..........
و كيف كان فعن الأشاعرة الاعتراض على الدليل تارة: بمنع حكم العقل بالحسن و القبح.
و اخرى: بدلالة العقل و النقل على خلافه. أمّا النقل فقوله تعالى:وَ مٰا كُنّٰا مُعَذِّبِينَ حَتّٰى نَبْعَثَ رَسُولًا. و أمّا العقل: فلأنّه إن كان وجوبه لا لفائدة فهو عبث غير جائز عقلا، و إن كان لفائدة فإمّا تعود إلى المشكور فهو متعال عن ذلك، و إمّا إلى الشاكر فهو منتف أمّا في الدنيا فلأنّه مشقّة بلا حظّ، و أمّا في الآخرة فلا استقلال للعقل فيها، و أيضا هو تصرّف في مال الغير بدون إذنه فلا يجوز.
و ثالثة: بمنع توقّف الشكر و زوال الخوف على المعرفة المستفادة من النظر، بل يكفي فيهما المعرفة السابقة على النظر الّتي هي شرط النظر، سلّمنا عدم كفايتها و لكن لا نسلّم توقّفها على النظر، لجواز حصولها بالتعليم كما هو رأي الملاحدة أو بالإلهام على ما يراه البراهمة أو بتصفية الباطن بالمجاهدات كما يراه الصوفيّة.
و رابعة: بمنع وجوب ما يتوقّف عليه الواجب.
و الجواب عن الأوّل: مضافا إلى ما مرّ في محلّه مستوفى أنّه إنكار لبداهة الوجدان.
و عن الثاني: أنّه مغالطة في مقابلة البرهان، لمنع دلالة النقل و العقل على النفي.
أمّا النقل: فلما بيّنّاه في محلّه عند الكلام على حجج الأشاعرة في إنكار العقل.
و أمّا العقل: فلأنّ المحافظة على النعم عن الزوال في الدنيا و على النفس عن العقوبة في الآخرة كافية في حصول الفائدة و عودها إلى الشاكر.
و دعوى عدم استقلال العقل في الآخرة.
يدفعها: أنّه يكفي في حصول الخوف و تجويز العقوبة احتمالها و هو قائم بلا ريب، مع إمكان إثبات استقلال العقل بالمعاد باعتبار أنّه لولاه لضاع عمل العاملين و ضاعت حقوق المظلومين مع أنّه أمر بإغاثتهم على الظالمين، و لساوى أشقى الأشقياء أفضل الأنبياء، إذ ليس في الدنيا ما يصلح للجزاء مع أنّ إقبالها على الفجّار بمقدار إعراضها عن الأخيار، و كونه جسمانيّا باعتبار كون الجسم مباشرا للطاعات و الآثام، و كون الشكر تصرّفا في مال الغير بدون إذنه ممنوع في كلّ من صغراه و كلّية كبراه.
و عن الثالث: منع كفاية المعرفة السابقة في حصول الشكر الرافع للخوف إن اريد بها معرفة أنّ له منعما، لأنّها معرفة إجماليّة و الشكر المزيل للخوف لا بدّ و أن يقع على حسب
..........
ما هو اللائق بحال المنعم و هذا يستدعي معرفة تفصيليّة، و كون التعليم أو الإلهام أو تصفية الباطن ممّا يحصل به المعرفة على فرض تسليمه لا ينفي مقدّميّة النظر غاية الأمر كونه أحد أفراد المقدّمة، مع أنّ التعليم إن اريد به تلقين الغير للعقائد فهو غير خارج عن حدّ التقليد فيما لا يوجب العلم على ما هو الغالب، و الإلهام على تقدير جوازه و وقوعه في حقّ [غير] الأنبياء باعتبار كونه فعل اللّه عزّ و جلّ من المقدّمات الخارجة عن مقدور المكلّف فلا تأثير له في نفي المقدّميّة و لا منع حكمها عن المقدّمة المقدورة، و تصفية الباطن بالمجاهدات و إن كانت لذاتها من مقدورات نوع الإنسان إلّا أنّها لغاية صعوبة مبادئها على وجه لا يتحمّلها غالب آحاد النوع بل لا يتأتّى عن الأكثر مندرجة في عداد الغير المقدورات فلا يلتفت إليها في نظر العقل، فانحصرت المقدّمة المقدورة العادية بالقياس إلى جميع آحاد النوع في النظر.
و عن الرابع: بما حقّق في محلّه من وجوب ما لا يتمّ الواجب إلّا به.
احتجّ المنكرون لوجوب النظر الموجبون للتقليد بوجوه:
منها: لزوم الدور لو وجب النظر، و تقريره- على مذهب الأشعري النافي لحكومة العقل-: أنّ وجوب النظر في معرفة اللّه المفروض استفادته من إيجابه تعالى موقوف على معرفة اللّه تعالى، و أنّه هل يجب اتّباعه أم لا؟ و معرفته كذلك موقوفة على وجوب النظر في معرفة اللّه المفروضة.
و على مذهب العدليّة: أنّ وجوب النظر في معرفة اللّه نظريّ موقوف على النظر في دليل ذلك، و هو نظر آخر فيجب ذلك النظر، و وجوبه موقوف على وجوب النظر في معرفة اللّه، إذ لو لم يجب النظر في معرفة اللّه لم يجب النظر في دليل وجوب النظر في معرفة اللّه.
و يندفع الأوّل: بأنّ وجوب النظر عندنا عقليّ فلا يتوقّف على استفادته من إيجابه تعالى، مع إمكان دفعه على طريقة الأشعري أيضا: بمنع توقّف معرفة اللّه على وجوب النظر، بل إنّما يتوقّف على وجوده أعني النظر نفسه، و يكفي في حصوله و التحريك إلى الإقدام عليه عروض خوف العقوبة للنفس الحامل له على النظر و إن لم نقل بحكومة العقل.
و يندفع الثاني: بمنع توقّف وجوب النظر في معرفة اللّه على النظر في دليل وجوب النظر، بل إنّما يتوقّف على وجوب إزالة الخوف عن النفس، أو على وجوب معرفة اللّه المتوقّف على وجوب شكر المنعم، فإنّ وجوب المقدّمة يتوقّف على وجوب ذيها لا غير.
نعم إنّما يتوقّف عليه العلم بوجوب النظر في معرفة اللّه، و هو ليس من جملة النظر في
..........
معرفة اللّه ليكون وجوبه من وجوبه، و لا أنّه من مقدّماته ليجب بوجوبه.
و منها: أنّ النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)كان يحكم بإسلام من أقرّ بالشهادتين و كان يكتفي بذلك منهم و لم يكلّفهم بالاستدلال و النظر، و ذلك آية عدم وجوبه و إلّا لكلّفهم به.
و فيه: عدم قضاء ذلك برضاء النبيّ منهم بالتقليد الظنّي، و ذلك لما بيّنّاه سابقا من اشتمال الإسلام على جزءين: الإذعان و الإقرار باللسان، و اكتفاؤه منهم بالإقرار بالشهادتين لعلّه لبقاء هذا الجزء منه بعد حصول الجزء الأوّل و قد علمه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)بموجب علم النبوّة أو ظهر له من مقتضى ظاهر الإقرار بناء على أنّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)كان مكلّفا بالظاهر لا بما خفي في السرائر.
و لعلّه السرّ في اكتفائه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)من المنافقين بكلمتي الشهادة، مع أنّ الغالب كون إقرارهم بهما مسبوقا بمشاهدة معجزاته و بيّناته و لو كانت من قبيل حالاته الحسنة و أخلاقه المستحسنة و هي من أسباب العلم.
و لو سلّم انتفاء العلم و الإذعان حين الإقرار باللسان فهو أيضا لا يدلّ على أنّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)كان لا يكلّفهم فيما بعد بالنظر لتصحيح العقائد و تحصيلها، خصوصا مع ملاحظة ما هو المعلوم من سيرته(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)أنّه كان بعد إقرارهم بالشهادتين يكمّلهم ببيان الأحكام و أمرهم باصول الدين و فروعه على التدريج. و القول بأنّه لو كان كلّفهم لنقل إلينا لتوفّر الدواعي و قضاء العادة، يدفعه: ما بيّنّاه سابقا في دفع نظيره.
و منها: قوله: «عليكم بدين العجائز» و لا ريب أنّ دينهنّ على طريق التقليد لعدم اقتدارهنّ على النظر، و لفظة «على» يدلّ على الوجوب فيحرم النظر.
و فيه- مضافا إلى منع الملازمة بين وجوب التقليد و حرمة النظر، لإمكان الواسطة و هو كون النظر مباحا مسقطا عن الواجب و هو التقليد-: منع نهوض ذلك دليلا على نفي وجوب النظر و لا على وجوب التقليد، لعدم ثبوت كونه رواية عن النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)أو معصوم آخر، لما قيل- كما عن القوشجي و الفاضل الجواد- من كونه كلام سفيان لما روي أنّ عمرو بن عبيدة لما أثبت منزلة بين الكفر و الإيمان، فقالت عجوزة: قال اللّه تعالى:هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كٰافِرٌ وَ مِنْكُمْ مُؤْمِنٌفلن يجعل اللّه من عباده إلّا الكافر و المؤمن، فقال سفيان: عليكم بدين الأعجاز.
و لو سلّم كونه عن المعصوم فهو خبر واحد غير واضح السند، و على تقدير صحّته غير ثابت الحجّية في مثل ما نحن فيه، و لو سلّم فدلالته غير واضحة، بل هو- على ما حكي
..........
من كونه واردا في قضيّة «دولاب» حيث استدلّت على وجود الصانع للأشياء المحرّك للأفلاك المدبّر في العالم بآثارها الّتي منها حركة الأفلاك تنظيرا له بدولابه الّذي لا يتحرّك إلّا به بتحريكها- على خلاف مطلوب المستدلّ أدلّ، بل هو دليل لنا لا علينا، و عليه فالإلزام بدين العجائز المستفاد من كلمة «عليكم» إرشاد إلى تحصيل المعرفة على الوجه الّذي حصلته العجوز إمّا من حيث كونها على يقين، أو من حيث طريق تحصيله و هو استدلال الإنّ تنبيها على أنّه الطريق السهل السالم لا طريق اللمّ، أو من حيث الاكتفاء في الاستدلال بالإجمال تنبيها على عدم لزوم التفصيل.
و منها: أنّ مسائل الاصول أغمض من مسائل الفروع، فإذا جاز التقليد في الثاني جاز في الأوّل بطريق الأولويّة.
و فيه: منع الأغمضيّة، بل الاجتهاد في مسائل الفروع لعدم محصوريّتها و افتقاره إلى صرف معظم العمر في تحصيل مباديه و تحمل مشاقّ كثيرة لا يتحمّلها عادة إلّا أقلّ قليل من الناس أغمض بمراتب شتّى، بخلاف مسائل الاصول و لا سيّما أوائلها الّتي يتمّ النظر فيها في زمان يسير من دون مشقّة إلّا يسيرا في حقّ بعض الأشياء[1].
و منها: قوله تعالى:فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لٰا تَعْلَمُونَ*[2].
و فيه: أنّ الآية على ما يرشد إليه صدرها نزلت في بشريّة الأنبياء، مع كون المراد من أهل الذكر علماء أهل الكتاب فليس لها كثير تعلّق بما نحن فيه، إلّا أن يقال: بأن لا عبرة بخصوص المورد، لكن يرد عليها: منع الدلالة على خصوص التقليد المتنازع فيه، بل تعليق الأمر بالسؤال على عدم العلم يقتضي مطلوبيّة تحصيل العلم.
و منها: أنّا نعلم أنّ قول النبيّ و الإمام بل العدل العارف أوقع في النفس ممّا يفيده هذه الأدلّة المدوّنة في علم الكلام، إذ هي موقوفة على مقدّمات نظريّة يتوقّف إثباتها على دفع شكوك و شبهات لا يتخلّص عنها إلّا من أيّده اللّه.
و فيه: أنّ قول النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و الإمام عند من ثبت نبوّته و إمامته دليل و كذا قول العدل العارف، و مع هذا فالاستدلال بطريق الإنّ أتمّ في إفادة الاطمئنان و العلم بل اليقين من دون حاجة إلى سائر الأدلّة المدوّنة في علم الكلام، مع أنّ جعل قول الغير مطلقا أوقع في النفس من النظر و الاستدلال ممّا يشهد الضرورة ببطلانه.
[1]كذا في الأصل، و الأنسب «الأشخاص» بدل «الاشياء».
[2]النحل: 43.
..........
الجهة الثالثة أنّ النظر بعد ما ثبت وجوبه يعتبر بلوغه حدّ الاطمئنان بل العلم
بمعنى الاعتقاد الجازم المطابق، و لا يكفي النظر المؤدّي إلى الظنّ مع إمكان العلم كما هو المعروف المشهور المدّعى عليه الإجماع مستفيضا، و مرجعه إلى اشتراط القطع في اصول الدين و عدم كفاية الظنّ.
لنا في إثباته طريقان:
أحدهما: طريق العقل، و هو: أنّ إزالة خوف العقوبة الّتي هي مناط حكم العقل بوجوب النظر أو بوجوب معرفة اللّه المقتضي لوجوب النظر لا تتأتّى إلّا بالنظر المحصّل للعلم، فإنّ الأمارات الظنّية الّتي منها أخبار الآحاد لعدم دوام إصابتها الواقع ليست مأمونة من الخطأ و مخالفة الواقع، فلا يزول خوف العقوبة مع التعويل عليها إلّا إذا انضمّ إليها أصل البراءة النافي للعقاب و استحقاقه على مخالفة الواقع من حيث كونه حكما عقليّا.
و قد عرفت أنّه لا يصحّ إلّا بعد الفحص عن الدليل و العجز عن العلم.
و ثانيهما: طريق الشرع من الإجماع و الكتاب و السنّة.
فمن الأوّل: الإجماعات المنقولة المستفيضة القريبة من التواتر.
و من الثاني: الآيات المانعة من اتّباع الظنّ المفيدة كون المرجع و المعوّل عليه في الشرعيّات هو العلم خرج منها الظنّ في الفروع بدليل، كقوله تعالى:لٰا تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ[1]وإِنَّمٰا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَ الْفَحْشٰاءِ وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللّٰهِ مٰا لٰا تَعْلَمُونَ[2]ولٰا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفٰاعَةَ إِلّٰا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ[3]ووَ قٰالُوا مٰا هِيَ إِلّٰا حَيٰاتُنَا الدُّنْيٰا نَمُوتُ وَ نَحْيٰا وَ مٰا يُهْلِكُنٰا إِلَّا الدَّهْرُ وَ مٰا لَهُمْ بِذٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلّٰا يَظُنُّونَ[4]ائْتُونِي بِكِتٰابٍ مِنْ قَبْلِ هٰذٰا أَوْ أَثٰارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ[5]وَ مٰا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِنَّ الظَّنَّ لٰا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً[6]و كونها عمومات مخصّصة- مع أنّ الأقوى حجّية العامّ المخصّص- لا يمنع من الاستدلال بها، لأنّ العامّ المخصّص نصّ في المورد و مورد نزول الآيات اصول الدين، مضافا إلى الآيات الآمرة بالعلم مثل قوله تعالى:فَاعْلَمْ أَنَّهُ لٰا إِلٰهَ إِلَّا اللّٰهُ[7]و قوله تعالى:اعْلَمُوا أَنَّ اللّٰهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهٰا[8].
و المناقشة في الاولى بأنّ المراد التثبّت على العلم، لأنّه(عليه السلام)كان عالما قبل نزول الآية
[1]الأسراى: 36.
[2]البقرة: 169.
[3]الزخرف: 86.
[4]الجاثية: 24.
[5]الأحقاف: 4.
[6]النجم: 28.
[7]محمّد: 19.
[8]الحديد: 17.
..........
إذ لم يقل أحد إنّها أوّل ما نزلت عليه.
و فيهما[1]أنّه ليس طلبا لتحصيل للعلم بل إثبات للعلم و إيجاد له من قبيل قول المعلّم:
«اعلم كذا».
مدفوعة بأنّ الخطاب في الآية الاولى و إن كان في ظاهره متوجّها إلى النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)إلّا أنّ الظاهر كونه من باب «إيّاك أعني و اسمعي يا جاره» فهو أمر لغيره بتحصيل العلم و لا يكون إلّا بالنظر.
و لو سلّم اختصاص الخطاب بنفسه الشريفة فيستفاد منه وجوب تحصيل العلم أيضا على من لم يسبقه حصوله، إمّا لأنّ وجوب التثبّت على العلم على من سبقه يستلزم- و لو باللزوم العرفي- وجوب تحصيله على من لم يسبقه، أو لأنّ التثبّت على العلم عبارة عن إبقاء العلم و الاستمرار عليه و لا يتأتّى ذلك إلّا باستحضار الدليل الموجب له، و مرجع الأمر بالتثبّت إلى إيجاب إعمال النظر في ذلك الدليل في كلّ آن يحتاج العلم في بقائه إليه، و هذا يرجع إلى ابتداء النظر لتحصيل العلم في ذلك الآن لأنّه لولاه لكان الشكّ و التزلزل، فلولا النظر المؤدّي إلى العلم واجبا لم يكن التثبّت عليه واجبا.
و قول المعلّم و نظائره: «اعلم» إيجاد للعلم التصوّري، و المقصود إثبات العلم التصديقي الّذي لا يتأتّى غالبا بمجرّد قول المعلّم بل يحتاج إلى ذكر دليل و لذا صحّ للمتعلّم مطالبة الدليل، و كان الغالب في المعلّمين التنبيه على دليل، و لو صدر قول: «اعلم» من اللّه سبحانه أو أحد من المعصومين أو العلماء الموثوق بهم في المعارف و كفى بمجرّده في حصول العلم كان ذلك علما حاصلا من الدليل الحاضر في الذهن المؤلّف من المقدّمتين الملتفت إليهما إجمالا.
و يدلّ على اعتبار العلم أيضا من الكتاب قوله تعالى:إِلّٰا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَو قوله:كَذٰلِكَ يَطْبَعُ اللّٰهُ عَلىٰ قُلُوبِ الَّذِينَ لٰا يَعْلَمُونَو قوله:وَ لٰا تَتَّبِعْ أَهْوٰاءَ الَّذِينَ لٰا يَعْلَمُونَو قوله تعالى:وَ مٰا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلّٰا لِيَعْبُدُونِأي ليعرفون، كما نصّ عليه المفسّرون و نطقت به الروايات الّتي منها المرويّ عن العلل عن الصادق(عليه السلام)قال: خرج الحسين بن عليّ(عليهما السلام)على أصحابه، فقال: «أيّها الناس إنّ اللّه ما خلق العباد إلّا ليعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه، و إذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه» فقال له رجل: يا بن رسول اللّه بأبي أنت
[1]عطف على قوله: «و المناقشة في الاولى» أي: و المناقشة فيهما.
..........
و أمّي فما معرفة اللّه؟ قال: «معرفة أهل كلّ زمان إمامهم الّذي يجب عليه طاعته» إلى آخره.
و إنّما فسّر معرفة اللّه بمعرفة إمام الزمان لأنّ من عرف الإمام بوصف الإمامة و من حيث إنّه مفترض الطاعة- لا بوصف الالوهيّة و لا من حيث الخالقيّة و الرازقيّة و الإحياء و الإماتة كما عليه الغلاة و المفوّضة- فقد عرف اللّه بوصف الالوهيّة و بالوحدانيّة في ذاته و صفاته و أفعاله و استحقاقه العبادة.
و يمكن أن يكون وجهه أنّ من عرف إمام زمانه المنصوب من النبيّ عن اللّه سبحانه فقد عرف اللّه بصفاته الكماليّة الّتي منها عدله و حكمته المقتضية لئلّا يهمل أمر الإمامة لكونه إخلالا باللطف الواجب عليه تعالى و هو قبيح، و لئلّا ينصب إماما مفضولا غير معصوم لكونه تفضيلا للمفضول على الفاضل و هو أيضا قبيح.
و من الثالث: الأخبار الدالّة عليه عموما، كقول العالم(عليه السلام): «من شكّ أو ظنّ فأقام على أحدهما فقد حبط عمله، إنّ حجّة اللّه هي الحجّة الواضحة» و خصوصا كقوله: «ما أعلم شيئا بعد المعرفة أفضل من هذه الصلوات الخمس» بناء على أنّ الأفضليّة من الواجب خصوصا مثل الصلاة تستلزم الوجوب، و قوله(عليه السلام): «من دخل في الإيمان بعلم ثبت فيه و نفعه إيمانه، و من دخل فيه بغير علم خرج عنه كما دخل فيه» و قوله(عليه السلام): «من أخذ دينه من كتاب اللّه و سنّة نبيّه زالت الجبال قبل أن يزول، و من أخذ دينه من أفواه الرجال ردّته الرجال» و قوله(عليه السلام): «إيّاك أن تنصب رجلا دون الحجّة فتصدقه في كلّ ما قال» و قوله(عليه السلام):
«إيّاك و خصلتين ففيهما هلك من هلك، إيّاك أن تفتي الناس بغير علم، و أن تدين اللّه بما لا تعلم» إلى غير ذلك من الأخبار المتكاثرة الآمرة بمعرفة اللّه و غيرها من المعارف.
الجهة الرابعة المشهور بين العلماء المدّعى عليه الإجماع في كلام جماعة من الخاصّة و العامّة عدم جواز التقليد في اصول الدين
على ما تقدّم بيانه، و مرجعه إلى وجوب النظر المفيد للعلم على التعيين و عدم بدليّة غيره عنه و هو الأصل، و قد شاع بينهم الاستدلال عليه بما دلّ من الآيات المتكاثرة على ذمّ الكفّار في تقليدهم لآبائهم و أسلافهم كقوله تعالى:مٰا يَعْبُدُونَ إِلّٰا كَمٰا يَعْبُدُ آبٰاؤُهُمْو قوله:وَ إِذٰا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ قٰالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مٰا أَلْفَيْنٰا عَلَيْهِ آبٰاءَنٰا أَ وَ لَوْ كٰانَ آبٰاؤُهُمْ لٰا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَ لٰا يَهْتَدُونَو قوله: وقٰالُوا أَ جِئْتَنٰا لِنَعْبُدَ اللّٰهَ وَحْدَهُ وَ نَذَرَ مٰا كٰانَ يَعْبُدُ آبٰاؤُنٰاو قوله في غير موضع:إِنّٰا وَجَدْنٰا آبٰاءَنٰا عَلىٰ أُمَّةٍ وَ إِنّٰا عَلىٰ آثٰارِهِمْ مُقْتَدُونَ.
..........
و يشكل التعلّق بهذه الآيات لإثبات المنع من التقليد بالمعنى المتنازع و هو تقليد أهل الحقّ المستتبع للاعتقاد الظنّي، و تقليد الكفّار ليس لأهل الحقّ و لم يعلم كونه مفيدا للظنّ لهم مع ذلك، مع أنّ الظاهر في توجّه الذمّ إليهم في الآيات كونهم كفّارا أخذوا أديانهم بطريق التقليد لأسلافهم، فالذمّ ليس على الطريق بل على ذيه و هو الكفر، و مع التنزّل فهو على المجموع منه و من مؤدّاه و هو الكفر على اختلاف أصنافه، فالعلّة مركّبة و من حكم العلّة المركّبة انتفاء المعلول بانتفاء أحد أجزائها، فلم يدلّ الآيات على كون التقليد لأهل الحقّ المفيد للظنّ أيضا مذموما.
إلّا أن يقال: إنّه ينساق من مجموعها في متفاهم العرف عدم كون التقليد بعنوان أنّه تقليد في نظر الشارع طريقا يعوّل عليه في المعارف و إن أفاد الظنّ و كان مؤدّاه حقّا، و إذا انضمّ إلى ذلك آيات الذمّ على اتّباع الظنّ في اصول الدين كما هو ظاهر سياقاتها ثبت أنّ المعارف لا يطلب فيها إلّا العلم، و يتأكّد ذلك بما عرفت من الآيات المصرّحة بالعلم و بالأخبار الدالّة عليه عموما و خصوصا.
فتحقيق المقام: أنّ الكلام في مسألة التقليد إن رجع إلى الأخذ بقول الغير المستتبع للعلم بمعنى الاعتقاد الجازم المطابق للواقع أو إلى التقليد بالمعنى المصطلح المنطقي فالحقّ كفايته، لما عرفت من أنّ المستفاد من مجموع الأدلّة هو اعتبار العلم بمعنى الجزم المطابق و كفايته في المعارف مطلقا.
و أمّا اعتبار بلوغه مرتبة اليقين المصطلح أو حصوله بطريق النظر و الاستدلال فلم يدلّ عليه دليل و لم يقم عليه برهان، إلّا حيث توقّف العلم أو المعرفة في حصولهما عليه فيجب مقدّمة و قد عرفت أنّه المستفاد من العقل المستقلّ.
فما عرفت من العلّامة و غيره ممّن وافقه من اعتبار النظر و الاستدلال أو كون المعتبر العلم الحاصل بطريق خاصّ فليس على ما ينبغي، بل الأقوى كفاية الجزم المطابق الحاصل بطريق التقليد وفاقا لجماعة منهم بعض مشايخنا قائلا- بعد التصريح بما سمعت-: «مع أنّ الإنصاف أنّ النظر و الاستدلال بالبراهين العقليّة للشخص المتفطّن لوجوب النظر في الاصول لا يفيد بنفسه الجزم، لكثرة الشبه الحادثة في النفس و المدوّنة في الكتب، حتّى أنّهم ذكروا شبها يصعب الجواب عنها للمحقّقين الصارفين لأعمارهم في فنّ الكلام فكيف حال المشتغل به مقدارا من الزمان لأجل تصحيح عقائده ليشتغل بعده بامور معاشه