بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 510

في وقت آخر، فإن كان ذاكرا لدليلها جاز له الفتوى، و إن نسيه افتقر إلى استيناف النظر. فإن أدّى نظره إلى الأوّل فلا كلام، و إن خالفه وجب الفتوى بالأخير. و لا ريب أنّ ما ذكره المحقّق أولى. غير أنّ ما ذهب إليه العلّامة متوجّه، لأنّ الواجب على المجتهد تحصيل الحكم بالاجتهاد، و قد حصل فوجوب الاستيناف عليه بعد ذلك يحتاج إلى الدليل، و ليس بظاهر.

[عدم جواز تقليد الميّت]

أصل لا نعرف خلافا في عدم اشتراط مشافهة المفتي في العمل بقوله، بل يجوز بالرواية عنه ما دام حيّا. و احتجّوا لذلك بالإجماع على جواز رجوع الحائض إلى الزوج العاميّ، إذا روى عن المفتي، و بلزوم العسر بالتزام السماع منه.

و هل يجوز العمل بالرواية عن الميّت؟ (1) ظاهر الأصحاب الإطباق على عدمه. و من أهل الخلاف من أجازه. و الحجّة المذكورة للمنع في كلام الأصحاب على ما وصل إلينا رديّة جدّا لا يستحقّ أن تذكر. و يمكن الاحتجاج له بأنّ التقليد إنّما ساغ للإجماع المنقول سابقا، و للزوم الحرج الشديد و العسر بتكليف الخلق بالاجتهاد.

و كلا الوجهين لا يصلح دليلا في موضع النزاع، لأنّ صورة حكاية الإجماع صريحة في الاختصاص بتقليد الأحياء. و الحرج و العسر يندفعان بتسويغ التقليد في الجملة. على أنّ القول بالجواز قليل الجدوى على اصولنا، لأنّ المسألة اجتهاديّة، و فرض العاميّ فيها الرجوع إلى فتوى المجتهد. و حينئذ فالقائل بالجواز إن كان ميّتا فالرجوع إلى فتواه فيها دور ظاهر، و إن كان حيّا

(1) الظاهر أنّ المراد بالرواية عن الميّت ما يعمّ ما اخذ منه ميّتا أو حيّا بطريق المشافهة أو من كتاب معلوم النسبة إليه أو بواسطة عدل و نحوه، و المقصود بالبحث هنا بيان كون حياة المقلّد شرطا في جواز تقليده و عدمه، و هو الّذي يعبّر عنه بجواز تقليد الميّت و عدمه.


صفحه 511

فاتّباعه فيها و العمل بفتاوى الموتى في غيرها بعيد عن الاعتبار غالبا، مخالف لما يظهر من اتّفاق علمائنا على المنع من الرجوع إلى فتوى الميّت مع وجود المجتهد الحيّ، بل قد حكي الإجماع فيه صريحا بعض الأصحاب.

و المعروف المشهور بين أصحابنا شهرة عظيمة كادت تبلغ الإجماع عدم جواز تقليد الميّت، و عن الجعفريّة و مجمع الفائدة نسبته إلى الأكثر، بل ظاهر كلامهم عدم الخلاف فيه بين أصحابنا، بل صرّح بعدم الخلاف جماعة من أساطينهم منهم المحقّق الثاني في شرح الألفيّة على ما حكي من قوله: «لا يجوز الأخذ عن الميّت مع وجود المجتهد الحيّ بلا خلاف بين علماء الإماميّة».

و ثاني الشهيدين في جملة من كتبه كالمسالك قائلا: «قد صرّح الأصحاب في كتبهم المختصرة و المطوّلة و غيرهما باشتراط حياة المجتهد في جواز العمل بقوله، و لم يتحقّق إلى الآن في ذلك خلاف ممّن يعتدّ بقوله من أصحابنا، و إن كان للعامّة في ذلك خلاف مشهور» و كتاب آداب العالم و المتعلّم قائلا: «هذا هو المشهور بين أصحابنا خصوصا المتأخّرين، بل لا نعلم قائلا بخلافه ممّن يعتدّ بقوله»، و رسالة منسوبة إليه قائلا: «نحن بعد تتبّع التصانيف ما وصل إلينا من كلامهم ممّا علمناه من أصحابنا ممّن يعتبر قوله و يعوّل على فتواه مخالف في ذلك، فعلى مدّعي الجواز بيان القائل به على وجه لا يلزم منه خرق الإجماع.

ثمّ قال: و لا قائل بجواز تقليد الميّت من أصحابنا السابقين و علمائنا الصالحين، فإنّهم قد ذكروا في كتبهم الاصوليّة و الفقهيّة قاطعين فيه بما ذكرنا من أنّه لا يجوز تقليد الميّت و إنّ قوله يبطل بموته من غير نقل خلاف أحد فيه» انتهى.

بل ظاهر غير واحد دعوى الإجماع عليه، و من ذلك ما عن الذكرى من قوله: «هو ظاهر العلماء و جوّزه بعضهم»، و ما في كلام المصنّف من قوله: «ظاهر الأصحاب الإطباق على عدمه»، و قوله أخيرا: «و العمل بفتاوى الموتى مخالف لما تظهر من اتّفاق علمائنا على المنع من الرجوع إلى فتوى الميّت مع وجود المجتهد الحيّ»، بل قد حكى الإجماع فيها صريحا بعض الأصحاب، بل في محكيّ ابن جمهور الاحسائي التصريح بالإجماع قائلا:

«لا بدّ في جواز العمل بقول المجتهد من بقائه، فلو مات بطل العمل بقوله فوجب الرجوع إلى غيره إذ الميّت لا قول له، و على هذا انعقد إجماع الإماميّة و به نطقت مصنّفاتهم


صفحه 512

..........

الاصوليّة و الفروعيّة» انتهى.

و حكي دعوى الإجماع عليه عن الوحيد البهبهاني و الفاضل النراقي في المناهج.

و بالجملة فكلماتهم الواصلة إلينا بين ما هو ظاهر في نفي الخلاف بين قدماء أصحابنا و متأخّريهم و غيرهم ممّن يعتنى بشأنه من أساطين الطائفة و ما هو صريح فيه، و ما هو ظاهر في دعوى الإجماع عليه و ما هو صريح فيه.

و لقد أنكر وجود المخالف في ذلك من أصحابنا أشدّ الإنكار ثاني الشهيدين في محكيّ الرسالة المنسوبة إليه و قد سمعت بعض كلامه، و ممّا ذكره فيها في مقام استظهار عدم مخالف في أصحابنا قوله: «و ممّا يوضح من أنّ المخالف قد لا يكون من علمائنا أنّ هذه مسألة اصوليّة، و المعلوم بين أصحابنا و غيرهم في كتب الاصول أن يذكروا الخلاف في المسألة مع مخالفيهم في المذهب، بل يحكون أقوالا واهية و آراء فاسدة ليبيّنوا الحقّ في ذلك و الجواب عن شبهة المخالف و إن ضعف، و هذا أمر لا يخفى على من نظر في كتب الاصول و اطّلع على مصطلحهم فيها.

و هذا العلّامة لمّا ذكر المسألة في كتاب النهاية مع عظمه و كثرة ما يذكر فيه من الأقوال و نسبه إلى قائله من الجمهور ثمّ اختار المنع من تقليد الميّت و لم يذكر لأصحابنا في ذلك قولا، و كذلك ذكر المسألة في التهذيب و غيره و قال: «الأقرب أنّه لا يجوز تقليد الموتى» و مع ذلك لم يذكر أحد من شرّاح الكتاب في ذلك قولا لأصحابنا مقابل ما أفتى به، و إلّا فعلى تقدير عدم كون الأدلّة ناهضة بإثباتها كما سنذكره فهم معنا متسالمين في جعل قول الحيّ القدر المتيقّن من موجب البراءة و ما خرج من الأصل.

و ثانيهما[1]: الإجماعات المنقولة المعتضدة بالشهرة العظيمة المحقّقة و الشهرات المحكيّة و عدم ظهور الخلاف بل ظهور عدمه و ظهور الإجماع، فإنّه يوجب الظنّ القويّ الاطمئناني بل المتاخم بالعلم بعدم جواز تقليد الميّت.

و القدح في هذا الوجه تارة بمنع الصغرى، بدعوى وجود المخالف المانع لكون عدم الجواز إجماعيّا كما صرّح به الشهيد في الذكرى، حيث إنّه بعد ما نسب القول بعدم الجواز إلى العلماء عقّبه بنسبة القول بالجواز إلى بعضهم، و هو ظاهر الجعفريّة و مجمع الفائدة في نسبتهما إلى الأكثر الظاهرة في مصير غير الأكثر إلى الخلاف.

[1]و قد مرّ أوّلها بقوله: «المعروف المشهور بين أصحابنا شهرة عظيمة كادت تبلغ الإجماع عدم جواز تقليد الميّت» الخ.


صفحه 513

..........

و اخرى بمنع الكبرى، بتقريب: أنّ المسألة اصوليّة و الظنّ فيها غير حجّة.

و لكن يندفع الأوّل: بمنع دلالة هذه الكلمات صراحة بل و لا ظهورا على وجود المخالف من أصحابنا، أمّا عبارة الذكرى فلما ذكره الشهيد الثاني- على ما حكي عن الرسالة المنسوبة إليه- من أنّ العلماء عامّ و بعضهم أعمّ من كونه من أصحابنا و لعلّه من المخالفين، لأنّ بعض الأعمّ أعمّ من بعض الأخصّ، و أمّا نسبة عدم الجواز إلى الأكثر فلعلّ الاقتصار عليها لعدم تبيّن الخلاف و الوفاق في المسألة عندهما لا لتبيّن الخلاف و عدم الوفاق.

نعم ربّما نسب القول بالجواز إلى الصدوق في الفقيه كما عن الأسترآبادي استظهارا له ممّا في الكتاب من تجويزه العمل بما يورده فيه و كثيرا ما ينقل فيه من فتاوى أبيه و هو صريح في تجويزه العمل بفتاوى أبيه بعد موته.

و لكن يزيّفه: منع صراحة ذلك و لا ظهوره فيما ذكر.

أمّا أوّلا: فلجواز كون فتاوي أبيه في الرسالة عنده بمثابة الروايات المرسلة، لما ظهر من ديدن أبيه أنّه يفتي في الرسالة بمتون الأخبار بلا تفاوت أو مع تفاوت يسير لا يخلّ بالمقصود، كما اشتهر نحوه من طريقة الشيخ في النهاية.

و أمّا ثانيا: فلأنّ الظاهر من تجويزه العمل بكلّ ما يورده في الكتاب تجويزه العمل برواياته، لأنّه كتاب ألّفه لضبط الروايات لا مطلق ما ينقله فيه و لو فتوى فقيه.

كما يندفع الثاني: بما ذكرناه في غير موضع من عدم كون مسائل الاجتهاد و التقليد من المسائل الاصوليّة بل الأكثر من الاولى من توابع الكلام و الأكثر من الثانية من الفروع أو من توابعها.

و لو سلّم كونها اصوليّة فيمنع عدم حجّيّة الظنّ في نحو هذه المسائل لكونها اجتهاديّة مبتنية على الوجوه الظنّية و لذا تقبل التقليد.

و استدلّ على المختار أيضا بوجوه اخر:

منها: ما اعتمد عليه المحقّق الشيخ علي(قدّس سرّه)في حاشية الشرائع من أنّ المجتهد إذا مات سقط بموته اعتبار قوله شرعا بحيث لا يعتدّ به، و ما هذا شأنه لا يجوز الاستناد إليه شرعا.

أمّا الملازمة الاولى: فعلّلها بجواز انعقاد الإجماع على خلاف قول الميّت إجماعا.

و توضيحه: أنّ مخالفة الفقيه الواحد الحيّ لسائر أهل عصره يمنع من انعقاد الإجماع اعتدادا بقوله و اعتبارا لخلافه، فإذا مات و انحصر أهل العصر في المخالفين له انعقد


صفحه 514

..........

الإجماع على معنى أنّ مخالفته غير قادحة في انعقاده، فلو كان قوله كقول الحيّ في الاعتبار لكان مخالفته قادحة و التالي باطل، فصار قوله غير منظور إليه و لا معتدّا به شرعا.

ثمّ قال- معترضا على نفسه بما يرجع إلى منع الملازمة الثانية-: «لا يقال: إنّما انعقد الإجماع في الفرض المذكور بموت الفقيه المخالف لأنّ حجّية الإجماع عندنا إنّما هي بدخول المعصوم في أهل العصر من أهل الحلّ و العقد، و بموت الفقيه المخالف تبيّن أنّه غير الإمام فتعيّن حينئذ دخول الإمام في الباقين، فمن ثمّ انعقد الإجماع بموته و لا يلزم من ذلك أن لا يبقى للميّت قول شرعا» انتهى.

و محصّله: أنّه لا يلزم من سقوط اعتبار قوله في انعقاد الإجماع سقوط اعتباره في مقام التقليد.

ثمّ دفعه بقوله: «بأنّه على هذا يلزم من موت الفقيه المخالف انكشاف خطأ قوله، لمخالفته قول الإمام فلا يجوز العمل به حينئذ من هذا الوجه، فتحصّل أنّ موت هذا الفقيه يقتضي عدم اعتبار قوله» انتهى ملخّصا.

و التحقيق في الجواب عن الدليل: أنّ الإجماع طريق علمي للفقيه إلى الحكم الواقعي، و قول الفقيه طريق تعبّدي للعامي إلى الحكم الظاهري.

و غاية ما يلزم من موت الفقيه سقوط اعتبار قوله في انعقاد طريق الحكم الواقعي، و لا يلزم من ذلك خروجه عن كونه طريقا إلى الحكم الظاهري.

و توهّم أنّ الموجب لخروجه عن كونه طريقا كونه خطأ باعتبار مخالفته لقول الإمام.

يدفعه: أنّ المقتضي لخروج قول الميّت خطأ إنّما هو وقوع انعقاد الإجماع على خلافه، و المأخوذ في الدليل جوازه و هو لا يفيد الوقوع، إذ ليس بلازم لقول كلّ فقيه مات في كلّ مسألة أن ينعقد الإجماع على خلافه، إذ قد تكون المسألة إجماعيّة مع موافقة قوله الإجماع، و قد تكون إجماعيّة مع مخالفة قوله الإجماع، و كثيرا ما تكون خلافيّة مع موافقة قوله لأحد قوليها أو أحد أقوالها، على أنّ الموجب لسقوط قوله عن الاعتبار مطلقا حتّى في مقام التقليد إنّما هو علم المقلّد بوقوع الإجماع بعد موته على خلافه، و هو ليس بدائم الحصول له بل لا يكاد يتّفق حصوله.

فغاية ما هنالك قيام احتمال مخالفة قوله الإجماع باحتمال انعقاده بعد موته على خلاف قوله في كلّ مسألة، و هذا ليس إلّا كاحتمال مخالفة قوله في حال حياته الإجماع


صفحه 515

..........

في نظره، بل هذا الاحتمال قائم في نظر كلّ مقلّد بالنسبة إلى قول مجتهده في كلّ مسألة، و لا يعقل تأثيره في سقوط القول عن الاعتبار و إلّا انسدّ باب التقليد في أغلب المسائل.

نعم لو اتّفق في بعض الفروض النادرة حصول علم له بانعقاد الإجماع على خلاف قول فقيه بعد موته لا يجوز له الرجوع إليه و العمل به و لا البقاء على تقليده، لانكشاف كونه خطأ، غير أنّه ليس حكما مخصوصا بقول الميّت، بل كلّ فقيه علم المقلّد بكون قوله خطأ لم يجز له العمل بقوله حيّا كان أو ميّتا، بل احتمال مخالفة الإجماع قائم في كلّ قول كلّ فقيه حيّا كان أو ميّتا، فلا يثبت بذلك أصل كلّي مخصوص بقول الميّت مانع من العمل به مطّردا.

و لأجل بعض ما ذكرناه قيل في هدم الاستدلال من اختصاص الدليل بما إذا كان قول الميّت مخالفا لإجماع أهل عصره، و لا يقتضي عدم جواز تقليده فيما إذا لم يكن كذلك، كما لو كانوا مختلفين و كان قول بعضهم موافقا لقول الميّت.

و أمّا ما قيل في دفع ذلك من: أنّه ليس كذلك و إن كان بناء الاستدلال على فرض الكلام فيما إذا كان رأي الفقيه مخالفا لآراء سائر أهل عصره فمات، فإنّ ممانعة قوله حال الحياة في هذا الفرض عن انعقاد الإجماع و عدم ممانعته بعد الموت دليل واضح على كون الموت سببا لسقوط اعتبار قوله بعد أن كان معتبرا.

ففيه: ما عرفت من عدم الملازمة بين سقوطه عن الاعتبار في تحقّق طريق الحكم الواقعي في نظر المجتهد و خروجه عن كونه طريقا إلى الحكم الظاهري في نظر المقلّد أيضا.

و عن الفاضل التوني في الوافية تضعيف الدليل بأنّه: «بعد عدم صحّته على اصولنا ينتقض بمعروف النسب، مع أنّهم اعتبروا شهادة الميّت في الجرح و التعديل و هو يستلزم الاعتداد بقوله في عدد الكبائر».

و في الجميع ما ترى، أمّا عدم صحّته على اصولنا من عدم اشتراط اتّفاق الكلّ في انعقاد الإجماع فلأنّه لا ينافي مخالفة قوله للإجماع- الّذي لا يشترط فيه اتّفاق الكلّ- مخالفته لقول الإمام المسقطة له عن الاعتبار مطلقا حتّى في مقام التقليد.

و أمّا النقض بمعلوم النسب عند القائلين بعدم كون خروجه قادحا في الإجماع.

ففيه: أنّ مخالفته و إن لم تقدح في انعقاده كمخالفة قول الميّت إلّا أنّها تمنع عن اعتبار قوله أيضا في مقام التقليد.

و أمّا قبول شهادة الميّت في الجرح و التعديل فهو لا يستلزم تقليد ذلك الميّت في رأيه


صفحه 516

..........

في عدد الكبائر بعد فرض بنائه على كونهما من الظنون الاجتهاديّة لا على التعبّد، فلا يجوز قبول الشهادة فيهما إلّا في موضع حصول الظنّ بالعدالة أو الفسق، و معه فالتعويل في القبول على الظنّ و الاستناد إليه لا إلى قول المعدّل و الجارح من حيث إنّه قوله.

و منها: ما ذكره المحقّق المذكور أيضا في الحاشية ممّا ملخّصه: «أنّ دلائل الفقه لمّا كانت ظنّية ليست مستلزمة لنتائجها و هي الأحكام بالذات، بل إنّما تستلزمها باعتبار الظنّ فتكون حجّيتها منوطة بالظنّ، و معنى إناطة حجّيتها بالظنّ استناد الحكم الشرعي إليه بحيث يثبت بوجوده و ينتفي بانتفائه، و هذا الظنّ يمتنع بقاؤه بعد الموت بل يزول بالموت، فيبقى الحكم خاليا عن السند و يخرج بذلك عن كونه معتبرا شرعا».

و عن التوني في الوافية الاعتراض عليه أوّلا: بمنع زوال الظنّ بعد الموت.

و ثانيا: بمنع خلوّ الحكم عن السند على تقدير الزوال، فاقتران الحكم بالظنّ السابق يكفي سندا.

و من الفضلاء من ظنّ أنّ معنى زوال الظنّ انكشاف واقع الأحكام و حقائق الأشياء فاستشكله: «بأنّه ممّا لا قاطع عليه من عقل و لا نقل قبل يوم القيامة، نعم ينكشف ذلك له في القيامة، و البحث في تقليده قبل قيامها.

قال: سلّمنا ذلك، لكنّ الاعتقاد الراجح المتحقّق في ضمن الظنّ ممّا يمكن بقاؤه بموافقة العلم الطارئ له فيستصحب بقاؤه لعدم القطع بزواله، إذ التقدير تجويز موافقة علمه لظنّه و زوال تجويز النقيض لا يقدح في حجّيته، لأنّ حجّية الظنّ باعتبار ما فيه من الاعتقاد الراجح دون تجويز النقيض» إلى آخر ما ذكره.

و يرد عليه: منع كون زوال الظنّ في إرادة المستدلّ تبدّله بانكشاف الواقع المردّد بين العلم الموافق و العلم المخالف، بل انعدامه إمّا باعتبار خروج محلّه عن قابليّة بقائه فيه أو باعتبار فناء محلّه، فإنّ الظنّ أمر قائم بالذهن الّذي ربّما اختلف في كونه جزءا من البدن أو قوّة من قوى الإنسانيّة.

فقيل بالأوّل كما يظهر من العلّامة البهبهاني من استدلاله على زوال الظنّ- فيما حكي عنه- أوّلا بالبداهة؛ و ثانيا: بأنّ الظنّ هو الصورة الحاصلة في الذهن، فحين الشدّة و الاضطراب حالة النزع لا يبقى تلك الصورة قطّ، و كذلك حين الغفلة و النسيان أيضا، فما ظنّك بما بعد الموت بحيث صار الذهن جمادا لا حسّ فيه؟


صفحه 517

..........

و قيل: بالثاني.

فعلى الأوّل يخرج الذهن عن قابليّة بقاء الظنّ فيه.

و على الثاني يفنى الذهن بالموت الّذي يفنى بسببه جميع القوى الحيوانيّة و القوى الإنسانيّة الّتي منها القوّة المدركة.

ألا ترى أنّ الهرم و الشيب و ارتفاع السنّ يوجب ضعف القوى و الحواسّ الظاهرة و الباطنة حتّى أنّه يبلغ حدّا يذهب معه بالسامعة و الباصرة و المدركة و غيرها، فيصير بحيث لا يبصر و لا يسمع و لا يدرك و لا يفهم شيئا كالطفل الغير المميّز، كما نطق به قوله عزّ من قائل:

وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لٰا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً.

و لا ريب أنّ ألم حالة النزع الّذي أشدّ من جميع الآلام يوجب اختلال العلوم و الإدراكات و يزول الجميع بالموت بسبب فناء القوى الحيوانيّة و الإنسانيّة الّتي منها الذهن.

و لعلّ هذا القول أقوى و أقرب بالاعتبار، و نصّ عليه بعض أهل المعقول و نسب إلى المحقّقين أيضا، فالظنّ و محلّه- و هو الذهن بمعنى القوّة الدرّاكة- من الأعراض المشروطة بالحياة، فدعوى بقائه مع فناء محلّه أو منشأه بعد الموت واهية لا ينبغي الإصغاء إليها.

و ممّا يؤيّد ذلك أيضا أنّ الظنّ متقوّم بالقوّة المدركة و هي كسائر القوى متقوّمة بالحياة و هي متقوّمة بالأخلاط الأربعة، و لذا قيل: ليس الموت إلّا فناء الأخلاط الأربعة و لكلّ منها أثر في البدن، مثل أنّ أثر الصفراء جودة الفهم و حسن الإدراك و سرعة الانتقال، و أثر البلغم رداءة الفهم و سوء الإدراك و بطء الانتقال، و أثر الدم الشهوة و الغضب و غير ذلك، فإذا كان للأخلاط مدخليّة في الإدراكات يلزم من فنائها الّذي هو الموت زوال آثارها الّتي هي الإدراكات الّتي منها الظنون.

و بالجملة العلوم و الإدراكات و إن كانت من فعل الروح و النفس الناطقة إلّا أنّ فاعليّته مشروطة بتعلّقه بالبدن و توسّط القوى الإنسانيّة، و إذا انقطع التعلّق و فنت القوى بالموت زالت العلوم و الإدراكات كلّها، و هل يتجدّد له بعد الموت علوم اخر و هو معنى انكشاف الواقع أو لا؟ الحقّ أنّه لا دليل من عقل و لا نقل على وقوع الأوّل و لا على امتناعه و الأصل عدمه، و لا يتفاوت الحال في ذلك بين ما لو قلنا بالبدن المثالي في عالم البرزخ مطلقا- على معنى أنّ الروح بعد مفارقته هذا البدن يتعلّق في جميع حالاته إلى قيام الساعة ببدن آخر مثل هذا البدن- أو في الجملة، كما يستفاد من الأخبار منها ما عن الكافي في الصحيح