و عزى في الذكرى إلى بعض قدماء الأصحاب و فقهاء حلب منهم القول بوجوب الاستدلال على العوامّ (1) و أنّهم اكنفوا فيه بمعرفة الإجماع الحاصل من مناقشة العلماء عند الحاجة إلى الوقائع، أو النصوص الظاهرة، أو أنّ الأصل في المنافع الإباحة، و في المضارّ الحرمة مع فقد نصّ قاطع في متنه و دلالته، و النصوص محصورة. و ضعف هذا القول ظاهر.
و قد حكى غير واحد من الأصحاب: اتّفاق العلماء على الإذن للعوامّ في الاستفتاء من غير تناكر، و احتجّوا مع ذلك: بأنّه لو وجب على العاميّ النظر في أدلة المسائل الفقهيّة لكان ذلك إمّا قبل وقوع الحادثة، أو عندها. و القسمان باطلان. أمّا قبلها فبالإجماع، و لأنّه يؤدّي إلى استيعاب وقته بالنظر في ذلك فيؤدّي إلى الضرر بأمر المعاش المضطرّ إليه.
و أمّا عند نزول الواقعة، فلأنّ ذلك متعذّر، لاستحالة اتّصاف كلّ عاميّ عند نزول الحادثة بصفة المجتهدين. و بالجملة فهذا الحكم لا مجال للتوقّف فيه.
و الاستفتاء و تقريرهم و عدم إنكارهم و المدّعى في كلماتهم»[1]و حكي نقل الإجماع عن جماعة من العامّة أيضا.
(1) كأنّه أراد ببعض قدماء الأصحاب ابن زهرة في الغنية المصرّح بمنع التقليد قائلا فيها:
«لا يجوز للمستفتي تقليد المفتي لأنّ التقليد قبيح، و لأنّ الطائفة مجمعة على أنّه لا يجوز العمل إلّا بعلم. و ليس لأحد أن يقول: قيام الدليل و هو إجماع الطائفة على وجوب رجوع العامي إلى المفتي و العمل بقوله مع جواز الخطأ عليه يؤمنه من الإقدام على القبيح و يقتضي استناد عمله إلى العلم.
لأنّا لا نسلّم إجماعهم على العمل بقوله مع جواز الخطأ عليه، كيف و هو موضع الخلاف، بل إنّما أمروا برجوع العامي إلى المفتي فقط فأمّا ليعمل بقوله فلا.
فإن قيل: فما الفائدة في رجوعه إليه إذا لم يجز العمل بقوله؟
[1]مفاتيح الاصول: 590.
..........
قلنا: الفائدة في ذلك أن يصير له بفتياه و فتيا غيره من علماء الإماميّة سبيل إلى العلم بإجماعهم فيعمل بالحكم على يقين، يبيّن صحّة ذلك أنّهم أجمعوا على أنّه لا يجوز الاستفتاء إلّا من إمامي المذهب و إنّما حظّروا استفتاء مخالفه خوفا أن يفتيه بخلاف الحقّ، فلو كان إيجابهم للاستفتاء من الإمامي لتقليده لم يكن فرق بينه و بين مخالفه الّذي لا يؤمن أن يكون فتياه بغير الحقّ لارتفاع عصمته، و لأنّ مخالفه يجوز أن يفتيه بمطابقة الحقّ و موافقته، فيثبت أنّهم إنّما أمروا برجوع المستفتي إلى فقهاء الإماميّة ليحصل لهم العلم بإجماعهم على الحكم فيقطع على صحّته» انتهى.
و نسبه في محكيّ المقاصد العليّة إلى كثير من القدماء و فقهاء حلب كأبي الصلاح و ابن حمزة، و قرّر في محكيّ الذكرى مذهب فقهاء حلب: «بأنّهم أوجبوا على العوامّ الاستدلال و اكتفوا فيه بمعرفة الإجماع الحاصل من مناقشة العلماء عند الحاجة إلى الوقائع و النصوص الظاهرة، و إنّ الأصل في المنافع الإباحة و في المضارّ الحرمة عند فقد نصّ قاطع في متنه و دلالته و النصوص محصورة».
و من الفضلاء من قرّر مذهبهم: «بأنّهم أوجبوا على العامي الرجوع إلى عارف عدل يذكر له مدرك الحكم من الكتاب و السنّة، فإن ساعد لغته على معرفة مدلولهما و إلّا ترجم له معانيهما بالمرادف من لغته، و إذا كانت الأدلّة متعارضة ذكر له المتعارضين و نبّهه على طريق الجمع بحمل المنسوخ على الناسخ و العامّ على الخاصّ و المطلق على المقيّد، و مع تعذّر الجمع يذكر له أخبار العلاج على حذو ما مرّ، و لو احتاج إلى معرفة حال الراوي ذكر له حاله»[1].
و كيف كان فلا ينبغي التأمّل في سخافة هذا القول و شذوذ قائله مع عدم وضوح حجّته سوى ما أشار إليه ابن زهرة في عبارته المتقدّمة من قبح التقليد و إجماع الطائفة على عدم جواز العمل بغير العلم.
و يزيّفه: أنّ قبح التقليد إن اريد به القبح العقلي على معنى استقلال العقل بإدراك قبحه.
ففيه: أنّ التقليد في حكم العقل من الامور الّتي تقبح تارة و تحسن اخرى و إنّما يختلف بحسب اختلاف الوجوه و الاعتبارات، فإنّما يقبح ممّن أقام عليه في إطاعة اللّه و امتثال أحكامه مع الشكّ في مشروعيّته، لرجوعه بالأخرة إلى الإقامة على الشكّ و هو قبيح عقلا على ما قرّرناه في غير موضع، و القائل بمشروعيّته إنّما يقول بها عن علم لا عن شكّ فيكون حسنا في حكم العقل.
[1]الفصول الغرويّة: 411.
..........
و إن اريد به القبح الشرعي باعتبار المنع المستفاد من الآيات الدالّة على حرمته، ففيه:
أنّ الآيات ليست إلّا عمومات قابلة للتخصيص و أدلّة القول بالمشروعيّة ناهضة له.
و من الفضلاء من أجاب عنها: «بكونها معارضة بالآيات الدالّة على حرمة العمل بالظنّ»[1].
و كأنّه أراد بالمعارضة هنا معارضة الاستدلال بالمثل قبالا لمن يمنع العامي من التقليد و يوجب عليه الاجتهاد المبنيّ في غالب موارده على الظنّ، و إلّا فلا تعارض بينهما بالمعنى المصطلح في تعارض الدليلين، لجواز حرمة كلّ من التقليد و العمل بالظنّ عليه، مع إمكان كون كلّ منهما حراما باعتبار كونه عملا بما وراء العلم و هو حرام كما أشار إليه ابن زهرة في استدلاله الثاني.
ثمّ التقليد و إن كان من جملة غير العلم لكنّ الإجماع على حرمة العمل به بجميع أفراده و فروضه غير مسلّم، بل لو لم يكن الإجماع على جواز التقليد بالخصوص كما ادّعاه جماعة من أساطين الطائفة و في الجملة غير نافع[2].
و الاجتهاد المدّعى وجوبه هنا إن اريد ما هو بالطريق المتعارف بين أهل الصناعة فتعذّره بالقياس إلى غير المحصّلين في الوضوح بحيث لا يحتاج إلى البيان، بل قد يتعذّر بالقياس إلى كثير من المحصّلين المستحصلين لكثير من مقدّماته و مباديه، و وجوبه مع استحصال مقدّماته على تقدير إمكانه لكلّ أحد- لكونه مستوعبا لجميع أوقات العمر أو معظمها مع ما فيه من العسر و الحرج ما لا يتحمّله الطباع- يخلّ بنظام العالم، و لا يكفي فيه مجرّد معرفة الإجماع على فرض إمكان حصولها للعوامّ من مناقشة العلماء، و هو فيما أمكن حصول معرفته لا يجدي نفعا في معرفة تفاصيل معقده، و النصّ القاطع في متنه و دلالته على فرض وجوده و إمكان الاطّلاع عليه للعوامّ في غاية القلّة، فلا يحصل به عشر من أعشار الفقه و الاقتصار عليه و الرجوع في غير مورده إلى أصل الإباحة في المنافع يوجب الخروج عن الدين، مع أنّ تأسيس هذا الأصل و أصالة الحرمة في المضارّ لا يتأتّى إلّا من ذوي الملكات، مع عدم مساعدة أفهام كثير من العوامّ على فهم قليل من الأحكام بطريق الاجتهاد و لو اكتفى فيه بتعليم عارف عدل يذكر مدرك الحكم من الكتاب و السنّة، مع عدم مساعدة أكثر أوقات العالم على تعليم قليل ممّا يحتاج إليه بعض العوامّ.
و مع الغضّ عن جميع ذلك فالمعرفة الحاصلة لهم بهذا الوجه- على تقدير تسليمه-
[1]الفصول: 411.
[2]كذا في الأصل.
..........
غير خارج عن حدّ التقليد، بل هو على طريقتهم أشنع و بشاعته على مذاقهم أوضح لكونه تقليدا في مدارك الاجتهاد و مباديه.
فالحقّ الّذي لا محيص عنه: هو مشروعيّة التقليد للعوامّ للأدلّة الأربعة، فمن الكتاب:
آيات النفر، و الكتمان، و السؤال.
دلّت الاولى على أنّه تعالى أوجب الاجتهاد على بعض الفرقة فلو وجب على الأعيان لأوجب على الجميع، أو لأنّه جعل فائدة التعلّم إنذار القوم إذا رجعوا إليهم و هو عين التقليد.
و الثانية على حرمة الكتمان، و هي تستلزم وجوب القبول عند الإظهار و إلّا لغى الإظهار.
و الثالثة على وجوب السؤال و هو يستلزم وجوب قبول الجواب و إلّا لغى وجوب السؤال، و إذا وجب القبول مع سبق السؤال وجب مع عدمه إذ لا مدخل لسبق السؤال فيه قطعا و لعدم القول بالفصل.
و من السنّة: الأخبار المتكاثرة البالغة فوق حدّ الاستفاضة، و لا يبعد كونها باعتبار المعنى متواترة الدالّة صراحة و ظهورا على جواز الإفتاء و الاستفتاء، و إن ورد بعضها في خصوص طائفة مخصوصة من الرواة و أصحاب الأئمّة(عليهم السلام)، كالمرويّ من قول أبي جعفر(عليه السلام)لأبان بن تغلب: «اجلس في مسجد المدينة و أفت الناس، فإنّي احبّ أن يرى في شيعتي مثلك».
و المرويّ عن عليّ بن المسيّب الهمداني قال: قلت للرضا(عليه السلام): شقّتي بعيدة و لست أصل إليك في كلّ وقت، فممّن آخذ معالم ديني؟ قال: «من زكريّا بن آدم المأمون على الدين و الدنيا» بناء على ظهور معالم الدين في نفس المسائل.
و نحوه المرويّ عن عبد العزيز المهتدي وكيل الرضا(عليه السلام)و خاصّته فقال: إنّي سألته فقلت: إنّي لا أقدر على لقائك في كلّ وقت، فممّن آخذ معالم ديني؟ فقال: «خذ عن يونس ابن عبد الرحمن».
و في رواية: ربّما أحتاج و لست ألقاك في كلّ وقت، أ فيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ منه معالم ديني؟ قال: نعم.
و المرويّ عن عليّ بن سويد قال: كتب إليّ أبو الحسن الأوّل- و هو في السجن-: «أمّا ما ذكرت يا عليّ ممّن تأخذ معالم دينك، لا تأخذنّ معالم دينك من غير شيعتنا، فإنّك إن تعدّيتهم أخذت دينك من الخائنين الّذين خانوا اللّه و رسوله و خانوا أماناتهم، إنّهم ائتمنوا على كتاب اللّه فحرّفوه و بدّلوه».
و قول الحجّة(عجّل اللّه فرجه)في التوقيع لإسحاق بن يعقوب، المرويّ عن كتاب الغيبة
..........
و كمال الدين و الاحتجاج: «أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم و أنا حجّة اللّه عليهم».
و المرسل المرويّ عن التذكرة قال: «لعن رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)من نظر إلى فرج امرأة.
لا يحلّ له، و رجلا خان أخاه في امرأته، و رجلا احتاج إليه الناس لفقهه فسألهم الرشوة» يدلّ على أنّ احتياج الناس إلى الفقيه لفقهه أمر مفروغ عنه، و إنّما يحرم أخذ الرشوة على الإفتاء لهم أو ما يعمّه و الحكم.
و المرويّ عن الاحتجاج عن تفسير العسكري(عليه السلام)في قوله تعالى:وَ مِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لٰا يَعْلَمُونَ الْكِتٰابَالآية قال: قال الرجل للصادق(عليه السلام): فإذا كان هؤلاء القوم من اليهود و النصارى لا يعرفون الكتاب إلّا بما يسمعونه من علمائهم لا سبيل لهم إلى غيره فكيف ذمّهم بتقليدهم و القبول من علمائهم؟ و هل عوامّ اليهود إلّا كعوامّنا يقلّدون علماءهم؟ فإن لم يجز لاولئك القبول من علمائهم لم يجز لهؤلاء القبول من علمائهم.
فقال: «بين عوامّنا و علمائنا و بين عوامّ اليهود و علمائهم فرق من جهة و تسوية من جهة، أمّا من حيث استووا: فإنّ اللّه تعالى ذمّ عوامّنا بتقليدهم علماءهم كما ذمّ عوامّهم بتقليدهم علماءهم، و أمّا من حيث افترقوا: فلا».
قال: بيّن لي يا بن رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)!
قال: «إنّ عوامّ اليهود [كانوا] قد عرفوا علماءهم بالكذب الصريح، و بأكل الحرام و الرشاء، و بتغيير الأحكام عن وجهها بالشفاعات و العنايات و المصانعات، و عرفوهم بالتعصّب الشديد الّذي يفارقون اللّه أديانهم، و أنّهم إذا تعصّبوا أزالوا حقوق من تعصّبوا عليه، و أعطوا ما لا يستحقّه من تعصّبوا له من أموال غيرهم و ظلموهم من أجلهم، و عرفوهم يتعارفون المحرّمات و اضطرّوا بمعارف قلوبهم إلى [أنّ] من فعل ما يفعلونه فهو فاسق لا يجوز أن يصدّق على اللّه تعالى و لا على الوسائط بين الخلق و بين اللّه تعالى، فلذلك ذمّهم لما قلّدوا من عرفوا و من علموا أنّه لا يجوز قبول خبره و لا تصديقه [في حكايته] و لا العمل بما يؤدّيه إليهم عمّن لا يشاهدوه، و وجب عليهم النظر بأنفسهم في أمر رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، إذ كانت دلائله أوضح من أن تخفى و أشهر من أن لا تظهر لهم، و كذلك عوامّ أمّتنا إذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر و العصبيّة الشديدة و التكالب على حطام الدنيا و حرامها، و إهلاك من تعصّبوا عليه و إن كان لإصلاح أمره مستحقّا، و بالترفرف بالبرّ و الإحسان على من تعصّبوا له و إن كان للإذلال و الإهانة مستحقّا، فمن قلّد من عوامّنا مثل هؤلاء الفقهاء فهم مثل اليهود الّذين
..........
ذمّهم اللّه تعالى بالتقليد لفسقة فقهائهم، فأمّا من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا على هواه مطيعا لأمر مولاه فللعوامّ أن يقلّدوه، و ذلك لا يكون إلّا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم، فأمّا من ركب من القبائح و الفواحش مراكب فسقة فقهاء العامّة فلا تقبلوا منهم عنّا شيئا و لا كرامة، و إنّما كثر التخليط فيما يتحمّل عنّا أهل البيت لتلك، لأنّ الفسقة يتحمّلون عنّا فيحرّفونه بأسره لجهلهم، و يضعون الأشياء على غير وجوهها لقلّة معرفتهم، و آخرون يتعمّدون الكذب علينا ليتجروا من عرض الدنيا ما هو زادهم إلى نار جهنّم، و منهم قوم نصّاب لا يقدرون على القدح فينا فيتعلّمون بعض علومنا الصحيحة فيتوجّهون عند شيعتنا و به فينقصون بنا عند أعدائنا، ثمّ يضعون إليه أضعافه و أضعاف أضعافه من الأكاذيب علينا الّتي نحن براء منها، فيقبله المستسلمون من شيعتنا على أنّه من علومنا، فضلّوا و أضلّوا، اولئك أضرّ على ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد لعنه اللّه على الحسين بن عليّ(عليهما السلام)»[1].
و الروايات الناهية عن الإفتاء بغير علم، مثل المرويّ عن البحار بسنده عن عبد اللّه بن بشر عن جعفر بن محمّد(عليهما السلام)في حديث قال: «قال رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): من عمل بالقياس فقد هلك و أهلك، و من أفتى الناس و هو لا يعلم الناسخ و المنسوخ و المحكم و المتشابه فقد هلك».
و المرويّ عنه أيضا عن النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «من أفتى الناس بغير علم كان ما يفسده من الدين أكثر ممّا يصلحه، و من أفتى الناس و هو لا يعلم الناسخ و المنسوخ و المحكم و المتشابه فقد هلك و أهلك».
و المرويّ عنه أيضا بسنده عن أبي عبيدة عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: «من أفتى الناس بغير علم و لا هدى من اللّه لعنته ملائكة الرحمة و ملائكة العذاب، و لحقه وزر من عمل بفتياه».
و المرويّ عن الكافي بسنده عن مفصّل بن يزيد قال: قال أبو عبد اللّه(عليه السلام): «إيّاك عن خصلتين فيهما هلك الرجال: أنهاك أن تدين اللّه بالباطل و تفتي الناس بما لا تعلم».
و يؤيّد الجميع أو تدلّ على المطلب بالفحوى أو عدم القول بالفصل مع تأمّل فيهما قوله(عليه السلام)- في مقبولة عمر بن حنظلة: «انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فارضوا به حكما، فإنّي قد جعلته حاكما، فإذا حكم حكما فلم يقبل عنه فإنّما بحكم اللّه تعالى استخفّ و علينا ردّ، و الرادّ علينا رادّ على اللّه و هو على حدّ الشرك باللّه عزّ و جلّ» إلى آخره.
[1]الاحتجاج 2: 457.
..........
و من الإجماع:- فبعد ما سمعت من الإجماعات المنقولة المستفيضة من أساطين الطائفة الّتي هي بانفرادها حجّة مستقلّة المعتضدة بظهور الإجماع القولي- بناء المسلمين و عملهم خلفا عن سلف في جميع الأمصار و الأعصار من لدن بناء نشر الأحكام إلى يومنا هذا على رجوع العوامّ إلى الفقهاء و مسألتهم، و الأخذ بتفاويهم من دون نكير و لا استنكار على وجه يكشف عن تقرير المعصومين(عليهم السلام)و رضاهم، مع القطع بعدم كون ذلك في جميع فروض المسألة بطريق الرواية و لا التنبيه على مدرك الحكم، و لا لأجل إحراز دليله، لعدم استقلال كلّ واحد من آحاد العوام حتّى أهل البوادي و القرى و الرساتيق بفهم أصل الحكم و لا استخراجه من المدرك من كتاب أو سنّة أو نحوهما، و لا تمكّنه من إحراز دليله من إجماع و نحوه.
و بذلك كلّه يندفع ما عرفت عن ابن زهرة في عبارته المتقدّمة من منع كون فائدة الإجماع على وجوب رجوع العامي إلى المفتي العمل بقوله، للقطع بانتفاء غير هذه الفائدة في معقد الإجماع العملي، مع قصور أكثر العوامّ عن فهم الإجماع و إحراز مناط حجّيته و عدم إمكان اطّلاعهم عليه بمجرّد الاطّلاع على فتيا المفتين، مع كون أكثر المسائل خلافيّة، مع أنّ الإجماعات المنقولة في كلام أساطين الطائفة إنّما نقلت على مجرّد العمل و القبول.
و من العقل: دليل الانسداد، فإنّ الأحكام الواقعيّة الثابتة على المجتهدين المعلومة بالإجمال مشتركة بينهم و بين العوامّ، و باب العلم بها مسدود، بل انسداده للعوامّ أوضح و موارد فقد طرقه لهم أكثر، و البناء على أصالة البراءة النافية للتكليف- مع استلزامه المخالفة القطعيّة- مبنيّ على معرفتها و تأسيسها و فهم أدلّتها و لا سبيل للعوامّ إلى شيء من ذلك، و العمل بالاحتياط في غالب موارده متعسّر، و تشخيص موارده لأكثر العوامّ متعذّر إن لم نقل بتعذّره للجميع، فتعيّن عليهم في امتثال أحكام اللّه المعلومة بالإجمال الأخذ بقول أهل الخبرة و هم الفقهاء، مع أنّه نوعا أقرب إلى الواقع من فهم نفسه بحسب نوعه، للقطع الضروري بأنّ ما يفسده في بناء عمله على فهم نفسه أكثر ممّا يصلحه فيجب في حكم العقل الأخذ به، و يشهد له رجوع الجاهل في كلّ فنّ و صناعة إلى أهل الخبرة بهما، بل لزوم رجوع الجاهل إلى العالم و الأخذ بقوله من فطريّات الناس كما يدركه المنصف بالوجدان.
و لا فرق في ذلك بين العامي الصرف و العامي العارف بجملة من العلوم و إن تمكّن من استفادة بعض الأحكام من الأخبار الواضحة الدلالة، لقضيّة الأقربيّة إلى الواقع و إطلاق الإجماعات المنقولة، مع إمكان دعوى عدم القول بالفصل و الإجماع المركّب بل انعقاد السيرة القطعيّة في كلا الفريقين.
..........
فنتيجة الكلام: أنّ الحكم الواقعي في حقّ العامي بالمعنى الأعمّ المكتوب في اللوح المحفوظ هو الرجوع إلى أكمل أهل زمانه و الأخذ بقوله، و لا يجزئه عنه غيره.
و العمدة من دليله بعد الإجماع بقسميه هو العقل بتقريريه ثمّ الأخبار ثمّ الآيات.
لكنّ الإنصاف عدم نهوض الآيات دليلا على هذا الحكم لقصور دلالتها عليه حتّى آية النفر بكلّ من تقريري وجه الاستدلال بها.
أمّا على التقرير الأوّل: فلعدم كون التفقّه فيها من الفقه بالمعنى المعهود المصطلح ليرجع مفاد إيجابه إلى إيجاب الاجتهاد بالمعنى المتضمّن لاستفراغ الوسع في طلب الأحكام من الأدلّة الظنّية، بل هو جريا على معناه العرفي اللغوي عبارة عن تعلّم الأحكام الحاصل من المشافهين بالأخذ عن النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)بطريق المشافهة، و هذا و إن كان ليس من باب التقليد لكونه أخذا بالحكم الواقعي من بابه و طريقه القطعي، إلّا أنّه ليس من باب الاجتهاد بالمعنى المعهود المبنيّ على استحصال عدّة مقدّمات لا يكاد يحصل لكلّ واحد من آحاد المكلّفين، بل هو نظير أخذ المقلّد من مجتهده بطريق المشافهة المفيد للعلم بفتواه، و إن غايره في كون الأخذ من المجتهد يستلزم العلم بما أفتى به على أنّه حكم فعلي لا على أنّه حكم واقعي، و الأخذ عن النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)يستلزم العلم به على أنّه حكم واقعي صار فعليّا.
و من هنا يشكل الحال في الاستدلال بالآية لإثبات مشروعيّة الاجتهاد و أخذها دليلا على وجوبه كفاية كما صنعه جماعة من العامّة و الخاصّة، إلّا أن يكون مبناه على توهّم تنقيح المناط، بدعوى: أنّ تعلّم الأحكام إذا وجب على المشافهين بحكم نصّ الآية لزم منه وجوب الاجتهاد على غيرهم، لأنّه إنّما يجب لوجوب تعلّم الأحكام لا لذاته، مضافا إلى مقدّمة الاشتراك في التكليف.
غير أنّه يتوجّه إليه: أنّ هذا لو تمّ لقضى بوجوب الأمر المردّد بين الاجتهاد و التقليد، لأنّ كلّا منهما في موارد وجوبه إنّما يجب لوجوب تعلّم الأحكام، فيتطرّق الإجمال إلى الأمر بالتفقّه بالقياس إلى حكم الاجتهاد بالخصوص، و ظهورها في الوجوب كفاية- على تقدير تسليمه- لا ينهض قرينة على تعيين الاجتهاد، لأنّ النفور لتعلّم الأحكام تقليدا قد يجب على المقلّدين النائين عن المجتهد فيجوز اختصاصه من كلّ فرقة بطائفة لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم بعد تعلّمهم المسائل بطريق التقليد.
و أمّا على التقرير الثاني: فلتطرّق المنع إلى كون الإنذار المأمور به من باب الإفتاء ليكون قبوله من باب التقليد، إذ كما أنّ الآخذ من النبيّ كالآخذ من المجتهد و إن لم يصدق