بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 618

..........

ما احتمل كونه مرجّحا في نظر الشارع لا يحكم بالتخيير فتأتي قاعدة الاشتغال.

نعم إنّما يتّجه التخيير في صورة التكافؤ، لكن ظاهر كلام الأصحاب يعطي إجماعهم على أنّه لا تخيير في البيّنات هذا يكشف عن عدم بناء حجّيتها على السببيّة، أو أنّه حكم خاصّ بالموضوعات.

هذا كلّه بحسب الأصل، و أمّا بحسب الدليل فيختلف الحكم على حسب اختلاف الموارد، و تحقيقه موكول إلى محلّه و ليس من وظيفة الفنّ.

تذنيب [وجوب الفحص عن المرجّح أو عن فقده عند البناء على الترجيح أو التخيير]

لا يذهب عليك أنّ وجوب الترجيح و الأخذ بالمرجّح، حسبما قرّرناه مشروط بوجود المزيّة لا بالعلم بوجودها عملا بظواهر النصوص مع انضمام أصالة عدم التقييد، فالترجيح بالقياس إلى وجود المرجّحات واجب مشروط و بالقياس إلى العلم بها واجب مطلق، كسائر الواجبات المشروطة بوجود شيء الّتي هي مطلقة بالقياس إلى العلم بذلك الشيء، و كذلك الوجوب التخييري في عنوان «التعادل» المعلّق على فقد المرجّحات، فإنّه بالنسبة إلى العلم بالفقد مطلق بعد ما كان بالقياس إلى نفس الفقد مشروطا.

و قضيّة ذلك أن يجب الفحص عند البناء على التخيير أو الترجيح لإحراز فقد المرجّحات أو وجود المرجّح، أو فقد المرجّح الأقوى أو وجوده [أو] عن المرجّح أو عن المرجّح الأقوى، و الظاهر أنّه ممّا لا خلاف فيه.

و الدليل عليه أوّلا: أنّه لولاه لاختلّ أمر الاستنباط و لزم الهرج و المرج في الاجتهاد، و لأدّى إلى تخريب الفقه و هدم أساس الشرع، إذ ربّما يوجب تركه الأخذ بالمرجوح و ترك العمل بالراجح، أو التسوية بين المرجوح و الراجح الّذي تعيّن الأخذ به عند اللّه دون غيره.

و ثانيا: أنّ التكليف قبل الفحص مع احتمال وجود المرجّح أو المرجّح الأقوى مردّد بين الوجوب التخييري و وجوب التعيين، و لا ريب أنّ هذا التكليف المردّد المعلوم بالإجمال يقتضي الامتثال، و هو موقوف على معرفة موضوعه المردّد بين كلّ واحد على البدل أو أحدهما بعينه، و هي موقوفة على الفحص فوجب الفحص مقدّمة للامتثال الواجب.

و ثالثا: نفس ما دلّ على وجوب الفحص عند العمل بالدليل، بتقريب: أنّ الفحص الواجب عند العمل عبارة عن الفحص عن المعارض الأقوى، و ينحلّ ذلك إلى الفحص عن


صفحه 619

..........

أصل المعارض و الفحص عن اشتماله على مزيّة و الفحص عن الأقوى عند احتمال وجوده في جانب المتعارض الآخر.

و رابعا: ما دلّ على وجوب الفحص عند العمل بالأصل، نظرا إلى أنّ البناء على التخيير في موضع احتمال وجود المرجّح، و على الترجيح بالمرجّح الموجود مع أحد المتعارضين في موضع احتمال وجود المرجّح، و على الترجيح بالمرجّح الموجود مع أحد المتعارضين في موضع احتمال وجود ما هو أقوى منه في جانب المعارض الآخر لا يتمّ إلّا بعد نفي الاحتمال المذكور، و لا نافي له إلّا أصل العدم، و من المحقّق اشتراط العمل به بالفحص.

و خامسا: الأمر بالنظر الوارد في جملة من الأخبار الآمرة بالتخيير أو الترجيح و لا سيّما مقبولة عمر بن حنظلة، باعتبار تكرّر ذلك الأمر في مواضع منها، إذ لا معنى للنظر المأمور به إلّا طلب المزيّة، و لا نعني من الفحص إلّا هذا، و الأمر يفيد الوجوب و لا صارف له إلى غيره.

و بعد ما ثبت وجوب أصل الترجيح و وجوب الفحص عن المرجّح، ينبغي التعرّض لبيان المرجّحات المنصوصة ببيان الأخبار المتكفّلة لبيانها، ثمّ النظر في وجوب الاقتصار عليها و عدم التعدّي إلى غيرها من المزايا الغير المنصوصة- كما عليه الأخباريّون حتّى أنّهم طعنوا على المجتهدين في التعدّي بأنّهم تبعوا في ذلك العامّة حيث اعتمدوا على مرجّحات لم ينصّ بها الشارع ممّا ذكره الحاجبي و العضدي و التفتازاني- أو لا يجب الاقتصار عليها بل يجوز التعدّي إلى غيرها كما عليه المجتهدون؟

و على تقدير التعدّي فهل يقتصر في المرجّحات الغير المنصوصة على الداخليّة منها الراجعة إلى السند باعتبار الراوي كالأعرفيّة باللغة و غيرها أو إلى المتن كالأفصحيّة و أقلّيّة الركاكة و نحوها، أو يتعدّى إلى الخارجيّة منها كموافقة الأمارات الغير المعتبرة من الشارع بالخصوص كشهرة الفتوى و الاستقراء و الأولويّة الظنّية و نحوها إذا كانت إحداها مع أحد المتعارضين، فهاهنا مطالب:

المطلب الأوّل في ذكر المرجّحات المنصوصة بإيراد الأخبار المتكفّلة لبيانها،

[شرح فقرات مقبولة عمر بن حنظلة]

و عمدة هذه الأخبار و أجمعها للمرجّحات مقبولة عمر بن حنظلة، رواها المشايخ الثلاث بإسنادهم، و بعدها مرفوعة زرارة رواها ابن أبي جمهور الأحسائي في عوالي اللئالي عن العلّامة رفعها إلى زرارة.

و بالجملة فمن الأخبار مقبولة ابن حنظلة قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن رجلين من


صفحه 620

..........

أصحابنا يكون بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة أ يحلّ ذلك؟

فقال: من تحاكم إلى الطاغوت فحكم له فإنّما يأخذ سحتا و إن كان حقّه ثابتا، لأنّه أخذ بحكم الطاغوت، و قد أمر اللّه عزّ و جلّ أن يكفر به.

قلت: فكيف يصنعان؟ قال: ينظران إلى من كان منكم قد روى حديثنا، و نظر في حلالنا و عرف أحكامنا فليرضوا به حكما، فإنّي قد جعلته عليكم حاكما، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنّما بحكم اللّه استخفّ و علينا ردّ، و الرادّ علينا الرادّ على اللّه، و هو على حدّ الشرك باللّه عزّ و جلّ.

قلت: فإن كان كلّ رجل اختار رجلا من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما فاختلفا فيما حكما و كلاهما اختلفا في حديثكم؟ قال: الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث، و أورعهما و لا يلتفت إلى ما حكم به الآخر.

قال: قلت: فإنّهما عدلان مرضيّان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على صاحبه.

قال: فقال: ينظر إلى ما كان من روايتهم عنّا في ذلك الّذي حكما به المجمع عليه بين أصحابك فيؤخذ به من حكمهما و يترك الشاذّ الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه، و إنّما الامور ثلاثة: أمر بيّن رشده فيتّبع، و أمر بيّن غيّه فيجتنب، و أمر مشكل يردّ حكمه إلى اللّه، قال رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): حلال بيّن و حرام بيّن و شبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرّمات، و من أخذ بالشبهات ارتكب المحرّمات و هلك من حيث لا يعلم.

قلت: فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟ قال: ينظر ما وافق حكمه حكم الكتاب و السنّة و خالف العامّة فيؤخذ به، و يترك ما خالف حكمه حكم الكتاب و السنّة و وافق العامّة.

قلت: جعلت فداك أ رأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب و السنّة و وجدنا أحد الخبرين موافقا للعامّة و الآخر مخالفا لهم بأيّ الخبرين يؤخذ؟

قال: ما خالف العامّة ففيه الرشاد، قلت: جعلت فداك فإن وافقهما الخبران جميعا؟ قال:

ينظر إلى ما هم [إليه] أميل حكّامهم و قضاتهم فيترك و يؤخذ بالآخر.

قلت: فإن وافق حكّامهم الخبرين جميعا؟ قال: إذا كان ذلك فارجه حتّى تلقى إمامك،


صفحه 621

..........

فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات[1].

و منها: مرفوعة زرارة بن أعين قال: سألت الباقر(عليه السلام)فقلت: جعلت فداك يأتي عنكم الخبران أو الحديثان[2]المتعارضان فبأيّهما آخذ؟ فقال(عليه السلام): يا زرارة خذ بما اشتهر بين أصحابك و دع الشاذّ النادر.

قال: فقلت: يا سيّدي إنّهما مشهوران مرويّان عنكم، فقال: خذ بما يقول أعدلهما عندك و أوثقهما في نفسك.

فقلت: إنّهما معا عدلان مرضيّان موثّقان، فقال: انظر إلى ما وافق منهما مذهب العامّة فاتركه، و خذ بما خالفهم فإنّ الحقّ فيما خالفهم.

فقلت: ربّما كان معا موافقين لهم أو مخالفين فكيف أصنع؟ فقال: إذن فخذ بما فيه الحائطة لدينك و اترك ما خالف الاحتياط.

فقلت: إنّهما معا موافقان للاحتياط أو مخالفان له فكيف أصنع؟ فقال: إذن فتخيّر أحدهما و تأخذ بما فيه و تدع الآخر[3].

و منها: ما عن الصدوق في عيون الأخبار باسناده عن الرضا(عليه السلام)أنّه قال- في حديث طويل-: فما ورد عليكم من حديثين مختلفين فأعرضوهما على كتاب اللّه، فما كان في كتاب اللّه موجودا حلالا أو حراما فاتّبعوا ما وافق الكتاب، و ما لم يكن في الكتاب فاعرضوه على سنن رسول اللّه، فما كان في السنّة موجودا منهيّا عنه نهي حرام أو مأمورا به عن رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)أمر إلزام فاتّبعوا ما وافق نهي النبيّ و أمره، و ما كان في السنّة نهي إعافة أو كراهة ثمّ كان الخبر الآخر خلافه فذاك رخصة فيما عافه رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و كرهه و لم يحرّمه فذلك الّذي يسع الأخذ بهما جميعا أو بأيّهما شئت وسّعك اللّه الاختيار من باب التسليم و الاتّباع و الردّ إلى رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و ما لم تجدوه في شيء من هذه الوجوه فردّوه إلينا علمه فنحن أولى بذلك، و لا تقولوا فيه بآرائكم، و عليكم بالكفّ و التثبّت و الوقوف، و أنتم طالبون باحثون حتّى يأتيكم البيان من عندنا.

و منها: ما عن القطب الراوندي في رسالته في الصحيح بسنده عن عبد الرحمن ابن أبي عبد اللّه قال: قال الصادق(عليه السلام): إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب

[1]الكافي 1: 68 باب اختلاف الحديث ح 10، الوسائل 18: 175 الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 1.

[2]و الظاهر أنّ الترديد وقع من الراوي لا من السائل (منه).

[3]عوالي اللآلي 4: 133 الحديث 229.


صفحه 622

..........

اللّه، فما وافق كتاب اللّه فخذوه، و ما خالف كتاب اللّه فذروه، فإن لم تجدوه في كتاب اللّه فاعرضوهما على أخبار العامّة فما وافق أخبارهم فذروه، و ما خالف أخبارهم فخذوه.

و منها: ما عنه أيضا بسنده عن الحسين بن السري قال: قال أبو عبد اللّه(عليه السلام): «إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فخذوا بما خالف القوم».

و منها: ما عنه بسنده أيضا عن الحسن بن الجهم في حديث، قلت: لم- يعني العبد الصالح(عليه السلام)- يروى عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)شيء و يروى عنه أيضا خلاف ذلك فبأيّهما نأخذ؟

قال: «خذ بما خالف القوم و ما وافق للقوم فاجتنبه»[1].

و منها: ما عنه بسنده أيضا عن محمّد بن عبد اللّه قال: قلت للرضا(عليه السلام): كيف نصنع بالخبرين المختلفين؟ قال: «إذا ورد عليكم خبران مختلفان فانظروا ما خالف منهما العامّة فخذوه، و انظروا ما يوافق أخبارهم فذروه».

و منها: ما عن الاحتجاج بسنده عن سماعة بن مهران قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): يرد علينا حديثان واحد يأمرنا بالأخذ به و الآخر ينهانا، قال: لا يعمل بواحد منهما حتّى تلقي صاحبك فتسأل، قلت: لا بدّ أن يعمل بواحد منهما، «قال: خذ بما فيه خلاف العامّة».

و منها: ما عن الكافي بسنده عن المعلّى بن خنيس قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): إذا جاء حديث عن أوّلكم و حديث عن آخركم بأيّهما نأخذ؟ قال: خذوا به حتّى يبلغكم عن الحيّ، فإن بلغكم عن الحيّ فخذوا بقوله، قال: ثمّ قال أبو عبد اللّه(عليه السلام): أما و اللّه لا يدخلكم إلّا فيما يسعكم.

و منها: ما عن الكافي بسنده إلى الحسين بن المختار عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: أريتك لو حدّثتك بحديث العام ثمّ جئتني من قابل فحدّثتك بخلافه بأيّهما كنت تأخذ؟ قال: كنت آخذ بالأخير، قال لي: رحمك اللّه تعالى.

و منها: ما عن الكافي أيضا بسنده عن أبي عمرو الكناني عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: يا أبا عمرو أ رأيت لو حدّثتك بحديث أو افتيك بفتيا، ثمّ جئت بعد ذلك تسألني عنه فأخبرتك بخلاف ما كنت أخبرتك و أفتيتك بخلاف ذلك، بأيّهما تأخذ؟ قلت: بأحدثهما و أدع الآخر، قال: قد أصبت يا أبا عمرو، أبى اللّه إلّا أن يعبد سرّا، أما و اللّه لئن فعلتم ذلك أنّه لخير لي و لكم، أبي اللّه لنا في دينه إلّا التقيّة.

[1]الوسائل 27: 118 باب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 28.


صفحه 623

..........

و منها: ما عن الكافي بسنده عن محمّد بن مسلم قال: قلت: لأبي عبد اللّه(عليه السلام)ما بال أقوام يروون عن فلان عن فلان عن رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)لا يتّهمون بالكذب فيجىء منكم خلافه؟ قال: إنّ الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن.

و منها: ما عن الكافي أيضا بسنده عن أبي حيّون مولى الرضا(عليه السلام)أنّ في أخبارنا محكما كمحكم القرآن و متشابها كمتشابه القرآن، فردّوا متشابهها إلى محكمها، و لا تتّبعوا متشابهها دون محكمها فتضلّوا.

و منها: ما عن معاني الأخبار بسنده عن داود بن فرقد قال: سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام)يقول: أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا، أنّ الكلمة لتصرف على وجوه، فلو شاء إنسان لصرف كلامه كيف شاء و لا يكذب.

و ينبغي التعرّض لشرح فقرات المقبولة تحقيقا للحال و تبيينا للمرام في محلّ المقال.

فنقول: قوله: «بينهما منازعة في دين أو ميراث» مع انضمام قوله- فيما يأتي-: «و كلاهما اختلفا في حديثكم» في كون المنازعة إنّما وقعت بينهما لشبهة حكميّة من جهة جهالة حكم من أحكام الدين أو الميراث، مثل أنّ الدين هل يعتبر من صلب المال أو من الثلث؟

و إنّ أولاد الأولاد هل يقومون في الإرث مقام آبائهم أو أنهم كأولاد الصلب يقتسمون على التفاوت للذكر مثل حظّ الانثيين من دون ملاحظة من يتقرّبون إليه؟

و قضيّة ذلك كون اختلاف الحاكمين في الحكم اختلافا في الفتوى ناشئا عن اختلاف الحديثين.

قوله: «فإنّما يأخذ سحتا و إن كان حقّه ثابتا» قيل: ينبغي أن يخصّص ذلك بما لو كان حقّه كلّيّا في الذمّة كعشرة دراهم، لاستناد تعيينه للأداء إلى الحكم الّذي هو نحو إجبار و هو من وظيفة السلطان العادل لا سلطان الجور، فلا يتعيّن بذلك التعيين فيكون باقيا في ملك المديون فيكون بالنسبة إلى الدائن سحتا، بخلاف ما لو كان عينا شخصيّة و هو يعلم كونها حقّه فإنّه لا يعقل كونها سحتا.

و عن صاحب الكفاية الاستشكال في العين حيث ذكر: «أنّ الحكم بعدم جواز أخذ شيء بحكمهم و إن كان له حقّا في الدين ظاهر، و في العين لا يخلو عن إشكال. و قيل في وجه الإشكال في العين دون الدين أنّ الثاني يحتاج إلى تشخيص لا يتأتّى إلّا من المالك و المفروض أنّه مجبور بحكمهم لا أنّه راض بخلاف الأوّل».


صفحه 624

..........

و فيه- مع أنّ ذلك ينافي وقوع السؤال عن الدين و الميراث الّذي لا يكون في الغالب إلّا عينا-: أنّ ما ذكر اجتهاد في مقابلة النصّ، و عدم احتياج العين الشخصيّة إلى تعيين و تشخيص من هي في يده و كونها حقّه في نفس الأمر و هو يعلم به لا ينافي حرمة أخذها و التصرّف فيها لعارض، لأنّه بسبب استناده إلى حكم الطاغوت ممّا لم يمضه الشارع بل نهى عنه و إن كان الآخذ و المتصرّف مالكا، و عليه فيكون المراد بالسحت ما يكون سحتا بالعرض لا بالذات، نظير العين المرهونة و المال المحجور عليه، بل السحتيّة في الدين أيضا لا يستقيم إلّا بإرادة العرضيّة نظرا إلى أنّ المشخّص له لا يكون إلّا المالك، فتأمّل.

قوله: «و قد أمر اللّه عزّ و جلّ أن يكفر به ... الخ» إشارة إلى قوله تعالى:أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ مٰا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحٰاكَمُوا إِلَى الطّٰاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِالآية نزلت في شأن الزبير بن العوام نازع رجلا من اليهود في حديقة فقال الزبير: ترضى بابن شبهة اليهودي: و قال اليهودي؟ ترضى بمحمّد(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؟

و بالجملة اختار اليهودي محمّدا(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)لأن يتحاكما عنده، و أنكره الزبير فاختار عالما يهوديّا للتحاكم عنده، فأنزل اللّه تعالىأَ لَمْ تَرَالآية.

قوله(عليه السلام): «الحكم ما حكم به أعدلهما، و أفقههما، و أصدقهما في الحديث، و أورعهما» قد جمع في ذلك أربعة من المرجّحات، و حيث إنّ العدالة بمعنى الحالة النفسانيّة الباعثة على ملازمة التقوى من الكيفيّات القابلة للتفاضل و الشدّة و الضعف، فالمراد بالأعدليّة كون راوي أحد الخبرين أقوى ملكة للبعث على ملازمة التقوى، و أمّا الأصدقيّة فالمراد به إمّا كون أحد الراويين أقوى ملكة للبعث على ملازمة الصدق، أو كون موارد صدق أحدهما أكثر من موارد صدق الآخر، أو كون اعتماد الناس على قول أحدهما أزيد من الآخر، أو كون الظنّ بصدق أحدهما أقوى من الظنّ بصدق الآخر.

ثمّ إنّ الصفات الأربع كلّها ترجع إلى السند لكونها من صفات الراوي، و الأفقهيّة تزيد على غيرها في أنّها تصلح مع ذلك للرجوع إلى المضمون، و ذلك لأنّ الراوي إذا كان فقيها فهو يعرف قواعد الاستنباط و يتفطّن لنكاته و دقائقه، فلا يغفل و لا يذهل عند استماع الرواية فلا يختلط عليه الأمر في فهم حقيقة المراد، فيكون ما فهمه من كلام المعصوم أقرب إلى الواقع ممّا فهمه غيره ممّن ليس بفقيه.

و يظهر أثر ذلك فيما لو قال الإمام(عليه السلام): «إذا بقي إلى انتصاف الليل مقدار صلاة العشاء


صفحه 625

..........

فهو مختصّ به» فالفقيه لالتفاته إلى أنّ مقدار صلاة العشاء أعمّ من أربع ركعات العشاء يفهم من كلام الإمام(عليه السلام)عموم الاختصاص لأربع ركعات الحاضر و ركعتي المسافر و الخائف، و إذا أراد نقل الحديث بالمعنى فلا يبدّل مقدار صلاة العشاء بأربع ركعات العشاء، بخلاف غير الفقيه الّذي ليس عالما بمواقع المعاني فربّما يختلط عليه فيفهم من مقدار صلاة العشاء أربع ركعات العشاء، حتّى أنّه عند النقل بالمعنى يعبّر عنه بذلك فيتغيّر به الحكم الشرعي لعدم استفادته حكم الاختصاص لركعتي المسافر و الخائف.

و بالجملة للفقاهة و الأفقهيّة مدخليّة تامّة في قرب المضمون و أقربيّته إلى الواقع.

ثمّ إنّ الأعدليّة و إن كانت تستلزم الأصدقيّة على تقدير رجوعها إلى السند كما أنّ العدالة تستلزم الصدق، إلّا أنّه ربّما يمكن الفرق بينهما بأنّ اعتبار العدالة يمكن أن لا يكون لأجل مطابقة الواقع بل لخصوصيّة اخرى موجبة لمصلحة ثانويّة، بخلاف الصدق الّذي هو عبارة عن مطابقة الخبر للواقع فإنّ اعتباره لا يكون إلّا لأجل المطابقة، فاعتبار الأصدقيّة لا تكون إلّا من جهة أنّ خبر الأصدق أقرب إلى الواقع من خبر غيره، فيحصل منه كلّيّة مطّردة في سائر المقامات أيضا، و هو أنّ مناط الترجيح هو الأقربيّة إلى الواقع، فكلّما كان أحد المتعارضين أقرب إلى الواقع فهو المتعيّن، فإذا فرضنا مع أحد المتعارضين أمارة خارجيّة غير منصوصة أوجبت كونه أقرب إلى الواقع من شهرة أو أولويّة أو نحوها تعيّن الأخذ به لهذه الضابطة.

ثمّ إنّ «واو» الجمع في عطف هذه الصفات بعضها إلى بعض تفيد بظاهرها كون المجموع بوصف الاجتماع مرجّحا، و أمّا كون كلّ واحد أو كلّ اثنين أو كلّ ثلاثة منها أيضا مرجّحا فلا يستفاد من ظاهر قوله: «الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما» إلى آخره.

و حينئذ فلا بدّ في إثبات مرجّحية ما عدا الجميع من إجماع على نفي مدخليّة الهيئة الاجتماعيّة في الترجيح بتلك الصفات، أو رواية اخرى قاضية بذلك، أو قرينة في نفس المقبولة كاشفة عن عدم كون «الواو» على ظاهره، بإرادة صلاحية هذه الصفات للترجيح مع الاجتماع و مع الانفراد وحدانيّا و ثنائيّا و ثلاثيّا، و لكنّ القرينة على ذلك موجودة في نفس هذه الرواية، و هي قول السائل: «فإنّهما عدلان مرضيّان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على صاحبه» مرادا به فرض التساوي بين الراويين في العدالة و الفقاهة و الصدق و الورع بحيث لا يفضل أحدهما على صاحبه، و مرجعه إلى انتفاء الأفضليّة فيهما بالنسبة