بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 449

..........

و لكنّه يندفع بوضوح الفرق بين المقامين الموجب لبطلان المقايسة، و الفارق أنّ الحجّة في الرواية هو قول الراوي من حيث إنّه كلام يحكي السنّة، و حجّيته من باب الطريقيّة فلا بدّ في إحراز صدقه و رفع احتمال الكذب و السهو عنه من اعتبار الشروط المذكورة مع الضبط حال الرواية ليحرز به السنّة الّتي هي قول المعصوم أو فعله أو تقريره، و إذا حصل الوثوق و الاطمئنان بصدق الراوي و عدم سهوه بملاحظة الشروط المذكورة احرز به السنّة.

و لا يقدح فيها بعد إحرازها النقص السابق و لا عدم استقامة اللاحق، فالعمل بالرواية حينئذ مرجعه إلى العمل بالسنّة المحرزة بها حال الإخبار، لا إلى العمل بها من حيث إنّها قول الراوي، و من ثمّ لا يعتبر بقاء الشروط و لا حياة الراوي حال العمل مطلقا، بخلاف الفتوى فإنّ الحجّة فيها إنّما هو رأي المفتي، و اللفظ الصادر منه إنّما يؤخذ به لكشفه عن الرأي، و حجّيته بالنسبة إلى عمل المقلّد من باب الموضوعيّة، لكونه موضوعا للحكم الفعلي الّذي يترتّب عليه آثار الواقع، و من الظاهر أنّ هذا الموضوع إنّما يحتاج إليه في مقام العمل فلا بدّ و أن يكون جامعا للشروط حال العمل، لأنّه في موضوعيّته للمحمول المذكور بمقتضى أدلّة الشروط مقيّد بها على وجه يكون كلّ منها جزءا للموضوع، و اللازم من ذلك انتفاء الموضوع بانتفائها كلّا أم بعضا و يستحيل معه بقاء المحمول، فلا يجوز العمل بعد طروّ النقص للمفتي و إن كان كاملا قبل ذلك.

و من هنا اندفع نقض الفتوى بالرواية في ردّ من لا يجوّز تقليد الميّت و لا البقاء على تقليده، فإنّهما على ما بيّنّاه ليسا من واد واحد ليجري حكم أحدهما في الآخر فكيف حكم الفتوى بما هو من أحكام الرواية.

و بالجملة فلا ينبغي التأمّل في اعتبار الشروط المذكورة في حال العمل بالفتوى لأنّه ممّا لا كلام فيه بل الظاهر أنّه أيضا إجماعي، و إنّما الكلام في أنّه هل يعتبر مع ذلك وجودها في حال الإفتاء أيضا أو لا؟

و الظاهر بل الّذي ينبغي أن يقطع به هو الأوّل لوجوه:

الأوّل: ما اخترناه عند تعريف التقليد من أنّه الالتزام و التديّن بقول الغير، على معنى الأخذ به على أنّه من الدين، فلا بدّ و أن يحتوي المفتي للشروط المذكورة من حال الإفتاء إلى جميع حالات العمل.

نعم على القول بأنّه العمل فقط اتّجه القول بكفاية وجودها حال العمل و إن كانت منتفية حال الإفتاء، غير أنّه خلاف التحقيق.


صفحه 450

..........

الثاني: ما أشرنا إليه سابقا من أنّ الإفتاء يتضمّن إخبارين: الإخبار برأيه، و الإخبار بكون رأيه حكم اللّه الفعلي، و من ذلك ينتظم القياس المؤلّف من قطعيّتين يعبّر عنهما: «بأنّ هذا ما أفتى به المفتي، و كلّما أفتى به المفتي فهو حكم اللّه في حقّي».

و لا ريب أنّ الصغرى المذكورة تتولّد من الإخبار الأوّل في حال الإفتاء و الكبرى تتولّد من الإخبار الثاني، و الأوسط المتكرّر فيهما و هو الحكم المفتى به و إن كان رأي المفتي إلّا أنّه بمقتضى أدلّة الشروط المذكورة مقيّد بها، و الحاجة إليه إنّما تحصل في حال العمل و الإفتاء معا فلا بدّ من وجودها في كلتي الحالتين.

الثالث: أنّ الشروط المذكورة قد ينظر إليها لأمر يرجع إلى المقلّد المستفتي و هو جواز العمل بالحكم المفتى به، و قد ينظر إليها لأمر يرجع إلى المقلّد المفتي و هو الولاية على الإفتاء و القابليّة و التأهّل له، بناء على أنّ الإفتاء كالقضاء منصب من المناصب الشرعيّة كما هو ظاهر كلام الأصحاب، و مرجع إثبات الشروط إلى بيان أنّ الفاقد ليس له هذا المنصب، و الأمر الراجع إلى المقلّد بالكسر حكم تكليفي و إلى المقلّد بالفتح حكم وضعي، و أثر الأوّل يظهر في حال العمل و أثر الثاني يظهر في حال الإفتاء فلا بدّ من وجود الشرائط في الحالتين معا.

نعم هاهنا شروط اخر بعضها ما هو على تقدير شرطيّته معتبر في حال الإفتاء فقط كالضبط على ما ذكره بعض الفضلاء تبعا للشهيدين في الذكرى و الروضة و لا يخلو عن وجه، التفاتا إلى أنّ الإفتاء لتضمّنه الإخبار بالرأي لا بدّ في مطابقته الواقع من اعتبار ما يدفع عنه احتمال الكذب و هو العدالة مثلا، و ما يدفع عنه احتمال الخطأ بالسهو و النسيان و هو الضبط الّذي هو عبارة عن غلبة الذكر على السهو، و هذا بناء على هذا التوجيه يختصّ اعتباره بحال الإفتاء كما هو واضح.

لكن عن الذكرى تعليله بتعذّر درك الأحكام بدونه، و هذا يقتضي باختصاصه بحال الاستنباط، لكنّه عليل جدّا.

و منها ما لو ثبت شرطيّته كان معتبرا في جميع الحالات الثلاث، أعني حال الاستنباط و الإفتاء و العمل كالأعلميّة و الأورعيّة على القول باشتراطهما في التقليد، و حياة المقلّد بالفتح فإنّها شرط عقلي للاستنباط و شرعي للأخذ- بناء على القول بمنع تقليد الميّت ابتداء- و العمل أيضا بناء على القول بعدم جواز البقاء على تقليد الميّت.

و من جملة ذلك اجتهاد المفتي على معنى كونه ذا ملكة راسخة، و لذا لو زال ملكته لعارض وجب العدول عن تقليده إلى صاحب الملكة، فيشترط وجود الاجتهاد بهذا المعنى


صفحه 451

و في صحّة رجوع المقلّد إليه علمه بحصول الشرائط فيه (1)، إمّا بالمخالطة المطلقة، أو بالأخبار المتواترة، أو بالقرائن الكثيرة المتعاضدة، أو بشهادة العدلين العارفين. لأنّها حجّة شرعيّة إلّا أنّ اجتماع شرائط قبولها في هذا الموضع عزيز الوجود كما لا يخفى على المتأمّل.

و يظهر من الأصحاب هنا نوع اختلاف، فإنّ العلّامة(رحمه اللّه)قال في التهذيب:

لا يشترط في المستفتي علمه بصحّة اجتهاد المفتي،

في حال الاستنباط و بقائه إلى حالي الأخذ و العمل، و يجب على المقلّد حين إنشاء التقليد إحراز فتوى مجتهده و كونها ناشئة عن الاستنباط و كون الاستنباط ناشئا عن الملكة، و هذا هو الّذي يعبّر عنه في كلام القوم باشتراط كون المفتي من أهل الاجتهاد، و هل يجب في صحّة رجوع المقلّد إليه و جوازه علمه باجتهاده أو يكفيه غلبة الظنّ؟ فيه خلاف أشار إليه المصنّف.

(1) الظاهر أنّه أراد من العلم هنا ما يعمّ العلم العقلي و العلم الشرعي، بقرينة عطف شهادة العدلين الّتي هي علم شرعي على الامور السابقة عليه الّتي هي أسباب للعلم العقلي، و ظاهر العبارة كون العلم المذكور شرطا لجواز التقليد، فيكون كالشروط المذكورة من قيود المقلّد و محصّله: المجتهد المعلوم الاجتهاد، و هذا خلاف التحقيق لعدم توقّف أصل الجواز على أزيد من الشروط المتقدّمة، و العلم المذكور إنّما يتوقّف عليه العلم بالجواز لا أصل الجواز.

و السرّ فيه: أنّ الجواز بحسب أدلّة الشروط معلّق على موضوع واقعي اخذ فيه قيود فما لم يعلم تحقّقه بقيوده و صدقه على ما شكّ أو ظنّ حصول الشرائط فيه لم يعلم جواز الرجوع إليه، و من الظاهر أنّ عدم العلم بالجواز في الامور المخالفة للأصل كاف في الحكم بعدم الجواز حتّى مع الظنّ بحصول الشرائط ما لم يقم دليل بالخصوص على حجّيته، لكونه ظنّا في الموضوع الصرف و الأصل فيه عدم الحجّية.

و من هنا ظهر أنّ القائل باعتبار العلم و عدم كفاية الظنّ مستظهر لموافقة قوله الأصل، و عليه فالدليل يطالب من القائل بكفاية الظنّ لا من القائل باعتبار العلم. لكن ينبغي أن يعلم أنّ أثر هذا البحث إنّما يظهر في خصوص اجتهاد المفتي، لوضوح حكم سائر الشرائط من


صفحه 452

..........

غير حاجة له إلى عقد هذه المسألة، إذ العدالة منها- على ما قرّرناه في رسالة منفردة[1]- يكفي في ثبوتها حسن الظاهر المفيد للوثوق بوجود الصفة النفسانيّة، و الوثوق بوجودها الحاصل من غير جهة حسن الظاهر كائنا ما كان من غير تفاوت فيه بين مواردها الّتي منها المفتي و الإسلام، بل الإيمان منها يكفي في ثبوته الظهور النوعي المعوّل عليه في الإنسان المكلّف المنتحل إلى المسلمين و أهل الإيمان بالسيرة القطعيّة المتّصلة بأعصار المعصومين حتّى الرسول(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، إذ الظاهر فيه سلامة العقائد و صحّتها فيحكم بها ما لم يظهر منه ما ينافي الإسلام بالمعنى الأخصّ، و لا يسأل بل لا يجب الفحص عن باطنه كما لا يسأل عن باطن الشهود و أئمّة الجماعة و الحكّام و الفقهاء و المجتهدين و غير ذلك من موارد هذا الشرط.

و العقل أيضا يكفي في ثبوته الظهور النوعي في الإنسان البالغ، لأنّ ظاهره كمال العقل و عدم قصوره الملحق له بالمجنون ما لم يظهر منه ما يوجب الجنون، و هذا الظاهر أيضا ممّا يعوّل عليه بالإجماع و السيرة القطعيّة.

و أمّا البلوغ فوقوع أصل الاشتباه في حصوله في المتصدّين للإفتاء و المدّعين لأهليّة الفتوى لأنفسهم قليل لا يتّفق إلّا في فرض نادر لا يصلح لعقد مسألة علميّة له، و لو فرض وقوعه أحيانا فيبنى فيه على الأصل و هو أصالة عدم البلوغ، و لا وارد عليه من الظواهر، و الأصل في مطلق الظنّ فيه لكونه ظنّا في الموضوع عدم الحجّية.

فتمحّض البحث و عقد المسألة لمن شكّ في أهليّته للفتوى باعتبار الشكّ في اجتهاده، و مرجع البحث إلى أنّه هل يكفي في إحرازه و الالتزام بثبوته غلبة الظنّ المستندة إلى ظاهر ككونه متصدّرا و متصدّيا للإفتاء بمشهد من الناس و مرجعا للعامّة في الاستفتاء، فإنّ ذلك بنوعه يفيد الظنّ و الاطمئنان بكونه من أهل الاجتهاد، و لا يجب تحصيل العلم به بالسؤال و الفحص و إحراز سائر أسباب العلم، أو لا بل يجب الاقتصار على العلم و ما يقوم مقامه كشهادة العدلين؟

فالمحقّق في المعارج و قبله السيّد في الذريعة و بعده المصنّف هنا على اعتبار العلم و عدم كفاية غلبة الظنّ، و العلّامة في المبادئ و التهذيب و النهاية و ولده فخر الإسلام في شرح المبادئ و السيّد عميد الدين في المنية و الشهيدان في الذكرى و المقاصد العليّة و المحقّق الثاني في الجعفريّة- كما حكي- على عدم اشتراط العلم و كفاية غلبة الظنّ.

[1]رسالة في العدالة: 28 (المطبوعة بقم المشرّفة، سنة 1419 ه).


صفحه 453

لقوله تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ*من غير تقييد (1)، بل يجب عليه أن يقلّد من يغلب على ظنّه أنّه من أهل الاجتهاد و الورع. و إنّما يحصل له هذا الظنّ برؤيته له منتصبا للفتوى بمشهد من الخلق، و اجتماع المسلمين على استفتائه و تعظيمه.

و قال المحقّق(رحمه اللّه): و لا يكتفي العاميّ بمشاهدة المفتي متصدّرا، و لا داعيا إلى نفسه، و لا مدّعيا، و لا بإقبال العامّة عليه، و لا اتّصافه بالزهد و التورّع. فإنّه قد يكون غالطا في نفسه، أو مغالطا. بل لا بدّ أن يعلم منه الاتّصاف بالشرائط المعتبرة من ممارسته و ممارسة العلماء و شهادتهم له باستحقاق منصب الفتوى و بلوغه إيّاه.

و الاختلاف بين هذين الكلامين ظاهر، كما ترى. و كلام المحقّق(رحمه اللّه)هو الأقوى، و وجهه واضح لا يحتاج إلى البيان.

و احتجاج العلّامة(رحمه اللّه): بالآية على ما صار إليه مردود. أمّا أوّلا: فلمنع العموم فيها. و قد نبّه عليه في النهاية. و أمّا ثانيا: فلأنّه على تقدير العموم لا بدّ من تخصيص أهل الذكر بمن جمع شرائط الفتوى بالنظر إلى سؤال الاستفتاء، للاتّفاق على عدم وجوب استفتاء غيره، بل عدم جوازه، و حينئذ فلا بدّ من العلم بحصول الشرائط، أو ما يقوم مقام العلم، و هو شهادة العدلين.

و يظهر من كلام المرتضى: الموافقة لما ذكره المحقّق(رحمه اللّه)حيث قال: و للعاميّ طريق إلى معرفة صفة من يجب عليه أن يستفتيه، لأنّه يعلم بالمخالطة و الأخبار المتواترة حال العلماء في البلد الّذي يسكنه و رتبتهم في العلم و الصيانة أيضا و الديانة. قال: و ليس يطعن في هذه الجملة قول من يبطل الفتيا، بأن يقول:

(1) هذا ما استدلّ به العلّامة في كتبه، و مبناه على إطلاق الذكر، كما أشار إليه بقوله: «من


صفحه 454

..........

غير تقييد» أي من غير تقييد بكون أهل الذكر معلوم الاجتهاد فيشمل المظنون اجتهاده كما فهمه بعض المحقّقين.

و يمكن ابتناؤه على إطلاق السؤال باعتبار المخاطبين المتناول للعالم باجتهاد أهل الذكر و الظانّ به.

و كيف كان فلا خفاء في ضعفه- بعد الإغماض عن منع تعميم أهل الذكر بالقياس إلى غير أهل الكتاب، بناء على نزول الآية في بشريّة الأنبياء كما يشهد به صدرها، أو بالقياس إلى غير الأئمّة بناء على أخبارنا المستفيضة المفسّرة له بالأئمّة، أو بالقياس إلى غير العلماء الموجودين في زمن النزول بناء على كون الآية من قبيل خطاب المشافهة، فلم يظهر شمولها لمن ليس من صنفهم من المجتهدين- لأنّ التمسّك بالإطلاق على الوجه المذكور إنّما يتّجه لو كان مبنى قول مشترطي العلم على أخذه مع شروط المفتي على وجه الموضوعيّة ليكون قيدا في أهل الذكر كما أنّ سائر الشروط قيود فيه، و هذا ليس بلازم و غير مراد لهم بل مرادهم على ما ينساق من ظاهر كلماتهم اعتباره طريقا إلى إحراز الواقع، فإنّ أهل الذكر الجامع للشرائط موضوع واقعي علّق عليه الأمر بالسؤال، فلا يجري الإذن المستفاد منه في المورد إلّا إذا علم اندراجه في الموضوع الواقعي المعلّق عليه ذلك الإذن كما هو الحال في سائر الموضوعات الواقعيّة.

و قد يستدلّ عليه: بأنّ في لزوم الاقتصار على العلم حرجا عظيما و عسرا شديدا فيكون منفيّا كما في المفاتيح، و هذا أيضا ضعيف بمنع الملازمة، لوضوح تيسّر العلم و وفور أسبابه من اختبار و شياع و نقل متواتر و تسامع و تظافر بين طلبة العلم و أهل الخبرة بصناعة الاجتهاد و غير ذلك، و لو اتّفق لبعض الأشخاص في بعض الأحيان عسر شديد في تحصيله اقتصر في نفي وجوبه عليه، لكون العسر و الحرج في اقتضاء نفي التكليف شخصيّا لا نوعيّا.

و يمكن الاستدلال على كفاية الظهور المفيد لغلبة الظنّ بأهليّة الفتوى برواية يونس عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: سألته عن البيّنة إذا اقيمت على الحقّ، أ يحلّ للقاضي أن يحكم بقول البيّنة من غير مسألة إذا لم يعرفهم؟ قال: «فقال: خمسة أشياء يجب على الناس الأخذ فيها بظاهر الحكم: الولايات، و المناكح، و الذبائح، و الشهادات، و المواريث، فإذا كان ظاهره مأمونا جازت شهادته و لا يسأل عن باطنه» و في الفقيه «الأنساب» مكان «المواريث».

و المراد بظاهر الحكم هو ظاهر الحال، بل عن الوافي و الوسائل التعبير بها مكان الحكم،


صفحه 455

..........

و إنّما عبّر بالحكم لصحّة إطلاق الحكم على المحمول المنتسب إلى الموضوع كتصرّف زيد فيما بيده، و كون المرأة في حبالته، و ذبح المسلم، و كون الشاهد حسن الظاهر، و كون زيد منتسبا إلى عمرو بالبنوّة أو الاخوة أو العمومة أو نحو ذلك.

و تقريب الاستدلال: أنّ الرواية تدلّ على حجّية الظاهر و تقدّمه على الأصل في الأشياء الخمس.

و من جملة ذلك ظهور الولايات و هي كون الرجل يلي أمر شيء، على معنى القيام به بالأخذ و الإعطاء و التقلّب و التولّي في الاستحقاق و لو بعنوان المالكيّة كما في تصرّف ذي اليد فيما بيده.

و من المعلوم أنّ الولايات عامّ يتناول تولّي المفتي للإفتاء بمشهد من الناس الراجعين إليه في الاستفتاء على وجه الإذعان و القبول، و هو على الوجه المذكور ظاهر في أهليّته للفتوى فيجب الأخذ بهذا الظاهر بمقتضى الرواية.

هذا و لكن يشكل الحال في جواز التعويل على هذه الدلالة، حيث لم نقف من الأصحاب على آخذ بها و عامل عليها، و إن كان السيّد في المفاتيح أيّد ما اختاره من جواز الاعتماد على الظنّ هنا بالرواية المذكورة.

و كيف كان فالمسألة لعدم وضوح دليل واضح على حجّية الظنّ هنا مع مصير الأكثر إلى الحجّية في غاية الإشكال، و سلوك طريق الاحتياط بعدم التخطّي عن العلم بالاجتهاد و أهليّة الفتوى طريق النجاة، و في ثبوت الاجتهاد بشهادة العدلين و عدمه قولان أشهرهما الأوّل و هو أقوى للسيرة القطعيّة.

و عن بعض المحقّقين دلالة رواية صحيحة على حجّية شهادة العدلين مطلقا.

و قد يستدلّ عليه بفحوى ما دلّ على ثبوت ولاية القاضي المنصوب من الإمام بها كما صرّح به جمع من غير نقل خلاف، و ليس ببعيد و إن كان لا يخلو عن تأمّل.

و في ثبوته بشهادة عدل واحد إشكال أقربه العدم، و في اشتراط كون الشاهدين من أهل الاجتهاد أو من أهل الخبرة به [وجهان] و الأقرب هنا أيضا العدم.

و ليعلم أنّ الاجتهاد الّذي هو من شروط المفتي من حيث إفتائه عبارة عن مجموع الملكة الراسخة و الإدراكات الناشئة و لا يكفي وجود إحداهما، و هو معتبر في الأخذ و العمل معا، و لا يكفي وجوده في ابتداء العمل بل يعتبر بقاؤه في جميع آنات العمل.


صفحه 456

..........

و الظاهر أنّه وفاقيّ بل قيل إنّهم نقلوا الإجماع على اشتراط بقاء الاجتهاد، و عليه فلو عرضه مرض يختلّ به ملكته أو إدراكاته أو ملكته و إدراكاته معا لم يجز البقاء على تقليده بل يجب العدول إلى غيره، و قضيّة اشتراط بقاء الاجتهاد أن يشترط بقاء حياته إذ لا يعقل بقاء الاجتهاد مع عدم بقاء الحياة.

و من هنا يتوجّه الإشكال إلى القائلين بعدم اشتراط حياة المفتي أو عدم اشتراط بقاء حياته من حيث إنّ بقاء الاجتهاد منوط ببقاء الحياة و زوال الحياة يستلزم زوال الاجتهاد و الواسطة بينهما غير معقولة، فإنّ الموت أشدّ و أصعب من جميع ما يمكن فرض عروضه من الأمراض، و إذا أمكن اختلال الإدراكات بعروض المرض فاختلالها بعروض الموت بطريق أولى.

و ممّا يرشد إلى ذلك أنّ الإدراكات الحاصلة حال الحياة إنّما حصلت بواسطة آلات هي القوى الحيوانيّة و الإنسانيّة المنوطة ببقاء تعلّق الروح بالبدن، فإذا انقطع التعلّق بمفارقة البدن انعدمت هذه القوى جزما و معه كيف يصحّ بقاء الإدراكات؟

و يؤيّد ذلك أيضا ما قيل: من أنّ الموت ليس إلّا فناء الأخلاط الأربعة.

و من المعلوم بالوجدان و التجارب و تصريح أهل الخبرة أنّ لبعضها مدخليّة في الإدراك حدوثا و قوّة و ضعفا، فإنّ خلط الصفراء يوجب جودة الذهن و سرعة الانتقال، و السوداء توجب الحفظ، و البلغم يوجب البلادة و بطء الانتقال فغناؤها يوجب زوال الإدراكات، و ممّا يشهد أيضا بأنّ القوّة الحيوانيّة و الإنسانيّة لها مدخليّة في الإدراك أنّه كلّما قويت هذه القوى قوي الإدراكات و كلّما ضعفت ضعفت الإدراكات كما في حالة الهرم، فإنّه إذا تكامل قد يبلغ بالإنسان إلى أن يعود إلى حالة الطفوليّة فينتقص عقله و يختلّ فهمه، و تضعف قواه و ملكاته، و تزول علومه و إدراكاته، و تعود معلوماته إلى مجهولات، كما يشير إليه قوله عزّ من قائل:وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لٰا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً.

فقضيّة هذا كلّه اختلال إدراكات المجتهد بالموت و عدم بقائها لا محالة، لا على معنى أنّ الروح بعد مفارقة البدن لا إدراك له، بل بمعنى أنّ إدراكاته الحاصلة حال الحياة غير باقية بعد الممات.

فالقول بعدم اشتراط بقاء الحياة يؤول إلى القول بعدم اشتراط بقاء الاجتهاد، و انتظر لتتمّة الكلام في ذلك في مسألة تقليد الميّت.