
و تحقيق المقام: أنّ المكلّف الّذي وظيفته التقليد له في لحاظ التقليد حالات أربع مترتّبة، و هي السؤال المعبّر عنه بالاستفتاء، و علمه بفتوى المفتي، و التزامه بما علمه، و تطبيق الحركات و السكنات الخارجيّة على ما التزم به.
و لا ينبغي التأمّل في عدم انعقاد التقليد بالأوّل و لا بالثاني، و هل ينعقد بالثالث أو لا بدّ
..........
من الرابع؟ وجهان بل قولان أظهرهما الأوّل، لا بمعنى أنّ العمل بالمعنى المذكور غير واجب على المكلّف حيث وجب عليه التقليد، كيف و هو المقصود بالأصالة من إيجاب التقليد، بل بمعنى عدم كونه مأخوذا في مفهومه و معناه العرفي، لأنّه المعنى المنساق منه في الاستعمالات المبحوث عنه في أكثر المباحث الآتية المأخوذ في معاقد الإجماعات المنقولة على مشروعيّة التقليد و حسنه، الّتي منها محكيّ السيّد في الذريعة قائلا: «و الّذي يدلّ على حسن تقليد العامي أنّه لا خلاف بين الامّة قديما و حديثا في وجوب رجوع العامي إلى المفتي، و أنّه يلزمه قبول قوله لأنّه غير متمكّن من العلم بأحكام الحوادث، و من خالف في ذلك كان خارقا للإجماع، و ليس يمكن للمخالف في ذلك رفع الإجماع على الرجوع إلى الفتوى، و يؤوّل هذا الرجوع بما هو بعيد فيقول: هو رجوع للتنبيه على النظر و الاستدلال.
و هذا التأويل غير معلوم بل المعلوم ضرورة خلافه، و أنّ العامي لا يستفتي على وجه طلب التنبيه على النظر بل ليلتزم» إلى آخر كلامه رفع مقامه[1].
مع أنّ المناسب للمعنى اللغوي المتقدّم و الاستعمالات العرفيّة المتقدّمة هو الالتزام لا العمل بالمعنى المذكور، مع مقابلة التقليد للاجتهاد و كونهما طريقين إلى العمل و امتثال أحكام اللّه تعالى فالاجتهاد للمتمكّنين منه و التقليد لغيرهم يعطي كونهما في غير جهة المقابلة على نمط واحد، و كما أنّ الاجتهاد لم يؤخذ في مفهومه العمل بل هو مقدّمة له و وجوبه مقدّمي فكذلك التقليد، فالعمل واجب أصلي يتوصّل إليه بأحد الأمرين من الاجتهاد و التقليد.
هذا مع أنّه ليس للقول باعتبار العمل فيه إلّا أنّهم ذكروا للتقليد شروطا ترجع إليه بمعنى العمل كاجتهاد المقلّد بالفتح و إسلامه و عدالته، أو إجماعهم قائم على أنّه لو أخذ من الكافر أو الفاسق ثمّ أسلم أو عدل جاز العمل، فلو أنّها كانت شروطا له بمعنى مجرّد الأخذ و القبول لم يكن جائزا إلّا بعد الإسلام و العدالة، و أيضا لو أخذ من مجتهد ثمّ عدل المجتهد عن الفتوى أو حصل له التردّد في المسألة أو زالت ملكته لكان ذلك الأخذ كافيا في انعقاد التقليد مع أنّه يمكن دعوى إجماعهم على بطلانه.
و فيه: أنّ جواز الأخذ و القبول من فاقد الشروط و الالتزام بما قاله ما دام فاقدا أوّل المسألة.
و دعوى إجماعهم على ذلك غير مسموعة، و جواز العمل بعد وجدانها إنّما هو لحصول مقدّمته و لو على وجه غير مشروع، فإنّ بناء ما ذكرناه على كون التقليد مقدّمة للعمل لا أنّه نفس العمل.
[1]الذريعة إلى اصول الشريعة 2: 796.
كأخذ العاميّ و المجتهد بقول مثله (1).
و دعوى كفاية الأخذ عن المجتهد قبل عدوله أو تردّده أو زوال ملكته في انعقاد التقليد ممّا لا ينبغي الإصغاء إليها.
غاية الأمر أنّه بعد طروّ هذه الحالات يصير تقليدا فاسدا لا يترتّب عليه أثر جواز العمل كالأخذ من غير المجتهد، و أخذ المجتهد ممّن هو مثله فيجب العدول عنه و يحرم البقاء على الالتزام بما أخذه.
و لبعض الفضلاء في الاستدلال على نفي اعتبار العمل في انعقاد التقليد كلام يعجبني نقله حيث قال: «و اعلم أنّه لا يعتبر في ثبوت التقليد وقوع العمل بمقتضاه، لأنّ العمل مسبوق بالعلم فلا يكون سابقا عليه، و لئلّا يلزم الدور في العبادات من حيث إنّ وقوعها يتوقّف على قصد القربة و هو يتوقّف على العلم بكونها عبادة، فلو توقّف العلم بكونها عبادة على وقوعها كان دورا».
و فيه: أنّ مبنى القول باعتبار العمل في ثبوت التقليد على جعله مقوّما لماهيّته لا شرطا خارجا عن الماهيّة، و في كلامه(قدّس سرّه)حزازة اخرى حيث يفهم منه كون التقليد بحسب الاصطلاح عبارة عن العلم لا الالتزام بالفتوى و هو غير صحيح، و كما لا يعتبر العمل في تحقّق التقليد فكذا لا مدخليّة له في لزوم حكمه حتّى على القول بجواز العدول عن التقليد، إذ دليل هذا القول إن تمّ قاض بالجواز مع العمل و بدونه خلافا للفاضل المتقدّم ذكره فاعتبره في لزوم حكمه على القول المذكور و وجهه غير واضح.
(1) ذكر ذلك تبعا لجماعة كالعضدي و الآمدي و العلّامة، و مبناه على توهّم عود الضمير المجرور في الظرف المقدّر- أعني عليه- إلى جنس التعريف و هو العمل أو مرادفاه لا إلى «القول» كما هو الأظهر، مع كون الظرف المذكور باعتبار العامل المقدّر حالا من الجنس على التقديرين، فتقدير التعريف على ما فهموه: أنّ التقليد هو الأخذ بقول الغير حال كونه حاصلا من غير دليل على ذلك الأخذ أي على جوازه، و على ما ذكرناه: أنّه الأخذ بقول الغير حال كونه حاصلا من غير دليل على ذلك القول أي على خصوصه، و معناه: أنّه لم يعتبر معه في لحاظ الأخذ به دليل يستدلّ به عليه و لا حجّة يحتجّ بها عليه و إن ذكر معه دليل- كما قد يتّفق أنّ المفتي يورد فتواه عند الاستفتاء مع دليلها، و كذا ما لو أخذ المستفتي فتوى مجتهده من كتبه الاستدلاليّة- لكنّه ليس بحيث يعتبر ذلك الدليل في لحاظ الأخذ
..........
بأن يستند إليه الأخذ و يعتمد عليه في أخذه به، بل كان مستنده و الوسط الّذي يحتجّ به في أخذه هو نفس ذلك القول، حتّى أنّه لو سئل من وجه أخذه و عمله به علّله بقوله: قول فلان، أو أنّه قال به فلان.
فالفرق بين التقديرين أنّ التعريف على الأوّل لا ينطبق إلّا على أخذ العامي من مثله و أخذ المجتهد من مثله أو من العامي في الفروع أو الاصول، و يخرج عنه أخذ العامي من المجتهد في الفروع بل الاصول أيضا على القول بجواز التقليد في اصول الدين لقيام الدليل فيهما على جواز الأخذ، و على الثاني يتناول جميع الأقسام الثمانية و لا يخرج عنه القسمان الأخيران، فكلّ واحد منها على هذا التقدير تقليد على وجه الحقيقة.
غاية الأمر أنّه في بعضها مشروع و في الباقي غير مشروع لعدم دليل على جوازه بل قيام الدليل على المنع، و خرج عنه الأخذ بقول الغير من دليل عليه بالخصوص على وجه يكون مستند الأخذ في أخذه ذلك الدليل لا مجرّد كونه قول الغير، كما يتّفق للفقهاء في المسائل الخلافيّة حيث يختار المتأخّر منهم قول من تقدّمه لمساعدة دليل عليه، حيث يصدق على اختياره ذلك القول أنّه أخذ بقول الغير لكنّه لا لكونه قول الغير بل لمساعدة الدليل عليه، و الظاهر أنّ هذا هو الّذي قصد إخراجه من التعريف بالقيد الأخير لعدم كونه من المعرّف بحسب العرف.
و لا ينتقض بأخذ العامي من المجتهد بدعوى أنّ له دليلا عليه و هو الّذي ينتظم عنده من القياس المعبّر عنه: «بأنّ هذا ما أفتى به المفتي، و كلّما أفتى به المفتي فهو حكم اللّه في حقّي» لأنّ هذا ليس دليلا على حكم المسألة بالخصوص ممّا يستعمله المجتهد عند استنباطه الحكم الخاصّ منه، بل هو دليل على اعتبار قول المفتي و حجّيّة فتواه المقتضية لجواز الأخذ به، و وجه دلالته: أنّه بحكم الكلّية الكبرى يقتضي كون الحكم المفتى به حكما فعليّا على المقلّد يجب الأخذ و الالتزام به على أنّه حكم اللّه الّذي يجب التديّن به، على أنّ المراد من القول المأخوذ هو الحكم الخاصّ الّذي أفتى به المفتي، و إطلاق القول عليه في لسان الفقهاء و الاصوليّين شائع، فهذا الدليل العامّ دليل على جواز الأخذ و العمل لا على خصوص الحكم المفتى به.
و ممّا يؤيّد جميع ما بيّنّاه أنّ المقلّد يقال على ما قابل الفقيه الّذي هو عبارة عن الآخذ بالأحكام من الأدلّة التفصيليّة، فالمقلّد هو الّذي يأخذ في المسائل بالأحكام من غير دليل تفصيلي في كلّ مسألة مسألة يدلّ على حكم المسألة بالخصوص، و ما يتراءى في كلماتهم
[مشروعيّة التقليد]
و على هذا فالرجوع إلى الرسول مثلا ليس تقليدا له (1)، و كذا رجوع العاميّ إلى المفتي لقيام الحجّة في الأوّل بالمعجزة، و في الثاني بما سنذكره.
هذا بالنظر إلى أصل الاستعمال، و إلّا فلا ريب في تسمية أخذ المقلّد العاميّ بقول المفتي تقليدا في العرف، و هو ظاهر.
من إطلاق المقلّد في مقابل المجتهد فهو مبنيّ على إرادة الفقيه من المجتهد، أو على أنّ المراد من المقلّد من وظيفته التقليد و من المجتهد من وظيفته الاجتهاد.
و ممّن تنبّه على ما استظهرناه من التعريف و على جملة ممّا بيّنّاه فخر الإسلام(قدّس سرّه)فيما حكي عنه من تعريفه التقليد- في شرح المبادئ-: «بأنّه قبول قول الغير في الأحكام الشرعيّة من غير دليل على خصوصيّة ذلك الحكم، و القيد الأخير لأنّ المقلّد يستند إلى حجّة و هو: أنّ هذا الحكم قد أفتى به المجتهد و كلّ ما أفتى به المجتهد فهو حقّ، فإنّ هذه حجّة لكن ترد في جميع الأحكام الّتي يقلّد فيها» انتهى.
و بالجملة هو معنى التقليد عرفا الجاري في جميع المباحث الآتية الّتي منها مسألة التقليد في اصول الدين، و لا يلزم على هذا المعنى اشتراك و لا تعدّد نقل في اللفظ، كما يظهر الالتزام به من المصنّف و غيره ممّن تبعه حيث أشكل عليهم الأمر في شيوع إطلاق التقليد على أخذ العامي من المجتهد و كونه على وجه الحقيقة، فتفصّوا عنه بجعل ما فهموه من التعريف بحسب أصل الاستعمال و هذا بحسب العرف المتأخّر، و لا خفاء في كونه تكلّفا لا داعي إلى ارتكابه بعد ما ذكره.
و نحوه ما ارتكبه بعض الأعلام حيث إنّه بعد البناء على نحو ما ذكره الجماعة استشكل- في قولهم: يجوز التقليد في الفروع و لا يجوز في الاصول-: «بأنّه إن اريد به الأخذ بقول الغير من غير حجّة لم يجز فيهما، و إن اريد الأخذ به مع الحجّة جاز فيهما» ثمّ تفصّى عنه بحمل التقليد هناك على معنى آخر و هو الأخذ بقول الغير مجرّدا عن اعتبار القيدين، و قد اتّضح أنّ المراد به في المقامين هو الأخذ من غير حجّة بالمعنى الّذي بيّنّاه و لا إشكال معه أصلا.
(1) تفريع على ما صنعه من إرجاع القيد الأخير إلى العمل و قد اتّضح بطلانه، و أمّا على ما وجّهناه فوجه خروج الأخذ من الرسول و الأئمّة عليه و(عليهم السلام)أنّ المأخوذ فيه إنّما هو حكم اللّه الواقعي المستفاد من قولهم المعبّر عنه بالسنّة و هو بهذا الاعتبار لا يسمّى قول الرسول و لا قول الإمام فيخرج بقيد: «قول الغير»، و لو سلّم صدق «قول الغير» عليه
إذا تقرّر هذا، فأكثر العلماء على جواز التقليد لمن لم يبلغ درجة الاجتهاد (1) سواء كان عامّيا، أم عالما بطرف من العلوم.
أيضا فيكفي في إخراجه القيد الأخير، لأنّ قول الرسول(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و الأئمّة(عليهم السلام)في كلّ مسألة باعتبار كونه سنّة دليل تفصيلي على الحكم المستفاد منه بالخصوص، و إن سمّي ذلك الحكم أيضا قولا بناء على ما عرفت من أنّ القول المأخوذ في التعريف ليس هو القول بمعنى القضيّة الملفوظة بل مضمون تلك القضيّة.
و لا ريب أنّ القضايا الملفوظة المتلقّاة عن أهل العصمة أدلّة تفصيليّة على مضامينها و هي الأحكام المستفادة منها.
و من الفضلاء من زعم استناد خروج الأخذ منهم(عليهم السلام)إلى «قول الغير» باعتبار كون المراد به فتواه في الحكم الشرعي.
و ما ذكرناه أوجه، و قد زعم الفاضل المذكور خروج الأخذ من الراوي و الشاهد و الحاكم أيضا بهذا القيد بناء على الحمل المذكور لعدم كون أقوالهم من باب الفتوى.
و أمّا على ما اخترناه فوجه الخروج أنّ مضمون كلام هؤلاء لا يسمّى قولا في الاصطلاح، فإنّ «قول فلان» يقال في العرف على مختاره في المسألة العلميّة، يقال: قول العلّامة مثلا في المسألة الفلانيّة الوجوب، و قول الشيخ الاستحباب و غيره.
ثمّ بعد الفراغ عن شرح التقليد لغة و عرفا ينبغي التكلّم في حكمه و أركانه المقلّد و المقلّد و المقلّد فيه فالكلام يقع في مقامات:
المقام الأوّل في حكم التقليد و فيه جهتان:
الاولى: في مشروعيّة التقليد قبالا لمن أنكرها كابن زهرة من الأصحاب و فقهاء حلب.
و الثانية: في أنّه بعد المشروعيّة هل هو واجب على التعيين أو على التخيير بينه و بين الأخذ بالاحتياط؟ و نتعرّض في ذلك لحكم تارك الطريقين المعبّر عنه بالجاهل في العبادات، كما نتعرّض فيه أو في سابقه لتفصيل المقلّد بالكسر و تشخيص من يشرع له التقليد و من لا يشرع.
(1) هذا هو عنوان الكلام في الجهة الاولى، و نسبة الجواز إلى الأكثر كما في كلام غير واحد.
و عن النهاية و المنية: اتّفق المحقّقون على ذلك.
..........
و عن شرح المبادي نسبته إلى الإماميّة كافّة و أكثر الناس.
و عن جماعة من الأساطين كالسيّد في الذريعة و الشيخ في العدّة و المحقّق في المعارج و العلّامة في الذكرى و النهاية و فخر الإسلام في الإيضاح و شرح المبادي و الشهيد في الذكرى دعوى الإجماع و ما بمعناه عليه.
و قد عرفت عبارة الذريعة سابقا، و قال في محكيّ العدّة: «و الّذي نذهب إليه أنّه يجوز للعامي الّذي لا يقدر على البحث و التفتيش تقليد العالم، يدلّ على ذلك: إنّي وجدت عامّة الطائفة من عهد أمير المؤمنين(عليه السلام)إلى زماننا هذا يرجعون إلى علمائنا و يستفتونهم في الأحكام و في العبادات، و يفتونهم العلماء و يسوّغون لهم العمل بما يفتونهم به، و ما سمعنا أحدا منهم قال لمستفت: لا يجوز ذلك الاستفتاء و العمل به، بل ينبغي أن تنظر كما نظرت و تعلم كما علمت، و لا أنكر عليهم العمل بما يفتونهم، و قد كان منهم الخلق العظيم عاصروا الأئمّة(عليهم السلام)و لم يحك عن واحد من الأئمّة النكير على أحد من هؤلاء و لا إيجاب القول بخلافه، بل كانوا يصوّبونهم في ذلك، فمن خالف في ذلك كان مخالفا لما هو المعلوم[1]خلافه» انتهى[2].
و في محكيّ المعارج: «يجوز للعامي العمل بفتوى العالم في الأحكام الشرعيّة، لنا:
اتّفاق علماء الأعصار على الإذن للعوام في العمل بفتوى العلماء من غير تناكر، و قد ثبت أنّ إجماع أهل كلّ عصر حجّة»[3]و في محكيّ المبادي: «يجوز التقليد في الفروع، لنا: عدم إنكار العلماء في جميع الأوقات».
و في محكيّ النهاية عند الاستدلال: «الثاني الإجماع، فإنّه لم تزل العامّة من زمن الصحابة و التابعين قبل حدوث المخالفين يرجعون في الأحكام إلى قول المجتهدين و يستفتونهم، و العلماء يسارعون إلى الأجوبة من غير إشارة إلى ذكر دليل و لا ينهوهم عن ذلك فكان إجماعا».
و في محكيّ شرح المبادي: «لنا وجوه: الأوّل الإجماع قبل حدوث المخالف» ثمّ ذكر نحو ما عرفت عن محكيّ النهاية.
و في محكيّ الذكرى- بعد الإشارة إلى قول فقهاء حلب- و يدفعه: «إجماع السلف و الخلف على الاستفتاء من غير نكير و لا تعرّض لدليل بوجه من الوجوه».
و في مفاتيح الاصول عن بعض فضلاء معاصريه: «الحقّ جواز التقليد مطلقا سواء كان عاميّا بحتا أو عالما بطرق من العلوم، للإجماع المعلوم بتتبّع حال السلف من الإفتاء
[1]الظاهر أنّ في موضع من هذه العبارة غلطا (منه).
[2]العدّة 2: 730.
[3]معارج الاصول: 197.