بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 371

..........

و من الإجماع:- فبعد ما سمعت من الإجماعات المنقولة المستفيضة من أساطين الطائفة الّتي هي بانفرادها حجّة مستقلّة المعتضدة بظهور الإجماع القولي- بناء المسلمين و عملهم خلفا عن سلف في جميع الأمصار و الأعصار من لدن بناء نشر الأحكام إلى يومنا هذا على رجوع العوامّ إلى الفقهاء و مسألتهم، و الأخذ بتفاويهم من دون نكير و لا استنكار على وجه يكشف عن تقرير المعصومين(عليهم السلام)و رضاهم، مع القطع بعدم كون ذلك في جميع فروض المسألة بطريق الرواية و لا التنبيه على مدرك الحكم، و لا لأجل إحراز دليله، لعدم استقلال كلّ واحد من آحاد العوام حتّى أهل البوادي و القرى و الرساتيق بفهم أصل الحكم و لا استخراجه من المدرك من كتاب أو سنّة أو نحوهما، و لا تمكّنه من إحراز دليله من إجماع و نحوه.

و بذلك كلّه يندفع ما عرفت عن ابن زهرة في عبارته المتقدّمة من منع كون فائدة الإجماع على وجوب رجوع العامي إلى المفتي العمل بقوله، للقطع بانتفاء غير هذه الفائدة في معقد الإجماع العملي، مع قصور أكثر العوامّ عن فهم الإجماع و إحراز مناط حجّيته و عدم إمكان اطّلاعهم عليه بمجرّد الاطّلاع على فتيا المفتين، مع كون أكثر المسائل خلافيّة، مع أنّ الإجماعات المنقولة في كلام أساطين الطائفة إنّما نقلت على مجرّد العمل و القبول.

و من العقل: دليل الانسداد، فإنّ الأحكام الواقعيّة الثابتة على المجتهدين المعلومة بالإجمال مشتركة بينهم و بين العوامّ، و باب العلم بها مسدود، بل انسداده للعوامّ أوضح و موارد فقد طرقه لهم أكثر، و البناء على أصالة البراءة النافية للتكليف- مع استلزامه المخالفة القطعيّة- مبنيّ على معرفتها و تأسيسها و فهم أدلّتها و لا سبيل للعوامّ إلى شيء من ذلك، و العمل بالاحتياط في غالب موارده متعسّر، و تشخيص موارده لأكثر العوامّ متعذّر إن لم نقل بتعذّره للجميع، فتعيّن عليهم في امتثال أحكام اللّه المعلومة بالإجمال الأخذ بقول أهل الخبرة و هم الفقهاء، مع أنّه نوعا أقرب إلى الواقع من فهم نفسه بحسب نوعه، للقطع الضروري بأنّ ما يفسده في بناء عمله على فهم نفسه أكثر ممّا يصلحه فيجب في حكم العقل الأخذ به، و يشهد له رجوع الجاهل في كلّ فنّ و صناعة إلى أهل الخبرة بهما، بل لزوم رجوع الجاهل إلى العالم و الأخذ بقوله من فطريّات الناس كما يدركه المنصف بالوجدان.

و لا فرق في ذلك بين العامي الصرف و العامي العارف بجملة من العلوم و إن تمكّن من استفادة بعض الأحكام من الأخبار الواضحة الدلالة، لقضيّة الأقربيّة إلى الواقع و إطلاق الإجماعات المنقولة، مع إمكان دعوى عدم القول بالفصل و الإجماع المركّب بل انعقاد السيرة القطعيّة في كلا الفريقين.


صفحه 372

..........

فنتيجة الكلام: أنّ الحكم الواقعي في حقّ العامي بالمعنى الأعمّ المكتوب في اللوح المحفوظ هو الرجوع إلى أكمل أهل زمانه و الأخذ بقوله، و لا يجزئه عنه غيره.

و العمدة من دليله بعد الإجماع بقسميه هو العقل بتقريريه ثمّ الأخبار ثمّ الآيات.

لكنّ الإنصاف عدم نهوض الآيات دليلا على هذا الحكم لقصور دلالتها عليه حتّى آية النفر بكلّ من تقريري وجه الاستدلال بها.

أمّا على التقرير الأوّل: فلعدم كون التفقّه فيها من الفقه بالمعنى المعهود المصطلح ليرجع مفاد إيجابه إلى إيجاب الاجتهاد بالمعنى المتضمّن لاستفراغ الوسع في طلب الأحكام من الأدلّة الظنّية، بل هو جريا على معناه العرفي اللغوي عبارة عن تعلّم الأحكام الحاصل من المشافهين بالأخذ عن النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)بطريق المشافهة، و هذا و إن كان ليس من باب التقليد لكونه أخذا بالحكم الواقعي من بابه و طريقه القطعي، إلّا أنّه ليس من باب الاجتهاد بالمعنى المعهود المبنيّ على استحصال عدّة مقدّمات لا يكاد يحصل لكلّ واحد من آحاد المكلّفين، بل هو نظير أخذ المقلّد من مجتهده بطريق المشافهة المفيد للعلم بفتواه، و إن غايره في كون الأخذ من المجتهد يستلزم العلم بما أفتى به على أنّه حكم فعلي لا على أنّه حكم واقعي، و الأخذ عن النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)يستلزم العلم به على أنّه حكم واقعي صار فعليّا.

و من هنا يشكل الحال في الاستدلال بالآية لإثبات مشروعيّة الاجتهاد و أخذها دليلا على وجوبه كفاية كما صنعه جماعة من العامّة و الخاصّة، إلّا أن يكون مبناه على توهّم تنقيح المناط، بدعوى: أنّ تعلّم الأحكام إذا وجب على المشافهين بحكم نصّ الآية لزم منه وجوب الاجتهاد على غيرهم، لأنّه إنّما يجب لوجوب تعلّم الأحكام لا لذاته، مضافا إلى مقدّمة الاشتراك في التكليف.

غير أنّه يتوجّه إليه: أنّ هذا لو تمّ لقضى بوجوب الأمر المردّد بين الاجتهاد و التقليد، لأنّ كلّا منهما في موارد وجوبه إنّما يجب لوجوب تعلّم الأحكام، فيتطرّق الإجمال إلى الأمر بالتفقّه بالقياس إلى حكم الاجتهاد بالخصوص، و ظهورها في الوجوب كفاية- على تقدير تسليمه- لا ينهض قرينة على تعيين الاجتهاد، لأنّ النفور لتعلّم الأحكام تقليدا قد يجب على المقلّدين النائين عن المجتهد فيجوز اختصاصه من كلّ فرقة بطائفة لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم بعد تعلّمهم المسائل بطريق التقليد.

و أمّا على التقرير الثاني: فلتطرّق المنع إلى كون الإنذار المأمور به من باب الإفتاء ليكون قبوله من باب التقليد، إذ كما أنّ الآخذ من النبيّ كالآخذ من المجتهد و إن لم يصدق


صفحه 373

..........

على أخذه عنوان التقليد كما عرفت، فكذلك إرشاده الغير إلى مأخوذاته كإرشاد الآخذ من المجتهد غيره و إن صدق عليه عنوان الإنذار مطلقا أو في بعض الفروض، و كما أنّ قبول الغير من الثاني ليس تقليدا له في العرف فكذلك قبول الغير من الأوّل فإنّه قد لا يكون تقليدا له، فالإنذار حينئذ أشبه شيء بالرواية بل قد يكون عينها و إن لم يصرّح المنذر بالنقل عن النبيّ.

ألا ترى أنّ الواسطة في نقل فتوى المجتهد لو قال لمقلّده: «افعل كذا و لا تفعل كذا» أو «أنّ الشيء الفلاني واجب و الشيء الفلاني حرام» ينساق منه في العرف كونه ناقلا عن المجتهد، و كما أنّ الأخذ بقول الواسطة هنا أخذ بقول الأصل بواسطة هذا النقل فكذلك الأخذ بقول الواسطة ثمّة.

و هذا هو السرّ في استدلال كثير من العلماء بالآية لإثبات حجّية خبر الواحد، فالاعتراض عليهم بأنّها لا تتناول الرواية لظهورها في الفتوى غير صحيح.

و أمّا قصور آية الكتمان: فلأنّ وجوب إظهار الحقّ و إن استلزم وجوب القبول صونا لكلام الحكيم عن منافاة الحكمة، نظرا إلى أنّه لو لا القبول فائدة مقصودة من إظهار الحقّ لكان إيجابه أمرا بالفعل اللغو الخالي عن الفائدة و هو قبيح مناف لحكمة الحكيم، غير أنّه لكونه قضيّة معنويّة استفيدت من القضيّة الملفوظة بواسطة الملازمة المذكورة لا عموم فيها وضعا و لا إطلاقا بحيث يشمل صورتي حصول العلم و عدمه، فوجوب القبول إنّما يثبت على طريقة القضيّة المهملة، فيجوز اختصاصه بصورة العلم الحاصل عقيب إظهار الحقّ ممّن انكشف عنده الحقّ و لو بمعونة القرائن أو تعاضد بعض ببعض كما في التواتر، و يكفي ذلك في رفع محذور اللغويّة و منافاة الحكمة.

مع إمكان أن يقال: إنّ الفائدة في الإظهار إنّما هي المدخليّة في حصول العلم ليترتّب عليه القبول.

و لا ريب أنّ الإظهار من كلّ واحد له مدخليّة في ذلك و لو فرضنا العلم حاصلا مع المجموع كما في التواتر، فإنّ كلّ واحد على هذا التقدير جزء للسبب المفيد للعلم فيجب الإظهار على كلّ، لأنّ له مدخليّة إمّا لكونه سببا تامّا أو جزء للسبب، فلا ينتفي الفائدة لا من المجموع و لا من كلّ واحد، و على هذا فيجوز اختصاص مورد الآية باصول الدين، و يكون المراد من البيّنات علامات النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و شواهد نبوّته الّتي بيّنها اللّه تعالى لليهود و النصارى في التوراة و الإنجيل.

و أمّا آية السؤال: فلأنّها- بعد الإغماض عن منع كون المراد من أهل الذكر مطلق أهل


صفحه 374

..........

العلم لاستفاضة الأخبار المفسّرة له بالأئمّة(عليهم السلام)- بموجب تعليق إيجاب السؤال على عدم العلم المتناول الصورة الظنّ و الشكّ و الوهم تدلّ على وجوب السؤال طلبا للعلم بالقضيّة المجهولة ليعمل فيها بالعلم، لا التعبّد بها تعويلا على قول الغير.

و قضيّة ذلك بحسب متفاهم العرف بقاء وجوب السؤال إلى أن يحصل العلم و لو لضابطة تكرّر الأمر المعلّق على علّة بتكرّر العلّة، فيكون الخطاب حينئذ متوجّها إلى المتمكّنين من طلب العلم و لو في الفروع، فلا يندرج فيه نحو موضوع المسألة.

ثمّ ينبغي أن يعلم أنّ الاستدلال بالوجوه المذكورة حتّى الآيات- على تقدير تماميّة دلالتها- إنّما يستقيم أن لو كان الناظر فيها من العلماء و المجتهدين، فإنّهم إذا حاولوا استعلام حكم العامي صحّ لهم النظر في هذه الوجوه المنتجة للحكم المذكور المانعة من رجوع المقلّد إلى غير المجتهد، و أمّا المقلّد نفسه إذا حاول معرفة حكمه فلا سبيل له إلى الاستدلال بها، فإنّه لمكان كونه عاميّا لا يعرف كتابا و لا سنّة و لا إجماعا، بل لا سبيل له إلى الاستدلال بالدليل العقلي لإثبات عموم هذا المطلب، لكون أكثر مقدّماته نظريّة لا يتأتّى إحرازها إلّا من المجتهد، بل قد يقال: إنّه- بناء على تقريره بالوجه الثاني- ليس بحيث يوصله دائما إلى أنّه لا بدّ و أن يرجع إلى المجتهد لأنّه من أهل الخبرة، بل ربّما يوصله إلى العمل بظنّ نفسه إذا اتّفق حصوله له في واقعة مخصوصة، أو إلى العمل بقول أمّه أو أبيه أو معلّمه لاعتقاده بكون هذا القول أقرب إلى الواقع و أنّ هؤلاء أكمل بالقياس إليه، بل ربّما يأخذ بقول غير الأكمل مع وجود الأكمل و معرفته له لمجرّد اعتقاده بأنّ حكم اللّه واحد لا يختلف باختلاف القائل.

و بالجملة فالمكلّف الّذي وظيفته التقليد إمّا أن يلتفت إلى أكمل أهل زمانه من المجتهدين أو لا.

و على الأوّل إمّا أن يكون مقصّرا في تحصيل معرفة الأكمل أو قاصرا، و الدليل العقلي إنّما يفضيه إلى الأكمل على الأوّل.

و أمّا على الأخيرين فربّما يفضيه إلى ظنّه أو غيره ممّن يعتقد كونه أكمل و لو أمّه، فهو على ذلك لا ينتج له الأخذ بقول المجتهد الّذي هو حكمه الواقعي.

لكنّ الإنصاف: أنّ قصور نظر العامي عن الاستدلال بالآيات و الروايات و الإجماع بقسميه ممّا لا خفاء فيه و لا شبهة تعتريه، و كذلك إمكان الاستدلال بالدليل العقلي و إنتاجه لأصل المطلب للعامي الملتفت إلى موضوع المسألة و هو رجوع العامي الغير البالغ حدّ


صفحه 375

..........

الاجتهاد إلى العالم الفقيه المجتهد، و كذلك إمكانه و إنتاجه لغير الملتفت إليه بالخصوص مع التفاته إلى عنوان رجوع الجاهل إلى العالم و أخذ الناقص من الكامل، فإنّ حسن رجوع الجاهل الناقص إلى العالم الكامل من ضروريّات قاطبة العوامّ و القضايا المركوزة في أذهانهم حتّى النسوان و الصبيان، لكون بقاء التكليف و قبح التكليف بما لا يطاق اللازم من إيجاب تحصيل العلم أو إيجاب الاجتهاد بالنظر في الأدلّة النظريّة في تحصيل الأحكام علما أو ظنّا و انحصار طريق الامتثال في الرجوع إلى العالم الكامل من ضروريّاتهم، بناء على أنّ دفع احتمالي الرجوع إلى أصل البراءة و الاحتياط و إن كان من النظريّات الّتي لا تتأتّى إلّا من العلماء و المجتهدين، إلّا أنّ الالتفات إلى هذين الاحتمالين عند النظر في الدليل العقلي أيضا ممّا يختصّ بالعلماء و المجتهدين لأنّهم يلتفتون إليها و ربّما يذكرونهما في المناقشة في الدليل العقلي دون العوامّ و الأذهان الصافية و الخالية عن الاحتمالات الغير الواردة و الشبهات المندفعة بحسب الواقع.

و لا ريب أنّ اختلاف الأنظار في الالتفات إلى بعض الاحتمالات المندفعة لا يوجب قدحا في الدليل و إنتاجه، و لو تطرّق إلى بعضهم احتمال الاحتياط أيضا فهو ليس بحيث يحتاج في دفعه إلى النظر في القضايا النظريّة كقاعدة نفي العسر و الحرج المستفادة من الكتاب و السنّة، لأنّ عدم كون الاحتياط طريقا يجب الرجوع إليه على التعيين في الشريعة لامتثال أحكام اللّه تعالى من ضروريّات الدين.

و لا ريب أنّ الاستدلال بالدليل العقلي الّذي يحرز مقدّماته بطريق الضرورة و البداهة ممّا يتأتّى و يتيسّر للعوامّ بعد التفاتهم إلى التكليف و عنوان رجوع الجاهل إلى العالم، كيف و لو لا ذلك لانسدّ باب إثبات مشروعيّة التقليد لهم، لتعذّر إثباته بطريق النظر و الاستدلال و التقليد فيه أيضا غير ممكن لإفضائه إلى الدور.

غاية الأمر أنّه ينتج لبعضهم الرجوع إلى عالم فقيه، و لبعضهم إلى عالم غير فقيه، و لثالث إلى غير عالم من أمّه أو أبيه أو معلّمه أو غيرهم ممّن لا أهليّة له لأن يقلّد لمجرّد اعتقاده بكونه العالم الكامل.

و لا ريب أنّه في الأوّل منتج لأصل المطلب بخلاف البواقي، فيكون الرجوع فيها إلى الغير من التقليد الفاسد الغير المشروع بحسب الواقع، و هذا لا يوجب قصورا في أصل الدليل العقلي و لا و هنا فيه، لأنّه دليل مفاده حكم كبروي و لا قصور فيه من هذه الجهة،


صفحه 376

..........

و اختلاف النتيجة إنّما ينشأ من التباس موضوعي و اشتباه صغروي و مثله غير عزيز في استدلالات العلماء فضلا عن العوامّ.

نعم ربّما يتكلّم في حكم التقليد اللازم في غير الصورة الاولى من حيث إنّه يجزي لصاحبه أو لا يجزي؟ و هذا كلام آخر يأتي تحقيقه في مسألة الجاهل في العبادات.

و بما قرّرناه ظهر أنّ المسألة في جواز تقليد العامي الغير البالغ حدّ الاجتهاد في المسائل اجتهاديّة و مدركها العقل القاطع، و لا سبيل للتقليد فيها و لا يكفي فيها الدليل الظنّي لئلّا يلزم الدور، و لو فرض عاميّ عجز عن النظر و الاجتهاد في تلك المسألة بحيث لم يتمكّن عن تتميم الدليل العقلي على الوجه الّذي قرّرناه أيضا فلا بدّ و أن يجتهد في جواز التقليد في تلك المسألة وحدها الّتي هي مسألة اصوليّة أو كلاميّة كما هو الأظهر، و طريقه أن يقال: إنّ جواز التقليد في الفروع للعامي أو وجوب الاجتهاد عليه فيها أيضا مسألة، و لا بدّ للعامي إمّا من الاجتهاد فيها بإقامة دليل واقعي على أحد الطرفين أو من تقليد الغير، و لا سبيل له إلى الأوّل لتعذّره عليه فيقبح التكليف به بحكم العقل المستقلّ، فتعيّن الثاني و حينئذ يرجع إلى مجتهد يجوّز التقليد في الفروع و يقلّده فيه لا إلى من يوجب الاجتهاد فيه، و إلّا رجع تقليده له إلى الالتزام بوجوب أمر غير مقدور و هو قبيح.

و بالجملة مسألة جواز التقليد في الفروع للعامي لا بدّ و أن تكون اجتهاديّة- بأن يستند في تقليده فيها إلى اجتهاد نفسه في جواز ذلك التقليد- أو منتهية إلى الاجتهاد بأن يستند في تقليده في الفروع إلى تقليده في مسألة جواز التقليد في الفروع و فيه إلى اجتهاد نفسه القاضي بحكم العقل المستقلّ بتعيّن هذا التقليد.

و لو فرض أنّ عاميّا لقصور نظره و ضعف فطنته عجز عن الاجتهاد في المقامين، فإن لم يكن ملتفتا إلى مسألة جواز التقليد أصلا و مع ذلك قلّد من له أهليّة التقليد في الفروع صحّ تقليده لمصادفته الواقع، و إن كان ملتفتا شاكّا في جواز التقليد و قلّد مع ذلك من له أهليّة التقليد فإن لم يكن شكّه هنا مخلّا بقصد التقرّب في عباداته صحّ تقليده أيضا لمصادفته الواقع، و إن أخلّ به كان في تقليده كمن لم يقلّد أصلا لشكّه في جوازه، فهو إن تيسّر له الاحتياط و التفت إليه أيضا كان حكمه الواقعي هو الاحتياط، و إن لم يتيسّر له ذلك أو كان غافلا عنه بالمرّة فمقتضى قواعد العدليّة كونه كمن لا تكليف عليه أصلا، لقبح خطابه بكلّ من الطرق الثلاث المعمولة في الفروع من الاجتهاد و التقليد و الاحتياط


صفحه 377

..........

فيقبح خطابه في الفروع أيضا.

و ينبغي التنبيه على امور:

أحدها: [في موضوع التقليد]

أنّه لا فرق في جواز التقليد لمن لم يبلغ رتبة الاجتهاد في المسائل الفرعيّة بين أن يكون المسألة اجتهاديّة مبتنية على الأمارات الظنّية أو لا، بأن يكون عليها دلالة قاطعة كما عن المعارج و المبادئ و التهذيب و شرح المبادي لفخر الإسلام، و هو ظاهر الأصحاب في إطلاق تجويزهم التقليد له.

و في المفاتيح دعوى الشهرة العظيمة و ظهور عدم الخلاف بين أصحابنا القائلين بجواز التقليد.

و عن أبي عليّ الجبائي القول بالفرق، فجوّز التقليد في المسائل الاجتهاديّة دون ما عليه دلالة قاطعة، محتجّا بأنّ الحقّ فيما ليس من مسائل الاجتهاد واحد فتجويز التقليد فيه يستلزم عدم الأمن من التقليد في خلاف الحقّ، بخلاف مسائل الاجتهاد لتصويب كلّ مجتهد فيها.

و يدفعه: إطلاق الأدلّة و لا سيّما الإجماعات المنقولة، بل تحقّق الإجماع العملي على التقليد فيهما معا، و يكفي في ضعفه أنّ تشخيص موارد وجود الدلالة القاطعة عن غيرها لا يتأتّى إلّا من المجتهد، لابتنائه على اجتهاد تامّ يستغرق برهة من وقت العمر، و هو متعذّر لكثير من العوامّ و متعسّر للباقين، مع قصور أكثر العوامّ عن إعمال النظر في الأدلّة القطعيّة و إحراز ما له دخل في قطعيّتها من المقدّمات بعد تشخيص موارد وجودها، إلّا أن يراد من الدلالة القاطعة ما ليس من القطعيّات النظريّة كالضرورة و نحوها.

و يرد عليه حينئذ: أنّ مثل هذه الدلالة القاطعة خارجة عن مورد التقليد خروجا موضوعيّا، و لا يعقل فيه الإخراج الحكمي ليكون قولا بالفرق في المسألة، هذا مع وضوح فساد مستنده.

أمّا أوّلا: فلبطلان التصويب في مسائل الاجتهاد، و على التخطئة- كما هو الصواب- فعدم الأمن من التقليد في خلاف الحقّ مشترك اللزوم.

و أمّا ثانيا: فلقيام احتمال الإفتاء بخلاف الحقّ في مسائل الاجتهاد أيضا، لجواز ترك الاجتهاد فيها رأسا أو التقصير فيه أو الإفتاء بغير ما أدّى إليه اجتهاده لكذب أو سهو أو نسيان أو نحو ذلك ممّا يوجب عدم الأمن من التقليد في خلاف الحقّ في مسائل الاجتهاد أيضا حتّى على التصويب، إلّا أن يدفع ذلك بعدالة المفتي و غيرها من الاصول النافية لنحو الاحتمالات المذكورة.


صفحه 378

..........

و أمّا ثالثا: فلأنّ الدلالة إن اريد بها ما يلازم الواقع لذاته بدوام مصادفته له فالإفتاء من جهته إفتاء بالحقّ لا محالة فيكون الأخذ به تقليدا في الحقّ لا غير، و إن اريد بها ما لا يلازم الواقع لقبوله الخطأ و اختلاف النظر بحيث احتمل في حقّ العامي الناظر فيه أيضا عدم إصابة الحقّ، فالأخذ بمؤدّاه حينئذ يستلزم عدم الأمن من الوقوع في خلاف الحقّ بالاجتهاد، و هذا ليس بأولى من التقليد في خلاف الحقّ.

و لو قيل: بأنّه إذا كان مجتهدا فهو معذور في خطائه، قلنا: كلّما كان المجتهد معذورا في خطائه كان مقلّده في هذا الخطأ معذورا بالإجماع، بل ربّما لا يكون المجتهد معذورا كما لو كان مقصّرا في اجتهاده و كان مقلّده معذورا.

و قضيّة ذلك أن يكون التقليد في خلاف الحقّ أهون من الوقوع في خلاف الحقّ بالاجتهاد.

و لو قيل: بأنّه إذا حصل له القطع بما فرض في المسألة من وجود الدلالة القاطعة فهو لا يجوّز في حقّ نفسه الوقوع في خلاف الحقّ حتّى لا يأمن في عمله من الوقوع في خلاف الحقّ بخلاف ما لو قلّد في ذلك.

قلنا: نفرض مورد النقض قبل الدخول في المسألة و إعمال النظر في الدلالة القاطعة الموجودة فيها بالفرض، فهو حينئذ كما يجوّز في تقليده على تقدير البناء عليه كونه تقليدا في خلاف الحقّ التفاتا منه إلى احتمال خطأ المفتي، فكذلك يجوّز في حقّه الوقوع في خلاف الحقّ التفاتا منه قبل العثور على الدلالة القاطعة احتمال عدم إصابة الواقع، فهو حينئذ في اختيار كلّ من الأمرين لا يأمن من الوقوع في خلاف الحقّ، فإن كان ذلك مانعا من اختيار التقليد وجب كونه مانعا من اختيار النظر أيضا و إلّا فلا، و الفرق بين المقامين تحكّم واضح.

و أمّا رابعا: فلأنّ خوف الوقوع في خلاف الحقّ إنّما يصلح وجها للمنع من التقليد لو اعتبرنا فتوى المفتي في حقّ المقلّد من باب الطريقيّة الكاشفة عن الواقع بعنوان القطع لا من باب الموضوعيّة بالمعنى الّذي نقرّره- كما هو الحقّ- أو الطريقيّة الظنّية كما قيل.

و ثانيها: [في اشتراط حجّيّة قول المجتهد للمقلّد بإفادته الظنّ و عدمه]

أنّ قول المفتي و فتوى المجتهد بالنسبة إلى عمل المقلّد هل هو من الأمارات التعبّديّة الغير المنوط اعتبارها بحصول الظنّ بالواقع كالبيّنة و اليد حتّى أنّه لو ظنّ المقلّد بخطإ المجتهد في الحكم أو دليله جاز له تقليده، أو هي من قبيل الأمارات الاجتهاديّة