[منع التقليد في اصول الدين]
أصل و الحقّ منع التقليد في اصول العقائد، و هو قول جمهور علماء الإسلام، إلّا من شذّ من أهل الخلاف (1).
تلك الأزمنة و أعمال اخر غير مستندة إليه و اختلطتا على وجه لا يتمكّن من التميز ليرجع في الأعمال الغير المستندة إليه إلى الطريق المرجوع إليه استعلاما لحالها من حيث المطابقة و العدم، ففي البناء في الجميع على الصحّة أو البطلان أو الرجوع إلى الطريق المرجوع إليه وجوه أيضا، لا يبعد ترجيح الأخير.
(1) الأنسب بما قدّمناه في مفتتح باب التقليد من ترتيب مقاصده بحسب البحث عن حكمه و أركانه- المقلّد و المقلّد و المقلّد فيه- إيراد هذه المسألة في مباحث المقام الثالث الّذي يجب فيه عن أحكام المقلّد فيه، غير أنّ بناء المصنّف كغيره لمّا لم يكن على مراعاة هذا الترتيب فأوردها هنا و نحن اقتفينا أثره، فنقول:
اختلفوا في أنّه هل يحرم التقليد في اصول العقائد و يتعيّن النظر و الاستدلال- على معنى تحصيل المعارف بطريق النظر و الاستدلال- أو الأمران معا جائزان أو يجب التقليد و يحرم النظر على أقوال، غير أنّ المعروف المنسوب إلى الأكثر [هو الأوّل] و ادّعى عليه العلّامة في الباب الحادي عشر من مختصر المصباح إجماع العلماء كافّة حيث قال:
«أجمع العلماء كافّة على وجوب معرفة اللّه سبحانه و صفاته الثبوتيّة و السلبيّة و ما يصحّ عليه و [ما] يمتنع [عنه] و النبوّة و الإمامة و المعاد بالدليل لا بالتقليد، فلا بدّ من ذكر ما لا يمكن جهله على أحد من المسلمين و من جهل شيئا من ذلك خرج عن المسلمين و استحقّ العقاب الدائم» و نحوه عن شرحه للسيوري.
و عن المبادئ: الإجماع على عدم جواز التقليد كما عن ظاهر غاية المبادئ أيضا.
و عن نهاية العلّامة- زيادة على ما مرّ-: الإجماع على وجوب المعرفة و ما يجب عليه و يمتنع.
و نحوه ما عن غاية المأمول و الآمدي و الحاجبي و القوشجي إلّا أنّه ادّعى إجماع المسلمين.
و عن العضدي ادّعاء إجماع الامّة على وجوب معرفة اللّه، و قالوا: «إنّها لا تحصل بالتقليد لجواز كذب المخبر، و لأنّه لو حصل منه العلم لزم اجتماع النقيضين في المسائل
..........
الخلافيّة، و لأنّه لو حصل منه العلم فالعلم بصدقه إمّا أن يكون ضروريّا أو نظريّا، و الأوّل باطل جزما، و الثاني يحتاج إلى دليل و المفروض عدمه و إلّا لم يكن تقليدا» انتهى.
و كأنّ مبنى هذه الإجماعات مع ما عرفت و ستعرف أيضا من وجود الخلاف على عدم الالتفات إليه لشذوذ المخالف أو وضوح غفلته عن الحقّ أو اتّضاح فساد دليله أو لحوقه بالإجماع، و هي لكشفها باستفاضتها عن حقّيّة المورد في الجملة تنهض دليلا على حكم المسألة.
و ليعلم أنّ المراد بالتقليد هنا معناه المعروف و هو الأخذ بقول الغير من غير حجّة يحتجّ بها على هذا القول، بأن يأخذ المكلّف في اصول عقائده كوجود الصانع تعالى و وحدانيّته و صفاته الثبوتيّة و السلبيّة و عدله و نبوّة نبيّنا(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و إمامة الأئمّة(عليهم السلام)و المعاد بقول الغير و يعوّل عليه لا على حجّة يحتجّ بها و دليل يستدلّ به عليه، و إلّا لم يكن تقليدا بل كان أخذا فيها بالنظر و تحصيلا لها بالاستدلال كما أشار إليه العضدي في العبارة المتقدّمة في الوجه الأخير من الوجوه الثلاث الّتي أقامها على منع حصول العلم من التقليد، و عليه فالتقليد في الاصول من هذه الجهة لا يغاير التقليد في الفروع، فإنّ التقليد في الفروع يتضمّن جهتين:
إحداهما: أنّه لا يعتبر فيه في لحاظ الأخذ بقول الغير دليل يستدلّ به و لا حجّة يحتجّ بها على هذا القول بل يعتبر العدم كما لا يخفى.
و اخراهما: أنّه لا يعتبر أيضا في القول المأخوذ به كونه مستتبعا لاعتقاد المقلّد بالحكم المقلّد فيه لا قطعا و لا ظنّا، لبنائه على التعبّد المحض و من علامته كون مستند الآخذ في أخذه نفس ذلك القول المأخوذ به كما تقدّم مشروحا.
و التقليد في الاصول المأخوذ في محلّ البحث لا يغايره من الجهة الاولى كما أشار إليه العضدي و أشار إليه أيضا شيخ الطائفة في صريح عبارته في العدّة عند الاستدلال على العفو عن خطأ المقلّد في تقليده بقوله: «إنّي لم أجد أحدا من الطائفة و لا من الأئمّة قطع موالاة من يسمع قولهم و اعتقد مثل اعتقادهم و إن لم يستند في ذلك إلى حجّة عقليّة أو سمع شرعي»[1].
و هل يغايره من الجهة الثانية فيعتبر حصول الاعتقاد من قول الغير للمقلّد بالحكم
[1]عدّة الاصول 2: 731.
..........
الاصولي المقلّد فيه أو لا؟ فيؤخذ بقول الغير هنا أيضا تعبّدا، ظاهر عبارة العدّة المتقدّمة هو الأوّل، و هو المصرّح به في كلام جماعة منهم بعض مشايخنا قائلا في الفرق بين التقليد في المقامين: «لا يعتبر في التقليد في الفروع حصول الظنّ فيعمل المقلّد مع كونه شاكّا، و هذا غير معقول في اصول الدين الّتي يطلب فيها الاعتقاد»[1]بل في كلام بعض الفضلاء دعوى الإجماع على أنّ الإيمان لا يتحقّق بدون الإذعان. و قضيّة ذلك خروج الأخذ بقول الغير مع الشكّ في حقّيته و بطلانه عن المتنازع فيه، على معنى إطباقهم على عدم كفاية التقليد بهذا المعنى.
ثمّ إنّ ظاهر كلام الفاضل المذكور بل صريحه تعميم الاعتقاد هنا بالقياس إلى الظنّ و الجزم تعليلا: «بأنّ التقليد قد يفيد القطع، و أنّه لم يعتبر خصوص القطع ليتمّ على القول بكفاية الظنّ».
لكن ظاهر عبارة الشيخ في العدّة عند الاستدلال على منع التقليد- «بأنّه لا خلاف في أنّه يجب على العامي معرفة الصلاة و أعدادها، و إذا كان لا يتمّ ذلك إلّا بعد معرفة اللّه و معرفة عدله و معرفة النبوّة وجب أن لا يصحّ التقليد في ذلك» إلى آخره-[2]أنّ الكلام إنّما هو في المقلّد الغير الجازم، و هو أيضا ظاهر العضدي في استدلاله على منع التقليد فيما حكى بالإجماع على وجوب معرفة اللّه أنّها لا تحصل بالتقليد، و عليه مبنيّ ما عن شيخنا البهائي في حاشية زبدته من أنّ هذا النزاع يرجع إلى النزاع في اشتراط القطع في الاصول، فإن اعتبرناه تعيّن القول بعدم جواز التقليد و إلّا فيجوز.
و إن أمكن المناقشة فيه بمنع الملازمة على القول بكفاية الظنّ و عدم اشتراط القطع بجواز كون المراد به الظنّ النظري و هو الحاصل بالنظر و الاستدلال.
و منهم من منع الملازمة على القول باشتراط القطع أيضا بدعوى: أنّ النسبة بين التقليد في اصول الدين و العمل بالظنّ فيها عموم من وجه، لافتراق الأوّل في التقليد المفيد للقطع و التقليد الغير المفيد له و للظنّ، و افتراق الثاني في الظنّ الحاصل بالنظر.
و يمكن دفع المنعين بأنّ الكلام في افتراق العنوانين و اجتماعهما بحسب القائل لا باعتبار المفهوم، و المراد أنّ من جوّز للعلماء و المجتهدين العمل في اصول الدين بالاجتهاد الظنّي و الأخذ بمؤدّى الأمارات الظنّية فقد جوّز للعوامّ أيضا التقليد فيها، و من لم يجوّز ذلك ثمّة
[1]عدّة الاصول 2: 731.
[2]عدّة الاصول 2: 730.
..........
لم يجوّز هذا هنا، و لم يظهر من العلماء من جوّز الأوّل و منع الثاني، خصوصا مع أنّ أكثر الأدلّة المقامة على منع التقليد إنّما تدلّ عليه للدلالة على أنّ المعتبر في اصول الدين هو العلم و التقليد لا يفيده.
و لذا قد يقال في بيان الضابط الكلّي: إنّ المسألة المقلّد فيها هي المسألة المجتهد فيها، على معنى أنّ كلّ مسألة يجوز فيها الاجتهاد و إعمال الأمارات الاجتهاديّة التعبّديّة أو الظنّية يجوز فيها التقليد و ما لا فلا.
نعم ربّما يشكل الحال في الملازمة المذكورة بأنّ جهة النزاع في مسألة التقليد غير ما هو جهة النزاع في مسألة الظنّ، و لذا قيل في الاولى بتعيّن التقليد و حرمة النظر، و لم يعهد نحوه في الثانية قبالا للقطع.
و على تقدير الملازمة فقد يقال: بأنّ الحيثيّة معتبرة في كلّ من العنوانين، فالمراد عدم كفاية الأمارة الظنّية و لا فتوى الظنّية في المسألة الاصوليّة، على معنى عدم ثبوت الحكم الاصولي من حيث هو بهما، و هذا لا ينافي ثبوت الأحكام الفرعيّة بهما المتفرّعة على مورديهما.
و قضيّة ذلك إلغاؤهما من حيث المسألة الاصوليّة و الأخذ بهما من حيث المسألة الفرعيّة، و ذلك كما لو ورد في أخبار الآحاد ما يدلّ على كفر المفوّضة في أمر الخلق و الرزق الملزوم لنجاستهم، و أنّه على القول بعدم كفاية الظنّ في الاصول و إن كان لا يصلح مستندا في المسألة الاعتقاديّة إلّا أنّه يؤخذ به في المسألة الفرعيّة و هي النجاسة المقتضية لوجوب التجنّب عنهم، و كذا لو أفتى المفتي بكون الاعتقاد الفلاني كفرا خروجا عن حدّ الإسلام فإنّه لا يجوز الأخذ به تقليدا في المسألة الاصوليّة مع جواز الأخذ به فيما يتفرّع عليه من نجاسة صاحب هذا الاعتقاد و وجوب التجنّب عنه، و كذا لو أفتى بأنّ الاعتقاد الفلاني لا يوجب كفرا فليس للمقلّد الأخذ به تقليدا.
نعم يجوز له الأخذ بالأحكام الفرعيّة المتفرّعة عليه من طهارة و عدم وجوب اجتناب و نحو ذلك.
و السرّ في ذلك: أنّ الظنّ في المسألة الاصوليّة يستلزم الظنّ في المسألة الفرعيّة، فيندرج بذلك في عموم حجّيّة الظنّ في الأحكام الفرعيّة مطلقا أو إذا حصل الاضطرار إلى العمل به من جهة بقاء التكليف و انسداد باب العلم، نظير الظنّ الحاصل من قول اللغوي في
..........
المسألة اللغويّة المستلزم للظنّ في مسألة فرعيّة على القول بعدم كفاية الظنّ في اللغات.
و إن استند إلى قول لغوي الّذي يلغى في الالتزام بالحكم اللغوي و يعتبر في الالتزام بالحكم الشرعي.
و يرد عليه: أنّ الأحكام الفرعيّة المترتّبة على الحكم الاصولي أو اللغوي محمولات مثبتة بأدلّة اخر تثبت لعنوان «الكافر» أو «المؤمن» و «الصعيد» مثلا.
و من المعلوم استحالة ثبوت محمول القضيّة بدون ثبوت موضوعها، و مرجع عدم اعتبار الأمارة الظنّية و فتوى الفقيه في الحكم الاصولي أو اللغوي إلى عدم ثبوت موضوعات هذه المحمولات بهما، و معه كيف يؤخذ بالمحمولات مع فرض عدم ثبوت موضوعاتها، فالوجه منافاة عدم ثبوت الحكم الاصولي لثبوت الأحكام الفرعيّة المترتّبة عليه.
و التمسّك بعموم حجّية الظنّ في الأحكام. يدفعه: أنّ مفاد أدلّة حجّية الظنّ كفاية الظنّ في ثبوت الأحكام الفرعيّة من حيث إنّها محمولات واقعيّة لموضوعاتها المقرّرة في نفس الأمر، لا ثبوت تلك المحمولات و لو مع عدم ثبوت موضوعاتها، فلا بدّ في التمسّك بعموم الحجّية من إحراز الموضوعات بطرقها المعتبرة عند الشارع أوّلا ثمّ إثبات المحمولات لها بواسطة الظنّ تمسّكا بأدلّة حجّيته، هذا.
ثمّ المراد من التقليد المتنازع فيه في الاصول هل هو الأخذ بقول المجتهد الكامل فيها نظير التقليد في الفروع، أو الأخذ بقول الغير مطلقا و إن لم يكن مجتهدا؟ ظاهر إطلاق الأكثر هو الثاني و يساعد عليه أكثر أدلّتهم.
و من الأعلام من جزم بالأوّل، و ليس له إلّا القرينة المقابلة بين التقليد في الاصول و التقليد في الفروع، و يعضدها ما تقدّم من الضابط الكلّي المقرّر بأنّ المسألة المقلّد فيها هي المسألة المجتهد فيها بالبيان المتقدّم، و لكنّهما لا تقاومان الإطلاق و الأدلّة.
و على التقديرين لا بدّ من تخصيصه بالتقليد في الحقّ الّذي لا يتأتّى إلّا بالرجوع إلى أهل الحقّ.
أمّا أوّلا: فلضرورة أنّ المسلمين المتنازعين في المسألة لا يجيزون تقليد أهل الباطل.
و أمّا ثانيا: فلوضوح أنّ المراد بالتقليد هنا ما يقابل النظر لا ما يقابل الواقع و إن خالفه، فكما أنّ المراد بالنظر عند قائليه هو تحصيل العقائد الحقّة بطريق النظر و الاستدلال فكذلك المراد بالتقليد تحصيلها بطريق التقليد.
..........
و أمّا ثالثا: فلأنّ معنى كفايته أنّه يكفي في ثبوت الإسلام و الإيمان و ترتيب آثارهما و أحكامهما، و هذا في تقليد أهل الباطل غير معقول.
و أمّا رابعا: فلأنّ تعميم المبحث بالقياس إلى التقليد في الباطل لا يلائمه ما ستعرف عن الشيخ في العدّة من مصيره إلى العفو عن المقلّد مع قوله بوجوب النظر، لعدم صحّة إطلاق العفو حتّى بالنسبة إلى مقلّدة الباطل حتّى بالنسبة إلى قاصريهم.
غاية الأمر كونهم لأجل القصور أو العجز عن النظر من المرجين لأمر اللّه و هذا ليس من العفو في شيء.
و من هنا ربّما يشكل الحال في تحقيق موضوع المسألة بحيث يظهر فيه ثمرة النزاع، و هي كون المكلّف في العقائد من حين الشروع في تحصيلها على بصيرة في حكمه من حيث جواز التقليد له و عدمه، إذ النظر في محلّ البحث إن كان في القاصر الغير المتمكّن من النظر إمّا لعدم التفطّن به أو بوجوبه أو عجزه عنه فهو خارج عن المتنازع، لقبح خطابه واقعا بالمنع من التقليد أو التخيير بينه و بين النظر، فلا بدّ فيه من الالتزام بعدم تكليف له في العقائد أصلا، كما ذكرنا نظيره في مسألة الجاهل في الحكم الشرعي بالنسبة إلى القاصرين في الفروع، و هو قضيّة كونهم من المرجين لأمر اللّه أو يكون تكليفه فيما اعتقده بطريق التقليد حقّا كان أو باطلا.
و إن كان في المتفطّن المتمكّن من التقليد و النظر معا، فكونه من حين الشروع في تحصيل العقائد على بصيرة في حكمه على القول بجواز التقليد له موقوف على امتياز أهل الحقّ في نظره ليقلّدهم عن أهل الباطل ليتجنّب عن تقليدهم، و هذا ممّا لا سبيل له إليه، لأنّ كلّا من أرباب الديانات و المذاهب المختلفة في العقائد يزعم نفسه محقّا و مخالفته مبطلا، و عليه فوجب أن لا يجوز له التقليد إلّا بأن يعرف بالاستدلال أنّ ما يقوله المقلّد- بالفتح- حقّ و خرج بذلك عن كونه مقلّدا، كما أشار إليه العلّامة فيما حكي عنه في النهاية، فإنّه بعد ما ادّعى الإجماع على عدم جواز تقليد غير المحقّ قال: «و إنّما نعلم المحقّ و غيره بالنظر و الاستدلال على أنّ ما يقوله حقّ، فإذن لا يجوز له التقليد إلّا بعد الاستدلال، و إذا صار مستدلّا امتنع كونه مقلّدا» انتهى.
فإذا فرضنا انتفاء الاستدلال و امتناع التمييز بدونه يتعيّن عليه حينئذ لقاعدة الشغل و الاحتياط الواجب في نحو المقام اختيار طريق النظر في تحصيل العقائد الحقّة لئلّا يقع
..........
في مخالفة الواقع الموجبة للخلود في النار و العذاب الدائم، و عليه فالقائل بوجوب النظر و منع التقليد مستظهر لمساعدة الأصل و القاعدة عليه.
ثمّ الفرق بين الاصول و الفروع أنّ المطلوب بالذات و المقصود بالأصالة في الفروع إنّما هو العمل، و العلم مع ما يقوم مقامه إنّما يطلب لمجرّد الطريقيّة و من باب المقدّمة فلا محيص فيها من العمل مع العلم.
غاية الأمر أنّه مع تعذّره بفقد الطرق العلميّة لا بدّ من إيقاع العمل على طبق ظنّ أو أصل فلا معنى فيها للوقف عن العمل على كلّ تقدير، بخلاف اصول الدين الّتي لا يطلب فيها عمل أصلا بل المطلوب بالذات فيها الاعتقاد مع التديّن بالمعتقد، و هو ليس بعين الاعتقاد و لا من لوازمه و لا من ملزوماته، بل هما قد يجتمعان و قد يتفارقان، إذ الاعتقاد إذعان للواقع و التديّن بالمعتقد إطاعة نفسانيّة شبه إطاعة الجوارح في العمليّات، فإنّ الإطاعة في كلّ شيء بحسبه ففي العمليّات عبارة عن عمل الجوارح و في العمليّات عبارة عن عمل القلب و هو الانقياد و القبول الّذي يكشف عنه الإقرار باللسان تارة و العمل بالأركان اخرى.
و لا ريب أنّه أيضا معتبر في الإسلام و الإيمان و لا يكفي فيهما مجرّد الاعتقاد و الإذعان، و لذا حكم بكفر إبليس و فرعون و كثير من الكفّار و المشركين، و هو الّذي يعبّر عنه في الأخبار و كلمات العلماء الاختيار بكفر الجحود، و يلائمه الكفر باعتبار معناه اللغوي، فإذا كان كلّ من الاعتقاد و التديّن بالمعتقد معتبرا في مسائل اصول الدين فالنزاع في كفاية التقليد بل مطلق الظنّ فيها يمكن تصويره بوجهين:
أحدهما: أنّهم بعد ما اتّفقوا على كون كلّ من الاعتقاد و التديّن معتبرا على وجه الموضوعيّة، على معنى محبوبيّة كلّ من الأمرين و مطلوبيّته لذاته لمصلحة فيه نفسه، اختلفوا في أنّ هذا الموضوع المطلوب لذاته هل هو خصوص العلم بمعنى الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع المستحصل من النظر و الدليل، أو هو العلم بمعنى الاعتقاد الجازم المطابق مطلقا و إن كان من التقليد، أو الاعتقاد مطلقا و لو ظنّا مستحصلا من النظر و الاستدلال، أو مطلقا و إن استند في حصوله إلى التقليد؟ فذهب إلى كلّ فريق، و عليه ينطبق الأقوال الستّ المنقولة في العقائد:
الأوّل: اعتبار العلم فيها من النظر و الاستدلال، و هو المعروف المنسوب إلى الأكثر المدّعى عليه الإجماعات المنقولة في كلام جماعة من أساطين العامّة و الخاصّة كما سبق.
..........
الثاني: اعتبار العلم و لو من التقليد، كما اختاره جماعة و هو خيرة بعض مشايخنا و هو الأقوى.
الثالث: كفاية الظنّ مطلقا، نسب حكايته إلى جماعة منهم المحقّق الطوسي في بعض الرسائل المنسوبة إليه، و عزى أيضا إلى المحقّق الأردبيلي و تلميذه صاحب المدارك و ظاهر شيخنا البهائي و العلّامة المجلسي و المحدّث الكاشاني و غيرهم.
الرابع: كفاية الظنّ المستفاد من النظر و الاستدلال دون التقليد، حكي عن شيخنا البهائي في بعض تعليقاته على شرح المختصر أنّه نسب إلى بعض.
الخامس: كفاية الظنّ المستفاد من أخبار الآحاد، و هو الظاهر ممّا حكاه العلّامة في النهاية عن الأخباريّين من أنّهم لم يعوّلوا في اصول الدين و فروعه إلّا على أخبار الآحاد.
السادس: كفاية الجزم بل الظنّ من التقليد مع كون النظر واجبا مستقلّا لكنّه معفوّ عنه، كما يظهر من الشيخ في العدّة في مسألة حجّية أخبار الآحاد.
و ثانيهما: أنّهم بعد ما اتّفقوا على كون التديّن بالواقع معتبرا في المعارف على وجه الموضوعيّة، اختلفوا في أنّ العلم بمعنى الاعتقاد الجازم المطابق أيضا معتبر على وجه الموضوعيّة أو أنّه معتبر على وجه الطريقيّة و من باب المقدّمة؟
فإن قلنا بالأوّل- و لعلّه المشهور- فلا يصحّ بدليّة الغير عنه، و يقبل من الشروط و الخصوصيّات ككونه في مرتبة اليقين و كونه حاصلا من الدليل و البرهان لا من التقليد و نحوه كلّما يساعد عليه الدليل، و عليه مبنى القول بوجوب نصب الطرق العلميّة و الأدلّة القطعيّة على المعارف الخمس عملا باللطف الواجب عليه تعالى و حذرا من التكليف بما لا يطاق و نقض الغرض القبيحين على العدل الحكيم.
و من هنا ربّما سبق إلى بعض الأوهام إنكار وجود القاصر، و ربّما يستشهد له بعموم آيات خلود الكفّار في النار.
و على التحقيق المتقدّم في مسألة التصويب في العقائد من وجود القاصر في العقائد لا بدّ من التزام سقوط التكليف في المعارف عن القاصرين على تقدير وجودهم- كما حكي الالتزام به عن الشيخ في العدّة- لئلّا يلزم التصويب الباطل من مطلوبيّة عقائد القاصرين من الكفّار الناشئة عن اتّباع أسلافهم من آبائهم و أمّهاتهم.
و بهذا كلّه ظهر عدم جريان مقدّمات دليل الانسداد على القولين في وجود القاصر