و المتاعب، كانت المرجعية تتمتّع بثقة جماهير المسلمين، و كانت جماهير المؤمنين تضع أيديها بيد المرجعية بثقة و اطمئنان، و تدفع ضريبة هذه الثقة و التبعيّة الواعية من دون حرج.
و لم تتكوّن العلاقة المتينة بين المرجعية و الامّة، بصورة عفويّة، و إنّما تمتد جذور هذه العلاقة و القناعة إلى عصر أهل البيت:، و توجيهاتهم المتّصلة في ربط الأمّة بالعلماء و الفقهاء الصالحين في مقابل الحكام المنحرفين، الذين كانوا يمارسون الولاية و السلطان في العالم الإسلامي بعيدا عن خط الإسلام الفقهي و الأخلاقي.
كان أئمة أهل البيت:، يطرحون الارتباط بالفقهاء الصالحين بديلا عن الارتباط بالحكام و السلاطين المنحرفين ..
و كانوا يربطون جماهير المسلمين بهم في امور دينهم و دنياهم، في معرفة حدود اللّه تعالى، و في شئون حياتهم و تنظيم معاشهم، و حلّ المشاكل و الخلافات التي تبرز في حياتهم.
و عند ما نتتبّع نصوص الأحاديث الواردة عن رسول اللّه6و أهل بيته:، نجد أنّهم قد أناطوا بالصالحين من الفقهاء ثلاث مسئوليات كبيرة، هي:
1- الفتيا في حدود اللّه تعالى و أحكامه.
2- القضاء و حلّ النزاعات.
3- الولاية و الحكم فيما بين المسلمين.
و بين يدي القارئ الكريم، رسالة موجزة في التعريف بالاجتهاد و التقليد و المناصب و المهام التي أناطها الإسلام بالفقهاء، و العلاقة بين الفقهاء و الامّة، و الحديث عن الفقيه و ولاية الفقيه في الدولة الإسلامية ..
و قد كتبت هذا البحث قبل قيام الدولة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني (قدّس سرّه) بزمن طويل، و على وجه الدقّة في سنة 1390 من الهجرة، بعد وفاة الإمام الراحل
السيّد محسن الحكيم;، و ما أثارته وفاة هذا الفقيه الجليل المجاهد في العراق من حديث عن الاجتهاد و التقليد، و دور الفقهاء في الامّة، و علاقة الامّة بالفقهاء ..
و بقيت مسوّدات الكتاب خلال هذه المدّة محفوظة في أوراقي الخاصّة، انتقلت من العراق إلى إيران، و من إيران إلى الكويت، و من الكويت إلى إيران مرّة اخرى .. و قبل أيّام لفتت نظري هذه المسودّات، فقرأت شطرا منها قراءة سريعة، فوجدت أنّ الآراء التي طرحتها في ذلك التاريخ عن الاجتهاد و التقليد، و علاقة الامّة بالفقهاء، و أمر ولاية الفقيه، لم تتغيّر برغم التغيّرات السياسية الكبيرة التي طرأت على ساحتنا الإسلامية، فاستخرت اللّه تعالى أن اخرجها بعد إضافات و تنقيح و اقدّمها للطّبع لعلّ اللّه تعالى أن ينفع بها المؤمنين. و اللّه تعالى ولي التوفيق و القبول.
محمّد مهدي الآصفي
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
المدخل حوارات و إثارات حول المرجعية و الفقاهة
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
يجري في أوساط المثقفين اليوم حوار كثير حول «المرجعية» و «الحوزة العلمية» و «دور العلماء» في المجتمع.
و لما كان هذا الحوار يتعلق بمسألة ذات حساسية و أهمية خطيرة و ذات بعد تاريخي في حياتنا السياسية و الاجتماعية، فقد رأيت من المفيد أن اسلّط بعض الضوء على النقاط الأساسية و محاور البحث الرئيسة في هذا الحوار.
القيمة الحضارية للمرجعية:
تختلف المرجعية عن أي مؤسسة اخرى من مؤسساتنا السياسية و العلمية و الاجتماعية بما تمتلك من رصيد كبير من الاحترام و الثقة في نفوس الناس، و أمر هذا الرصيد يعود إلى مجموعة من العوامل التاريخية ساهمت في تكوين هذه الثقة في نفوس الجمهور.
و من جملة هذه العوامل: التوصيات الكثيرة لأهل البيت:بالارتباط بالفقهاء و منحهم الثقة و تكريمهم.
و منها: الدور الذي تنهض به المرجعية في تمثيل الإمام الحجة المنتظر (عج)، و هذا التمثيل يعطي للمرجعية قيمة حضارية كبيرة في نفوس جماهير المؤمنين، و النصوص الواردة عن أهل البيت:تؤكد هذا التمثيل في عصر الغيبة.
و من جملة هذه العوامل: الظلامات الكبيرة التي تعرضت لها المرجعية في تاريخها السياسي من قبل الأنظمة السياسية التي لم تتمكن من إخضاع الفقهاء لإراداتها و قراراتها السياسية، و استقامة المرجعية على الخط الفقهي الذي ورثه الفقهاء من أئمة أهل البيت:.
هذه النقاط مجتمعة و غيرها تجعل للمرجعية قيمة حضارية كبيرة، و تمنحها موقعا سياسيا و اجتماعيا متميزا، و ثقة كبيرة في نفوس الناس و محبة في قلوبهم.
و قد استفادت المرجعية من هذه القيمة الحضارية في تاريخها السياسي كثيرا، و استخدمتها في القضايا الكبيرة التي مرّت بالامّة خلال صراعها السياسي استخداما جيدا، و على درجة عالية من الكفاءة، كان آخرها الثورة الجماهيرية الكبيرة في إيران بقيادة الإمام الخميني;حيث استطاعت المرجعية أن توظف هذه الثقة و العلاقة الروحية و الفكرية في حياة الامّة و في مختلف مواقع الصراع و المواجهة السياسية و العسكرية.
و من المؤكد أنّ هذه الثقة لم تتكون تاريخيا بصورة عفوية، كما لم يكن أمر المحافظة عليها أمرا يسيرا، فهما قد استنفذا جهدا و عملا غير يسير من قبل الجماهير و المرجعية على امتداد هذا التاريخ.
المرجعية من مراكز القوّة في المجتمع:
إذن المؤسسة الدينية تعتبر من مراكز القوّة الأساسية في مجتمعنا،
و مراكز القوة عادة تختزل قوة الامّة و إرادتها. فإنّ للامّة إرادة و قوّة، و هذه الإرادة و القوة قد تجتمعان في مركز واحد، فيكتسب هذا المركز قوّة كبيرة تساوي قوة الامّة، و إرادة قويّة تساوي إرادة الامّة.
و هذه المراكز هي ملك للامّة كلها، لأنّ قوّتها و فاعليّتها نابعة من الامّة ... و دورها هو تمثيل إرادة الامّة و عزمها في القضايا الكبيرة التي لا يتمكن الناس من القيام بها أفرادا و جماعات. و تلك حاجة حقيقية في الامّة.
فلا بدّ في الامّة من مراكز قوّة تمثل إرادة الامّة و وعيها و قوتها و صرختها و احتجاجها.
و المؤسسة الدينية تمتلك هذا الثقل السياسي و الاجتماعي و الحركي إلى حد كبير.
و الذين يفهمون هذه القيمة الحضارية و يحترمونها و يحترمون دورها التاريخي لا بدّ أن يضعوا في حساباتهم أضرار و خسائر التفريط بها في طريقة البحث و النقد لهذا الكيان الديني، الفقهي، السياسي، .. دون أن نقصد تجنّب (النقد الموجّه)، فإنّ النقد الموجّه ضرورة حقيقية في تنبيه و توجيه و تثبيت هذا الكيان، ليؤدي دوره بصورة أكثر فعّالية، و لكن (النقد) من دون هذا الاعتبار، أو بغير هذا التوجيه قد يؤدي، من حيث لا يقصد الناقد إلى هذه الخسارة في حياة الامّة و مسيرتها.
و لذلك فإنّ طائفة من هذه النقود التي يوجهها الكتّاب و المفكّرون الشيعة الذين يفهمون هذا الدور للمرجعية الشيعية و قيمتها التاريخية عن حسن نية يحتاج أحيانا إلى (نقد النقد) أو (توجيه النقد) ليسلم من السلبيات التي قد تترتب عليها من دون قصد، سواء كان النقد من داخل المؤسسة أو