..........
غير تقييد» أي من غير تقييد بكون أهل الذكر معلوم الاجتهاد فيشمل المظنون اجتهاده كما فهمه بعض المحقّقين.
و يمكن ابتناؤه على إطلاق السؤال باعتبار المخاطبين المتناول للعالم باجتهاد أهل الذكر و الظانّ به.
و كيف كان فلا خفاء في ضعفه- بعد الإغماض عن منع تعميم أهل الذكر بالقياس إلى غير أهل الكتاب، بناء على نزول الآية في بشريّة الأنبياء كما يشهد به صدرها، أو بالقياس إلى غير الأئمّة بناء على أخبارنا المستفيضة المفسّرة له بالأئمّة، أو بالقياس إلى غير العلماء الموجودين في زمن النزول بناء على كون الآية من قبيل خطاب المشافهة، فلم يظهر شمولها لمن ليس من صنفهم من المجتهدين- لأنّ التمسّك بالإطلاق على الوجه المذكور إنّما يتّجه لو كان مبنى قول مشترطي العلم على أخذه مع شروط المفتي على وجه الموضوعيّة ليكون قيدا في أهل الذكر كما أنّ سائر الشروط قيود فيه، و هذا ليس بلازم و غير مراد لهم بل مرادهم على ما ينساق من ظاهر كلماتهم اعتباره طريقا إلى إحراز الواقع، فإنّ أهل الذكر الجامع للشرائط موضوع واقعي علّق عليه الأمر بالسؤال، فلا يجري الإذن المستفاد منه في المورد إلّا إذا علم اندراجه في الموضوع الواقعي المعلّق عليه ذلك الإذن كما هو الحال في سائر الموضوعات الواقعيّة.
و قد يستدلّ عليه: بأنّ في لزوم الاقتصار على العلم حرجا عظيما و عسرا شديدا فيكون منفيّا كما في المفاتيح، و هذا أيضا ضعيف بمنع الملازمة، لوضوح تيسّر العلم و وفور أسبابه من اختبار و شياع و نقل متواتر و تسامع و تظافر بين طلبة العلم و أهل الخبرة بصناعة الاجتهاد و غير ذلك، و لو اتّفق لبعض الأشخاص في بعض الأحيان عسر شديد في تحصيله اقتصر في نفي وجوبه عليه، لكون العسر و الحرج في اقتضاء نفي التكليف شخصيّا لا نوعيّا.
و يمكن الاستدلال على كفاية الظهور المفيد لغلبة الظنّ بأهليّة الفتوى برواية يونس عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: سألته عن البيّنة إذا اقيمت على الحقّ، أ يحلّ للقاضي أن يحكم بقول البيّنة من غير مسألة إذا لم يعرفهم؟ قال: «فقال: خمسة أشياء يجب على الناس الأخذ فيها بظاهر الحكم: الولايات، و المناكح، و الذبائح، و الشهادات، و المواريث، فإذا كان ظاهره مأمونا جازت شهادته و لا يسأل عن باطنه» و في الفقيه «الأنساب» مكان «المواريث».
و المراد بظاهر الحكم هو ظاهر الحال، بل عن الوافي و الوسائل التعبير بها مكان الحكم،
..........
و إنّما عبّر بالحكم لصحّة إطلاق الحكم على المحمول المنتسب إلى الموضوع كتصرّف زيد فيما بيده، و كون المرأة في حبالته، و ذبح المسلم، و كون الشاهد حسن الظاهر، و كون زيد منتسبا إلى عمرو بالبنوّة أو الاخوة أو العمومة أو نحو ذلك.
و تقريب الاستدلال: أنّ الرواية تدلّ على حجّية الظاهر و تقدّمه على الأصل في الأشياء الخمس.
و من جملة ذلك ظهور الولايات و هي كون الرجل يلي أمر شيء، على معنى القيام به بالأخذ و الإعطاء و التقلّب و التولّي في الاستحقاق و لو بعنوان المالكيّة كما في تصرّف ذي اليد فيما بيده.
و من المعلوم أنّ الولايات عامّ يتناول تولّي المفتي للإفتاء بمشهد من الناس الراجعين إليه في الاستفتاء على وجه الإذعان و القبول، و هو على الوجه المذكور ظاهر في أهليّته للفتوى فيجب الأخذ بهذا الظاهر بمقتضى الرواية.
هذا و لكن يشكل الحال في جواز التعويل على هذه الدلالة، حيث لم نقف من الأصحاب على آخذ بها و عامل عليها، و إن كان السيّد في المفاتيح أيّد ما اختاره من جواز الاعتماد على الظنّ هنا بالرواية المذكورة.
و كيف كان فالمسألة لعدم وضوح دليل واضح على حجّية الظنّ هنا مع مصير الأكثر إلى الحجّية في غاية الإشكال، و سلوك طريق الاحتياط بعدم التخطّي عن العلم بالاجتهاد و أهليّة الفتوى طريق النجاة، و في ثبوت الاجتهاد بشهادة العدلين و عدمه قولان أشهرهما الأوّل و هو أقوى للسيرة القطعيّة.
و عن بعض المحقّقين دلالة رواية صحيحة على حجّية شهادة العدلين مطلقا.
و قد يستدلّ عليه بفحوى ما دلّ على ثبوت ولاية القاضي المنصوب من الإمام بها كما صرّح به جمع من غير نقل خلاف، و ليس ببعيد و إن كان لا يخلو عن تأمّل.
و في ثبوته بشهادة عدل واحد إشكال أقربه العدم، و في اشتراط كون الشاهدين من أهل الاجتهاد أو من أهل الخبرة به [وجهان] و الأقرب هنا أيضا العدم.
و ليعلم أنّ الاجتهاد الّذي هو من شروط المفتي من حيث إفتائه عبارة عن مجموع الملكة الراسخة و الإدراكات الناشئة و لا يكفي وجود إحداهما، و هو معتبر في الأخذ و العمل معا، و لا يكفي وجوده في ابتداء العمل بل يعتبر بقاؤه في جميع آنات العمل.
..........
و الظاهر أنّه وفاقيّ بل قيل إنّهم نقلوا الإجماع على اشتراط بقاء الاجتهاد، و عليه فلو عرضه مرض يختلّ به ملكته أو إدراكاته أو ملكته و إدراكاته معا لم يجز البقاء على تقليده بل يجب العدول إلى غيره، و قضيّة اشتراط بقاء الاجتهاد أن يشترط بقاء حياته إذ لا يعقل بقاء الاجتهاد مع عدم بقاء الحياة.
و من هنا يتوجّه الإشكال إلى القائلين بعدم اشتراط حياة المفتي أو عدم اشتراط بقاء حياته من حيث إنّ بقاء الاجتهاد منوط ببقاء الحياة و زوال الحياة يستلزم زوال الاجتهاد و الواسطة بينهما غير معقولة، فإنّ الموت أشدّ و أصعب من جميع ما يمكن فرض عروضه من الأمراض، و إذا أمكن اختلال الإدراكات بعروض المرض فاختلالها بعروض الموت بطريق أولى.
و ممّا يرشد إلى ذلك أنّ الإدراكات الحاصلة حال الحياة إنّما حصلت بواسطة آلات هي القوى الحيوانيّة و الإنسانيّة المنوطة ببقاء تعلّق الروح بالبدن، فإذا انقطع التعلّق بمفارقة البدن انعدمت هذه القوى جزما و معه كيف يصحّ بقاء الإدراكات؟
و يؤيّد ذلك أيضا ما قيل: من أنّ الموت ليس إلّا فناء الأخلاط الأربعة.
و من المعلوم بالوجدان و التجارب و تصريح أهل الخبرة أنّ لبعضها مدخليّة في الإدراك حدوثا و قوّة و ضعفا، فإنّ خلط الصفراء يوجب جودة الذهن و سرعة الانتقال، و السوداء توجب الحفظ، و البلغم يوجب البلادة و بطء الانتقال فغناؤها يوجب زوال الإدراكات، و ممّا يشهد أيضا بأنّ القوّة الحيوانيّة و الإنسانيّة لها مدخليّة في الإدراك أنّه كلّما قويت هذه القوى قوي الإدراكات و كلّما ضعفت ضعفت الإدراكات كما في حالة الهرم، فإنّه إذا تكامل قد يبلغ بالإنسان إلى أن يعود إلى حالة الطفوليّة فينتقص عقله و يختلّ فهمه، و تضعف قواه و ملكاته، و تزول علومه و إدراكاته، و تعود معلوماته إلى مجهولات، كما يشير إليه قوله عزّ من قائل:وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لٰا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً.
فقضيّة هذا كلّه اختلال إدراكات المجتهد بالموت و عدم بقائها لا محالة، لا على معنى أنّ الروح بعد مفارقة البدن لا إدراك له، بل بمعنى أنّ إدراكاته الحاصلة حال الحياة غير باقية بعد الممات.
فالقول بعدم اشتراط بقاء الحياة يؤول إلى القول بعدم اشتراط بقاء الاجتهاد، و انتظر لتتمّة الكلام في ذلك في مسألة تقليد الميّت.
كيف يعلمه عالما، و هو لا يعلم شيئا من علومه؟ لأنّا نعلم أعلم الناس بالتجارة و الصناعة في البلد، و إن نعلم شيئا من التجارة و الصناعة و كذلك العلم بالنحو و اللّغة و فنون الآداب.
[المقام الثاني الشروط الخلافية]
إذا عرفت هذا، فاعلم أنّ حكم التقليد مع اتّحاد المفتي ظاهر، و كذا مع التعدّد و الاتّفاق في الفتوى؛ و أمّا مع الاختلاف، فأن علم استواءهم في المعرفة و العدالة، تخيّر المستفتى في تقليد أيّهم شاء. و إن كان بعضهم أرجح في العلم و العدالة من بعض، تعيّن عليه تقليده، و هو قول الأصحاب الّذين وصل إلينا كلامهم (1). و حجّتهم عليه أنّ الثقة بقول الأعلم أقرب و أوكد.
و يحكى عن بعض الناس: القول بالتخيير هنا أيضا. و الاعتماد على ما عليه الأصحاب.
و لو ترجّح بعضهم بالعلم بالورع، قال المحقّق(رحمه اللّه): يقدّم الأعلم، لأنّ الفتوى تستفاد من العلم لا من الورع، و القدر الّذي عنده من الورع يحجزه عن الفتوى بما لا يعلم، فلا اعتبار برجحان ورع الآخر. و هو حسن.
أصل ذهب العلّامة في التهذيب: إلى جواز بناء المجتهد في الفتوى بالحكم على الاجتهاد السابق. و منع من ذلك المحقّق فعدّ في شرائط تسويغ الفتوى أن يكون المفتي بحيث إذا سئل عن لمّيّة الحكم في كلّ واقعة يفتي بها أتى به و بجميع اصوله الّتي يبتني عليها.
و قال في موضع آخر: إذا أفتى المجتهد عن نظر في واقعة ثمّ وقعت بعينها
(1) هذا هو عنوان المقام الثاني الّذي يتكلّم فيه عن الشروط الخلافيّة، فمن جملة ذلك:
الأعلميّة.
..........
و تحرير هذه المسألة: أنّ مجتهد عصر المقلّد إن اتّحد فلا إشكال في تعيّن تقليده، و إن تعدّد فإن اتّفقا في الرأي و الفتوى فلا إشكال في كون حكمه على التخيير بين تقليد أيّهما شاء، و إن اختلفا في الرأي فإن تساويا في العلم و المعرفة فلا إشكال أيضا في التخيير، و إن اختلفا في ذلك أيضا ففي تعيّن الرجوع إلى الأعلم أو التخيير بينه و بين الرجوع إلى غير الأعلم خلاف، مرجعه إلى الخلاف في اشتراط صحّة التقليد و جوازه بالأعلميّة مع وجود الأعلم و عدمه، فذهب جماعة كالمحقّق في المعارج و العلّامة في الإرشاد و نهاية الاصول و التهذيب و السيّد في المنية و الشهيد في الدروس و القواعد و المحقّق الثاني في الجعفريّة و جامع المقاصد و الشهيد الثاني في التمهيد و ولده في المعالم و البهائي في الزبدة و الصالح المازندراني في حاشية المعالم و السيّد صاحب الرياض- كما حكي عنهم- إلى الأوّل، و اختاره المصنّف بل ما عرفت من عبارته يؤذن بدعوى الإجماع عليه، و يوهمه ما عن التمهيد من قوله:
«و الحقّ عندنا ذلك».
و عن المسالك كونه المشهور بين أصحابنا، و قيل: بالثاني كما عن الحاجبي و العضدي و القاضي أبي بكر و جماعة من الاصوليّين و الفقهاء، و اختاره بعض الفضلاء و جماعة ممّن عاصرناهم.
حجّة القول الأوّل بما استدلّ أو يمكن أن يستدلّ به وجوه:
الأوّل: أنّ مناط عمل المقلّد في تقليده كون فتوى المجتهد حكما فعليّا في حقّه يجب عليه بناء العمل عليه و التديّن به، و القدر المتيقّن المقطوع بكونه حكما فعليّا في حقّه إنّما هو فتوى الأعلم، لمكان الشكّ في كون فتوى غير الأعلم أيضا حكما فعليّا و عدمه، و الشكّ فيه كاف في الحكم بعدم جواز الأخذ به و التعبّد به.
فإن قلت: إنّ مؤدّيات اجتهاد غير الأعلم و مظنوناته أحكاما فعليّة و لو في حقّ نفسه ممّا لا كلام فيه، و لذا لا يجوز له تقليد غيره و إن كان أعلم منه، و قد ذكرت في مسألة كون وجوب التقليد على وجه التعبّد لا من باب الظنّ أنّ كون مؤدّيات اجتهاد المجتهد أحكاما فعليّة نسبة واحدة بينه و بين المقلّد أعني كلّ من وظيفته التقليد، و لذا يعبّر في كبرى القياس
..........
المنتظم عنده: «بأنّ كلّما أدّى إليه اجتهادي فهو حكم اللّه في حقّي و حقّ مقلّدي» و قضيّة ذلك أن لا يتفاوت الحال في كون مؤدّيات اجتهاد المجتهد أحكاما فعليّة في حقّ المقلّد بين الأعلم و غير الأعلم.
قلت: إنّ كون مؤدّيات اجتهاد المجتهد أحكاما فعليّة إنّما يسلّم كون نسبته واحدة بينه و بين المقلّد إذا لم يطرأها ما يخرجها من كونها كذلك في حقّ المقلّد كاشتراطه عدالة المفتي من حيث إفتائه، و لا ما يوجب الشكّ في كونها كذلك في حقّه كالشكّ في شرطيّة الأعلميّة مع وجود الأعلم كما فيما نحن فيه، فوحدة النسبة حسبما قرّرناها في المسألة المذكورة ليست على إطلاقها.
و المفروض أنّ مصير المعظم إلى اشتراط الأعلميّة يوجب الشكّ في الشرطيّة، و معه لا يلزم من كون مؤدّيات اجتهاد غير الأعلم أحكاما فعليّة في حقّه كونها كذلك في حقّ غيره ممّن وظيفته التقليد.
الثاني: قاعدة الاشتغال، و بيانها: أنّه اشتغلت ذمّة المقلّد بامتثال أحكام اللّه المعلومة بالإجمال، و لا بدّ له من طريق و لا يكون إلّا تقليد المجتهد.
و لا ريب أنّ تقليد الأعلم مبرئ للذمّة قطعا بخلاف تقليد غيره، فيجب الأوّل لاستدعاء الشغل اليقيني يقين البراءة و لا يحصل إلّا به.
لا يقال: قد حقّق في محلّه أنّ الشكّ في الشرطيّة و الجزئيّة يرجع فيه إلى أصل البراءة، فكما يقال في مسألة الشكّ في جزئيّة السورة للصلاة أنّ الأصل براءة الذمّة عن العقاب المحتمل ترتّبه على ترك الصلاة مع السورة، فكذلك الأصل براءة الذمّة عن العقاب المحتمل ترتّبه على ترك تقليد الأعلم، و معه لا مجرى لأصالة الاشتغال، و اللازم من ذلك كون تقليد غير الأعلم أيضا مبرئا للذمّة.
لأنّ الشكّ في المكلّف به ما لم يكن آئلا إلى الشكّ في التكليف لم يجر فيه أصل البراءة، و إنّما يؤول إليه إذا كان الشكّ في شرطيّة أو جزئيّة شيء للعبادة و غيرها من واجب نفسي انيط الثواب و العقاب بموافقته و مخالفته، و الواجب النفسي الّذي اشتغلت الذمّة به و يترتّب العقاب على مخالفته إنّما هو امتثال أحكام اللّه المعلومة بالإجمال، و التقليد طريق إليه فوجوبه غيريّ مقدّميّ، و لا تأثير له في ترتّب العقاب على تركه، بل إنّما يترتّب على
..........
ترك الامتثال الّذي هو الواجب النفسي، فلا بدّ للفرار عن حدّ العقاب على ترك هذا الواجب من إحراز أدائه و حصوله في الخارج، أو من إحراز ما يكون مبرئ للذمّة عنه، و الأعلميّة المشكوك في كونها شرطا على تقدير شرطيّته في الواقع شرط في الطريق لا في الامتثال، و لا ريب أنّ التقليد مع إحراز الأعلميّة طريق و مبرئ للذمّة يقينا بخلاف التقليد مع انتفائها، و لا يعقل في مثل ذلك إلّا أصل الاشتغال.
و بالجملة فرق في الشكّ في الشرطيّة بين ما لو رجع الشرط المشكوك فيه إلى نفس الواجب النفسي و ما لو رجع إلى ما هو طريق إليه، في أنّ الأوّل يؤول إلى الشكّ في التكليف فيجري فيه أصل البراءة و الثاني لا يؤول إليه بالنسبة إلى الواجب النفسي فلا يجري فيه إلّا أصل الاشتغال.
الثالث: العمومات المانعة من العمل بما وراء العلم، و لا ريب أنّ قول المجتهد بالنسبة إلى عمل المقلد ممّا وراء العلم، و القدر المخرج منه من العمومات إنّما هو فتوى الأعلم و يبقى غيره تحتها و منه فتوى غير الأعلم.
و لا خفاء في ضعفه، إذ التمسّك بعمومات المنع من العمل بما وراء العلم إنّما يتّجه إذا كان الشكّ في جواز تقليد المفضول مع وجود الأفضل باعتبار الشكّ في وجود المقتضي و ليس كذلك، لخروج قول المجتهد بنوعه من تلك العمومات بعموم ما دلّ على حجّية ذلك القول للمقلّد مطلقا، و لذا جاز تقليد المفضول على تقدير عدم وجود الأفضل، فالشكّ في جواز تقليده حال وجود الأفضل إنّما هو باعتبار المانع، للشكّ في مانعيّة الموجود، فإنّ وجود الأفضل على تقدير وجوب تقليده مانع من تقليد المفضول، نظير الخبرين المتعارضين إذا كان أحدهما أقوى من الآخر قوّة توجب ترجيحه عليه، حيث إنّ تقديمه على المعارض ليس لعدم حجّيته الذاتيّة لثبوت الحجّية الذاتيّة فيهما معا لعموم دليل الحجّية و إلّا لم يعقل التعارض، بل لأنّ المعارض الأقوى مانع من العمل عليه، و لذا لا يلزم بترك العمل عليه تخصيص في دليل الحجّية، فالفاضل من المجتهدين المتفاضلين أيضا مانع من تقليد المفضول على القول باشتراط الأعلميّة.
و من الظاهر أنّ عدم المانع ليس جزءا من المقتضي، فالمقتضي لجواز تقليد المفضول مع وجود المانع موجود، و معه لا معنى للتمسّك بعمومات المنع على تقدير الشكّ في مانعيّة وجود الأفضل.
..........
الرابع: قضاء القوّة العاقلة بتقديم الفاضل على المفضول عند الاختلاف كما يكشف عنه السيرة المستمرّة، و بناء الناس في جميع الأعصار و الأمصار في كلّ صنعة و حرفة و كلّ فنّ و علم على الرجوع إلى الفاضل عند الاختلاف بينه و بين المفضول من دون رجوع إلى المفضول ما دام الرجوع إلى الفاضل ممكنا، كما يرشد إليه تقديم قول أكمل الأطبّاء عند الاختلاف بينهم في العلاج، و تقديم قول أكمل الصيارفة عند الاختلاف بينهم في الجوهر.
و يمكن المناقشة فيه: بأنّ بناء الناس إنّما يكشف عن حكم القوّة العاقلة المثمر في ثبوت لو ثبت[1]على وجه الالتزام لا من باب الاحتياط الّذي هو حسن على كلّ حال، و في خصوص التقليد و كلّ من المقدّمتين محلّ منع، بل الثابت من بنائهم قد يكون خلافه، بملاحظة أنّهم لاعتقادهم بأنّ حكم اللّه واحد لا يراعون الأعلم و لا يبالون تقليد غير الأعلم كما لا يخفى على المتأمّل.
الخامس: أنّ الظنّ الحاصل من قول الأعلم أقوى من الظنّ الحاصل من قول غيره فيجب العمل به.
أمّا المقدّمة الاولى: فلأنّ زيادة بصيرته على مدارك الأحكام و معارضاتها و سائر مباينها
[1]و العبارة لا تخلو عن غموض و لعلّه ناش من وقوع سقط فيها و يوضحه ما أورده(قدّس سرّه)في رسالته المفردة في ولاية الأولياء (مخطوط) ما هذا لفظه:
«و يزيّفه: أنّه لا يتمّ إلّا على تقدير ثبوت مقدّمتين:
إحداهما: كون بناء الناس الكاشف عن حكم العاقلة في الرجوع إلى الفاضل على وجه الالتزام، و لقائل أن يقول:
بأنّ بناءهم في ذلك إنّما هو على وجه الرجحان و لا كلام فيه.
و اخراهما: ثبوت بنائهم على الرجوع إلى الفاضل على وجه الالتزام في خصوص التقليد، و لمانع أن يمنع ذلك إمّا بدعوى أنّ العقلاء من المقلّدين لاعتقادهم بأنّ حكم اللّه واحد لا يراعون الأعلم و لا يبالون الرجوع إلى غير الاعلم.
أو بدعوى إنّهم متحيّرون في مسألة تقليد الأعلم و يلتزمون فيها اتّباع العلماء المجتهدين فصاروا فريقين، فريق يراعون الأعلميّة تقليدا لمن يوجب تقليد الأعلم و فريق لا يراعونها تقليدا لمن يجوّز تقليد غير الأعلم و كثير ممّن لا يتّبع رأي مجتهد في ذلك يرجعون إلى الأعلم أيضا احتياطا لا اعتقادا و هذا كلّه يكشف عن عدم حكم للقوّة العاقلة في هذا المقام.
و السرّ فيه: أنّ اعتبار الأعلميّة في المقلّد- بالفتح- سواء كان على وجه الشرطيّة أو على وجه المانعيّة أمر تعبّدي توقيفي منوط ثبوته بالتوظيف و لا مدخليّة للعقل فيه، فاتّضح بذلك كلّه أنّه لا قضاء للقوّة العاقلة بتقديم الفاضل على وجه اللزوم بحيث يكون الرجوع إلى المفضول قبيحا عند العقل.
[رسالة في ولاية الأولياء- ص 35- مخطوط].