بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 654

..........

و الشهرة بناء على حجّيتها بالخصوص لا من حيث الظنّ المطلق.

نعم الإجماع إذا كان منقولا يصير من الأدلة اللفظيّة الظنّية فيطرؤه الجهات الثلاث من الصدور و جهة الصدور و الدلالة، فقد تحصل الشبهة في صدوره، و قد تحصل في جهة صدوره، و قد تحصل في دلالته، فظنّية الدليل إمّا من جهة ظنّية صدوره أو من جهة ظنّية جهة صدوره، أو من جهة ظنّية دلالته على سبيل منع الخلوّ، فقد يكون ظنّيا باعتبار دلالته مع قطعيّة صدوره و جهة صدوره كالكتاب، و قد يكون ظنّيا باعتبار صدوره و دلالته مع قطعيّة جهة صدوره كالأخبار النبويّة، و قد يكون ظنّيا باعتبار دلالته و جهة صدوره مع قطعيّة صدوره كالخبر المتواتر اللفظي الإمامي، و قد يكون ظنّيا باعتبار الجهات الثلاث كالخبر الواحد الإمامي، فجهات شبهة الخلل في الرواية لا يخلو عن هذه الثلاث، و إن كانت الشبهة بالنسبة إلى الصدور قد ترتفع بعدالة الراوي و حجّية خبره، و بالنسبة إلى جهة الصدور قد ترتفع بأصالة عدم التقيّة، فالمرجّحات المعمولة لعلاج التعارض في الخبر الظنّي من الجهات الثلاث.

منها: ما يوجب الظنّ بالصدور خاصّة من غير دخل له في الدلالة وجهة الصدور.

و منها: ما يوجب الظنّ بالدلالة خاصّة من غير دخل له في الصدور وجهته.

و منها: ما يوجب الظنّ بجهة الصدور من غير دخل له بالصدور و الدلالة.

و منها: ما يتردّد بين الجميع و يصلح على البدل لكلّ منها، كالمرجّح المضموني و منه المرجّحات الخارجيّة على ما بيّنّاه.

ثمّ اعلم أنّ المرجّحات الداخليّة بعضها يعارض بعضا،

فالكلام في أحكام صور تعارضها و سائر ما يتعلّق بها و في المرجّحات الخارجيّة يقع في مقامات:

المقام الأوّل فيما يتعلّق بمرجّحات الصدور و مرجّحات جهة الصدور

و ضابط الفرق بينهما بحسب المفهوم كما أشرنا إليه أنّ مرجّح الصدور بحسب المفهوم عبارة عن كلّ مزيّة توجب قوّة في احتمال انتساب أحد الخبرين إلى الإمام من حيث الصدور على وجه ينقطع أو يضعف به احتمال عدم الصدور فيه بالقياس إليه في صاحبه.

و مرجّح جهة الصدور من حيث المفهوم عبارة عن كلّ مزيّة توجب قوّة في احتمال كون صدور أحد الخبرين لأجل بيان الحكم الواقعي على وجه ينقطع أو يضعف به احتمال الصدور لأجل بيان خلاف الواقع فيه بالقياس إليه في صاحبه.


صفحه 655

..........

و الأوّل مصاديقه بحسب الخارج غير محصورة، إلّا أنّها باعتبار المحلّ على نوعين يعبّر عنهما بمرجّحات السند و مرجّحات المتن، و نحن نذكر نبذة من مصاديق كلّ من النوعين من باب المثال.

فمن مصاديق ما يرجع إلى السند: كون راوي أحدهما عدلا و الآخر غير عدل مع كونه مقبول الرواية باعتبار كونه متحرّزا عن الكذب.

و منها: كونه أعدل مع عدالة الآخر، و قد يعرف الأعدليّة بالنصّ عليها أو يذكر فضائل و مناقب فيه لم تذكر في الآخر.

و منها: كونه أصدق مع عدالتهما معا.

و منها: كونه أضبط، و قد يرجع الترجيح بهذه الامور إلى كون طريق ثبوت مناط اعتبار أحدهما و قبوله و هو العدالة أوضح من طريق الآخر و أقرب إلى الواقع، كتعدّد المزكّي لأحدهما، أو رجحان أحد المزكّيين على الآخر، و قد يلحق بهذا الباب عدم التباس اسم المزكّى في أحدهما بغيره من المجروحين و اشتباه الآخر باعتبار الاشتراك مع ضعف ما يميّز المشترك.

و منها: علوّ الأسناد و هو قلّة الوسائط، و قد يحدّد بأن لا يزيد الوسائط بين من يروي إلينا و بين الإمام على ثلاثة، لوضوح أنّ الواسطة كلّما قلّت قلّ احتمال الكذب فيكون أقرب بمطابقة الواقع، و عورض بندرة ذلك و استبعاد الإسناد فيما تباعد فيه أزمنة الرواة فيكون مظنّة الإرسال فالإحالة إلى نظر المجتهد أولى.

و منها: أن يسند أحدهما و يرسل الآخر بحذف الواسطة مع كونه ممّن تقبل مراسيله، و على تقدير كون إرساله توثيقا للواسطة فيحتمل كونه معارضا بجرح جارح.

و منها: أن يكون راوي أحدهما متعدّدا و للآخر واحدا، أو أن يكون رواة أحدهما أكثر من رواة الآخر، فإنّ التعدّد أقوى من الواحد و الأكثر أقوى من الأقلّ.

و من مصاديق ما يرجع إلى المتن: الفصاحة، فالفصيح أقوى من الركيك لكونه أبعد عن كلام الإمام(عليه السلام).

و منها: الأفصحيّة على ما ذكره جماعة، خلافا لآخرين فلم يلتفتوا إليها و لا يخلو عن وجه، لعدم كون الفصيح في مقام بيان الأحكام الشرعيّة بعيدا عن كلام الإمام و لا الأفصح أقرب إليه.


صفحه 656

..........

و منها: الخلوص عن اضطراب المتن بالقياس إلى ما فيه اضطراب كما في أكثر روايات عمّار[1].

و منها: كون أحدهما منقولا باللفظ و الآخر بالمعنى فيحتمل فيه ما لا يحتمل في اللفظ المسموع بعينه.

و الثاني أيضا ممّا لا حصر لمصاديقه بحسب الخارج، فإنّ المصالح الباعثة للإمام على بيان خلاف الواقع أو إيراد الكلام بصورة خلاف الواقع و إن قصد به التورية كثيرة بل غير محصورة، غير أنّ الغالب تحقّقه في أخبارنا الموجودة بأيدينا اليوم إنّما شيء واحد يعبّر عنه بأمارة التقيّة، و هي موافقة ظاهر الخبر لمذهب أهل الخلاف قبالا لما خالف ظاهره مذهبهم، فيحكم على الأوّل بالصدور على وجه التقيّة، و هو من وجوه الصدور لأجل بيان خلاف الواقع على بعض التقادير، و يلزم منه الظنّ بكون صدور الثاني لأجل بيان الحكم الواقعي.

و اعلم أنّ صدور الخبر على وجه التقيّة يتصوّر على وجهين:

أحدهما: أن يريد به الإمام(عليه السلام)ظاهره المخالف للواقع لمصلحة التقيّة فيكون من الكذب الّذي سوّغته الضرورة.

و ثانيهما: أن يريد به خلاف ظاهره المطابق للواقع من دون نصب قرينة عليه لمصلحة التقيّة، و إذا فرضنا في كلام صادر منه تقيّة أنّ مصلحة التقيّة تتأدّى بكلّ منهما- كما لو قال:

«غسل الرجلين في الوضوء واجب» مثلا حيث إنّ مصلحة التقيّة تحصل بإرادة ظاهر الغسل و بإرادة المسح منه من غير قرينة عليه، فعلى الأوّل يصير كذبا و على الثاني مؤوّلا و تورية- و دار حمل كلامه على الكذب أو على التورية، فقد يقال: إنّ الاولى من جهة الاعتبار بالنظر إلى العصمة و رتبة الإمامة و قضاء القوّة العاقلة الحكم عليه باختيار التأويل و الحمل على التورية، صونا لكلامه عن الكذب الّذي هو قبيح عقلا و محرّم شرعا و لا يسوّغه إلّا الضرورة، و لا يكون مصلحة التقيّة من الضرورة المسوّغة له إلّا حيث لا مندوحة عنه، و التقيّة بطريق التورية مندوحة.

و في كلام بعض مشايخنا(قدّس سرّه): «أنّ هذا أليق بالإمام بل هو اللائق إذا قلنا بحرمة الكذب مع التمكّن من التورية».

و يشكل إطلاق ذلك بأنّ هذا إنّما يتّجه إذا كان هذا الدوران حاصلا في نظر الإمام كما

[1]أي عمّار الساباطي.


صفحه 657

..........

هو حاصل عندنا، على معنى كون مصلحة التقيّة الموجودة ثمّة الباعثة على إخراج الكلام مخرج التقيّة بحيث تتأدّى في نظره(عليه السلام)باختيار كلّ من الوجهين، فله بل عليه اختيار الوجه الثاني حذرا عن الكذب الّذي لا ضرورة دعت إليه، و هذا ممّا لا يتحقّق في حقّه مطّردا، فإنّ التقيّة قد يكون قوليّة على معنى كونها حاصلة للإمام فأتي بكلام موافق ظاهره لمذهب العامّة لحفظ نفسه الشريف و دفع الضرر عن نفسه، و قد تكون عمليّة بكونها حاصلة لمخاطبه المخالط لهم في عمله الموافق لمذهبهم فيأتي بقول موافق ظاهره لمذهبهم، حملا له على العمل بما يوافق مذهبهم حفظا له عن القتل و غيره من أنواع الضرر كغسل الرجلين في الوضوء مثلا.

و لا ريب أنّ مصلحة التقيّة بكلا الوجهين إنّما تتأدّى في القسم الأوّل دون القسم الثاني، ضرورة أنّه لو لا إرادة الظاهر المطابق لمذهبهم الباعثة على تطبيق العمل في الظاهر على هذا المذهب لم يحصل الغرض من إيراد الكلام تقيّة.

و من هنا يقال: إنّ التقيّة في موردها حكم ظاهري بل واقعي ثانوي و يحرم متابعة الواقع على من يعلمه ما دام موجبها قائما، كمسح الرجلين مكان غسلهما لمن وقع في زمان التقيّة، و عليه فالأخبار الخارجة مخرج التقيّة بالنسبة إلينا على أنواع:

منها: ما يعلم كون التقيّة المرعيّة فيه قوليّة، فالأولى فيه الحمل على التورية.

و منها: ما يعلم كون التقيّة المرعيّة فيه عمليّة، و يتعيّن فيه الحمل على اختيار الكذب.

و منها: ما يتردّد بين القسمين، و هذا ممّا لا سبيل لنا إلى تعيين أحدهما، و لا أصل في المقام يساعد على شيء منهما، و لعلّه الغالب في الأخبار المحمولة على التقيّة.

فصل [التعارض بين مرجّح الصدور و مرجّح جهة الصدور]

إذا وقع التعارض بين مرجّح جهة الصدور كالمخالفة و الموافقة [للعامّة] و مرجّح الصدور كالأعدليّة فيما ورد خبران أحدهما مرويّ عن عادل و الآخر عن الأعدل مع موافقة رواية الأعدل لمذهب العامّة، فهل الترجيح لمرجّح الصدور فيؤخذ برواية الأعدل و يحكم على رواية العادل بعدم الصدور، أو لمرجّح جهة الصدور فيؤخذ بالخبر المخالف حملا له على بيان الواقع و يطرح الموافق حملا له على التقيّة أو غيرها من مصالح بيان خلاف الواقع؟

و ينبغي التكلّم لتحقيق هذا المطلب أوّلا في أنّه هل يقع التعارض بين مرجّح جهة


صفحه 658

..........

الصدور و مرجّحات الصدور أو لا؟ ثمّ النظر في ترجيح أحدهما على الآخر على تقدير وقوع التعارض، و الظاهر أنّ الحكم في المسألتين يختلف باختلاف الوجوه المحتملة في الترجيح بمخالفة العامّة و مرجّحيته، فإنّ ذلك يحتمل وجوها:

أحدها: كونه لمجرّد التعبّد، على معنى أنّ الشارع أوجب علينا الأخذ بما يخالف العامّة و طرح ما يوافقهم تعبّدا محضا من دون نظر إلى الواقع، و لا إلى أنّ الأوّل مطابق للواقع أو أقرب إليه و الثاني مخالف له أو أبعد عنه.

و ملخّصه: كون الواقع بالمرّة ملغى في نظره، كما هو المنساق من إطلاق كثير من الأخبار المتقدّمة الآمرة بالأخذ بما يخالفهم من دون تعليل له بما يأتي.

و ثانيها: حسن مجرّد المخالفة، على معنى أنّ المخالفة في نفسها مصلحة أوجبت كون الأخذ بالمخالف محبوبا و مطلوبا للشارع، و الموافقة لهم في نفسها مفسدة أوجبت كون الأخذ بالموافق مبغوضا للشارع و إن كان مؤدّاه حقّا، نظير منع الاستناد إلى القياس و كونه مبغوضا و إن كان مؤدّاه حقّا، كما ربّما يومئ إليه بعض الأخبار مثل مرسلة داود بن الحصين:

«أنّ من وافقنا خالف عدوّنا، و من وافق عدوّنا في قول أو فعل فليس منّا و لا نحن منه» و رواية الحسين بن خالد: «شيعتنا المسلّمون لأمرنا الآخذون بقولنا المخالفون لأعدائنا، فمن لم يكن كذلك فليس منّا، فيكون حالهم حال اليهود الوارد فيهم قوله(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): خالفوهم ما استطعتم».

و ثالثها: مطابقة المخالف لهم الواقع أو كونه أقرب إليه و الموافق بخلافه، كما يشهد له التعليل: «بأنّ فيه الرشاد»، أو «أنّ الرشد في خلافهم»، أو «أنّ الحقّ في خلافهم» في غير واحد من الأخبار المتقدّمة.

و في معناها رواية عليّ بن أسباط قال: قلت للرضا(عليه السلام): يحدث الأمر لا أجد بدّا من معرفته، و ليس في البلد الّذي أنا فيه أحد أستفتيه من مواليك؟ فقال: «ائت فقيه البلد و استفته في أمرك، فإذا أفتاك بشيء فخذ بخلافه فإنّ الحقّ فيه».

و خبر أبي إسحاق الأرجائي قال: قال أبو عبد اللّه(عليه السلام): «أ تدري لم امرتم بالأخذ بخلاف ما يقوله العامّة؟ فقلت: لا أدري، فقال: إنّ عليّا(صلوات اللّه عليه)لم يكن يدين اللّه بشيء إلّا خالف عليه العامّة إرادة لإبطال أمره، و كانوا يسألونه(صلوات اللّه عليه)عن الشيء الّذي لا يعلمونه، فإذا أفتاهم بشيء جعلوا له ضدّا من عندهم ليلبسوا الحقّ».


صفحه 659

..........

و رابعها: كون الخبر الموافق يجري فيه من احتمال التقيّة ما لا يجري في الخبر المخالف إمّا للعلم بأنّه على تقدير الصدور إنّما صدر لبيان الواقع، أو لكون احتمال التقيّة فيه أضعف منه في الآخر، كما يدلّ عليه قوله(عليه السلام)في رواية «ما سمعته منّي يشبه قول الناس ففيه التقيّة، و ما سمعته منّي لا يشبه قول الناس فلا تقيّة فيه».

و من الظاهر أنّ مرجّح الصدور لا يعارض مرجّح جهة الصدور على الوجه الأوّل، لأنّ قضيّة إطلاق التعبّد الشرعي حسبما بيّنّاه طرح الخبر الموافق و لو كان رواية أعدل، و كذلك على الوجه الثاني لأنّ موافقة مذهب العامّة إذا كانت في نفسها مفسدة قبالا لمصلحة المخالفة فلا تأثير لأعدليّة الراوي في رفعهما، و كذلك على الوجه الثالث لأنّ مخالفة [العامّة] إذا أوجبت أقربيّة الخبر إلى الواقع و أبعديّة معارضه عن الواقع فلا يزاحمها أعدليّة راوي المعارض الموجبة لكونه أقرب إلى الصدور، لأنّ غاية ما يقتضيه الترجيح به الحكم عليه بكونه صادرا عن المعصوم، و هذا لا يلازم كونه أقرب إلى الواقع، لأنّ الخبر قد يصدر تقيّة أو لا لبيان الواقع لمصلحة غير التقيّة.

و أمّا على الوجه الأخير فربّما يتراءى في بادئ النظر وقوع التعارض بينهما، إذ المفروض عدم معلوميّة صدور الخبرين كما في المتواترين اللفظيّين و قضيّة مرجّح الصدور طرح الخبر المخالف على أنّه غير صادر، و مقتضى مرجّح جهة الصدور طرح خبر الأعدل على أنّه على تقدير الصدور إنّما صدر على وجه التقيّة، و هما مدلولان متنافيان و لا نعني من التعارض إلّا هذا.

و بعبارة اخرى: أنّ كلّا من المخالف و الموافق أقوى احتمالا من الآخر في جهة و أضعف احتمالا منه في جهة اخرى، ضرورة أنّ الخبر المخالف يحتمل فيه من عدم الصدور ما لا يحتمل في الخبر الموافق بملاحظة أعدليّة راويه فإنّه أبعد من الكذب و الافتراء، كما أنّ الخبر الموافق يحتمل فيه من الصدور تقيّة ما لا يحتمل في الخبر المخالف بملاحظة كونه مخالفا، فللكلّ رجحان و مرجوحيّة.

و حينئذ فينبغي القطع بأنّ الترجيح إنّما هو لمرجّح الصدور، لأنّ له نحو موضوعيّة لمرجّح جهة الصدور، لأنّ الخبر إنّما يحكم عليه بكونه صدر لبيان الواقع بعد إحراز صدوره، و الصدور في المتعارضين يحرز بمرجّحه، و أعدليّة الراوي في الخبر الموافق إذا أوجبت الحكم على الخبر المخالف بعدم الصدور فلا يبقى لمرجّح جهة الصدور محلّ يترجّح به


صفحه 660

..........

على معارضه، إذ المفروض عدم صدوره.

و لك أن تأخذ هذا البيان وجها لعدم وقوع التعارض بينهما على الوجه الأخير أيضا، لأنّ مثلهما على هذا البيان مثل الأصل الموضوعي و الأصل الحكمي، فكما أنّ الأصل الموضوعي وارد على الأصل الحكمي برفعه موضوع الأصل الحكمي فلا يجري بعد انتفاء موضوعه حتّى يعارض الأصل الموضوعي، ففيما نحن فيه أيضا لا موضوع لمرجّح جهة الصدور فلا يجري حتّى يعارض مرجّح الصدور.

و لعلّ هذا هو الوجه فيما هو في مقبولة ابن حنظلة من تقديم صفات الراوي الّتي هي مرجّحات الصدور على مخالفة العامّة، و فرض الترجيح في صورة تساوي الخبرين من جهة صفات الراوي و غيرها ليحرز بها الصدور فيهما معا، و عليه فمرجّحات الصدور كمرجّحات الدلالة، فكما أنّ مرجّح جهة الصدور لا يعارض الدلالة على ما سنبيّنه، فلو كان الخبر الموافق لمذهب العامّة أظهر وجب تقديمه و إرجاع الظاهر- و هو الخبر المخالف- إليه بتخصيص أو تقييد أو تأويل آخر، فكذلك لا يعارض مرجّحات الصدور في شيء من الوجوه الأربع المتقدّمة، و انتظر لتتمّة الكلام في ذلك في آخر المبحث.

ثمّ إنّ الظاهر أنّ الوجوه الأربع المذكورة لمرجّحيّة المخالفة و الموافقة لا يتحصّل منها لنا اليوم إلّا الوجه الأخير، لأنّ غيره مبنيّ على كون الخبر الموافق موافقا لمذهب كلّهم أو أكثرهم أو ما اشتهر من مذهبهم و لو كان لبعضهم، و لا سبيل لنا إلى العلم بشيء من هذه العناوين، بل العلم بهما إنّما يتيسّر لأصحاب الأئمّة الموجودين في أعصارهم و من قاربهم في العصر ممّن تأخّر عنهم، و إنّما المتحصّل لنا اليوم الموافقة و المخالفة لمذهب بعضهم مع احتمال موافقة المخالف له لمذهب بعض آخر.

و قضيّة ذلك كون احتمال التقيّة في الموافق أقوى منه في المخالف، و هذا هو عنوان الوجه الأخير الّذي عبّرنا عنه بأنّ الخبر الموافق يحتمل فيه من التقيّة ما لا يحتمل في الخبر المخالف، فيكون أبعد عن التقيّة و أقرب إلى الواقع، و من المعلوم أنّه لا يمكن في نحوه الحكم بالتعبّد في المخالف على هذا الوجه، و لا الحكم بكون المخالفة في نفسها مصلحة، و لا الحكم بمطابقته الواقع لقيام احتمال التقيّة و الموافقة فيه أيضا.

غاية الأمر كونه أضعف منه في الخبر الموافق، غير أنّ مجرّد ذلك الّذي مرجعه إلى أقلّيّة الاحتمال أيضا يصلح مرجّحا بناء على ما استفدناه من العلّة المنصوصة في المقبولة.


صفحه 661

..........

و حاصله: أنّ الخبر الموافق فيه من احتمال الريب ما ليس في الخبر المخالف، فلو علمنا بموافقة أحد الخبرين لمذهب بعض العامّة و احتملنا موافقة الخبر الآخر لمذهب بعض آخر منهم كان الرجحان في جانب ما احتملنا موافقته، لأنّه أقلّ احتمالا بالنسبة إلى التقيّة من الخبر المعلوم موافقته، و عليه فيخرج ذلك من المرجّحات المنصوصة و يدخل في المرجّحات الغير المنصوصة، لاختصاص المرجّح المنصوص بالمخالف و الموافق لمذهب كلّهم أو أكثرهم أو ما اشتهر من مذاهبهم.

و بالجملة هناك صور:

منها: المخالفة و الموافقة لمذهب كلّهم.

و منها: المخالفة و الموافقة لمذهب أكثرهم.

و منها: المخالفة و الموافقة لما اشتهر من مذاهبهم.

و لا ريب في كون الأوّلين من المرجّحات المنصوصة و كذلك الثالث ظاهرا.

و منها: الموافقة و المخالفة لمذهب بعضهم مع احتمال الموافقة في المخالف أيضا.

و الأصل في عدم تحصّل الوجوه الثلاث الاول لنا: تعذّر الاطّلاع لنا على جميع مذاهب العامّة، و على كون مذهب كلّهم أو مذهب أكثرهم في زمان الصدور شيئا واحدا، و على أنّ الحكم الفلاني هو ما اشتهر من مذاهبهم و لو كان لبعضهم كأبي حنيفة هذا.

و اعلم أيضا أنّ الصحيح من الوجوه الأربعة المحتملة في مرجّحية المخالفة لمذهب العامّة- مع قطع النظر عمّا بيّنّاه من أنّه لا يتحصّل لنا اليوم إلّا بعضها- إنّما هو الوجه الأخير أيضا لضعف ما سواه.

و أضعف الوجوه أوّلها، أمّا أوّلا: فلأنّه خلاف ما ينساق من مجموع أخبار التراجيح المتكفّلة لبيان المرجّحات من كون مبنى الترجيح على الكشف النوعي و هو قسيم للتعبّد.

و أمّا ثانيا: فلأنّه خلاف ما استقرّ عليه عمل العلماء قديما و حديثا من حمل الغير الموافق عند الترجيح بالمخالفة على التقيّة.

و أمّا ثالثا: فلأنّه خلاف ما ينساق من الأخبار المعلّلة بالحقّ و الرشد و الرشاد، فيلزم من الالتزام به طرح جميع هذه الأخبار، مع أنّه لا مدرك له إلّا الإطلاق المتوهّم في الأخبار المطلقة.

و يدفعه: وجوب تنزيلها على الأخبار المعلّلة حملا للمطلق على المقيّد، و يقرب منه في الضعف الوجه الثاني لعين الوجوه المذكورة مع خلوّه عمّا يشهد به. و الاستشهاد له