تقوم على أساس من تخطيط و تفكير دقيق، و تشاور مع ذوي الرأي و الخبرة. و كان النبي6على معرفة واسعة بالجزيرة و عشائرها و زعماء هذه العشائر، و طبيعة المناطق التي يحتلونها، و كان كثيرا السؤال عمّا يتعلّق بميدان عمله و حسن الإصغاء، يصغي إلى محدّثه في انتباه و دقة، و يعرف الأشخاص معرفة دقيقة كاملة.
و كان سلوكه6في مكة و المدينة ينم عن تخطيط سياسي دقيق، و فهم واع لطبيعة المراحل التي تتطلّبها عملية تغييرية واسعة كالإسلام. كما كانت أعماله العسكرية، تنم عن تفكير عسكري و حربي مسبق.
و كان سلوكه مع أصحابه و مع المسلمين و مع المنافقين، ينمّ عن ذهنية مديرة و مدبّرة و حزم و لين و عقل، مكّنه من أن يحتضن هذا المجتمع الذي أسلم في إخلاص، و أحيانا في غير إخلاص، بكل الرواسب و التناقضات التي كان يحملها هذا المجتمع، دون أن تتعبه متاعب العمل و مشاكله، و تبعث في روحه الكبيرة اليأس و الملل، و دون أن يهدأ عن التفكير و التخطيط و الحركة لحظة من حياته. هذا كلّه بالإضافة إلى (العصمة) و (الوحي).
و إذا لم يتأت لإنسان، أن يحمل كل المواهب البشرية، فلا بدّ له حتى يصلح أن يكون مرجعا عاما للمسلمين، و يحمل عنهم المسئولية الإسلامية الكبرى، و يبعث في نفوسهم هذه الرسالة حيّة متحرّكة، و يكون خليفة للنبي6، لا بدّ له أن يتمتّع ببعض هذه الخصائص، و أن يملك بعض هذه الكفاءات و القابليات و الخبرات و التجارب، و بعض هذا الاهتمام، و بعض هذا الحزم و اللّين و الحكمة و العقل العملي.
فإنّ المرجعية بطبيعة ما أولاها الإسلام من اهتمام، و للصلاحيات
الكبيرة التي أناطها بها في مجال الحكم و الولاية- كما سنتعرّض لذلك في فصل قادم من هذا الكتاب- و بطبيعة الدور الذي تقوم به في الوقت الحاضر بشكل خاص، و نتيجة للظروف المعاصرة، يجب أن تتمتّع بكافة الإمكانات و القدرات المطلوبة منها، و يجب أن يكون المرجع الذي يتسلّم زمام القيادة بصفة شخصية، مؤهلا لذلك كلّه، و يملك مؤهّلات القيادة و الزعامة من الحزم و العزم و القوّة و الجرأة و اللين وسعة الصدر و بعد النظر و القدرة على التخطيط.
فلا تقتصر مسئوليته فقط، على بيان حدود اللّه و أحكامه في الصلاة و الصيام و أعمال الحج و أحكام الشكّ في الصلاة، و إنّما تتجاوز مسئولياته إلى حدود بعيدة جدّا، تتطلّب حزما و عزما و قوة و جرأة و عقلا و تفكيرا و تخطيطا، و غير ذلك من مؤهّلات الزعامة.
يقول الإمام أمير المؤمنين7:
«أيّها الناس: إنّ أحقّ الناس بهذا الأمر أقواهم عليه، و أعلمهم بأمر اللّه فيه، فإنّ شغب شاغب استعتب، فإن أبى قوتل»[1].
و لسنا بحاجة إلى مناقشة الرواية في سندها و متنها، فإنّ المسألة تبلغ حدّا من الوضوح و الضرورة، لا تضرّها مناقشة في سند الحديث أو متنه.
[1]نهج البلاغة: ص 247، خطبة 173.
3 ولاية الفقيه دراسة لسلطات الفقيه و صلاحياته في عصر الغيبة
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
يقول الشيخ الأنصاري;: للفقيه الجامع للشرائط مناصب ثلاثة:
أحدها- الإفتاء: فيما يحتاج إليه العامّي في عمله و مورده المسائل الفرعية و الموضوعات الاستنباطية من حيث ترتب حكم فرعي عليها، و لا إشكال و لا خلاف في ثبوت هذا المنصب للفقيه.
الثاني- الحكومة (يعني القضاء): فله الحكم بما يراه حقا في المرافعات و غيرها في الجملة. و هذا المنصب أيضا ثابت له، بلا خلاف فتوى و نصّا.
الثالث- ولاية التصرّف في الأموال و الأنفس: و هو المقصود بالتفصيل هنا[1]، ثمّ يمضي الشيخ في تفصيل الكلام في ولاية الفقيه. و مناقشتها سلبا و إيجابا.
و في هذه الجملة يلحظ الشيخ الأنصاري سلطات الفقيه و صلاحياته في
[1]المكاسب للشيخ الأنصاري: 9/ 304.
عصر الغيبة.
و فيما يلي سوف نبحث عن هذه السلطات و الصلاحيات بشيء من التفصيل، و هي ثلاثة: منصب الإفتاء، سلطة القضاء، و سلطة الحكم و الولاية و التنفيذ.
1- منصب الإفتاء:
و هي في الفقه الإسلامي بديل السلطة التشريعية التي تنيطها القوانين الوضعية بالمجالس أو الهيئات التشريعية.
فإنّ التشريع لمّا كان خاصا باللّه سبحانه و تعالى، و لم يكن لأي إنسان حقّ في التشريع، كانت صلاحية الفقيه في هذا المجال تقتصر على الإفتاء[1]. و هذه الصلاحية تختص بالفقهاء، و لا يجوز الإفتاء لأحد من الناس عدا الفقهاء.
فإنّ الإفتاء بأحكام اللّه و حدوده، يتطلّب علما بهذه الأحكام، و فقها و معرفة كاملة بهذا الدين و حدوده و أحكامه. و هذا ما لا يتيسّر لغير الفقيه. و قد أمر اللّه تعالى المتصدّين لتعليم الناس و توجيههم بالتفقّه في الدين. يقول تعالى:فَلَوْ لٰا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ[2]حيث علّقت الآية الكريمة جواز الإنذار من جانب هذه الطائفة على التفقّه في الدين، و معرفة أحكامه و حدوده.
[1]الإفتاء هو الإخبار عن حكم اللّه أو الوظيفة الشرعية عن اجتهاد و رأي في استخراج الحكم من الأدلة الفقهية.
[2]التوبة: 122.
و كان الإمام الصادق7يأمر الفقهاء من أصحابه بالجلوس و الإفتاء للناس. فقد روي أنّه قال لأبان بن تغلب:
«اجلس في مسجد المدينة، و أفت الناس، فإنّي أحبّ أن يرى في شيعتي مثلك»[1].
و قد تحدّثنا عن التقليد و الاجتهاد، و ما يتعلّق بهما من قبل في فصول سابقة من هذا الكتاب، فلا نعيد الحديث عنها.
2- سلطة القضاء:
القضاء هو الفصل في الخصومات و حسمها. و هي من سلطات الفقيه و صلاحياته، و لا يجوز التخاصم إلى الحكام و القضاة الجائرين المنصوبين من قبل الحكّام الظالمين (الطاغوت).
و إذا حكم أحدهم لأحد بمال أو حقّ، فلا يجوز له أن يأخذه بحكم القاضي (إذا كان يتوفر هناك من الفقهاء من يحكم بين المسلمين) حتى لو كان ذلك المال حقا مشروعا له[2].
و كما لا يجوز التخاصم إلى القضاة الجائرين، كذلك لا يجوز التخاصم إلى غير الفقهاء و العلماء بأحكام اللّه و حدوده[3].
[1]رجال النجاشي: ص 7، رقم 7.
[2]كما ورد في مقبولة عمر بن حنظلة: «و ما يحكم له فإنّما يأخذه سحتا، و إن كان حقا ثابتا له؛ لأنّه أخذه بحكم الطاغوت، و ما أمر اللّه أن يكفر به»- وسائل الشيعة: 18/ 98، باب 11 من أبواب صفات القاضي، الرواية الاولى.
[3]ادّعى الشهيد;الإجماع عليه في المسالك.
فإنّ القضاء بين الناس، و فصل الخصومات فصلا عادلا و في حدود ما حكم اللّه، يتطلّب فقها بأحكام اللّه و حدوده، و علماء بهذا الدين و أحكامه. و الفقيه وحده هو الذي يتوفر لديه كل ذلك، و يكون حكمه صادرا عن معرفة و فقه بهذا الدين و أحكامه و حدوده.
و قد ورد في ذلك نصوص كثيرة نقتصر منها على النص التالي:
عن أبي خديجة قال: قال أبو عبد اللّه7:
«إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضا إلى أهل الجور، و لكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم، فإنّي قد جعلته قاضيا فتحاكموا إليه»[1].
و الحديث يحرّم التخاصم إلى أهل الجور من القضاة، كما يقصر جواز الرجوع على الفقهاء ممّن يعلم شيئا من قضاء هذا الدين و أحكامه.
و بذلك يكون القضاء و الحكم بين الناس، و فصل الخصومات من صلاحية الفقيه وحده. و يعتبر نافذا على الأطراف المعنية في النزاع، و يحرم عليهم ردّه و نقضه، و إنّما يجب عليهم تنفيذه و العمل به.
و قد تقدّم في رواية عمر بن حنظلة قول الإمام7:
«ينظران من كان منكم ممّن قد روى حديثنا، و نظر في حلالنا و حرامنا،
[1]رواه الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه: 2/ 3، عن أحمد بن عائذ عن أبي خديجة. و يروي الصدوق عن أحمد بن عائذ أنّ هذا عن طريق أبيه عن سعد بن عبد اللّه عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن علي الوشاء. و رواة الحديث كلّهم ثقات، عدا الحسن بن علي الوشاء، إلّا أنّ النجاشي مدحه و اعتبره من وجوه الطائفة و عيونها.