بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 369

..........

و كمال الدين و الاحتجاج: «أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم و أنا حجّة اللّه عليهم».

و المرسل المرويّ عن التذكرة قال: «لعن رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)من نظر إلى فرج امرأة.

لا يحلّ له، و رجلا خان أخاه في امرأته، و رجلا احتاج إليه الناس لفقهه فسألهم الرشوة» يدلّ على أنّ احتياج الناس إلى الفقيه لفقهه أمر مفروغ عنه، و إنّما يحرم أخذ الرشوة على الإفتاء لهم أو ما يعمّه و الحكم.

و المرويّ عن الاحتجاج عن تفسير العسكري(عليه السلام)في قوله تعالى:وَ مِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لٰا يَعْلَمُونَ الْكِتٰابَالآية قال: قال الرجل للصادق(عليه السلام): فإذا كان هؤلاء القوم من اليهود و النصارى لا يعرفون الكتاب إلّا بما يسمعونه من علمائهم لا سبيل لهم إلى غيره فكيف ذمّهم بتقليدهم و القبول من علمائهم؟ و هل عوامّ اليهود إلّا كعوامّنا يقلّدون علماءهم؟ فإن لم يجز لاولئك القبول من علمائهم لم يجز لهؤلاء القبول من علمائهم.

فقال: «بين عوامّنا و علمائنا و بين عوامّ اليهود و علمائهم فرق من جهة و تسوية من جهة، أمّا من حيث استووا: فإنّ اللّه تعالى ذمّ عوامّنا بتقليدهم علماءهم كما ذمّ عوامّهم بتقليدهم علماءهم، و أمّا من حيث افترقوا: فلا».

قال: بيّن لي يا بن رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)!

قال: «إنّ عوامّ اليهود [كانوا] قد عرفوا علماءهم بالكذب الصريح، و بأكل الحرام و الرشاء، و بتغيير الأحكام عن وجهها بالشفاعات و العنايات و المصانعات، و عرفوهم بالتعصّب الشديد الّذي يفارقون اللّه أديانهم، و أنّهم إذا تعصّبوا أزالوا حقوق من تعصّبوا عليه، و أعطوا ما لا يستحقّه من تعصّبوا له من أموال غيرهم و ظلموهم من أجلهم، و عرفوهم يتعارفون المحرّمات و اضطرّوا بمعارف قلوبهم إلى [أنّ] من فعل ما يفعلونه فهو فاسق لا يجوز أن يصدّق على اللّه تعالى و لا على الوسائط بين الخلق و بين اللّه تعالى، فلذلك ذمّهم لما قلّدوا من عرفوا و من علموا أنّه لا يجوز قبول خبره و لا تصديقه [في حكايته] و لا العمل بما يؤدّيه إليهم عمّن لا يشاهدوه، و وجب عليهم النظر بأنفسهم في أمر رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، إذ كانت دلائله أوضح من أن تخفى و أشهر من أن لا تظهر لهم، و كذلك عوامّ أمّتنا إذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر و العصبيّة الشديدة و التكالب على حطام الدنيا و حرامها، و إهلاك من تعصّبوا عليه و إن كان لإصلاح أمره مستحقّا، و بالترفرف بالبرّ و الإحسان على من تعصّبوا له و إن كان للإذلال و الإهانة مستحقّا، فمن قلّد من عوامّنا مثل هؤلاء الفقهاء فهم مثل اليهود الّذين


صفحه 370

..........

ذمّهم اللّه تعالى بالتقليد لفسقة فقهائهم، فأمّا من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا على هواه مطيعا لأمر مولاه فللعوامّ أن يقلّدوه، و ذلك لا يكون إلّا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم، فأمّا من ركب من القبائح و الفواحش مراكب فسقة فقهاء العامّة فلا تقبلوا منهم عنّا شيئا و لا كرامة، و إنّما كثر التخليط فيما يتحمّل عنّا أهل البيت لتلك، لأنّ الفسقة يتحمّلون عنّا فيحرّفونه بأسره لجهلهم، و يضعون الأشياء على غير وجوهها لقلّة معرفتهم، و آخرون يتعمّدون الكذب علينا ليتجروا من عرض الدنيا ما هو زادهم إلى نار جهنّم، و منهم قوم نصّاب لا يقدرون على القدح فينا فيتعلّمون بعض علومنا الصحيحة فيتوجّهون عند شيعتنا و به فينقصون بنا عند أعدائنا، ثمّ يضعون إليه أضعافه و أضعاف أضعافه من الأكاذيب علينا الّتي نحن براء منها، فيقبله المستسلمون من شيعتنا على أنّه من علومنا، فضلّوا و أضلّوا، اولئك أضرّ على ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد لعنه اللّه على الحسين بن عليّ(عليهما السلام)»[1].

و الروايات الناهية عن الإفتاء بغير علم، مثل المرويّ عن البحار بسنده عن عبد اللّه بن بشر عن جعفر بن محمّد(عليهما السلام)في حديث قال: «قال رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): من عمل بالقياس فقد هلك و أهلك، و من أفتى الناس و هو لا يعلم الناسخ و المنسوخ و المحكم و المتشابه فقد هلك».

و المرويّ عنه أيضا عن النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «من أفتى الناس بغير علم كان ما يفسده من الدين أكثر ممّا يصلحه، و من أفتى الناس و هو لا يعلم الناسخ و المنسوخ و المحكم و المتشابه فقد هلك و أهلك».

و المرويّ عنه أيضا بسنده عن أبي عبيدة عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: «من أفتى الناس بغير علم و لا هدى من اللّه لعنته ملائكة الرحمة و ملائكة العذاب، و لحقه وزر من عمل بفتياه».

و المرويّ عن الكافي بسنده عن مفصّل بن يزيد قال: قال أبو عبد اللّه(عليه السلام): «إيّاك عن خصلتين فيهما هلك الرجال: أنهاك أن تدين اللّه بالباطل و تفتي الناس بما لا تعلم».

و يؤيّد الجميع أو تدلّ على المطلب بالفحوى أو عدم القول بالفصل مع تأمّل فيهما قوله(عليه السلام)- في مقبولة عمر بن حنظلة: «انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فارضوا به حكما، فإنّي قد جعلته حاكما، فإذا حكم حكما فلم يقبل عنه فإنّما بحكم اللّه تعالى استخفّ و علينا ردّ، و الرادّ علينا رادّ على اللّه و هو على حدّ الشرك باللّه عزّ و جلّ» إلى آخره.

[1]الاحتجاج 2: 457.


صفحه 371

..........

و من الإجماع:- فبعد ما سمعت من الإجماعات المنقولة المستفيضة من أساطين الطائفة الّتي هي بانفرادها حجّة مستقلّة المعتضدة بظهور الإجماع القولي- بناء المسلمين و عملهم خلفا عن سلف في جميع الأمصار و الأعصار من لدن بناء نشر الأحكام إلى يومنا هذا على رجوع العوامّ إلى الفقهاء و مسألتهم، و الأخذ بتفاويهم من دون نكير و لا استنكار على وجه يكشف عن تقرير المعصومين(عليهم السلام)و رضاهم، مع القطع بعدم كون ذلك في جميع فروض المسألة بطريق الرواية و لا التنبيه على مدرك الحكم، و لا لأجل إحراز دليله، لعدم استقلال كلّ واحد من آحاد العوام حتّى أهل البوادي و القرى و الرساتيق بفهم أصل الحكم و لا استخراجه من المدرك من كتاب أو سنّة أو نحوهما، و لا تمكّنه من إحراز دليله من إجماع و نحوه.

و بذلك كلّه يندفع ما عرفت عن ابن زهرة في عبارته المتقدّمة من منع كون فائدة الإجماع على وجوب رجوع العامي إلى المفتي العمل بقوله، للقطع بانتفاء غير هذه الفائدة في معقد الإجماع العملي، مع قصور أكثر العوامّ عن فهم الإجماع و إحراز مناط حجّيته و عدم إمكان اطّلاعهم عليه بمجرّد الاطّلاع على فتيا المفتين، مع كون أكثر المسائل خلافيّة، مع أنّ الإجماعات المنقولة في كلام أساطين الطائفة إنّما نقلت على مجرّد العمل و القبول.

و من العقل: دليل الانسداد، فإنّ الأحكام الواقعيّة الثابتة على المجتهدين المعلومة بالإجمال مشتركة بينهم و بين العوامّ، و باب العلم بها مسدود، بل انسداده للعوامّ أوضح و موارد فقد طرقه لهم أكثر، و البناء على أصالة البراءة النافية للتكليف- مع استلزامه المخالفة القطعيّة- مبنيّ على معرفتها و تأسيسها و فهم أدلّتها و لا سبيل للعوامّ إلى شيء من ذلك، و العمل بالاحتياط في غالب موارده متعسّر، و تشخيص موارده لأكثر العوامّ متعذّر إن لم نقل بتعذّره للجميع، فتعيّن عليهم في امتثال أحكام اللّه المعلومة بالإجمال الأخذ بقول أهل الخبرة و هم الفقهاء، مع أنّه نوعا أقرب إلى الواقع من فهم نفسه بحسب نوعه، للقطع الضروري بأنّ ما يفسده في بناء عمله على فهم نفسه أكثر ممّا يصلحه فيجب في حكم العقل الأخذ به، و يشهد له رجوع الجاهل في كلّ فنّ و صناعة إلى أهل الخبرة بهما، بل لزوم رجوع الجاهل إلى العالم و الأخذ بقوله من فطريّات الناس كما يدركه المنصف بالوجدان.

و لا فرق في ذلك بين العامي الصرف و العامي العارف بجملة من العلوم و إن تمكّن من استفادة بعض الأحكام من الأخبار الواضحة الدلالة، لقضيّة الأقربيّة إلى الواقع و إطلاق الإجماعات المنقولة، مع إمكان دعوى عدم القول بالفصل و الإجماع المركّب بل انعقاد السيرة القطعيّة في كلا الفريقين.


صفحه 372

..........

فنتيجة الكلام: أنّ الحكم الواقعي في حقّ العامي بالمعنى الأعمّ المكتوب في اللوح المحفوظ هو الرجوع إلى أكمل أهل زمانه و الأخذ بقوله، و لا يجزئه عنه غيره.

و العمدة من دليله بعد الإجماع بقسميه هو العقل بتقريريه ثمّ الأخبار ثمّ الآيات.

لكنّ الإنصاف عدم نهوض الآيات دليلا على هذا الحكم لقصور دلالتها عليه حتّى آية النفر بكلّ من تقريري وجه الاستدلال بها.

أمّا على التقرير الأوّل: فلعدم كون التفقّه فيها من الفقه بالمعنى المعهود المصطلح ليرجع مفاد إيجابه إلى إيجاب الاجتهاد بالمعنى المتضمّن لاستفراغ الوسع في طلب الأحكام من الأدلّة الظنّية، بل هو جريا على معناه العرفي اللغوي عبارة عن تعلّم الأحكام الحاصل من المشافهين بالأخذ عن النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)بطريق المشافهة، و هذا و إن كان ليس من باب التقليد لكونه أخذا بالحكم الواقعي من بابه و طريقه القطعي، إلّا أنّه ليس من باب الاجتهاد بالمعنى المعهود المبنيّ على استحصال عدّة مقدّمات لا يكاد يحصل لكلّ واحد من آحاد المكلّفين، بل هو نظير أخذ المقلّد من مجتهده بطريق المشافهة المفيد للعلم بفتواه، و إن غايره في كون الأخذ من المجتهد يستلزم العلم بما أفتى به على أنّه حكم فعلي لا على أنّه حكم واقعي، و الأخذ عن النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)يستلزم العلم به على أنّه حكم واقعي صار فعليّا.

و من هنا يشكل الحال في الاستدلال بالآية لإثبات مشروعيّة الاجتهاد و أخذها دليلا على وجوبه كفاية كما صنعه جماعة من العامّة و الخاصّة، إلّا أن يكون مبناه على توهّم تنقيح المناط، بدعوى: أنّ تعلّم الأحكام إذا وجب على المشافهين بحكم نصّ الآية لزم منه وجوب الاجتهاد على غيرهم، لأنّه إنّما يجب لوجوب تعلّم الأحكام لا لذاته، مضافا إلى مقدّمة الاشتراك في التكليف.

غير أنّه يتوجّه إليه: أنّ هذا لو تمّ لقضى بوجوب الأمر المردّد بين الاجتهاد و التقليد، لأنّ كلّا منهما في موارد وجوبه إنّما يجب لوجوب تعلّم الأحكام، فيتطرّق الإجمال إلى الأمر بالتفقّه بالقياس إلى حكم الاجتهاد بالخصوص، و ظهورها في الوجوب كفاية- على تقدير تسليمه- لا ينهض قرينة على تعيين الاجتهاد، لأنّ النفور لتعلّم الأحكام تقليدا قد يجب على المقلّدين النائين عن المجتهد فيجوز اختصاصه من كلّ فرقة بطائفة لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم بعد تعلّمهم المسائل بطريق التقليد.

و أمّا على التقرير الثاني: فلتطرّق المنع إلى كون الإنذار المأمور به من باب الإفتاء ليكون قبوله من باب التقليد، إذ كما أنّ الآخذ من النبيّ كالآخذ من المجتهد و إن لم يصدق


صفحه 373

..........

على أخذه عنوان التقليد كما عرفت، فكذلك إرشاده الغير إلى مأخوذاته كإرشاد الآخذ من المجتهد غيره و إن صدق عليه عنوان الإنذار مطلقا أو في بعض الفروض، و كما أنّ قبول الغير من الثاني ليس تقليدا له في العرف فكذلك قبول الغير من الأوّل فإنّه قد لا يكون تقليدا له، فالإنذار حينئذ أشبه شيء بالرواية بل قد يكون عينها و إن لم يصرّح المنذر بالنقل عن النبيّ.

ألا ترى أنّ الواسطة في نقل فتوى المجتهد لو قال لمقلّده: «افعل كذا و لا تفعل كذا» أو «أنّ الشيء الفلاني واجب و الشيء الفلاني حرام» ينساق منه في العرف كونه ناقلا عن المجتهد، و كما أنّ الأخذ بقول الواسطة هنا أخذ بقول الأصل بواسطة هذا النقل فكذلك الأخذ بقول الواسطة ثمّة.

و هذا هو السرّ في استدلال كثير من العلماء بالآية لإثبات حجّية خبر الواحد، فالاعتراض عليهم بأنّها لا تتناول الرواية لظهورها في الفتوى غير صحيح.

و أمّا قصور آية الكتمان: فلأنّ وجوب إظهار الحقّ و إن استلزم وجوب القبول صونا لكلام الحكيم عن منافاة الحكمة، نظرا إلى أنّه لو لا القبول فائدة مقصودة من إظهار الحقّ لكان إيجابه أمرا بالفعل اللغو الخالي عن الفائدة و هو قبيح مناف لحكمة الحكيم، غير أنّه لكونه قضيّة معنويّة استفيدت من القضيّة الملفوظة بواسطة الملازمة المذكورة لا عموم فيها وضعا و لا إطلاقا بحيث يشمل صورتي حصول العلم و عدمه، فوجوب القبول إنّما يثبت على طريقة القضيّة المهملة، فيجوز اختصاصه بصورة العلم الحاصل عقيب إظهار الحقّ ممّن انكشف عنده الحقّ و لو بمعونة القرائن أو تعاضد بعض ببعض كما في التواتر، و يكفي ذلك في رفع محذور اللغويّة و منافاة الحكمة.

مع إمكان أن يقال: إنّ الفائدة في الإظهار إنّما هي المدخليّة في حصول العلم ليترتّب عليه القبول.

و لا ريب أنّ الإظهار من كلّ واحد له مدخليّة في ذلك و لو فرضنا العلم حاصلا مع المجموع كما في التواتر، فإنّ كلّ واحد على هذا التقدير جزء للسبب المفيد للعلم فيجب الإظهار على كلّ، لأنّ له مدخليّة إمّا لكونه سببا تامّا أو جزء للسبب، فلا ينتفي الفائدة لا من المجموع و لا من كلّ واحد، و على هذا فيجوز اختصاص مورد الآية باصول الدين، و يكون المراد من البيّنات علامات النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و شواهد نبوّته الّتي بيّنها اللّه تعالى لليهود و النصارى في التوراة و الإنجيل.

و أمّا آية السؤال: فلأنّها- بعد الإغماض عن منع كون المراد من أهل الذكر مطلق أهل


صفحه 374

..........

العلم لاستفاضة الأخبار المفسّرة له بالأئمّة(عليهم السلام)- بموجب تعليق إيجاب السؤال على عدم العلم المتناول الصورة الظنّ و الشكّ و الوهم تدلّ على وجوب السؤال طلبا للعلم بالقضيّة المجهولة ليعمل فيها بالعلم، لا التعبّد بها تعويلا على قول الغير.

و قضيّة ذلك بحسب متفاهم العرف بقاء وجوب السؤال إلى أن يحصل العلم و لو لضابطة تكرّر الأمر المعلّق على علّة بتكرّر العلّة، فيكون الخطاب حينئذ متوجّها إلى المتمكّنين من طلب العلم و لو في الفروع، فلا يندرج فيه نحو موضوع المسألة.

ثمّ ينبغي أن يعلم أنّ الاستدلال بالوجوه المذكورة حتّى الآيات- على تقدير تماميّة دلالتها- إنّما يستقيم أن لو كان الناظر فيها من العلماء و المجتهدين، فإنّهم إذا حاولوا استعلام حكم العامي صحّ لهم النظر في هذه الوجوه المنتجة للحكم المذكور المانعة من رجوع المقلّد إلى غير المجتهد، و أمّا المقلّد نفسه إذا حاول معرفة حكمه فلا سبيل له إلى الاستدلال بها، فإنّه لمكان كونه عاميّا لا يعرف كتابا و لا سنّة و لا إجماعا، بل لا سبيل له إلى الاستدلال بالدليل العقلي لإثبات عموم هذا المطلب، لكون أكثر مقدّماته نظريّة لا يتأتّى إحرازها إلّا من المجتهد، بل قد يقال: إنّه- بناء على تقريره بالوجه الثاني- ليس بحيث يوصله دائما إلى أنّه لا بدّ و أن يرجع إلى المجتهد لأنّه من أهل الخبرة، بل ربّما يوصله إلى العمل بظنّ نفسه إذا اتّفق حصوله له في واقعة مخصوصة، أو إلى العمل بقول أمّه أو أبيه أو معلّمه لاعتقاده بكون هذا القول أقرب إلى الواقع و أنّ هؤلاء أكمل بالقياس إليه، بل ربّما يأخذ بقول غير الأكمل مع وجود الأكمل و معرفته له لمجرّد اعتقاده بأنّ حكم اللّه واحد لا يختلف باختلاف القائل.

و بالجملة فالمكلّف الّذي وظيفته التقليد إمّا أن يلتفت إلى أكمل أهل زمانه من المجتهدين أو لا.

و على الأوّل إمّا أن يكون مقصّرا في تحصيل معرفة الأكمل أو قاصرا، و الدليل العقلي إنّما يفضيه إلى الأكمل على الأوّل.

و أمّا على الأخيرين فربّما يفضيه إلى ظنّه أو غيره ممّن يعتقد كونه أكمل و لو أمّه، فهو على ذلك لا ينتج له الأخذ بقول المجتهد الّذي هو حكمه الواقعي.

لكنّ الإنصاف: أنّ قصور نظر العامي عن الاستدلال بالآيات و الروايات و الإجماع بقسميه ممّا لا خفاء فيه و لا شبهة تعتريه، و كذلك إمكان الاستدلال بالدليل العقلي و إنتاجه لأصل المطلب للعامي الملتفت إلى موضوع المسألة و هو رجوع العامي الغير البالغ حدّ


صفحه 375

..........

الاجتهاد إلى العالم الفقيه المجتهد، و كذلك إمكانه و إنتاجه لغير الملتفت إليه بالخصوص مع التفاته إلى عنوان رجوع الجاهل إلى العالم و أخذ الناقص من الكامل، فإنّ حسن رجوع الجاهل الناقص إلى العالم الكامل من ضروريّات قاطبة العوامّ و القضايا المركوزة في أذهانهم حتّى النسوان و الصبيان، لكون بقاء التكليف و قبح التكليف بما لا يطاق اللازم من إيجاب تحصيل العلم أو إيجاب الاجتهاد بالنظر في الأدلّة النظريّة في تحصيل الأحكام علما أو ظنّا و انحصار طريق الامتثال في الرجوع إلى العالم الكامل من ضروريّاتهم، بناء على أنّ دفع احتمالي الرجوع إلى أصل البراءة و الاحتياط و إن كان من النظريّات الّتي لا تتأتّى إلّا من العلماء و المجتهدين، إلّا أنّ الالتفات إلى هذين الاحتمالين عند النظر في الدليل العقلي أيضا ممّا يختصّ بالعلماء و المجتهدين لأنّهم يلتفتون إليها و ربّما يذكرونهما في المناقشة في الدليل العقلي دون العوامّ و الأذهان الصافية و الخالية عن الاحتمالات الغير الواردة و الشبهات المندفعة بحسب الواقع.

و لا ريب أنّ اختلاف الأنظار في الالتفات إلى بعض الاحتمالات المندفعة لا يوجب قدحا في الدليل و إنتاجه، و لو تطرّق إلى بعضهم احتمال الاحتياط أيضا فهو ليس بحيث يحتاج في دفعه إلى النظر في القضايا النظريّة كقاعدة نفي العسر و الحرج المستفادة من الكتاب و السنّة، لأنّ عدم كون الاحتياط طريقا يجب الرجوع إليه على التعيين في الشريعة لامتثال أحكام اللّه تعالى من ضروريّات الدين.

و لا ريب أنّ الاستدلال بالدليل العقلي الّذي يحرز مقدّماته بطريق الضرورة و البداهة ممّا يتأتّى و يتيسّر للعوامّ بعد التفاتهم إلى التكليف و عنوان رجوع الجاهل إلى العالم، كيف و لو لا ذلك لانسدّ باب إثبات مشروعيّة التقليد لهم، لتعذّر إثباته بطريق النظر و الاستدلال و التقليد فيه أيضا غير ممكن لإفضائه إلى الدور.

غاية الأمر أنّه ينتج لبعضهم الرجوع إلى عالم فقيه، و لبعضهم إلى عالم غير فقيه، و لثالث إلى غير عالم من أمّه أو أبيه أو معلّمه أو غيرهم ممّن لا أهليّة له لأن يقلّد لمجرّد اعتقاده بكونه العالم الكامل.

و لا ريب أنّه في الأوّل منتج لأصل المطلب بخلاف البواقي، فيكون الرجوع فيها إلى الغير من التقليد الفاسد الغير المشروع بحسب الواقع، و هذا لا يوجب قصورا في أصل الدليل العقلي و لا و هنا فيه، لأنّه دليل مفاده حكم كبروي و لا قصور فيه من هذه الجهة،


صفحه 376

..........

و اختلاف النتيجة إنّما ينشأ من التباس موضوعي و اشتباه صغروي و مثله غير عزيز في استدلالات العلماء فضلا عن العوامّ.

نعم ربّما يتكلّم في حكم التقليد اللازم في غير الصورة الاولى من حيث إنّه يجزي لصاحبه أو لا يجزي؟ و هذا كلام آخر يأتي تحقيقه في مسألة الجاهل في العبادات.

و بما قرّرناه ظهر أنّ المسألة في جواز تقليد العامي الغير البالغ حدّ الاجتهاد في المسائل اجتهاديّة و مدركها العقل القاطع، و لا سبيل للتقليد فيها و لا يكفي فيها الدليل الظنّي لئلّا يلزم الدور، و لو فرض عاميّ عجز عن النظر و الاجتهاد في تلك المسألة بحيث لم يتمكّن عن تتميم الدليل العقلي على الوجه الّذي قرّرناه أيضا فلا بدّ و أن يجتهد في جواز التقليد في تلك المسألة وحدها الّتي هي مسألة اصوليّة أو كلاميّة كما هو الأظهر، و طريقه أن يقال: إنّ جواز التقليد في الفروع للعامي أو وجوب الاجتهاد عليه فيها أيضا مسألة، و لا بدّ للعامي إمّا من الاجتهاد فيها بإقامة دليل واقعي على أحد الطرفين أو من تقليد الغير، و لا سبيل له إلى الأوّل لتعذّره عليه فيقبح التكليف به بحكم العقل المستقلّ، فتعيّن الثاني و حينئذ يرجع إلى مجتهد يجوّز التقليد في الفروع و يقلّده فيه لا إلى من يوجب الاجتهاد فيه، و إلّا رجع تقليده له إلى الالتزام بوجوب أمر غير مقدور و هو قبيح.

و بالجملة مسألة جواز التقليد في الفروع للعامي لا بدّ و أن تكون اجتهاديّة- بأن يستند في تقليده فيها إلى اجتهاد نفسه في جواز ذلك التقليد- أو منتهية إلى الاجتهاد بأن يستند في تقليده في الفروع إلى تقليده في مسألة جواز التقليد في الفروع و فيه إلى اجتهاد نفسه القاضي بحكم العقل المستقلّ بتعيّن هذا التقليد.

و لو فرض أنّ عاميّا لقصور نظره و ضعف فطنته عجز عن الاجتهاد في المقامين، فإن لم يكن ملتفتا إلى مسألة جواز التقليد أصلا و مع ذلك قلّد من له أهليّة التقليد في الفروع صحّ تقليده لمصادفته الواقع، و إن كان ملتفتا شاكّا في جواز التقليد و قلّد مع ذلك من له أهليّة التقليد فإن لم يكن شكّه هنا مخلّا بقصد التقرّب في عباداته صحّ تقليده أيضا لمصادفته الواقع، و إن أخلّ به كان في تقليده كمن لم يقلّد أصلا لشكّه في جوازه، فهو إن تيسّر له الاحتياط و التفت إليه أيضا كان حكمه الواقعي هو الاحتياط، و إن لم يتيسّر له ذلك أو كان غافلا عنه بالمرّة فمقتضى قواعد العدليّة كونه كمن لا تكليف عليه أصلا، لقبح خطابه بكلّ من الطرق الثلاث المعمولة في الفروع من الاجتهاد و التقليد و الاحتياط