بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 515

..........

في نظره، بل هذا الاحتمال قائم في نظر كلّ مقلّد بالنسبة إلى قول مجتهده في كلّ مسألة، و لا يعقل تأثيره في سقوط القول عن الاعتبار و إلّا انسدّ باب التقليد في أغلب المسائل.

نعم لو اتّفق في بعض الفروض النادرة حصول علم له بانعقاد الإجماع على خلاف قول فقيه بعد موته لا يجوز له الرجوع إليه و العمل به و لا البقاء على تقليده، لانكشاف كونه خطأ، غير أنّه ليس حكما مخصوصا بقول الميّت، بل كلّ فقيه علم المقلّد بكون قوله خطأ لم يجز له العمل بقوله حيّا كان أو ميّتا، بل احتمال مخالفة الإجماع قائم في كلّ قول كلّ فقيه حيّا كان أو ميّتا، فلا يثبت بذلك أصل كلّي مخصوص بقول الميّت مانع من العمل به مطّردا.

و لأجل بعض ما ذكرناه قيل في هدم الاستدلال من اختصاص الدليل بما إذا كان قول الميّت مخالفا لإجماع أهل عصره، و لا يقتضي عدم جواز تقليده فيما إذا لم يكن كذلك، كما لو كانوا مختلفين و كان قول بعضهم موافقا لقول الميّت.

و أمّا ما قيل في دفع ذلك من: أنّه ليس كذلك و إن كان بناء الاستدلال على فرض الكلام فيما إذا كان رأي الفقيه مخالفا لآراء سائر أهل عصره فمات، فإنّ ممانعة قوله حال الحياة في هذا الفرض عن انعقاد الإجماع و عدم ممانعته بعد الموت دليل واضح على كون الموت سببا لسقوط اعتبار قوله بعد أن كان معتبرا.

ففيه: ما عرفت من عدم الملازمة بين سقوطه عن الاعتبار في تحقّق طريق الحكم الواقعي في نظر المجتهد و خروجه عن كونه طريقا إلى الحكم الظاهري في نظر المقلّد أيضا.

و عن الفاضل التوني في الوافية تضعيف الدليل بأنّه: «بعد عدم صحّته على اصولنا ينتقض بمعروف النسب، مع أنّهم اعتبروا شهادة الميّت في الجرح و التعديل و هو يستلزم الاعتداد بقوله في عدد الكبائر».

و في الجميع ما ترى، أمّا عدم صحّته على اصولنا من عدم اشتراط اتّفاق الكلّ في انعقاد الإجماع فلأنّه لا ينافي مخالفة قوله للإجماع- الّذي لا يشترط فيه اتّفاق الكلّ- مخالفته لقول الإمام المسقطة له عن الاعتبار مطلقا حتّى في مقام التقليد.

و أمّا النقض بمعلوم النسب عند القائلين بعدم كون خروجه قادحا في الإجماع.

ففيه: أنّ مخالفته و إن لم تقدح في انعقاده كمخالفة قول الميّت إلّا أنّها تمنع عن اعتبار قوله أيضا في مقام التقليد.

و أمّا قبول شهادة الميّت في الجرح و التعديل فهو لا يستلزم تقليد ذلك الميّت في رأيه


صفحه 516

..........

في عدد الكبائر بعد فرض بنائه على كونهما من الظنون الاجتهاديّة لا على التعبّد، فلا يجوز قبول الشهادة فيهما إلّا في موضع حصول الظنّ بالعدالة أو الفسق، و معه فالتعويل في القبول على الظنّ و الاستناد إليه لا إلى قول المعدّل و الجارح من حيث إنّه قوله.

و منها: ما ذكره المحقّق المذكور أيضا في الحاشية ممّا ملخّصه: «أنّ دلائل الفقه لمّا كانت ظنّية ليست مستلزمة لنتائجها و هي الأحكام بالذات، بل إنّما تستلزمها باعتبار الظنّ فتكون حجّيتها منوطة بالظنّ، و معنى إناطة حجّيتها بالظنّ استناد الحكم الشرعي إليه بحيث يثبت بوجوده و ينتفي بانتفائه، و هذا الظنّ يمتنع بقاؤه بعد الموت بل يزول بالموت، فيبقى الحكم خاليا عن السند و يخرج بذلك عن كونه معتبرا شرعا».

و عن التوني في الوافية الاعتراض عليه أوّلا: بمنع زوال الظنّ بعد الموت.

و ثانيا: بمنع خلوّ الحكم عن السند على تقدير الزوال، فاقتران الحكم بالظنّ السابق يكفي سندا.

و من الفضلاء من ظنّ أنّ معنى زوال الظنّ انكشاف واقع الأحكام و حقائق الأشياء فاستشكله: «بأنّه ممّا لا قاطع عليه من عقل و لا نقل قبل يوم القيامة، نعم ينكشف ذلك له في القيامة، و البحث في تقليده قبل قيامها.

قال: سلّمنا ذلك، لكنّ الاعتقاد الراجح المتحقّق في ضمن الظنّ ممّا يمكن بقاؤه بموافقة العلم الطارئ له فيستصحب بقاؤه لعدم القطع بزواله، إذ التقدير تجويز موافقة علمه لظنّه و زوال تجويز النقيض لا يقدح في حجّيته، لأنّ حجّية الظنّ باعتبار ما فيه من الاعتقاد الراجح دون تجويز النقيض» إلى آخر ما ذكره.

و يرد عليه: منع كون زوال الظنّ في إرادة المستدلّ تبدّله بانكشاف الواقع المردّد بين العلم الموافق و العلم المخالف، بل انعدامه إمّا باعتبار خروج محلّه عن قابليّة بقائه فيه أو باعتبار فناء محلّه، فإنّ الظنّ أمر قائم بالذهن الّذي ربّما اختلف في كونه جزءا من البدن أو قوّة من قوى الإنسانيّة.

فقيل بالأوّل كما يظهر من العلّامة البهبهاني من استدلاله على زوال الظنّ- فيما حكي عنه- أوّلا بالبداهة؛ و ثانيا: بأنّ الظنّ هو الصورة الحاصلة في الذهن، فحين الشدّة و الاضطراب حالة النزع لا يبقى تلك الصورة قطّ، و كذلك حين الغفلة و النسيان أيضا، فما ظنّك بما بعد الموت بحيث صار الذهن جمادا لا حسّ فيه؟


صفحه 517

..........

و قيل: بالثاني.

فعلى الأوّل يخرج الذهن عن قابليّة بقاء الظنّ فيه.

و على الثاني يفنى الذهن بالموت الّذي يفنى بسببه جميع القوى الحيوانيّة و القوى الإنسانيّة الّتي منها القوّة المدركة.

ألا ترى أنّ الهرم و الشيب و ارتفاع السنّ يوجب ضعف القوى و الحواسّ الظاهرة و الباطنة حتّى أنّه يبلغ حدّا يذهب معه بالسامعة و الباصرة و المدركة و غيرها، فيصير بحيث لا يبصر و لا يسمع و لا يدرك و لا يفهم شيئا كالطفل الغير المميّز، كما نطق به قوله عزّ من قائل:

وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لٰا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً.

و لا ريب أنّ ألم حالة النزع الّذي أشدّ من جميع الآلام يوجب اختلال العلوم و الإدراكات و يزول الجميع بالموت بسبب فناء القوى الحيوانيّة و الإنسانيّة الّتي منها الذهن.

و لعلّ هذا القول أقوى و أقرب بالاعتبار، و نصّ عليه بعض أهل المعقول و نسب إلى المحقّقين أيضا، فالظنّ و محلّه- و هو الذهن بمعنى القوّة الدرّاكة- من الأعراض المشروطة بالحياة، فدعوى بقائه مع فناء محلّه أو منشأه بعد الموت واهية لا ينبغي الإصغاء إليها.

و ممّا يؤيّد ذلك أيضا أنّ الظنّ متقوّم بالقوّة المدركة و هي كسائر القوى متقوّمة بالحياة و هي متقوّمة بالأخلاط الأربعة، و لذا قيل: ليس الموت إلّا فناء الأخلاط الأربعة و لكلّ منها أثر في البدن، مثل أنّ أثر الصفراء جودة الفهم و حسن الإدراك و سرعة الانتقال، و أثر البلغم رداءة الفهم و سوء الإدراك و بطء الانتقال، و أثر الدم الشهوة و الغضب و غير ذلك، فإذا كان للأخلاط مدخليّة في الإدراكات يلزم من فنائها الّذي هو الموت زوال آثارها الّتي هي الإدراكات الّتي منها الظنون.

و بالجملة العلوم و الإدراكات و إن كانت من فعل الروح و النفس الناطقة إلّا أنّ فاعليّته مشروطة بتعلّقه بالبدن و توسّط القوى الإنسانيّة، و إذا انقطع التعلّق و فنت القوى بالموت زالت العلوم و الإدراكات كلّها، و هل يتجدّد له بعد الموت علوم اخر و هو معنى انكشاف الواقع أو لا؟ الحقّ أنّه لا دليل من عقل و لا نقل على وقوع الأوّل و لا على امتناعه و الأصل عدمه، و لا يتفاوت الحال في ذلك بين ما لو قلنا بالبدن المثالي في عالم البرزخ مطلقا- على معنى أنّ الروح بعد مفارقته هذا البدن يتعلّق في جميع حالاته إلى قيام الساعة ببدن آخر مثل هذا البدن- أو في الجملة، كما يستفاد من الأخبار منها ما عن الكافي في الصحيح


صفحه 518

..........

عن ابن أبي عمير عن حمّاد عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن أرواح المؤمنين، قال: «في الجنّة على صور أبدانهم، لو رأيته لقلت: فلان» و غير ذلك ممّا ورد في أرواح المؤمنين و الكفّار.

و توهّم إثبات العلم له بعد الموت باستصحاب الاعتقاد الراجح المتيقّن ثبوته حال الحياة نظير استصحاب الولاية السارية للأب أو الجدّ على الصغير الّذي بلغ سفيها لإثباتها بعد البلوغ.

غاية الأمر تقوّمه حال اليقين بتجويز النقيض و في زمان الشكّ بعدم تجويزه و هذا لا يوجب إلّا تأكّد ترتّب الأحكام على المستصحب الّتي منها جواز العمل به للمقلّد.

يدفعه: أنّ مرجع هذا الاستصحاب إلى استصحاب القدر المشترك في أخسّ أنواعه، و هو ما تيقّن ارتفاع الفرد المتيقّن ثبوته في الزمان السابق و شكّ في تجدّد الفرد الآخر في الآن الثاني، و قد تقدّم في محلّه الإشكال في صحّته بل منع اعتباره، لعدم اندراجه في ضابط الاستصحاب خصوصا في نحو المقام لو بنى على المداقّة، لرجوعه إلى ما يدور بين إبقاء ما تيقّن ارتفاعه و إبقاء ما لم يتيقّن تجدّده و حدوثه، و ذلك لأنّ الكلّي المشترك الموجود في ضمن الأفراد معنى وجوده تحقّق حصّة منه مع كلّ فرد، و لا ريب أنّ الحصّة الاولى قد زالت و تجدّد الحصّة الاخرى غير معلوم، فإن اريد بالاستصحاب إبقاء الحصّة الاولى كان من إبقاء ما تيقّن ارتفاعه، أو إبقاء الحصّة الاخرى كان من إبقاء ما شكّ في حدوثه، و الكلّ باطل.

نعم لو بنى على المسامحات العرفيّة فربّما صحّ استصحابه إلقاء للخصوصيّة و اعتبارا له لا بشرط، و لكن المقام لا يندرج فيها، لعدم ثبوت بناء أهل العرف في نحوه على المسامحة، بل الثابت خلافه اعتبارا لأصالة عدم الحدوث المتقدّمة على الاستصحاب المذكور إن صحّحناه، كيف و ليس بصحيح من أصله.

و بعد اللتيّا و الّتي و البناء على الانكشافات و تجدّد العلوم له أو على تصحيح الاستصحاب المذكور لا يترتّب عليه أثر في التقليد و جواز العمل به للمقلّد لوجوه:

الأوّل: أنّ القدر المعلوم خروجه من الأصل المقتضي لمنع التقليد إنّما هو الاعتقادات الحاصلة للفقيه بواسطة آلاتها الّتي هي القوى الإنسانيّة، و الّذي تجدّد بعد الموت اعتقادات حاصلة من غير توسّط تلك الآلات و ليس في أدلّة مشروعيّة التقليد المخرجة له من الأصل إطلاق يتناول هذه الاعتقادات، و هو كاف في الحكم بالمنع عملا بالأصل.


صفحه 519

..........

الثاني: أنّ القدر المسلّم المعلوم خروجه من الأصل أيضا إنّما هو الاعتقادات المستندة إلى الأدلّة المعهودة و الطرق المتعارفة بواسطة الملكة النفسانيّة المعتبرة في الفقيه، و أمّا غيرهما و منه العلوم الحاصلة بطريق المكاشفة المستندة إلى الرياضات الغير الشرعيّة فلم يظهر من مطلقات التقليد إطلاق بالقياس إليه، و هو كاف في الرجوع إلى الأصل.

و لا ريب أنّ الانكشافات الّتي تحصل للميّت تستند إلى غير هذه الطرق، و لا دليل على جواز الأخذ بها و العمل عليها مع فرض موافقتها للإدراكات الحاصلة حال الحياة المستندة إلى الطرق المعهودة الاجتهاديّة، كيف و الموافقة أيضا غير محرزة لاحتمال المخالفة، حتّى أنّ المجتهد الظانّ لو حصلت له حال الحياة بعد الاجتهاد و الاستنباط انكشافات من طريق الرياضة لم يجز لغيره الأخذ بها و العمل عليها، و يكفي فيه مجرّد عدم الدليل على الجواز عملا بالأصل.

الثالث: أنّ اعتقادات المجتهد إنّما يجب اتّباعها و الأخذ بها لكون معتقداته أحكاما فعليّة، و كونها أحكاما فعليّة في حقّ المجتهد و إن لم يكن تابعا لكونها كذلك في حقّ المقلّد كما في المتجزّي على القول بحجّية ظنّه و عدم جواز تقليده، و لكن كونها أحكاما فعليّة في حقّ المقلّد تابع لكونها كذلك في حقّ المجتهد، و لذا لا يجوز تقليد من طرأه النقص من زوال ملكة أو زوال عقل ابتداء و لا استدامة.

و لا ريب أنّ بموت المجتهد يخرج معتقداته عن كونها أحكاما فعليّة في حقّه فكذلك في حقّ المقلّد ابتداء و استدامة.

لا يقال: خروجها عن كونها أحكاما فعليّة في حقّ المجتهد إنّما هو لخروجه بالموت عن حدّ التكليف و قابليّته، لأنّه منقوض بمن طرأه الجنون المخرج له عن حدّ التكليف و قابليّته.

و الحلّ: أنّ الحكم الفعلي نسبته واحدة حصلت بين المجتهد و مقلّده من جهة واحدة و إذا ارتفعت بالقياس إلى المجتهد نفسه استحال بقاؤها في حقّ المقلّد، و لا ينتقض ذلك بالمتجزّي لأنّ هذه النسبة فيه من حين حدوثها لم تتعلّق بغيره ممّن وظيفته التقليد.

و بالتأمّل في تضاعيف كلماتنا ينقدح أمران:

أحدهما: منع الأولويّة المتوهّمة في هذا المقام بناء على تجدّد انكشافات الميّت بعد الموت بالنظر إلى ظنّه حال الحياة، لأنّه إذا جاز العمل بظنّه فلأن يجوز العمل بالانكشافات العلميّة بعد الموت طريق الأولويّة.


صفحه 520

..........

أمّا أوّلا: فلأنّ الأولويّة بعد تسليمها إنّما تثمر في جواز العمل بالانكشافات العلميّة على تقدير موافقتها الظنّ و هي غير محرزة، لقيام احتمال المخالفة في كلّ مسألة.

و أمّا ثانيا: فلانتفاء الأولويّة من أصلها بعد ملاحظة ما قرّرناه من الوجوه الثلاث سيّما الوجه الأخير.

و ثانيهما: بطلان الاستصحاب لو اريد إجراؤه في الحكم المعتقد على تقدير عدم جريانه بالنسبة إلى الاعتقاد حسبما بيّنّاه، لكونه من قبيل الاستصحاب العرضي الّذي ظهر بطلانه في محلّه، و ذلك لأنّ الحكم الّذي اريد استصحابه إن قدّر كونه الحكم الفعلي الظاهري فلا شكّ في ارتفاعه، و إن قدّر كونه الحكم الواقعي فهو من أوّل الأمر غير معلوم.

و من جميع ما قرّرناه يظهر ما فيما تقدّم عن بعض الفضلاء من منع زوال ظنون المجتهد بمجرّد الموت و انكشاف واقع الأحكام له، استنادا إلى عدم دليل عليه من عقل و لا نقل تارة، و التمسّك باستصحاب بقاء الاعتقاد الراجح بمجرّد احتمال الموافقة بعد تسليم الانكشاف اخرى، فإنّ منع الزوال و الانكشاف إن أراد به منع زوال الظنون رأسا فليس في محلّه لما عرفت من أنّ أصل الزوال ممّا لا محيص من الإذعان به، و إن أراد به منع تجدّد الانكشاف فهو في محلّه حسبما بيّنّاه.

و أمّا استصحاب الاعتقاد الراجح بعد تسليم تجدّد العلوم و الانكشافات فهو من أغرب الغرائب، لعدم اندراجه في ضابط استصحاب القدر المشترك، لبناء الفرض على تيقّن زوال الفرد الأوّل و تيقّن حدوث الفرد الثاني.

و توهّم أنّ الغرض من إعماله إثبات موافقة العلم المتجدّد نظرا إلى احتمالها.

يدفعه: أنّ الاعتقاد الراجح جنس مشترك بين الظنّ و العلم الموافق و العلم المخالف فيكون أعمّ، و لا يعقل من الأعمّ كونه مثبتا للأخصّ.

ألا ترى أنّ استصحاب الجواز في مسألة نسخ الوجوب لا يفيد بنفسه ثبوت الندب أو الإباحة بالمعنى الأخصّ إذا دار الأمر بينها، بل هو في المقام أولى بعدم إفادة ثبوت الخاصّ، إذ لا تغاير بين العلم الموافق و العلم المخالف إلّا باعتبار المتعلّق كما لا يخفى.

و على تقدير صحّته و إفادته ثبوت العلم الموافق لا يترتّب عليه فائدة، لما عرفت من عدم كون نحو هذا العلم مناطا للاعتبار في التقليد، و سيلحقك زيادة كلام في هذا المقام عند التعرّض لأدلّة المجوّزين لتقليد الميّت مطلقا أو استدامة فقط.


صفحه 521

..........

و منها: ما اعتمد عليه المحقّق المذكور أيضا في الحاشية المذكورة من: أنّه لو جاز العمل بقول الفقيه بعد موته امتنع في زماننا هذا، للإجماع على وجوب تقليد الأعلم و الأورع من المجتهدين، و الوقوف لأهل هذا العصر على الأعلم و الأورع بالنسبة إلى الأعصار السابقة كاد أن يكون ممتنعا.

و فيه:- مع أنّ الوقوف على الأعلم و الأورع من الأموات قد يتأتّى بمراجعة كتبهم و تصانيفهم و اشتهاره فيما بين الطائفة، و كونه بحيث يعتنى بشأنه و يستشهد بقوله و فتواه في المسائل الخلافيّة- منع الملازمة، إذ غاية ما يلزم من امتناع الوقوف على الأعلم و الأورع منهم بعد العلم الضروري بوجوده فيما بينهم إجمالا إنّما هو سقوط اعتبار الأعلميّة و الأورعيّة لا امتناع تقليد الميّت، و ذلك لما تقدّم في بحث تقليد الأعلم أنّ الأعلميّة و الأورعيّة من باب المانع من تقليد غير الأعلم و الأورع بل من باب المرجّح لتقليد الأعلم و الأورع عند الاختلاف بينه و بين غيره في المسائل الخلافيّة، فإذا تعذّر تشخيص محلّهما بعد العلم بوجودهما إجمالا سقط اعتبارهما و يثبت التخيير لعدم غيره حتّى العمل بالاحتياط، لأنّ التقليد في حقّ العامي الغير المتمكّن من الاجتهاد إنّما يثبت مشروعيّته بعد الفراغ عن إثبات سقوط اعتبار الاحتياط لتعذّره أو تعسّره.

و للمانعين من تقليد الميّت حجج اخر واهية لا جدوى في التعرّض لها و لما فيها من وجوه الضعف، و قد تعرّض لإيراد أكثرها السيّد الطباطبائي(قدّس سرّه)في مفاتيحه.

و للقول بجوازه أيضا وجوه:

أوّلها: إطلاق أدلّة مشروعيّة التقليد كتابا و سنّة، أمّا الكتاب فكآيات النفر و الكتمان و السؤال فإنّه بإطلاقها تتناول الموتى و تدلّ على جواز الأخذ بفتاويهم و العمل بها.

و هذا كما ترى أضعف شيء ذكر في المقام، و يرد عليه- بعد الإغماض عمّا قدّمناه في محلّه من منع دلالة هذه الآيات على أصل مشروعيّة التقليد فضلا عن تناولها لتقليد الميّت و البناء على نهوض دلالاتها على المشروعيّة- منع الإطلاق تارة و وجوب الخروج عنه اخرى.

أمّا آية النفر: فيرد على الاستدلال بها ظهورها في الأحياء، فإنّ إسناد الإنذار إلى المتفقّهين و توقيته برجوعهم إلى قومهم ظاهر كالصريح في وجوب قبول فتاويهم و العمل بها حال حياتهم.


صفحه 522

..........

لا يقال: يتمّ في الأموات بالإجماع المركّب كما هو كذلك في العمل برواياتهم، فإنّ المستدلّين بالآية لاثبات حجّية خبر الواحد لا يفرّقون في العمل بالرواية بين حياة الراوي و مماته و لا جهة له إلّا الإجماع المركّب.

لأنّ الإجماع المركّب إنّما يسلّم في الرواية و أمّا الفتوى فإن لم ندّع الإجماع على الفرق- كما يرشد إليه الإجماعات المنقولة على منع تقليد الميّت- فلا أقلّ من كون القول به مشهورا، و إن لم ندّع الشهرة أيضا فلا أقلّ من دعوى وجود قائل به بل مصير جماعة إليه.

و مع هذا كلّه فكيف يعقل الإجماع على عدم الفرق بين العمل بفتوى الحيّ و العمل بفتوى الميّت.

و لو سلّم عدم ظهورها في العمل بفتاوى المنذرين في حال حياتهم فلا نسلّم أيضا ظهورها في الإطلاق، فيكون مفادها وجوب العمل بفتاوى المنذرين على وجه الاهمال، و من حكم القضيّة المهملة وجوب الأخذ فيها بالقدر المتيقّن و هو هنا فتاوى الأحياء و الرجوع في غيره و هو فتاوى الميّت إلى الأصل المنحلّ إلى اصول متعدّدة حسبما قرّرناها في بيان مستند القول المختار.

و لو سلّم الإطلاق فوجب الخروج عنه بتخصيص الآية بالأحياء بالإجماعات المنقولة المتقدّمة المعتضدة بالشهرة العظيمة القريبة من الإجماع، بل ظهور إجماع السلف على المنع مع اعتضادها بالاعتبار المتقدّم القاضي بزوال الظنّ بالموت.

و أمّا آية الكتمان، فيرد عليها:

أوّلا: أنّ دلالتها على وجوب القبول و العمل ليست بطريق المطابقة بل بطريق الالتزام، للملازمة بين وجوب إظهار الهدى و وجوب قبوله الّذي هو التقليد عرفا أو عقلا، بتقريب:

أنّه لو لا جواز القبول لزم خروج الاظهار لغوا خاليا عن الفائدة و هو قبيح، فيكون الأمر به أمرا بالقبيح و هو قبيح مناف للحكمة، و هذا المدلول الالتزامي أمر معنويّ لا لفظ فيه ليكون عنوانا للعموم أو الإطلاق.

فأقصى ما يسلّم فيه ثبوته على طريقة القضيّة المهملة، فيجري فيها ما تقدّم من وجوب الأخذ بالقدر المتيقّن و الرجوع في غيره إلى الأصل.

و ثانيا: أنّه على تقدير ثبوت الإطلاق يجب الخروج عنه في الأموات بما مرّ من الإجماعات و اعتضاداتها.