بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 396

..........

لم يصادف ما يقتضي بطلان العبادة و لو ظاهرا، أو لم يكن هو بنفسه مخلّا بشرط من شروط صحّتها و مفوّتا له و إلّا فلا جهة لسلوكه و لا يبعد اندراجه حينئذ في عنوان التشريع، و من أمثلته المكلّف بالطهارة للصلاة المبتلى بالإناءين المشتبهين أحدهما نجس و لم يتمكّن من ماء آخر يتطهّر به عن الحدث و لكن أمكنه الصلاة المتيقّنة باستعمال الإناءين معا، بأن يتطهّر أوّلا بأحدهما و صلّى ثمّ يتطهّر بالآخر بعد ما غسل ما لاقاه الأوّل من أعضائه و صلّى ثانيا، فقد يسبق إلى الوهم أنّ ذلك من مقتضى الاحتياط اللازم أو الراجح، لأنّ المكلّف قبل إقدامه على إيجاد الوضوءين على الوجه المذكور يعلم أنّ أحدهما يقع بماء طاهر على محلّ طاهر، فيعلم أنّ إحدى الصلاتين تقع جامعة لشرطي الطهارة الحدثيّة و الخبثيّة معا و إن لم يعلم أنّها أيّ الصلاتين.

و فيه- بعد الإغماض عن أنّ استعمال النجس الواقعي المعلوم بالإجمال في الشبهة المحصورة حرام و هو مقتض لوجوب اجتناب الإناءين معا و مانع من الاحتياط المذكور-:

أنّ هذا الاحتياط غير مثمر في حصول البراءة الواقعيّة، لمقارنة الصلاة الاولى لاستصحاب الحدث باعتبار الشكّ في كون الوضوء الأوّل رافعا للحدث المتيقّن فيستصحب بقاؤه، و مقارنة الصلاة الثانية لاستصحاب النجاسة باعتبار أنّ الغسل المتخلّل بين الوضوءين أوجب اليقين بطروّ النجاسة لأعضاء الوضوء، و هو مع ذلك مردّد بين كونه مقتضيا لطروّ تلك النجاسة على تقدير كون النجس الواقعي هو الإناء الثاني أو رافعا للنجاسة الطارئة على تقدير كونه الإناء الأوّل، و إن لم نقل بأنّ أصالة التأخّر بالنسبة إلى طروّ النجاسة المتيقّن حدوثه المشكوك في بدو زمان حدوثه ممّا يعيّن الأوّل فلا أقلّ من إنكار أصل آخر يعيّن الثاني، و هذا يوجب الشكّ في ارتفاع النجاسة بعد الغسل المفروض و الاستصحاب يقتضي بقاءها.

و من المعلوم أنّ الحدث و النجاسة المستصحبين كالحدث و النجاسة المتيقّنين في اقتضاء بطلان الصلاة فتقع كلّ من الصلاتين باطلة، أمّا الاولى فبالحدث المستصحب، و أمّا الثانية فبالنجاسة المستصحبة، و معه فكيف ينفع الاحتياط المتوهّم في حصول يقين البراءة؟

و لئن سلّمنا أنّ المكلّف يقطع أنّ أحد الاستصحابين مخالف لمصادفته انتقاض حالته السابقة و إن لم يعلمها بالخصوص، فيكون أحد الوضوءين مؤثّرا في حصول الطهارة الحدثيّة واردا على محلّ طاهر، و يلزم منه العلم بكون الصلاة المتعقّب لهذا الوضوء صحيحة باعتبار


صفحه 397

..........

اجتماعها الطهارتين حدثيّة و خبثيّة، نقول: إنّ كلّ استصحاب بالقياس إلى الصلاة المقارنة له ممّا يقتضي بطلان تلك الصلاة ظاهرا و إن لم يطابق الواقع في إحدى الصلاتين.

و لا ريب أنّ هذا البطلان الظاهري في كلّ صلاة مانع من النيّة و قصد القربة، فهو في كلّ منهما يؤدّي إلى البطلان واقعا باعتبار انتفاء النيّة في كلّ من الصلاتين و هي من شروط الصحّة، و لعلّه لهذا كلّه أو بعضه صرّح جماعة من أساطين الطائفة في مفروض المسألة بمنع استعمال الإناءين و تعيّن العدول إلى التيمّم أيضا.

و في الحدائق: «الظاهر أنّه لا خلاف في الحكم المذكور».

و أمّا ما قيل في المقام من أنّ الأقوى وجوب الجمع بين الوضوءين مع التيمّم على تقدير إمكان غسل العضو الملاقي لأوّل الماءين ثمّ الصلاة عقيب كلّ وضوء لا وجه له إلّا الاحتياط المتوهّم.

و يدفعه: أنّ المصحّح للصلاة حينئذ هو التيمّم من غير تأثير للوضوءين في الصحّة، لاقتران كلّ منهما بما يقتضي بطلان الصلاة معه ظاهرا بل واقعا أيضا باعتبار فوات النيّة لو لا التيمّم، فيكون وجودهما بمنزلة عدمهما، فهما مع التيمّم المفروض ليسا إلّا كالحجر الموضوع في جنب الإنسان.

فإن قلت: إنّ بطلان الصلاتين باعتبار انتفاء النيّة إنّما هو إذا اعتبرنا أفراد كلّ صلاة بنيّة على حدة و هذا ليس بلازم، بل يكفي نيّة واحدة مقارنة لهما معا، و المفروض من حين قصده الإتيان بالصلاتين المتعقّبتين للوضوءين المتخلّل بينهما غسل الأعضاء إنّما ينوي أداء المأمور به الواقعي من الصلاتين و هو الصلاة الجامعة للطهارتين بداعي الأمر بها، و هذه نيّة واحدة مستمرّة من حين الشروع في الأعمال المذكورة إلى الفراغ عن الصلاة الأخيرة، و هي كافية في صحّة ما جامع من الصلاتين للطهارتين في الواقع و إن لم يعلمها بالخصوص، و انضمام التيمّم حينئذ إلى الوضوءين إنّما هو للخروج عن شبهة الحرمة الذاتيّة في التطهّر بالماء النجس الموجبة لسقوط الأمر بالمائيّة، لعدم إمكانها بعد فرض وجوب الاجتناب عن الجميع من باب المقدّمة العلميّة للاجتناب الواجب الثابت وجوبه بالقياس إلى النجس الواقعي، فيكون الوجه في وجوب الجمع حينئذ هو الاحتياط الواجب في نظائر المقام.

قلت: إنّ الالتزام بذلك الاحتياط رعاية لتحصيل الطهارة الحدثيّة على وجه اليقين ترك للاحتياط بالقياس إلى رعاية الطهارة الخبثيّة، لما عرفت من أنّ الغسل المتخلّل بين


صفحه 398

..........

الوضوءين مورث لليقين بطروّ النجاسة مع الشكّ في ارتفاعها، و محرز لموضوع استصحاب النجاسة المتيقّنة إلى أن يقارن الوضوء و الصلاة الثانيين للنجاسة المستصحبة في العضو، و معه لا يعقل كونهما بعضا من العدد المندرج فيه المأمور به الواقعي، فالأقوى حينئذ الاكتفاء بصلاة واحدة مع التيمّم، و هل يحتاط بانضمام الوضوء إليه بأحد الإنائين؟ قيل:

نعم ترجيحا للصلاة مع الطهارة الاحتماليّة عليها مع الحدث المتيقّن.

و فيه: أنّ استصحاب الحدث قائم مقام يقينه و معه لا ينفع احتمال زواله، فهذا المكلّف مع الوضوء المذكور محدث شرعا كما أنّه بدونه كان محدثا عقلا، فإلزامه على الوضوء إيقاع له في مشقّة خالية عن الفائدة.

- تعليقة- في عبادات الجاهل الغير المراعي للاحتياط

و اعلم أنّه قد ذكرنا أنّ الاجتهاد و التقليد لا مدخليّة لهما في صدق الامتثال، و أنّ قصد الوجه و معرفته لا مدخليّة لهما في صحّة الأعمال، و هذا لا يختصّ بالمحتاط بل يجري في العمل إذا وقع لا عن احتياط بشرط مطابقته الواقع و صدوره على وجه القربة عن تارك الطريقين كما هو عنوان مسألة عبادات الجاهل، فإنّه إذا أتى بما طابق الواقع و أحرز فيه قصد القربة.- و بعبارة اخرى: إذا أتى بالمأمور به الواقعي بداعي الأمر به لا غير اعتمادا على ظنّه الغير المعتبر أو على ما لا يجوز الأخذ به من قول أبيه أو أمّه أو معلّمه أو غيرهم ممّن لا أهليّة له في الإفتاء شرعا- كان عمله صحيحا مجزيا مخرجا عن العهدة، و لا يجب عليه بعد ذلك إعادة و لا قضاء سواء فرضته قاصرا في جهله و عدم تحصيله المعرفة أو مقصّرا فيه.

و بالجملة لا فرق بين العبادات بعد إحراز قصد القربة فيها و بين المعاملات في كون الصحّة فيهما مراعى بمطابقة الواقع، و لا مدخليّة لخصوص أحد الطريقين في الصحّة، بل وجه اعتبارهما إنّما هو وجه الطريقيّة، فإنّما يعتبران لتشخيص مورد الصحّة عن غيره و تمييز العمل الصحيح عن غيره، فمتى تبيّن فيها مطابقة الواقع صحّت بعد ما أحرز فيها قصد القربة الّذي هو المائز بينها و بين المعاملات وفاقا لجماعة من محقّقي المتأخّرين.

و منهم المحقّق الأردبيلي على ما هو المعروف منه من فرقه في عبادات الجاهل بين


صفحه 399

..........

المطابقة و عدمها بالمعذوريّة في الأوّل دون الثاني.

و من الأعاظم من نسب إليه المعذوريّة في القاصر مع المطابقة و غيره.

و من الأعلام من فصّل بين كونه مقصّرا أو قاصرا فخصّ المعذوريّة بالثاني دون الأوّل، و نسب هذا القول إلى شارح الوافية السيّد صدر الدين خلافا لمن أطلق القول بعدم المعذوريّة كما عن الأكثر.

و في كلام غير واحد أنّه المشهور، فقالوا: إنّ الناس في غير زمان حضور الإمام صنفان إمّا مجتهد أو مقلّد له، و من لم يكن من أحد الصنفين فعباداته باطلة.

و قد يحكى في المسألة قول بالمعذوريّة مطلقا و نسبه بعض الأعاظم إلى الجزائري، و هذا على فرض ثبوته مع سابقه على تقدير كونه على الإطلاق واقعان في طرفي الإفراط و التفريط، و لكن يمكن منع ثبوت الثاني من أصله و لذا تركه غير واحد من المتعرّضين لنقل الخلاف في المسألة.

و الجزائري ربّما يستشمّ عن عبارته المحكيّة عنه الميل إلى التفصيل بين القاصر و المقصّر، كما يفوح رائحة ذلك من كلام المجلسي حيث إنّه حكم بكون المستضعفين من الكفّار ممّن لم يقم عليه الحجّة من العوامّ و من بعد من بلاد الإسلام ممّن ترجى لهم النجاة.

و نفى الجزائري عنه الاستبعاد بعد اعترافه بكونه مخالفا لكلام الأكثر، و منع إطلاق الأوّل بدعوى خروجه مخرج الغالب، نظرا إلى أنّ الغالب في تارك الطريقين الغير المراعي للاحتياط وقوع خلل في أعماله و عباداته، باعتبار الإخلال في بعض الامور المعتبرة في المأمور به من أجزائه أو شرائطه الّتي هي قيود للعمل أو في امتثال الأمر به و إن لم تكن من قيود العمل كقصد القربة و نحوه، و لا ينافيه ما في بعض العبائر من التصريح بالبطلان و إن طابق الواقع، لأنّ المراد به موافقة المأتيّ به للمأمور به الواقعي باحتوائه لأجزائه و شروطه الّتي هي من قيوده، و يجوز فيه مع ذلك البطلان بالإخلال في بعض شروط الامتثال، و يجوز شمول هذا العنوان مع التوجيه المذكور للقاصر أيضا حتّى على القول بكون الأمر الظاهري العقلي أمرا في الحقيقة، بناء على أنّ المراد من الصحّة الّتي تراعى بمطابقة الواقع إنّما هو الصحّة بمعنى ترتّب الأثر الّذي هو في العبادات عبارة عن الإجزاء بمعنى إسقاط الإعادة و القضاء، و يقابلها البطلان و هو لا ينافي الصحّة بمعنى موافقة الأمر كما لا يخفى.

و أمّا على القول بعدم كونه أمرا في الحقيقة كما هو الحقّ المحقّق في محلّه فاندراجه فيه واضح.


صفحه 400

..........

و ربّما عزى إلى الأكثر كلام آخر و هو: أنّ الجاهل في الحكم الشرعي غير معذور إلّا في مسألة الجهر و الإخفات و مسألة الإتمام في محلّ القصر.

و يظهر من بعض الأعلام و غيره رجوع ما تقدّم إلى هذا العنوان، و كأنّه أراد به كونه أحد أفراده كما يرشد إليه استثناء المسألتين و إلّا فلا ينبغي الاسترابة في الفرق بينهما بالعموم و الخصوص، فإنّ هذا العنوان كما قيل يشمل الواجبات و المحرّمات و ماهيّات العبادات و كيفيّاتها، فإنّ الجاهل قد يترك ما هو بحسب الواقع من الواجبات التعبّدية أو توصّلية، و قد يرتكب ما هو بحسب الواقع من المحرّمات لجهله بالحكم الشرعي، و قضيّة عموم هذا العنوان أن لا يكون معذورا على معنى عدم رفع مؤاخذة ترك الواجب و فعل الحرام عنه، نظرا إلى أنّ العذر عبارة عن رفع المؤاخذة فنفيه يفيد ثبوتها، بخلاف ما تقدّم فإنّه مقصور على ما لو وقع العبادة بمعناه الأخصّ من الجاهل مع نوع خلل فيها لجهله بتفاصيل ما اعتبر فيها شرعا.

و من هنا ربّما أمكن فرق آخر بين العنوانين باعتبار حكم القضيّتين، فإنّ ما تقدّم مسوق لإثبات الإعادة و القضاء في العبادة الباطلة الّذي هو من قبيل الوضع المترتّب على انتفاء الصحّة من غير نظر فيه إلى المؤاخذة بإثبات أو نفي و لذا يعمّ القاصر أيضا، و هذا مسوق لإثبات المؤاخذة على مخالفة الواقع الّذي هو من لوازم الحكم التكليفي.

و على هذا فينبغي اختصاصه بالجاهل المقصّر، لقبح مؤاخذة القاصر على مخالفة الواقع باعتبار قبح خطاب الغافل، بل قولهم: «الجاهل في الحكم الشرعي غير معذور» بظاهر هذا العنوان أيضا لا يشمل القاصر، فلا يقدح فيه كونه معذورا في مخالفته الواقع على معنى كونه مرفوعا عنه المؤاخذة، فإنّ معنى هذا العنوان أنّ الجاهل بجهله لا يعذر، و معناه: أنّ الجهل ليس من الأعذار الرافعة للتكليف المانعة من المؤاخذة على مخالفة [الواقع]، و القاصر حيثما يعذر إنّما يعذر لعجزه عن الامتثال و عدم قدرته على الإطاعة بسبب غفلته.

و لا ريب أنّ العجز و عدم القدرة على الامتثال عذر عقلي رافع للمؤاخذة على مخالفة الواقع، و لا ينافيه عدم كون الجهل المصادف له بوصف كونه جهلا عذرا، فلا مانع من تعميم العنوان بحيث يندرج فيه القاصر من حيث جهله المحكوم عليه بعدم كونه عذرا، فهو من حيث جهله غير معذور و إن كان من حيث قصوره معذورا.

هذا و لكنّ الإنصاف أنّ هذا العنوان أعمّ من العنوان الأوّل موضوعا و حكما، على معنى


صفحه 401

..........

كون المراد بالمعذوريّة المنفيّة ما يعمّ لازم الحكم التكليفي و لازم الحكم الوضعي.

و توضيحه: أنّ هذا العنوان يحتمل وجوها:

الأوّل: أنّ الجاهل لا يعذر في جهله بالحكم الشرعي و إن طابق عمله الواقع.

الثاني: أنّه لا يعذر في مخالفة عمله الواقع بحيث يسقط عنه الإعادة و القضاء و إن كان قاصرا في جهله.

الثالث: أنّه لا يعذر في مخالفته و مخالفة عمله الواقع بحيث يرتفع عنه المؤاخذة على الأوّل إذا كان مقصّرا أو يسقط عنه الإعادة و القضاء على الثاني مقصّرا كان أو قاصرا.

و الأوّل- مع أنّه يأباه استثناء مسألتي الجهر و الإخفات و القصر و الإتمام- في غاية البعد، لابتنائه على كون تحصيل المعرفة و العلم بالأحكام واجبا لنفسه و هو خلاف التحقيق، و يتلوه الثاني في البعد لما نبّهنا عليه من عموم العنوان لغير موارد التعبّد الّذي لم يعتبر فيه إعادة و لا قضاء.

فالأظهر هو الثالث فيراد بعدم المعذوريّة عدم رفع المؤاخذة على مخالفة الخطاب بالمعنى الدائر بين ما ورد على واجب واقعي تعبّدي أو توصّلي ترك أو حرام واقعي ارتكب، و ما ورد على الإعادة و القضاء في عبادة فعلت على خلاف الواقع.

و عليه فالنظر في المعذوريّة و عدمها في محلّ البحث إن كان إلى رفع المؤاخذة على مخالفة الواقع و عدمه فالأقوى فيه الفرق بين المقصّر فليس بمعذور و القاصر فيكون معذورا.

و إن كان إلى سقوط الإعادة و القضاء فالأقوى فيه الفرق بين المطابقة فالمعذوريّة و عدمها فعدم المعذوريّة، و مرجعه إلى عدم الفرق بين العبادات بعد إحراز النيّة و قصد القربة فيها و بين المعاملات في عدم مدخليّة أحد الطريقين في الصحّة و عدم اعتبار قصد الوجه و معرفته فيها، بل الصحّة فيهما منوطة بمطابقة المشروع و عدمها، فالعبادة الصادرة من الجاهل بقصد القربة حيثما طابقت الواقع كانت صحيحة و لازمها سقوط الإعادة و القضاء، و حيثما لم تطابق الواقع كانت باطلة و لازمها لزوم الإعادة و القضاء من غير فرق في الحكمين بين المقصّر و القاصر، فهاهنا مقامان:

أمّا المقام الأوّل: فلنا على عدم معذوريّة الجاهل المقصّر في مخالفة الأحكام الواقعيّة ما ذكرناه في غير موضع من كفاية العلم الإجمالي مع التمكّن من العلم التفصيلي في تنجّز


صفحه 402

..........

التكليف، على معنى صيرورة الخطابات المعلومة بالإجمال تكاليف فعليّة على المكلّف شاغلة لذمّته على وجه يترتّب على موافقتها و مخالفتها الثواب و العقاب.

و بالجملة شرط تنجّز التكليف و ترتّب الآثار عليه في نظر العقل و العرف إنّما هو العلم الإجمالي بصدور الخطاب من المولى مع التمكّن من العلم التفصيلي بخصوص الحكم المسوق لإفادته هذا الخطاب كما تنبّه عليه بعض الفضلاء، و لذا يحسّن العقل المستقلّ مؤاخذة العالم بالإجمال المتمكّن من التفصيل على مخالفته الحكم الواقعي المندرج في معلوماته بالإجمال و يصحّحها، و يرشد إليه من جهة العرف مثال الطومار الصادر من السلطان إلى رعيّته مع اطّلاع البعض على صدوره و عدم رجوعه إليه لمعرفة تفاصيله و عدم اطّلاع بعض آخر عليه أصلا فصادف مخالفتهما لبعض الأحكام المندرجة فيه حيث يصحّ مؤاخذة الأوّل دون الثاني، و ليس هذا إلّا لإقامة الحجّة على الأوّل باعتبار تحقّق شرط تنجّز التكليف في حقّه دون الثاني.

و يدلّ عليه أيضا من جهة الشرع ما عليه العدليّة و نطق به الكتاب و السنّة من كون الكفّار مكلّفين بفروع الشريعة كما أنّهم مكلّفون باصولها، فيعاقبون عليها كما يعاقبون على الاصول مع جهلهم بتفاصيل أكثر الفروع بل كلّها، و لو لا الاكتفاء بالعلم الإجمالي مع التمكّن من العلم التفصيلي لما صحّ ذلك.

و يستفاد ذلك أيضا من الروايات الواردة في موارد خاصّة:

منها: ما رواه المشايخ الثلاثة بأسانيدهم عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)أنّ رجلا جاء إليه فقال له: إنّ لي جيرانا لهم جواز تغنّين و يضربن بالعود، فربّما دخلت المخرج فاطيل الجلوس استماعا لهنّ، فقال(عليه السلام): لا تفعل، فقال: و اللّه ما هو شيء أتيته برجلي إنّما هو سماع منّي أسمعه باذني، فقال(عليه السلام): أنت أ ما سمعت اللّه يقول:إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤٰادَ كُلُّ أُولٰئِكَ كٰانَ عَنْهُ مَسْؤُلًاو قال الرجل: كأنّي لا أسمع بهذه الآية من كتاب اللّه عزّ و جلّ من عربي و لا عجمي، لا جرم فإنّي قد تركتها و إنّي أستغفر اللّه، فقال(عليه السلام): «قم فاغتسل و صلّ ما بدا لك، فلقد كنت مقيما على أمر عظيم ما كان أسوأ حالك لو متّ على ذلك، استغفر اللّه و اسأله التوبة من كلّ ما يكره، فإنّه لا يكره إلّا القبيح فالقبيح دعه لأهله، فإنّ لكلّ أهلا».

فانظر في صراحة دلالة هذا في مواضع متكرّرة على كون الرجل مقيما على معصية عظيمة مع جهله بخصوص الحكم، و ليس هذا إلّا لتمكّنه من المعرفة و السؤال


صفحه 403

..........

و تركه له تقصيرا بعد علمه إجمالا.

و بالجملة فالجاهل المقصّر لعلمه الإجمالي بأنّ في الشريعة خطابات إلزاميّة إيجابيّة و تحريميّة يترتّب المؤاخذة و العقوبة على مخالفتها لا يأمن في تروكه من الوقوع في ترك واجب و لا في أفعاله من الوقوع في فعل محرّم، فكأنّه لتركه تحصيل المعرفة و العلم التفصيلي مع إمكانه أقدم اختيارا على مخالفة تلك الخطابات المعلومة بالإجمال، فأصل المعصية بالنسبة إلى كلّ واقعة واقعة و إن حصل في زماني الترك و الفعل، إلّا أنّ اختيار تلك المعصية بحسب الواقع حصل في زمان ترك تحصيل المعرفة و العلم.

و إن شئت قلت: إنّه ترك حكمي للواجب و فعل حكمي للحرام، نظير ما قيل في مقدّمات الواجب إذا ترك قبل مجيء وقته من أنّه ترك حكمي له فيستحقّ العقاب عليه من حين تركها لعلمه بأنّه يفضي إلى تركه في وقته.

و بالجملة فالأصل في تنجّز التكليف كائنا ما كان كفاية العلم الإجمالي مع التمكّن من العلم التفصيلي، إلّا ما دلّ الدليل على اعتبار العلم التفصيلي في تنجّزه بالخصوص، و قد جعل بعض الفضلاء من هذا الباب معذوريّة الجاهل و لو مقصّرا في مسألتي الجهر و الإخفات و الإتمام في موضع القصر، و فيها وجوه اخر تقدّم ذكرها في بحث الضدّ و لعلّ أظهرها ما رجّحه كاشف الغطاء فراجع و تأمّل.

و لنا على معذوريّة القاصر فيما يتحقّق منه من مخالفة الأحكام الواقعيّة أنّه غافل، و تكليف الغافل قبيح، و مؤاخذته على مخالفته أقبح، و هذا أوضح.

و أمّا المقام الثاني: فلنا على ما اخترناه من الفرق بين مطابقة الواقع فالصحّة و مخالفته فالبطلان- مضافا إلى ما قرّرناه في مسألة الإجزاء من اقتضاء الأمر الواقعي الاختياري و الأمر الواقعي الاضطراري و الأمر الظاهري الشرعي في كثير من صوره الإجزاء دون الأمر الظاهري العقلي مطلقا- تتبّع الأخبار الغير المحصورة المأثورة عن أهل بيت العصمة الواردة في جميع أبواب العبادات من الطهارات الثلاث و الصلوات المفروضات و المسنونات و غيرها في وقائع وقعت بمقتضى الأسئلة الموجودة فيها الآمرة تارة بالإعادة و القضاء و النافية اخرى لهما أو للبأس بألفاظ مترادفة و عبارات متقاربة، فإنّها في القسم الأوّل ردّ على من أطلق القول بالمعذوريّة، و في القسم الثاني على من أطلق القول بعدم المعذوريّة، فهي بأجمعها حجّة على الفريقين في إطلاقهما، إذ لا يعقل جهة للأوّل إلّا مراعاة عدم وقوع