..........
المقام الأوّل: في بيان الشروط الوفاقيّة
و هي الاجتهاد و البلوغ و العقل و الإيمان و العدالة، و المراد باشتراط الاجتهاد كون فتواه عن اجتهاد، و مرجعه إلى الإخبار عن حكم اللّه على حسب فتواه و رأيه الناشئ عن اجتهاده، و المراد بالإيمان ما يقابل الكفر و المخالفة و مرجعه إلى كونه مؤمنا اثني عشري. و الدليل على اشتراط هذه الامور وجوه:
الأوّل: الأصل، المقرّر من وجوه:
منها: أصالة عدم نفوذ فتوى أحد على أحد، و عدم ترتّب الآثار الشرعيّة على الفتوى إلّا ما أثبته الدليل من الإجماع و غيره، و ليس إلّا فتوى الجامع للصفات المذكورة.
و منها: أصالة الاشتغال بالقياس إلى المرجع الّذي يجب الرجوع إليه على المقلّد بعد اشتغال ذمّته بامتثال أحكام اللّه المعلومة بالإجمال و الرجوع إلى الجامع للصفات مبرئ يقيني بخلاف غيره، فتأمّل.
و منها: أصالة حرمة التقليد المستفادة من العمومات خرج منها تقليد الجامع للصفات و بقي غيره.
الثاني: ظهور الإجماع و عدم الخلاف في الجميع كما استظهره بعض مشايخنا و قبله السيّد الجليل في المفاتيح، فإنّه في كلّ واحد منها ادّعى ظهور الإجماع، بل الإجماعات المنقولة عن جماعة من أساطين الطائفة في بعضها كالاجتهاد كما عن المقاصد العليّة قائلا:
«الإجماع واقع على أنّه لا يجوز الفتوى و الحكم للعاجز عن درجة الاجتهاد» و مجمع الفائدة قائلا: «عدم جواز الإفتاء لغير المجتهد متّفق عليه مدلول الأخبار و الكفاية قائلا لا يكفي تقليد غير المجتهد بغير خلاف» و كذلك العدالة كما عن المبادئ و التهذيب و النهاية و شرح المبادئ و المنية و غيرها لتضمّنها الإجماع على اعتبار الورع و التديّن.
الثالث: أنّ الحكم المفتى به ما لم يحرز كونه حكما فعليّا لم يجز الأخذ به كما ظهر في مسألة مشروعيّة التقليد، و لم يعلم ذلك إلّا في فتوى الجامع للصفات.
الرابع: أنّ الصبيّ و المجنون لا ينفذ قولهما في حقّ أنفسهما ففي حقّ غيرهما بطريق أولى، و أنّه لا يعتبر قولهما كالفاسق في الرواية و الشهادة ففي الفتوى بطريق أولى، و «أنّ الإسلام يعلو و لا يعلى عليه»، و قول الصادق(عليه السلام)في حديث الاحتجاج: «و كذلك عوام أمّتنا
..........
عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر و العصبيّة الشديدة و التكالب على حطام الدنيا و حرامها و إهلاك من يتعصّبون عليه و إن كان لإصلاح أمره مستحقّا و بالترفرف بالبرّ و الإحسان على من تعصّبوا له و إن كان للإذلال و الإهانة مستحقّا، فمن قلّد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء فهم مثل اليهود الّذين ذمّهم اللّه تعالى بالتقليد لفسقة فقهائهم، فأمّا من كان من الفقهاء صائنا لنفسه، حافظا لدينه، مخالفا على هواه، مطيعا لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه، و ذلك لا يكون إلّا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم، فأمّا من ركب من القبائح و الفواحش مراكب فسقة فقهاء العامّة فلا تقبلوا منهم عنّا شيئا و لا كرامة» الحديث.
و الروايات الناهية عن الإفتاء بغير علم و قد تقدّم نبذة منها، و إنّ غير المؤمن ظالم فيحرم الركون إليه لقوله تعالى:وَ لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا، و أنّ المفتي لا بدّ و أن يكون عالما بالحكم الواقعي أو الظاهري لقوله تعالى:وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللّٰهِ مٰا لٰا تَعْلَمُونَ*و من ليس بفقيه غير عالم.
و لا فرق في المجنون بين المطبق و الأدواري، و لا في الكافر و المخالف بين مخالفة فتواه أو استنباطه لاصولنا و غيرها.
فما استشكله بعض الأعلام بقوله: «فلو فرض أنّ مخالفا ثقة صدوقا أفتى على وفق اصولنا و طريقتنا بحيث يحصل الاطمئنان بمساواته مع المفتي من أصحابنا في الاستنباط على اصولنا- كما كان جماعة من أصحابنا مفتي الفرق و العامّة كانوا يعتمدون عليهم- فيشكل الحكم بعدم جواز الرجوع إليه، و عدم اعتقاده بالحكم لا ينافي عدم التقصير في الاستنباط و عدم الكذب في الإخبار عنه» واضح الضعف، إذ الحكم بمقتضى الاصول و الأدلّة المتقدّمة تعبّدي، فالموافقة لاصولنا غير مجدية.
و أضعف منه ما ناقشه في اشتراط العدالة بقوله: «و أمّا العدالة فظاهرهم الوفاق في اعتباره، و إن كان يمكن القول بكفاية الوثوق في الاستنباط و الصدق نظير ما كان يقوله الشيخ(رحمه اللّه)في إخبار المتحرّزة عن الكذب مع كونهم فاسقين بسائر الجوارح» لوضوح الفرق بين العمل بالفتوى و العمل بالرواية، لابتناء الأوّل على كون الحكم المفتى به فعليّا و لم يثبت في فتوى الفاسق، مع قضاء الأدلّة بكون العدالة كالإيمان و سائر الشروط شرطا تعبّديّا، و كون الثاني عند الشيخ و موافقيه منوطا بظنّ صدور الرواية عن المعصوم و الوثوق بصدقها- و هو الأقوى- و يكفي في ذلك كون الراوي متحرّزا عن الكذب.
..........
نعم لو كان النظر في اعتبار العدالة إلى إحراز الصدق و رفع اتّهام الكذب عن المفتي من حيث تضمّن فتواه الإخبار برأيه و استنباطه- فإنّ قوله: «العصير العنبي حرام» مثلا حيثما سئل عن حكمه يتضمّن إخبارين: كون رأيه في هذا الموضوع الناشئ عن الاستنباط الحرمة، و كون الحرمة حكم اللّه الفعلي في الواقعة، فلا بدّ من اعتبار العدالة فيه دفعا لاحتمال الكذب عن إخباره برأيه و استنباطه، كما يشير إليه ما عن الذكرى من الاستدلال بآية التثبّت و ببعض الأخبار مثل قوله: «أعدلهما» في مقبولة عمر بن حنظلة و مرفوعة زرارة- اتّجه القول بكفاية الوثوق و الاطمئنان بالصدق في الإخبار بالرأي و عدم التقصير في الاستنباط و إن حصل من ملاحظة كونه متحرّزا عن الكذب مع كونه فاسقا من جهة اخرى، و لكنّه لا يلائم كلماتهم الظاهرة في تعبّدية الشرط و يعضده ظهور الإجماع عليه.
و هل المعتبر في الشروط المذكورة وجودها في زمان الاجتهاد أعني استنباط الأحكام عن مداركها، أو في زمان الإفتاء الّذي هو زمان الأخذ بالنسبة إلى المقلّد، أو في زمان العمل بالمأخوذ الّذي هو متأخّر عن الأوّلين، أو يعتبر وجودها في حالي الإفتاء و العمل معا؟
و الظاهر أنّه لا يشترط في زمان الاجتهاد ما عدا وجود الملكة المقتدر بها على استنباط الأحكام عن مداركها بل الظاهر أنّه إجماعيّ، و لذا ذكرنا أنّها من شرائط المفتي من حيث إفتائه لا من حيث استنباطه، فلو اجتهد في حال النقص بصباءة أو جنون أو كفر أو فسق مع كونه في جميع الصور ذا ملكة ثمّ استكمل في زماني الإفتاء و العمل جاز الأخذ به و العمل عليه.
و أمّا في الأخيرين فقد يدخل في الوهم اشتراط وجودها في حال الإفتاء فقط و كفايته قياسا للفتوى على الرواية الّتي يشترط فيها وجود الشروط المذكورة مع الضبط ما عدا الاجتهاد في الراوي، فإنّ المعتبر وجودها حال الرواية و الإخبار لا بشرط وجودها حال تحمّل الرواية و لا حال العمل بها، و لذا أجمعت الطائفة على العمل بروايات جماعة تحمّلوها حال نقصهم و تخليطهم و عدم استقامتهم مع استكمالهم و استقامتهم حال الرواية، و كذلك على العمل بروايات جماعة رووها حال استقامتهم ثمّ طرأهم النقص و التخليط فيما بعد ذلك.
و بالجملة النقص و عدم استقامة السابقان كالنقص و عدم استقامة اللاحقين لا يقدحان في صحّة الرواية و جواز العمل بها فكذا الفتوى، كما يستشمّ هذه المقايسة ممّن نقض الثانية بالاولى في ردّ من لا يجوّز تقليد الميّت ابتداءً و لا البقاء على تقليده بناء منه على اشتراط حياة المفتي ابتداء و استدامة، حيث إنّ الطائفة يعملون بروايات الأموات ابتداء و استدامة من غير توقّف و نكير.
..........
و لكنّه يندفع بوضوح الفرق بين المقامين الموجب لبطلان المقايسة، و الفارق أنّ الحجّة في الرواية هو قول الراوي من حيث إنّه كلام يحكي السنّة، و حجّيته من باب الطريقيّة فلا بدّ في إحراز صدقه و رفع احتمال الكذب و السهو عنه من اعتبار الشروط المذكورة مع الضبط حال الرواية ليحرز به السنّة الّتي هي قول المعصوم أو فعله أو تقريره، و إذا حصل الوثوق و الاطمئنان بصدق الراوي و عدم سهوه بملاحظة الشروط المذكورة احرز به السنّة.
و لا يقدح فيها بعد إحرازها النقص السابق و لا عدم استقامة اللاحق، فالعمل بالرواية حينئذ مرجعه إلى العمل بالسنّة المحرزة بها حال الإخبار، لا إلى العمل بها من حيث إنّها قول الراوي، و من ثمّ لا يعتبر بقاء الشروط و لا حياة الراوي حال العمل مطلقا، بخلاف الفتوى فإنّ الحجّة فيها إنّما هو رأي المفتي، و اللفظ الصادر منه إنّما يؤخذ به لكشفه عن الرأي، و حجّيته بالنسبة إلى عمل المقلّد من باب الموضوعيّة، لكونه موضوعا للحكم الفعلي الّذي يترتّب عليه آثار الواقع، و من الظاهر أنّ هذا الموضوع إنّما يحتاج إليه في مقام العمل فلا بدّ و أن يكون جامعا للشروط حال العمل، لأنّه في موضوعيّته للمحمول المذكور بمقتضى أدلّة الشروط مقيّد بها على وجه يكون كلّ منها جزءا للموضوع، و اللازم من ذلك انتفاء الموضوع بانتفائها كلّا أم بعضا و يستحيل معه بقاء المحمول، فلا يجوز العمل بعد طروّ النقص للمفتي و إن كان كاملا قبل ذلك.
و من هنا اندفع نقض الفتوى بالرواية في ردّ من لا يجوّز تقليد الميّت و لا البقاء على تقليده، فإنّهما على ما بيّنّاه ليسا من واد واحد ليجري حكم أحدهما في الآخر فكيف حكم الفتوى بما هو من أحكام الرواية.
و بالجملة فلا ينبغي التأمّل في اعتبار الشروط المذكورة في حال العمل بالفتوى لأنّه ممّا لا كلام فيه بل الظاهر أنّه أيضا إجماعي، و إنّما الكلام في أنّه هل يعتبر مع ذلك وجودها في حال الإفتاء أيضا أو لا؟
و الظاهر بل الّذي ينبغي أن يقطع به هو الأوّل لوجوه:
الأوّل: ما اخترناه عند تعريف التقليد من أنّه الالتزام و التديّن بقول الغير، على معنى الأخذ به على أنّه من الدين، فلا بدّ و أن يحتوي المفتي للشروط المذكورة من حال الإفتاء إلى جميع حالات العمل.
نعم على القول بأنّه العمل فقط اتّجه القول بكفاية وجودها حال العمل و إن كانت منتفية حال الإفتاء، غير أنّه خلاف التحقيق.
..........
الثاني: ما أشرنا إليه سابقا من أنّ الإفتاء يتضمّن إخبارين: الإخبار برأيه، و الإخبار بكون رأيه حكم اللّه الفعلي، و من ذلك ينتظم القياس المؤلّف من قطعيّتين يعبّر عنهما: «بأنّ هذا ما أفتى به المفتي، و كلّما أفتى به المفتي فهو حكم اللّه في حقّي».
و لا ريب أنّ الصغرى المذكورة تتولّد من الإخبار الأوّل في حال الإفتاء و الكبرى تتولّد من الإخبار الثاني، و الأوسط المتكرّر فيهما و هو الحكم المفتى به و إن كان رأي المفتي إلّا أنّه بمقتضى أدلّة الشروط المذكورة مقيّد بها، و الحاجة إليه إنّما تحصل في حال العمل و الإفتاء معا فلا بدّ من وجودها في كلتي الحالتين.
الثالث: أنّ الشروط المذكورة قد ينظر إليها لأمر يرجع إلى المقلّد المستفتي و هو جواز العمل بالحكم المفتى به، و قد ينظر إليها لأمر يرجع إلى المقلّد المفتي و هو الولاية على الإفتاء و القابليّة و التأهّل له، بناء على أنّ الإفتاء كالقضاء منصب من المناصب الشرعيّة كما هو ظاهر كلام الأصحاب، و مرجع إثبات الشروط إلى بيان أنّ الفاقد ليس له هذا المنصب، و الأمر الراجع إلى المقلّد بالكسر حكم تكليفي و إلى المقلّد بالفتح حكم وضعي، و أثر الأوّل يظهر في حال العمل و أثر الثاني يظهر في حال الإفتاء فلا بدّ من وجود الشرائط في الحالتين معا.
نعم هاهنا شروط اخر بعضها ما هو على تقدير شرطيّته معتبر في حال الإفتاء فقط كالضبط على ما ذكره بعض الفضلاء تبعا للشهيدين في الذكرى و الروضة و لا يخلو عن وجه، التفاتا إلى أنّ الإفتاء لتضمّنه الإخبار بالرأي لا بدّ في مطابقته الواقع من اعتبار ما يدفع عنه احتمال الكذب و هو العدالة مثلا، و ما يدفع عنه احتمال الخطأ بالسهو و النسيان و هو الضبط الّذي هو عبارة عن غلبة الذكر على السهو، و هذا بناء على هذا التوجيه يختصّ اعتباره بحال الإفتاء كما هو واضح.
لكن عن الذكرى تعليله بتعذّر درك الأحكام بدونه، و هذا يقتضي باختصاصه بحال الاستنباط، لكنّه عليل جدّا.
و منها ما لو ثبت شرطيّته كان معتبرا في جميع الحالات الثلاث، أعني حال الاستنباط و الإفتاء و العمل كالأعلميّة و الأورعيّة على القول باشتراطهما في التقليد، و حياة المقلّد بالفتح فإنّها شرط عقلي للاستنباط و شرعي للأخذ- بناء على القول بمنع تقليد الميّت ابتداء- و العمل أيضا بناء على القول بعدم جواز البقاء على تقليد الميّت.
و من جملة ذلك اجتهاد المفتي على معنى كونه ذا ملكة راسخة، و لذا لو زال ملكته لعارض وجب العدول عن تقليده إلى صاحب الملكة، فيشترط وجود الاجتهاد بهذا المعنى
و في صحّة رجوع المقلّد إليه علمه بحصول الشرائط فيه (1)، إمّا بالمخالطة المطلقة، أو بالأخبار المتواترة، أو بالقرائن الكثيرة المتعاضدة، أو بشهادة العدلين العارفين. لأنّها حجّة شرعيّة إلّا أنّ اجتماع شرائط قبولها في هذا الموضع عزيز الوجود كما لا يخفى على المتأمّل.
و يظهر من الأصحاب هنا نوع اختلاف، فإنّ العلّامة(رحمه اللّه)قال في التهذيب:
لا يشترط في المستفتي علمه بصحّة اجتهاد المفتي،
في حال الاستنباط و بقائه إلى حالي الأخذ و العمل، و يجب على المقلّد حين إنشاء التقليد إحراز فتوى مجتهده و كونها ناشئة عن الاستنباط و كون الاستنباط ناشئا عن الملكة، و هذا هو الّذي يعبّر عنه في كلام القوم باشتراط كون المفتي من أهل الاجتهاد، و هل يجب في صحّة رجوع المقلّد إليه و جوازه علمه باجتهاده أو يكفيه غلبة الظنّ؟ فيه خلاف أشار إليه المصنّف.
(1) الظاهر أنّه أراد من العلم هنا ما يعمّ العلم العقلي و العلم الشرعي، بقرينة عطف شهادة العدلين الّتي هي علم شرعي على الامور السابقة عليه الّتي هي أسباب للعلم العقلي، و ظاهر العبارة كون العلم المذكور شرطا لجواز التقليد، فيكون كالشروط المذكورة من قيود المقلّد و محصّله: المجتهد المعلوم الاجتهاد، و هذا خلاف التحقيق لعدم توقّف أصل الجواز على أزيد من الشروط المتقدّمة، و العلم المذكور إنّما يتوقّف عليه العلم بالجواز لا أصل الجواز.
و السرّ فيه: أنّ الجواز بحسب أدلّة الشروط معلّق على موضوع واقعي اخذ فيه قيود فما لم يعلم تحقّقه بقيوده و صدقه على ما شكّ أو ظنّ حصول الشرائط فيه لم يعلم جواز الرجوع إليه، و من الظاهر أنّ عدم العلم بالجواز في الامور المخالفة للأصل كاف في الحكم بعدم الجواز حتّى مع الظنّ بحصول الشرائط ما لم يقم دليل بالخصوص على حجّيته، لكونه ظنّا في الموضوع الصرف و الأصل فيه عدم الحجّية.
و من هنا ظهر أنّ القائل باعتبار العلم و عدم كفاية الظنّ مستظهر لموافقة قوله الأصل، و عليه فالدليل يطالب من القائل بكفاية الظنّ لا من القائل باعتبار العلم. لكن ينبغي أن يعلم أنّ أثر هذا البحث إنّما يظهر في خصوص اجتهاد المفتي، لوضوح حكم سائر الشرائط من
..........
غير حاجة له إلى عقد هذه المسألة، إذ العدالة منها- على ما قرّرناه في رسالة منفردة[1]- يكفي في ثبوتها حسن الظاهر المفيد للوثوق بوجود الصفة النفسانيّة، و الوثوق بوجودها الحاصل من غير جهة حسن الظاهر كائنا ما كان من غير تفاوت فيه بين مواردها الّتي منها المفتي و الإسلام، بل الإيمان منها يكفي في ثبوته الظهور النوعي المعوّل عليه في الإنسان المكلّف المنتحل إلى المسلمين و أهل الإيمان بالسيرة القطعيّة المتّصلة بأعصار المعصومين حتّى الرسول(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، إذ الظاهر فيه سلامة العقائد و صحّتها فيحكم بها ما لم يظهر منه ما ينافي الإسلام بالمعنى الأخصّ، و لا يسأل بل لا يجب الفحص عن باطنه كما لا يسأل عن باطن الشهود و أئمّة الجماعة و الحكّام و الفقهاء و المجتهدين و غير ذلك من موارد هذا الشرط.
و العقل أيضا يكفي في ثبوته الظهور النوعي في الإنسان البالغ، لأنّ ظاهره كمال العقل و عدم قصوره الملحق له بالمجنون ما لم يظهر منه ما يوجب الجنون، و هذا الظاهر أيضا ممّا يعوّل عليه بالإجماع و السيرة القطعيّة.
و أمّا البلوغ فوقوع أصل الاشتباه في حصوله في المتصدّين للإفتاء و المدّعين لأهليّة الفتوى لأنفسهم قليل لا يتّفق إلّا في فرض نادر لا يصلح لعقد مسألة علميّة له، و لو فرض وقوعه أحيانا فيبنى فيه على الأصل و هو أصالة عدم البلوغ، و لا وارد عليه من الظواهر، و الأصل في مطلق الظنّ فيه لكونه ظنّا في الموضوع عدم الحجّية.
فتمحّض البحث و عقد المسألة لمن شكّ في أهليّته للفتوى باعتبار الشكّ في اجتهاده، و مرجع البحث إلى أنّه هل يكفي في إحرازه و الالتزام بثبوته غلبة الظنّ المستندة إلى ظاهر ككونه متصدّرا و متصدّيا للإفتاء بمشهد من الناس و مرجعا للعامّة في الاستفتاء، فإنّ ذلك بنوعه يفيد الظنّ و الاطمئنان بكونه من أهل الاجتهاد، و لا يجب تحصيل العلم به بالسؤال و الفحص و إحراز سائر أسباب العلم، أو لا بل يجب الاقتصار على العلم و ما يقوم مقامه كشهادة العدلين؟
فالمحقّق في المعارج و قبله السيّد في الذريعة و بعده المصنّف هنا على اعتبار العلم و عدم كفاية غلبة الظنّ، و العلّامة في المبادئ و التهذيب و النهاية و ولده فخر الإسلام في شرح المبادئ و السيّد عميد الدين في المنية و الشهيدان في الذكرى و المقاصد العليّة و المحقّق الثاني في الجعفريّة- كما حكي- على عدم اشتراط العلم و كفاية غلبة الظنّ.
[1]رسالة في العدالة: 28 (المطبوعة بقم المشرّفة، سنة 1419 ه).
لقوله تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ*من غير تقييد (1)، بل يجب عليه أن يقلّد من يغلب على ظنّه أنّه من أهل الاجتهاد و الورع. و إنّما يحصل له هذا الظنّ برؤيته له منتصبا للفتوى بمشهد من الخلق، و اجتماع المسلمين على استفتائه و تعظيمه.
و قال المحقّق(رحمه اللّه): و لا يكتفي العاميّ بمشاهدة المفتي متصدّرا، و لا داعيا إلى نفسه، و لا مدّعيا، و لا بإقبال العامّة عليه، و لا اتّصافه بالزهد و التورّع. فإنّه قد يكون غالطا في نفسه، أو مغالطا. بل لا بدّ أن يعلم منه الاتّصاف بالشرائط المعتبرة من ممارسته و ممارسة العلماء و شهادتهم له باستحقاق منصب الفتوى و بلوغه إيّاه.
و الاختلاف بين هذين الكلامين ظاهر، كما ترى. و كلام المحقّق(رحمه اللّه)هو الأقوى، و وجهه واضح لا يحتاج إلى البيان.
و احتجاج العلّامة(رحمه اللّه): بالآية على ما صار إليه مردود. أمّا أوّلا: فلمنع العموم فيها. و قد نبّه عليه في النهاية. و أمّا ثانيا: فلأنّه على تقدير العموم لا بدّ من تخصيص أهل الذكر بمن جمع شرائط الفتوى بالنظر إلى سؤال الاستفتاء، للاتّفاق على عدم وجوب استفتاء غيره، بل عدم جوازه، و حينئذ فلا بدّ من العلم بحصول الشرائط، أو ما يقوم مقام العلم، و هو شهادة العدلين.
و يظهر من كلام المرتضى: الموافقة لما ذكره المحقّق(رحمه اللّه)حيث قال: و للعاميّ طريق إلى معرفة صفة من يجب عليه أن يستفتيه، لأنّه يعلم بالمخالطة و الأخبار المتواترة حال العلماء في البلد الّذي يسكنه و رتبتهم في العلم و الصيانة أيضا و الديانة. قال: و ليس يطعن في هذه الجملة قول من يبطل الفتيا، بأن يقول:
(1) هذا ما استدلّ به العلّامة في كتبه، و مبناه على إطلاق الذكر، كما أشار إليه بقوله: «من