..........
و أجاب عنه بعض الأفاضل: «بأنّه لا كلام في عدم جواز الاستناد إلى الظنّ من غير قيام دليل عليه، و ما ادّعي من انتفاء الدلالة في المقام فهو بيّن الفساد، كيف و لو لم يكن هناك دليل على حجّيته سوى انسداد سبيل العلم و انحصار الطريق في الظنّ مع القطع ببقاء التكليف لكفى في القطع بحجّيته، مع أنّ هناك أدلّة خارجيّة على حجّية عدّة من الطرق الظنّية كما قرّر في محلّه. و قد اعترف الأخباريّون بحجّية قول الثقة و جواز الاعتماد عليه في الأحكام الشرعيّة كما دلّت عليه عدّة من النصوص، مع أنّه لا يفيد غالبا ما يزيد على الظنّ، و دعوى إفادة قول الثقة القطع بالواقع كما صدر من جماعة منهم ممّا يشهد ضرورة الوجدان بخلافه مع ثبوت وثاقته بطريق اليقين، فكيف مع ثبوتها بحسن الظاهر»[1].
[تقرير إجمالي لدليل الانسداد]
أقول: و ينبغي التعرّض لإقامة الحجّة على الحجّية لحسم مادّة الشبهة بالمرّة، و العمدة في ذلك الدليل العقلي المعبّر عنه بدليل الانسداد، و تنقيح هذا الدليل- بالتعرّض لدفع ما أورد عليه أو لعلّه يرد- خارج عن المقام لسبقه في محلّه، غير أنّا نشير هنا إلى تقريره إجمالا على وجه يندفع به شبهة الخصم في دعوى عدم الدليل على جواز العمل بالظنّ.
فنقول: إنّ الإنسان إذا لم يكن بالغا أو كان و لكن لم يكن عاقلا فلا كلام لأحد في أنّه في الوقائع المضافة إليه من أفعاله و غيرها كالأنعام و البهائم في إهمال ذلك الوقائع و خلوّها عن الحكم الوجودي بالمرّة حتّى الإباحة بالمعنى الأخصّ، بناء على أنّها كغيرها من الخمس التكليفيّة في الاشتراط بالبلوغ و العقل، و إذا كان بالغا عاقلا فإن كان قاطعا بالإهمال و خلوّ الوقائع بالنسبة إليه عن الحكم بالمرّة- بل لو كان ظانّا بهما أو شاكّا فيهما- فهو أيضا كالأوّلين في عدم تنجّز تكليف بالنسبة إليه، بل و كذلك أيضا لو كان ظانّا بعدم الإهمال، على معنى ظنّه بأنّ له في كلّ واحد حكما وجوديّا، فإنّ الظنّ بنفسه لا يصلح منجّزا للتكليف و لا يجب عليه التحرّي و النظر في معرفة تفاصيل هذا المظنون بالإجمال، بل لو اتّفق له حينئذ ظنّ تفصيلي بوجوب شيء أو تحريمه لا يجب عليه التعرّض للامتثال، بل يقبح في حكم العقل عقابه على الترك في الأوّل و على الفعل في الثاني، و هذا هو الظنّ الّذي لا يصلح حجّة أصلا و لا دليل من العقل و الشرع على وجوب اتّباعه بل الدليل على
[1]هداية المسترشدين 3: 679.
..........
خلافه بل الظاهر أنّه اتّفاقي، و ضابطه كلّ ظنّ تفصيلي بالحكم لم يجامع العلم الإجمالي بذلك الحكم، و لا ينافي ذلك حسن العمل حينئذ لو حصل لرجاء المصادفة الملزومة لكون المظنون حكما ثابتا في نفس الأمر.
و إن كان قاطعا بعدم الإهمال- على معنى قطعه بأنّ له في كلّ واقعة ممّا يضاف إليه حكما من الخمس مع علمه بأنّ ذلك الحكم في جملة من الوقائع هو الوجوب و في جملة اخرى هو التحريم، سواء حصل ذلك القطع بالضرورة أو بالنظر- فإمّا أن يحصل له علم تفصيلي بحكم كلّ واقعة بالخصوص، أو يتمكّن عن العلم التفصيلي به، أو يحصل له ظنّ تفصيلي به مع تمكّنه عن العلم به كذلك أو عدمه، أو يتمكّن عن الظنّ التفصيلي به كذلك مع التمكّن من العلم أيضا أو عدمه، أو يحصل له في بعض الوقائع علم تفصيلي ضروري أو نظري. و في بعضها الآخر يتمكّن عن العلم به كذلك، و في البعض الثالث لا يتمكّن إلّا من الظنّ سواء حصل فعلا أو لم يحصل، و في البعض الرابع لا يتمكّن عن الظنّ أيضا، أو لا يحصل شيء من العلم و الظنّ الفعليّين في شيء من الوقائع و لا يتمكّن منهما أيضا أصلا.
و المتعيّن في الصورة الاولى تعيّن العمل بالعلم دون غيره، بل لا يعقل مع حصول العلم التفصيلي فعلا الرجوع إلى غيره، فهذه الصورة خارجة عن محلّ كلام المجتهدين مع الأخباريّين، و كذلك الصورة الثانية بل الثالثة أيضا مع فرض التمكّن من العلم التفصيلي في كلّ واقعة، بل الرابعة أيضا مع التمكّن منه إن لم يكن مرجعه إلى الثانية، فإنّ المتعيّن في حقّه في جميع تلك الصور على القول بوجوب الاجتهاد عليه و منعه من التقليد تحصيل العلم التفصيلي و عدم الاكتفاء بالظنّ الحاصل و لا العدول عن تحصيل العلم إلى تحصيل الظنّ.
و لم نقف من المجتهدين على من جوّز الأخذ بالظنّ في هذه الصور، و هو الّذي يساعد عليه القوّة العاقلة و عليه بناء العقلاء، كما أنّه كذلك الحال في الصورة الخامسة بالقياس إلى مواضع العلم التفصيلي أو التمكّن منه، فإنّ المتعيّن في هذه المواضع إنّما هو الأخذ بالعلم و عدم جواز الرجوع إلى الظنّ، إلّا على القول بأصالة حجّية الظنّ مع الانسداد الأغلبي على فرض تحقّقه بالقياس إلى سائر المواضع، القاضية بجواز الأخذ بالظنّ حتّى مع التمكّن من العلم، كما قد يظهر من بعض الأعلام.
..........
و أمّا بالقياس إلى مواضع عدم التمكّن من العلم مع التمكّن من الظنّ فإن لم يكن ذلك التمكّن مجامعا للعلم الإجمالي بوجود أحكام تكليفيّة إلزاميّة فيما بين هذه المواضع كان المرجع فيها الاصول النافية للتكليف المحتمل، و لا نظنّ قائلا بتعيّن الأخذ بالظنّ حينئذ.
و إن كان مجامعا للعلم الإجمالي بوجودها مع تعذّر الاحتياط أو تعسّره كان من محلّ النزاع بين الفريقين، و مع عدمهما فالظاهر تعيّن الأخذ بالاحتياط إن لم يكن إجماع على خلافه. و في المواضع الّتي لا يتمكّن فيها من الظنّ أيضا يتعيّن الأخذ بالاحتياط بلا إشكال مع العلم الإجمالي بوجود أحكام إلزاميّة، و إلّا فالمرجع هو الاصول النافية للتكليف.
و من ذلك يعلم الحال في الصورة السادسة، فإنّ المتعيّن فيها الاحتياط امتثالا للعلم الإجمالي ما لم يتعذّر أو يوجب العسر و الحرج المنفيّين، فهذه الصورة أيضا خارجة عن محلّ نزاع الفريقين، فبقي من الصور المذكورة ممّا يصلح محلّا للنزاع بينهما الصورة الثالثة و الرابعة مع فرض عدم التمكّن من العلم التفصيلي، و كذلك الصورة الخامسة على بعض فروعها كما عرفت، و إن كان المحقّق في الخارج في المسائل الفرعيّة هو هذه الصورة مع عدم التمكّن من العلم في أغلبها محقّقا، و أمّا الصورتان الاخريان فهما لمجرّد الفرض و إن كان الحكم فيهما على تقدير تحقّقهما مع حكم الصورة المحقّقة بالقياس إلى ما هو محلّ النزاع فيها سواء، فيلزم الأخباريّين بالقياس إليهما أيضا منع العمل بالظنّ و إيجاب العمل بالعلم، و هو كما ترى تجويز للتكليف بغير المقدور الّذي يستحيله العقل و الشرع.
و الفرق بينهما و بين الصورة المحقّقة في الخارج مع وحدة الطريق القاضي بلزوم اتّباع الظنّ تحكّم بحت.
إلّا أن يقال: بأنّ التكليف بغير المقدور إنّما يوجب سقوط اعتبار الامتثال العلمي التفصيلي و هو أعمّ من الاكتفاء بالامتثال الظنّي التفصيلي، لجواز تعيّن العدول من العلمي التفصيلي إلى العلمي الإجمالي الحاصل بالاحتياط ما لم يوجب محذورا من التعذّر أو التعسّر المخلّ بنظم العالم.
و إذا تقرّر ذلك كلّه فاعلم: أنّه لا شبهة في وجود أحكام في الشريعة متوجّهة إلينا في الوقائع الراجعة إلينا مطلقا، فإنّ ذلك معلوم بحكم الضرورة و إجماع الامّة و الأخبار المتواترة، كما أنّه لا شبهة في أنّ العلم بوجودها كذلك أوجب تنجّز هذه المعلومات بالإجمال و وجوب التعرّض لامتثالها، و معلوم أيضا أنّ الأصل في الامتثال هو الامتثال العلمي التفصيلي، و هو
..........
موقوف على المعرفة العلميّة لتفاصيل هذه المعلومات بالإجمال، فيكون تحصيل هذه المعرفة على تقدير إمكانه واجبا من باب المقدّمة، لكنّها بالقياس إلى أغلب هذه المعلومات متعذّرة لانسداد باب العلم التفصيلي بفقد الطرق العلميّة، فإنّ تفاصيل الأحكام الشرعيّة بالنسبة إلينا على أقسام:
منها: ما هو معلوم فعلا بالضرورة من الدين أو المذهب.
و منها: ما هو معلوم كذلك بالنظر.
و منها: ما هو متمكّن من العلم به كذلك.
و منها: ما لا يتمكّن فيه من العلم أصلا و هو الغالب، و العلم أو التمكّن منه إنّما يتّفق نادرا، و هو فيما يتّفق لا يجدي نفعا في الامتثال غالبا إلّا مع انضمام امور كثيرة اخر غير علميّة كما لا يخفى على المتأمّل.
و قضيّة ذلك كلّه تعذّر الامتثال العلمي التفصيلي فلا بدّ من إسقاط أحد هذين القيدين، إمّا بالتزام الاحتياط الموجب للامتثال العلمي الإجمالي، أو التزام الرجوع إلى الظنّ حيثما أمكن حصوله اكتفاء بالامتثال الظنّي التفصيلي.
و الفرق بين الطريقين أنّ الأوّل يؤدّي إلى إدراك الواقع نفسه المستلزم لعدم بدليّة شيء آخر منه، بخلاف الثاني بملاحظة عدم كون الظنّ بدائم المصادفة للواقع، فجواز الاكتفاء به شرعا يقضي ببدليّة الغير في مواضع عدم المصادفة على الجعل الموضوعي لا مطلقا كما شرحناه في محلّه.
و هاهنا طريق ثالث لو كان موجودا لقضى بسقوط الظنّ عن الاعتبار و إن شاركه في اقتضاء البدليّة على تقدير عدم المصادفة، و هو الرجوع إلى الطرق المقرّرة في الشريعة القائمة مقام العلم التفصيلي و الأخذ بمؤدّياتها تعبّدا اكتفاء عن الواقع و إن لم تكن مصادفة له.
و من المعلوم أنّ مؤدّى هذه الطرق على تقدير وجودها يكون علما شرعيّا قائما مقام العلم العقلي، و التكلّم في اعتبار الظنّ و عدمه مبنيّ على انتفاء هذه الطرق أو عدم كفاية الموجود منها عن امتثال المعلومات بالإجمال كلّها، فيكون المراد بفرض انسداد باب العلم في الغالب فرض انسداد ما يعمّ العلم العقلي و الشرعي معا كما هو مقرّر في محلّه.
و قضيّة ذلك سقوط اعتبار الامتثال العلمي التفصيلي لتعذّره بفرض الانسداد بالمعنى المذكور مع ضميمة قبح التكليف بالمتعذّر.
..........
لكن يشكل حصول النتيجة المطلوبة بمجرّد ذلك مع قيام الاحتياط الموجب للامتثال العلمي الإجمالي، لأنّ سقوط اعتبار الامتثال العلمي التفصيلي مع قيام الامتثال العلمي الإجمالي أعمّ من اعتبار الامتثال الظنّي التفصيلي.
و من المستحيل الانتقال من الأعمّ إلى أحد الأخصّين على جهة التعيين، بل مقتضى القاعدة بمقتضى العقل المستقلّ و بناء العقلاء تعيّن الامتثال العلمي الإجمالي، لأنّه كالعلمي التفصيلي في اقتضاء عدم سقوط الواقع عن الاعتبار في بعض الصور، بخلاف الظنّ فإنّ أخذه مرجعا و طريقا للامتثال يقتضي رفع اليد عن الواقع في صورة عدم المصادفة، و هذا شيء يحتاج إلى الدليل.
و إن شئت فقل: إنّ التعبّد بالظنّ على الاستقلال يقضي ببدليّة غير الواقع عنه في بعض الأحيان إن اعتبرناه على وجه الموضوعيّة، بخلاف التعبّد بالاحتياط.
و من المعلوم أنّ البدليّة لا بدّ من ثبوتها بالدلالة الشرعيّة، و مجرّد مقدّمة الانسداد مع قبح التكليف بالمتعذّر لا يوجبها، فلا بدّ من إقامة دليل آخر يدلّ بالمطابقة على ثبوت البدليّة، أو من إبطال الاحتياط بالدلالة القطعيّة المستلزم لمرجعيّة الظنّ المستلزمة للبدليّة.
و من هنا تعرّض غير واحد من المحقّقين لإبطال الاحتياط، فمنهم من أبطله بالإجماع، و منهم من أبطله بالعسر و الحرج المنفيّين في الشريعة، و بعض مشايخنا أبطله بكلا الوجهين، فقرّر الأوّل: بالإجماع القطعي على أنّ المرجع في الشريعة على تقدير انسداد باب العلم في معظم الأحكام و عدم ثبوت حجّية أخبار الآحاد رأسا أو باستثناء قليل هو في جنب الباقي كالمعدوم ليس هو الاحتياط في الدين و الالتزام بفعل كلّ ما يحتمل الوجوب و لو موهوما و ترك كلّ ما يحتمل الحرمة كذلك، عادلا عن تقريره: بأنّ أحدا من العلماء لم يلتزم بالاحتياط في كلّ الفقه أو جلّه، حتّى لا يرد عليه ما اورد على هذا التقرير من أنّ عدم التزامهم به إنّما هو لوجود المدارك المعتبرة عندهم للأحكام، فلا يقاس عليهم من لا يجد مدركا في المسألة.
ثمّ قال: و صدق هذه الدعوى ممّا يجده المنصف من نفسه بعد ملاحظة قلّة المعلومات.
أقول: لا أتعقّل معنى هذا الإجماع، فإنّه على التقرير المذكور مع جواز اعتقادهم بوجود المدارك المعتبرة الّذي هو معنى انفتاح باب العلم بالمعنى الأعمّ يشبه بكونه فرض إجماع، و معلوم أنّ فرض الشيء لا يوجب تحقّقه في نفس الأمر، و الحجّة هو الأمر المتحقّق في
..........
نفس الأمر، كيف و الإجماع عبارة عن اتّفاق الآراء الكاشف عن رأي الحجّة، و حصوله فيما بين العلماء مع اعتقادهم بالانفتاح يتوقّف على ثبوت مقدّمات:
أحدها: التفاتهم إلى أصل انسداد باب العلم بالمعنى الأعمّ بالقياس إلى معظم الأحكام و موضوعاتها الشرعيّة.
و ثانيها: تجويزهم طروّه بزوال ما وجد عندهم من المدارك المعتبرة في بعض أجزاء عصرهم أو في الأعصار المتأخّرة.
و ثالثها: اعتقادهم بكون المرجع حينئذ هو الظنّ المطلق دون غيره حتّى الاحتياط، و لا سبيل إلى إحراز شيء من هذه المقدّمات خصوصا إذا كان اعتقادهم بوجود المدارك المعتبرة ناشئا عن مقدّمة عقليّة كقاعدة اللطف و نحوها.
ثمّ ملاحظة قلّة المعلومات كيف تنفع المنصف في وجدان هذا الإجماع.
إلّا أن يقال: إنّ قلّة المعلومات لمن لاحظها ممّا يحرز موضوع العسر و الحرج المنفيّين المترتّبين على الالتزام بالاحتياط في غير المعلومات، و هذه قاعدة متّفق عليها، فهم مجمعون على نفي مرجعيّة الاحتياط على تقدير تحقّق الانسداد في المعظم.
و فيه- مع أنّ الكلام في حصول هذه الملاحظة بالقياس إليهم و قد عرفت منعه-: أنّ هذا الإجماع على هذا التقدير إنّما انعقد عن مدرك معلوم و هو القاعدة، فيكون كاشفا عن المدرك لا عن رأي الحجّة.
و مآل الاستناد إلى مثل هذا الإجماع إلى التمسّك بالمدرك المعلوم، فلا يكون دليلا على حدة غير القاعدة، هذا.
و لكنّ الإنصاف: أنّ المناقشة في تحقّق هذا الإجماع كأنّها خلاف الإنصاف، كما يظهر بالتتبّع في مطاوي كلماتهم و تضاعيف عباراتهم الصادرة عنهم في الكتب الاصوليّة و الفقهيّة حتّى من السيّد و نظرائه القائل بانفتاح باب العلم، لما فيها من التصريح بمرجعيّة الظنّ على تقدير الانسداد، بل التصريح بالإجماع عليه على هذا التقدير، كما يعلم ذلك من مراجعة مسألة الواجب الموسّع عند قولهم بكون الظنّ بدخول الوقت منجّزا للتكليف، و في باب القبلة و الأوقات، و مكان المصلّي و غير ذلك ممّا يطّلع عليه المتتبّع.
و مع ذلك فالعمدة في المقام التمسّك بقاعدة العسر و الحرج الشديدين البالغين حدّ الإخلال بنظام معاش الناس و معادهم، فإنّها أمر مسلّم لا إشكال فيه، إذ معناه لزوم الإتيان
..........
بكلّ ما احتمل وجوبه في الشريعة على الاستقلال، و كلّ ما احتمل اعتباره جزءا أم شرطا في العبادة الواجبة، أو المحتمل وجوبها ظنّا أو شكّا أو وهما، مضافا إلى الاحتياط بالترك في محتملات الحرمة بالظنّ أو الشكّ أو الوهم، و المفروض أنّه على تقدير لزومه لا يختصّ بالعالم الواقف على موارد الاحتياط أو المتمكّن من العلم بها، بل يعمّه و العوامّ المقلّدين له الغير المتمكّنين من الاطّلاع بتلك الموارد إلّا من جهة التعليم، فالتعرّض للتعليم و التعلّم لأصل الاحتياط و كيفيّته و موارده الشخصيّة الغير المحصورة، و موارد تعارضه بمثله، و علاج التعارض بترجيح الاحتياط الناشئ عن الاحتمال القويّ أو الأقوى على ما نشأ من الاحتمال الضعيف أو غير الأقوى، يستغرق جميع وقتهم ليلا و نهارا فضلا عن التعرّض له في مقام العمل، خصوصا بالنسبة إلى ما يتوقّف منه على التكرار اللازم لمراعاة تطبيقه على جميع الأقوال الموجودة في جميع المسائل الخلافيّة الغير المحصورة و الاختلافات المتداخلة البالغة فوق حدّ الكثرة.
فلزوم العسر المخلّ بنظام أمر الناس تارة من جهة التعرّض للتعليم و التعلّم، و اخرى من جهة التعرّض للعمل به و تطبيق الفعل البارز في الخارج عليه، و لنقدّم مثالا لكلّ من الجهتين.
فمن أمثلة الجهة الاولى: ما فرضه بعض مشايخنا من أنّ الاحتياط في مسألة التطهير بالماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر ترك التطهّر به، لكن قد يعارض في الموارد الشخصيّة احتياطات اخر بعضها أقوى منه و بعضها أضعف و بعضها مساو له، فإنّه قد يوجد ماء آخر للطهارة، و قد لا يوجد معه إلّا التراب، و قد لا يوجد من مطلق الطهور غيره.
فإنّ الاحتياط في الأوّل هو الطهارة من ماء آخر لو لم يزاحمه الاحتياط من جهة اخرى، كما إذا كان قد أصابه ما لم ينعقد الإجماع على طهارته.
و في الثاني هو الجمع بين الطهارة المائيّة و الترابيّة إن لم يزاحمه ضيق الوقت المجمع عليه.
و في الثالث الطهارة من ذلك المستعمل و الصلاة معها إن لم يزاحمه أمر آخر واجب أو محتمل الوجوب، فكيف يسوغ للمجتهد أن يلقي إلى مقلّده أنّ الاحتياط في ترك الطهارة بالماء المستعمل مع كون الاحتياط في كثير من الموارد استعماله فقط أو الجمع بينه و بين غيره.
و بالجملة فتعليم موارد الاحتياط الشخصيّة و تعلّمها فضلا عن العمل بها أمر يكاد يلحق بالمتعذّر، و يظهر ذلك بالتأمّل في الوقائع الاتّفاقيّة.
..........
و من أمثلة الجهة الثانية: أنّ الاحتياط في مسألة الجهر ببسم اللّه في الصلاة الإخفاتيّة أو الإخفات به على القولين بوجوبهما الإتيان بها مرّتين، و قد يكون ممّن لا يجد من الساتر الشرعي إلّا ما لا يقدر على تطهيره، فيجتمع عليه مع التكرار الأوّل في كلّ وقت مع ملاحظة الاحتياط بالصلاة عريانا و الصلاة بهذا الساتر أربع صلوات، و قد يكون مع ذلك ممّن عليه فائتة و حاضرة فيتضاعف العدد، و قد يكون ما عليه من الفائتة أزيد من صلاة واحدة، و قد يكون واحدة مردّدة بين الخمس على احتمال وجوب خمس صلوات أو ثلاث فيزيد على العدد ما يزيد بحسب ما عليه من العدد.
و مع هذا كلّه فكيف يقال: إنّ الشارع جعل الاحتياط- مع عدم انضباطه و استلزامه التعسّر المخلّ بالنظم، بل التعذّر في كثير من صوره- مرجعا في امتثال أحكامه لعامّة المكلّفين الّذين منهم النسوان و منهم الشّباب و منهم المرضى و منهم ضعفاء العقول الّذين يضعف عليهم معرفة كيفيّة الاحتياط و موارده الجزئيّة و متعارضاته و علاج التعارض الواقع فيها.
لكن قد يستشكل في إفادة ذلك مع الإجماع المتقدّم عموم حجّية الظنّ في جميع الوقائع المشتبهة من المظنونات و المشكوكات و الموهومات، بأنّ نفي الاحتياط بالإجماع و العسر لا يثبت إلّا أنّه لا يجب مراعاة جميع الاحتمالات مظنونها و مشكوكها و موهومها.
و يندفع العسر بترخيص موافقة الظنون المخالفة للاحتياط كلّا أو بعضا، بمعنى عدم وجوب مراعاة الاحتمالات الموهومة لأنّها الأولى بالإهمال، و إذا ساغ لدفع الحرج ترك الاحتياط في مقدار ما من المحتملات يندفع به العسر، فيبقى الاحتياط على حاله في الزائد على هذا المقدار، لما تقرّر في مسألة الاحتياط من أنّه إذا كان مقتضى الاحتياط هو الإتيان بمحتملات الوجوب و قام الدليل الشرعي على عدم وجوب إتيان بعض المحتملات في الظاهر تعيّن مراعاة الاحتياط في باقي المحتملات و لم تسقط وجوب الاحتياط رأسا.
و ملخّص ذلك: أنّ مقتضى القاعدة العقليّة و النقليّة لزوم الامتثال العلمي التفصيلي للأحكام و التكاليف المعلومة إجمالا، و مع تعذّره يتعيّن الامتثال العلمي الإجمالي و هو الاحتياط المطلق، و مع تعذّره لو دار الأمر بين الامتثال الظنّي في الكلّ و بين الامتثال العلمي الإجمالي في البعض و الظنّي في الباقي كان الثاني هو المتعيّن عقلا و نقلا.
ففيما نحن فيه إذا تعذّر الاحتياط الكلّي و دار الأمر بين إلغائه بالمرّة و الاكتفاء بالإطاعة الظنّية و بين إعماله في المشكوكات و المظنونات و إلغائه في الموهومات كان الثاني هو المتعيّن.