بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 423

..........

المسألة اللغويّة المستلزم للظنّ في مسألة فرعيّة على القول بعدم كفاية الظنّ في اللغات.

و إن استند إلى قول لغوي الّذي يلغى في الالتزام بالحكم اللغوي و يعتبر في الالتزام بالحكم الشرعي.

و يرد عليه: أنّ الأحكام الفرعيّة المترتّبة على الحكم الاصولي أو اللغوي محمولات مثبتة بأدلّة اخر تثبت لعنوان «الكافر» أو «المؤمن» و «الصعيد» مثلا.

و من المعلوم استحالة ثبوت محمول القضيّة بدون ثبوت موضوعها، و مرجع عدم اعتبار الأمارة الظنّية و فتوى الفقيه في الحكم الاصولي أو اللغوي إلى عدم ثبوت موضوعات هذه المحمولات بهما، و معه كيف يؤخذ بالمحمولات مع فرض عدم ثبوت موضوعاتها، فالوجه منافاة عدم ثبوت الحكم الاصولي لثبوت الأحكام الفرعيّة المترتّبة عليه.

و التمسّك بعموم حجّية الظنّ في الأحكام. يدفعه: أنّ مفاد أدلّة حجّية الظنّ كفاية الظنّ في ثبوت الأحكام الفرعيّة من حيث إنّها محمولات واقعيّة لموضوعاتها المقرّرة في نفس الأمر، لا ثبوت تلك المحمولات و لو مع عدم ثبوت موضوعاتها، فلا بدّ في التمسّك بعموم الحجّية من إحراز الموضوعات بطرقها المعتبرة عند الشارع أوّلا ثمّ إثبات المحمولات لها بواسطة الظنّ تمسّكا بأدلّة حجّيته، هذا.

ثمّ المراد من التقليد المتنازع فيه في الاصول هل هو الأخذ بقول المجتهد الكامل فيها نظير التقليد في الفروع، أو الأخذ بقول الغير مطلقا و إن لم يكن مجتهدا؟ ظاهر إطلاق الأكثر هو الثاني و يساعد عليه أكثر أدلّتهم.

و من الأعلام من جزم بالأوّل، و ليس له إلّا القرينة المقابلة بين التقليد في الاصول و التقليد في الفروع، و يعضدها ما تقدّم من الضابط الكلّي المقرّر بأنّ المسألة المقلّد فيها هي المسألة المجتهد فيها بالبيان المتقدّم، و لكنّهما لا تقاومان الإطلاق و الأدلّة.

و على التقديرين لا بدّ من تخصيصه بالتقليد في الحقّ الّذي لا يتأتّى إلّا بالرجوع إلى أهل الحقّ.

أمّا أوّلا: فلضرورة أنّ المسلمين المتنازعين في المسألة لا يجيزون تقليد أهل الباطل.

و أمّا ثانيا: فلوضوح أنّ المراد بالتقليد هنا ما يقابل النظر لا ما يقابل الواقع و إن خالفه، فكما أنّ المراد بالنظر عند قائليه هو تحصيل العقائد الحقّة بطريق النظر و الاستدلال فكذلك المراد بالتقليد تحصيلها بطريق التقليد.


صفحه 424

..........

و أمّا ثالثا: فلأنّ معنى كفايته أنّه يكفي في ثبوت الإسلام و الإيمان و ترتيب آثارهما و أحكامهما، و هذا في تقليد أهل الباطل غير معقول.

و أمّا رابعا: فلأنّ تعميم المبحث بالقياس إلى التقليد في الباطل لا يلائمه ما ستعرف عن الشيخ في العدّة من مصيره إلى العفو عن المقلّد مع قوله بوجوب النظر، لعدم صحّة إطلاق العفو حتّى بالنسبة إلى مقلّدة الباطل حتّى بالنسبة إلى قاصريهم.

غاية الأمر كونهم لأجل القصور أو العجز عن النظر من المرجين لأمر اللّه و هذا ليس من العفو في شيء.

و من هنا ربّما يشكل الحال في تحقيق موضوع المسألة بحيث يظهر فيه ثمرة النزاع، و هي كون المكلّف في العقائد من حين الشروع في تحصيلها على بصيرة في حكمه من حيث جواز التقليد له و عدمه، إذ النظر في محلّ البحث إن كان في القاصر الغير المتمكّن من النظر إمّا لعدم التفطّن به أو بوجوبه أو عجزه عنه فهو خارج عن المتنازع، لقبح خطابه واقعا بالمنع من التقليد أو التخيير بينه و بين النظر، فلا بدّ فيه من الالتزام بعدم تكليف له في العقائد أصلا، كما ذكرنا نظيره في مسألة الجاهل في الحكم الشرعي بالنسبة إلى القاصرين في الفروع، و هو قضيّة كونهم من المرجين لأمر اللّه أو يكون تكليفه فيما اعتقده بطريق التقليد حقّا كان أو باطلا.

و إن كان في المتفطّن المتمكّن من التقليد و النظر معا، فكونه من حين الشروع في تحصيل العقائد على بصيرة في حكمه على القول بجواز التقليد له موقوف على امتياز أهل الحقّ في نظره ليقلّدهم عن أهل الباطل ليتجنّب عن تقليدهم، و هذا ممّا لا سبيل له إليه، لأنّ كلّا من أرباب الديانات و المذاهب المختلفة في العقائد يزعم نفسه محقّا و مخالفته مبطلا، و عليه فوجب أن لا يجوز له التقليد إلّا بأن يعرف بالاستدلال أنّ ما يقوله المقلّد- بالفتح- حقّ و خرج بذلك عن كونه مقلّدا، كما أشار إليه العلّامة فيما حكي عنه في النهاية، فإنّه بعد ما ادّعى الإجماع على عدم جواز تقليد غير المحقّ قال: «و إنّما نعلم المحقّ و غيره بالنظر و الاستدلال على أنّ ما يقوله حقّ، فإذن لا يجوز له التقليد إلّا بعد الاستدلال، و إذا صار مستدلّا امتنع كونه مقلّدا» انتهى.

فإذا فرضنا انتفاء الاستدلال و امتناع التمييز بدونه يتعيّن عليه حينئذ لقاعدة الشغل و الاحتياط الواجب في نحو المقام اختيار طريق النظر في تحصيل العقائد الحقّة لئلّا يقع


صفحه 425

..........

في مخالفة الواقع الموجبة للخلود في النار و العذاب الدائم، و عليه فالقائل بوجوب النظر و منع التقليد مستظهر لمساعدة الأصل و القاعدة عليه.

ثمّ الفرق بين الاصول و الفروع أنّ المطلوب بالذات و المقصود بالأصالة في الفروع إنّما هو العمل، و العلم مع ما يقوم مقامه إنّما يطلب لمجرّد الطريقيّة و من باب المقدّمة فلا محيص فيها من العمل مع العلم.

غاية الأمر أنّه مع تعذّره بفقد الطرق العلميّة لا بدّ من إيقاع العمل على طبق ظنّ أو أصل فلا معنى فيها للوقف عن العمل على كلّ تقدير، بخلاف اصول الدين الّتي لا يطلب فيها عمل أصلا بل المطلوب بالذات فيها الاعتقاد مع التديّن بالمعتقد، و هو ليس بعين الاعتقاد و لا من لوازمه و لا من ملزوماته، بل هما قد يجتمعان و قد يتفارقان، إذ الاعتقاد إذعان للواقع و التديّن بالمعتقد إطاعة نفسانيّة شبه إطاعة الجوارح في العمليّات، فإنّ الإطاعة في كلّ شيء بحسبه ففي العمليّات عبارة عن عمل الجوارح و في العمليّات عبارة عن عمل القلب و هو الانقياد و القبول الّذي يكشف عنه الإقرار باللسان تارة و العمل بالأركان اخرى.

و لا ريب أنّه أيضا معتبر في الإسلام و الإيمان و لا يكفي فيهما مجرّد الاعتقاد و الإذعان، و لذا حكم بكفر إبليس و فرعون و كثير من الكفّار و المشركين، و هو الّذي يعبّر عنه في الأخبار و كلمات العلماء الاختيار بكفر الجحود، و يلائمه الكفر باعتبار معناه اللغوي، فإذا كان كلّ من الاعتقاد و التديّن بالمعتقد معتبرا في مسائل اصول الدين فالنزاع في كفاية التقليد بل مطلق الظنّ فيها يمكن تصويره بوجهين:

أحدهما: أنّهم بعد ما اتّفقوا على كون كلّ من الاعتقاد و التديّن معتبرا على وجه الموضوعيّة، على معنى محبوبيّة كلّ من الأمرين و مطلوبيّته لذاته لمصلحة فيه نفسه، اختلفوا في أنّ هذا الموضوع المطلوب لذاته هل هو خصوص العلم بمعنى الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع المستحصل من النظر و الدليل، أو هو العلم بمعنى الاعتقاد الجازم المطابق مطلقا و إن كان من التقليد، أو الاعتقاد مطلقا و لو ظنّا مستحصلا من النظر و الاستدلال، أو مطلقا و إن استند في حصوله إلى التقليد؟ فذهب إلى كلّ فريق، و عليه ينطبق الأقوال الستّ المنقولة في العقائد:

الأوّل: اعتبار العلم فيها من النظر و الاستدلال، و هو المعروف المنسوب إلى الأكثر المدّعى عليه الإجماعات المنقولة في كلام جماعة من أساطين العامّة و الخاصّة كما سبق.


صفحه 426

..........

الثاني: اعتبار العلم و لو من التقليد، كما اختاره جماعة و هو خيرة بعض مشايخنا و هو الأقوى.

الثالث: كفاية الظنّ مطلقا، نسب حكايته إلى جماعة منهم المحقّق الطوسي في بعض الرسائل المنسوبة إليه، و عزى أيضا إلى المحقّق الأردبيلي و تلميذه صاحب المدارك و ظاهر شيخنا البهائي و العلّامة المجلسي و المحدّث الكاشاني و غيرهم.

الرابع: كفاية الظنّ المستفاد من النظر و الاستدلال دون التقليد، حكي عن شيخنا البهائي في بعض تعليقاته على شرح المختصر أنّه نسب إلى بعض.

الخامس: كفاية الظنّ المستفاد من أخبار الآحاد، و هو الظاهر ممّا حكاه العلّامة في النهاية عن الأخباريّين من أنّهم لم يعوّلوا في اصول الدين و فروعه إلّا على أخبار الآحاد.

السادس: كفاية الجزم بل الظنّ من التقليد مع كون النظر واجبا مستقلّا لكنّه معفوّ عنه، كما يظهر من الشيخ في العدّة في مسألة حجّية أخبار الآحاد.

و ثانيهما: أنّهم بعد ما اتّفقوا على كون التديّن بالواقع معتبرا في المعارف على وجه الموضوعيّة، اختلفوا في أنّ العلم بمعنى الاعتقاد الجازم المطابق أيضا معتبر على وجه الموضوعيّة أو أنّه معتبر على وجه الطريقيّة و من باب المقدّمة؟

فإن قلنا بالأوّل- و لعلّه المشهور- فلا يصحّ بدليّة الغير عنه، و يقبل من الشروط و الخصوصيّات ككونه في مرتبة اليقين و كونه حاصلا من الدليل و البرهان لا من التقليد و نحوه كلّما يساعد عليه الدليل، و عليه مبنى القول بوجوب نصب الطرق العلميّة و الأدلّة القطعيّة على المعارف الخمس عملا باللطف الواجب عليه تعالى و حذرا من التكليف بما لا يطاق و نقض الغرض القبيحين على العدل الحكيم.

و من هنا ربّما سبق إلى بعض الأوهام إنكار وجود القاصر، و ربّما يستشهد له بعموم آيات خلود الكفّار في النار.

و على التحقيق المتقدّم في مسألة التصويب في العقائد من وجود القاصر في العقائد لا بدّ من التزام سقوط التكليف في المعارف عن القاصرين على تقدير وجودهم- كما حكي الالتزام به عن الشيخ في العدّة- لئلّا يلزم التصويب الباطل من مطلوبيّة عقائد القاصرين من الكفّار الناشئة عن اتّباع أسلافهم من آبائهم و أمّهاتهم.

و بهذا كلّه ظهر عدم جريان مقدّمات دليل الانسداد على القولين في وجود القاصر


صفحه 427

و البرهان الواضح قائم على خلافه فلا التفات إليه (1).

و عدمه في اصول العقائد، إمّا لعدم وجود القاصر الّذي مرجعه إلى عدم انسداد باب العلم فيها، أو لعدم تكليفهم بالواقع على تقدير وجودهم.

و هذا بخلاف ما لو قلنا باعتبار العلم على وجه الطريقيّة، فإنّ المطلوب المكلّف به في المعارف حينئذ إنّما هو التديّن بالواقع فيها، و الطريق الموصل إليه هو العلم، و من حكم العلم الطريقي جواز بدليّة الغير عنه و قيامه مقامه مطلقا أو حيثما تعذّر، فإذا تعذّر و انسدّ بابه بفقد الطرق العلميّة مع فرض ثبوت التكليف بالواقع يقوم مقامه ما هو أقرب إليه من الظنّ أو التقليد.

و قضيّة ذلك جريان دليل الانسداد في الاصول أيضا كالفروع هذا، و لكنّ الأظهر في كلماتهم و الأنسب بأدلّتهم هو الوجه الأوّل، و قد عرفت أنّ الأقوال الستّ المتقدّمة أيضا منطبقة عليه لا على الوجه الثاني.

(1) و كأنّه أراد بالبرهان الواضح أحد الأمرين من قاعدة دفع الضرر المخوف أو قاعدة وجوب شكر المنعم، و حيث إنّ جهات البحث في المسألة كثيرة

فتحقيق الحال فيها يستدعي التكلّم في جهات:

الجهة الاولى في إثبات جواز النظر في اصول العقائد

كما هو الأقوى بل الحقّ الّذي لا محيص عنه، قبالا لمن أنكره و قال بالمنع منه و تعيّن التقليد فيها، و نعني بجواز النظر كونه ممّا لا حرج في فعله و لو باعتبار كونه في ضمن الوجوب.

لنا على ذلك: انتفاء المنع عنه عقلا و شرعا، و كون أدلّة ثبوته حسبما اعتمد عليه القائلون به- على ما نبيّنه- مدخولة، مضافا إلى ما ستعرفه في الجهة الثانية من وجوبه و دليل وجوبه، فإنّ الوجوب أخصّ من الجواز فيستلزمه و إن كان الجواز المطلق لا يستلزم الوجوب.

احتجّ منكروه تارة بما لو تمّ لقضى بالمنع التشريعي، و هو: أنّ النظر في اصول الدين بدعة، و كلّ بدعة مردودة.

أمّا الأوّل: فلعدم اشتغال النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و أصحابه بالنظر فيها، و لو اشتغلوا لنقل إلينا لتوفّر الدواعي و قضاء العادة به، كما نقل اشتغالهم بالمسائل الفقهيّة على اختلاف أصنافها.

و اخرى بما لو تمّ لقضى بالمنع الشرعي المستفاد من خطاب العقل، و هو: أنّ الشبهات


صفحه 428

..........

في الاصول كثيرة، و النظر فيها مظنّة وقوع في الشبهة، فيحرم النظر و يتعيّن التقليد.

و ثالثة بما لو تمّ لقضى بالمنع الشرعي المستفاد من خطاب الشرع، و هو: أنّ النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)نهى عن الجدل كما في مسألة القدر، فروي أنّه خرج إلى أصحابه فرآهم يتكلّمون في القدر غضب عليهم حتّى احمرّت وجنتاه، و قال: «إنّما هلك من كان قبلكم لخوضهم في هذا، عزمت عليكم أن لا تخوضوا فيه» و قال: «إذا ذكر القدر فأمسكوا».

و السرّ في اختلاف مفاد أدلّة هذا القول إمّا أنّهم أرادوا بالمنع المقابل للجواز ما يعمّ الوجوه الثلاثة أعني الأمر الدائر بين المنع التشريعي و المنع الشرعي من خطاب العقل أو خطاب الشرع، أو أنّهم افترقوا بين قائل بالأوّل و قائل بالثاني و قائل بالثالث فاعتمد كلّ على ما وافق مختاره.

و أيّا ما كان فلا خفاء في ضعف الوجوه المذكورة و وضوح فسادها.

أمّا الأوّل: فأوّلا: لمنع عدم نقل اشتغالهم بالنظر في الاصول إلينا، فإنّ الكتاب العزيز و كتب التفاسير و كتب الأحاديث النبويّة و الإماميّة و غيرها من كتب التواريخ مشحونة من مناظرات الأنبياء و رسلهم مع اممهم، و مناظرات النبيّ و الصحابة و التابعين و الأئمّة(عليهم السلام)و أصحابهم في المطالب الكلاميّة مع الزنادقة و الملاحدة و منكري الشرائع و النبوّات و عبدة الأصنام و غيرها من الآلهة الباطلة و أهل الكتاب و المخالفين و غيرهم من أرباب الديانات و المذاهب الباطلة، و تعليم الأئمّة أيضا أصحابهم طريق المناظرة و آدابها.

و ثانيا: لمنع الملازمة بين عدم نقل اشتغالهم به على تقدير تسليمه و بين عدم اشتغالهم به في الواقع.

و التمسّك له بتوفّر الدواعي و قضاء العادة. يدفعه: أنّهما إنّما يقضيان بالنقل في الامور التوقيفيّة الّتي لا طريق إلى إدراكها إلّا النقل و ما نحن فيه ليس منها، إذ النظر إنّما يجوز بل يجب لا لنفسه بل لكونه طريقا محصّلا للمعرفة الواجبة و الحاكم بطريقيّته العقل و هو يغني عن نقل اشتغالهم به، و لعلّ المتصدّين لنقل أمثاله إنّما أهملوا في نقله لعدم الحاجة إليه من جهة كفاية حكم العقل بطريقيّته و مشروعيّته لذلك.

و ثالثا: لمنع تحقّق البدعة على تقدير عدم اشتغالهم، سواء فرضناها محمولة للنظر نفسه أو للقول بجوازه.

أمّا على الأوّل: فلأنّ «الدين» في تفسير البدعة عبارة عن مجموع المعارف الخمس


صفحه 429

..........

و ما يلحق بها و غيرها من الفروع، و النظر طريق إلى تحصيلها فيكون خارجا من الدين، و لا يلزم من اعماله إدخال ما علم خروجه من الدين في الدين ليكون من الدين.

و أمّا على الثاني: فلأنّ الأحكام العقليّة بحكم الملازمة بين العقل و الشرع كلّها داخلة في الدين، و جواز النظر حكم عقلي فالقول به إدخال لما هو من الدين في الدين.

و أمّا الثاني: فلأنّ كلّ تقليد لا بدّ و أن ينتهي إلى النظر لئلّا يلزم التسلسل، و هذا النظر المنتهى إليه التقليد مظنّة وقوع في الشبهة فيكون التقليد المنتهي إليه مثله.

و مع الغضّ عن ذلك فإن اريد بكثرة الشبهات في اصول الدين كثرة الشكوك فيها فنمنع كون النظر مظنّة وقوع في الشكّ، فإنّه مزيل للشكوك لا أنّه موجب للوقوع فيها.

و إن اريد بها كثرة الاعتقاد الجهلي فيها نظرا إلى الأديان الباطلة و المذاهب الفاسدة الّتي لا تكاد تحصى كثرة فيها، فنمنع أيضا كون النظر الصحيح الّذي لم يقصّر فيه الناظر مظنّة وقوع في الاعتقاد الجهلي، و ما يرى من كثرة وقوعه بملاحظة الأديان و المذاهب الباطلة على تقدير كونها عن نظر و اجتهاد فهو مستند إلى نوع من التقصير، على ما حقّقناه في مسألة التصويب في العقائد من كون كلّ مجتهد مخطئ فيها مقصّرا.

و إن اريد بها كثرة الإشكالات الغير المندفعة أو الّتي يصعب دفعها، فالنظر فيها مزلقة و مظنّة وقوع في الخطأ، فنمنع وجود إشكال في كلّيات اصول الدين و هي المعارف الخمس، و وجوده مع الكثرة في جملة من توابعها الّتي منها مسائل القدر غير مضرّ، لعدم وقوع التكليف بتحصيل المعرفة فيها، فالمنع من النظر فيها مع فرض مظنّة الضلالة غير بعيد، بل هو في خصوص مسائل القدر منصوص عليه في الأخبار.

و بالجملة النظر فيما هو من محلّ البحث ليس مظنّة الوقوع في الشبهة و ما هو مظنّة الوقوع فيها خارج عن محلّ البحث.

و أمّا الثالث: فمع أنّه معارض بقوله تعالى:وَ جٰادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُأنّ النهي عن الخوض في مسائل القدر لغموضها و قصور العقول الناقصة عن البلوغ إلى كنهها و حقيقتها- و لأجل ذلك صارت من مزالّ الأقدام و مظانّ الضلالة و الانحراف- لا يلازم النهي عن مطلق الجدل في اصول الدين.

و لو سلّم فالحكمة في النهي عن الجدل لكونه في غالب موارده ناشئا عن المراء أو مفضيا إلى المراء و هو مبغوض للشارع و منهيّ عنه، و هو لا يلازم كون مطلق النظر و طلب


صفحه 430

..........

الدليل في اصول الدين لتصحيح العقائد من غير جدال أو معه من غير اشتماله على المراء منهيّا عنه كما هو واضح.

الجهة الثانية أنّ جواز النظر حسبما بيّنّاه إنّما هو على وجه الوجوب،

على معنى تحتّم فعله المتضمّن للمنع من تركه لا إلى بدل و لا عن عذر، قبالا لتساوي فعله و تركه.

لنا على ذلك: قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل و إزالة خوف العقوبة عن النفس الّذي لا يتأتّى إلّا به، بالبيان المتقدّم في تضاعيف بحث التحسين و التقبيح العقليّين، مضافة إلى قاعدة وجوب شكر المنعم المتوقّف على المعرفة الّتي لا تتمّ إلّا بالنظر، و إن رجع بالأخرة أيضا إلى دفع الضرر المحتمل و إزالة خوف العقوبة حسبما قرّرناه أيضا في البحث المذكور.

و هذه القاعدة و إن كانت أعمّ موردا من القاعدة الاولى لشمولها من لم يبلغه صيت الإسلام إذا التفت و تفطّن إلى ما عليه من النعم و أنّه لا بدّ لها من منعم، إلّا أنّ الاولى أوضح في تصوير حصول الخوف للنفس كما نبّهنا عليه في المبحث المذكور.

و لذا اورد على الثانية المناقشة تارة: بمنع استلزام مجرّد التجويز حصول الخوف.

و اخرى: بأنّه ربّما يحصل لبعض الناس دون بعض فلا وجه للإطلاق، كمن قلّد محقّا و جزم به و اطمأنّ نفسه و إن فرض احتمال التضرّر بالتقليد فهو لا يوجب الخوف، و لو فرض حصوله فقد يزول بما ظنّ به، إذا شكره على حسب ما ظنّ به. و إن كان الجميع واضح الدفع بأنّ: المقصود إثبات وجوب النظر عقلا في الجملة و إن أغنى عنه التقليد في بعض الأحيان قبالا لمن أطلق القول بالتقليد في اصول الدين، و ستعرف أنّ الأقوى كفاية التقليد المحصّل للمعرفة و العلم الّذي معياره انكشاف الواقع على ما هو عليه من دون احتماله الخلاف في نظر المكلّف بتحصيل المعارف.

ثمّ إنّ زوال الخوف بالتقليد الظنّي أو الاعتقاد الظنّي الناشئ عن أمارة ظنّية اخرى إذا شكره حسبما ظنّ إنّما يتمّ إذا صحّ له الاستناد إلى أصل البراءة من حيث كونه حكما عقليّا، و لا يتمّ ذلك إلّا بالفحص و النظر المستتبع للعجز عن الوصول إلى الواقع بطريق علمي لا مطلقا، إذ العقل إنّما يحكم بالبراءة على وجه يزول معه الخوف على هذا التقدير لا مطلقا.

و هذا الفرض على تحقّقه مقام آخر خارج عن موضوع المسألة، و سنشير إلى حكمه تكليفا و وضعا بحسب أحكام الدنيا و الآخرة.