الحاكمية في رسالات اللّه
قبل أن ندخل تفاصيل البحث عن موقع الحكم من الإسلام، و المناهج التشريعية التي وضعها الإسلام لممارسة الحكم على وجه الأرض، أودّ أن أتحدّث بعض الوقت عن موقع الحكم من رسالات اللّه، بصورة عامة، و موقع رسالات اللّه على وجه الأرض من حياة الإنسان.
فإنّ ما يقال عن رسالات اللّه تعالى، يقال عن الإسلام، و ما يقال عن الإسلام في جوهره و اصوله، يقال عن رسالات اللّه بشكل عام.
فإنّ رسالات اللّه مجموعة متكاملة، تسير في اتجاه واحد، و تخطّط لحياة الإنسان و سلامته، و استقراره، و تعبيده للّه تعالى، و إعداده للغايات السامية التي خلقه اللّه تعالى من أجلها. و إذا كانت تختلف عن بعضها في بعض التفاصيل و الأحكام التي تتطلّبها طبيعة المرحلية في هذه الرسالات، فإنّها لا تختلف عن بعضها في جوهرها و اصولها و ملامحها العامة.
و لهذا السبب نعتقد أنّ من الأفضل أن ينطلق البحث في هذا الموضوع، من موقع السيادة و الحكم من رسالات اللّه تعالى، بشكل عام، ليستدرجنا البحث بعد ذلك إلى موضع الإسلام من هذه القضية، و موقعها منه.
فهناك كثيرون من المؤمنين باللّه، مسلمين و غير مسلمين، يعتقدون أنّ رسالات اللّه تعالى، تنتهي عند دعوة الناس إلى عبادة اللّه، ضمن الطقوس الدينية المعروفة، ثمّ تهذيب الإنسان في خلقه و سلوكه، و تنظيم ما يتعلّق بحياته الشخصية من زواج و طلاق و ميراث، و ما يتّصل بذلك من الأحوال الشخصية.
و ما عدا ذلك من شئون الحياة، فأمره قد انيط بالإنسان نفسه، يصنع ما يروق له، أو تمليه عليه ظروفه، بصورة فردية أو اجتماعية.
و قد أدّى هذا التصوّر الساذج للدين و دوره في حياة الإنسان، إلى إقصاء رسالات اللّه تعالى عن أكثر مجالات الحياة حيويّة و فاعلية، و انعزال المؤمنين باللّه عن رسالتهم في مجالات خصبة و فاعلة من الحياة، كما أدّى إلى عزل رسالات اللّه عن القيام بالدور التغييري البنّاء، الذي أراده اللّه تعالى لدينه على وجه الأرض.
الدور التغييري لرسالات اللّه
و لست أعرف تصوّرا للدين و دوره في حياة الإنسان، أكثر سذاجة من هذا التصوّر. و لا أعتقد أنّ في رسالة من رسالات اللّه، ما يوحي بهذا التصوّر الساذج، و لا أدري كيف تسرّب هذا التصوّر إلى أذهان المتدينين؟ فإنّ كلّ
شيء في مسيرة رسالات اللّه، و تعاليم أحكام اللّه ينفي هذا التصوّر، و يعطي الدين طابعه التغييري الواضح.
و بغير هذه النظرة التغييرية لا نستطيع نحن أن نفهم فهما واضحا تاريخ رسالات اللّه، و الإنجازات الكبيرة التي قام بها أنبياء اللّه، و أبعاد الدعوة التي كان يحمل أعبائها رسل اللّه على وجه الأرض.
فلم تكن مسئولية هذه الرسالات على وجه الأرض، مسئولية بلا محتوى تغييري، بل كانت هذه الرسالات تنطوي على جهد تغييري مركز في القضاء على الاسلوب الجاهلي في التفكير، و الحضارات الجاهلية، و إعادة بناء الإنسان و حضارته و مجتمعه في ضوء رسالة اللّه و دينه.
و كان الدور الذي تتعهّده هذه الرسالات في حياة الإنسان، دورا قائدا، يهدف إلى تغيير المجتمع و بنائه من جديد، بكل ما في هذه الكلمة من سعة و عمق.
فإنّ إعادة بناء الإنسان و تغييره، ذو مدلول علمي واسع، يعني فيما يعني تغيير اسلوبه في التفكير و نمط حياته، و عقيدته و فلسفته في الحياة، و النظام الذي ينظّم حياته، و العلاقات الاجتماعية التي يرتبط بها، و عقله و عاطفته، و اسلوبه في التعامل مع نفسه و مع المجتمع، و مع الكون و مع اللّه، و أيّ شيء آخر يرتبط بحياته و تفكيره من بعيد أو قريب.
و على نحو الإجمال؛ كانت المهمّة التغييرية التي تتعهّدها رسالات اللّه على وجه الأرض، تتلخّص في عملية هدم و بناء للإنسان، بما تتطلّبه هذه العمليّة من جهد شاق و عمل صعب.
و لم تكن تخلو مسيرة هذه الرسالات من متاعب و مشاكسات،
و عقبات كان يزرعها في الطريق، أولئك الذين كانوا ينتفعون من الحياة الجاهلية.
و كان هؤلاء دائما يتصدّون لهذه المسيرة الإلهية، و يعملون ما في جهدهم لعرقلة سيرها و انطلاقها، و يزرعون في طريق هذه الرسالات ما يستطيعون من عقبات و عراقيل و ألغام و مشاكل.
و لم يكن يحدث شيء من ذلك، لو لم تكن هذه الرسالات تحمل معها هذه المسئولية التغييرية الكبيرة. و لم تكن تواجه هذا التصدّي العنيف من جانب الطواغيت المستكبرين على وجه الأرض، لو لم تكن تشكل خطرا فعليا على الكيانات الاجتماعية القائمة.
و كلّ ذلك و غيره يدلّ بكل وضوح، على أنّ مسيرة رسالات اللّه كانت مسيرة تغييرية قائدة، لا تتهاون و لا تساوم، و لا تلين للإغراءات، و لا تخضع لما تلاقيه من ضغوط سياسية و اجتماعية، و لا تعبأ بما يلاقيه أصحابه من عنف و قسوة في التعامل من قبل المجتمع.
توحيد العبوديّة للّه
و القاعدة التي تنطلق عنها هذه الحركة التغييرية الواسعة، هي بكل بساطة توحيد العبادة و العبودية للّه، و كلمة «لا إله إلّا اللّه» هي الشعار الدائم و المستمر لهذه الانطلاقة الجبّارة على وجه الأرض، و عبر هذا التاريخ الطويل.
و لا يختلف في ذلك دين عن آخر، و لا رسالة عن اخرى:
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مٰا وَصّٰى بِهِ نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنٰا إِلَيْكَ وَ مٰا وَصَّيْنٰا بِهِ إِبْرٰاهِيمَ وَ مُوسىٰ وَ عِيسىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَ لٰا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مٰا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ[1].
لَقَدْ أَرْسَلْنٰا نُوحاً إِلىٰ قَوْمِهِ فَقٰالَ يٰا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّٰهَ مٰا لَكُمْ مِنْ إِلٰهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخٰافُ عَلَيْكُمْ عَذٰابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ[2].
وَ إِلىٰ عٰادٍ أَخٰاهُمْ هُوداً قٰالَ يٰا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّٰهَ مٰا لَكُمْ مِنْ إِلٰهٍ غَيْرُهُ أَ فَلٰا تَتَّقُونَ[3].
وَ إِلىٰ ثَمُودَ أَخٰاهُمْ صٰالِحاً قٰالَ يٰا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّٰهَ مٰا لَكُمْ مِنْ إِلٰهٍ غَيْرُهُ قَدْ جٰاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ[4].
وَ إِلىٰ مَدْيَنَ أَخٰاهُمْ شُعَيْباً قٰالَ يٰا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّٰهَ مٰا لَكُمْ مِنْ إِلٰهٍ غَيْرُهُ قَدْ جٰاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ[5].
و لا عليك، بعد، من تثليث المسيحيين، و تأليههم للمسيح عيسى بن مريم7، و شرك اليهود، فإنّ ذلك شيء حدث بعد موسى و عيسى8، و لم يدعوا إليه، و لم يرتضياه.
فهذه الرسالات، إذن، في جوهرها دعوة إلى توحيد اللّه تعالى، و رفض
[1]الشورى: 13.
[2]الأعراف: 59.
[3]الأعراف: 65.
[4]الأعراف: 73.
[5]الأعراف: 85.
للشرك في العبودية بكل معانيه، و هو ما تلخّصه كلمة «لا إله إلّا اللّه» تلخيصا مستوعبا. فهي تدلّ على رفض أي إله على وجه الأرض و في السماء غير اللّه، و توحيد الالوهية في اللّه، و توحيد العبودية له تعالى.
و ضمن هذا التصوّر نجد أنّ (التوحيد) و الولاء و الحاكمية يرتبطان ببعض ارتباطا وثيقا. و الولاية و السيادة و الحاكمية نابعة في هذا الدين من أصل (التوحيد) مباشرة.
و نحن فيما يلي نشير إلى النظام التوحيدي الشامل في الإسلام من خلال القرآن الكريم، و علاقة الولاية و السيادة و الحكم و التشريع بهذا الجانب في حلقات مترابطة متماسكة.
يقرر القرآن (التوحيد) ضمن نظام شامل، هذا النظام يبدأ من التوحيد في الخلق و الالوهية و الربوبية، و ينتهي إلى التوحيد في أمر السيادة و التشريع.
و فيما يلي استعراض سريع للنظام التوحيدي في القرآن:
1- توحيد الخلق:
يقول تعالى:يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّٰهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خٰالِقٍ غَيْرُ اللّٰهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ وَ الْأَرْضِ لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ فَأَنّٰى تُؤْفَكُونَ[1].
ذٰلِكُمُ اللّٰهُ رَبُّكُمْ لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ خٰالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَ هُوَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ[2].
[1]فاطر: 3.
[2]الأنعام: 102.
و لم تكن مسألة توحيد الخلق هي محط الصراع بين حركتي الشرك و التوحيد في تاريخ الصراع العقائدي فقد كان أهل الكتاب و المشركون عموما يؤمنون بواحدية الخالق و توحيد الخلق، و لم يشذ في هذا الإيمان إلّا الملحدون الذين كانوا يرفضون الإيمان بالغيب على الإطلاق.
2- توحيد الالوهية:
أ- الإله كما نفهم من القرآن هو الحاكم المهيمن على الكون:وَ هُوَ الَّذِي فِي السَّمٰاءِ إِلٰهٌ وَ فِي الْأَرْضِ إِلٰهٌ وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ[1].
أَمَّنْ خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ وَ أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً فَأَنْبَتْنٰا بِهِ حَدٰائِقَ ذٰاتَ بَهْجَةٍ مٰا كٰانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهٰا أَ إِلٰهٌ مَعَ اللّٰهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرٰاراً وَ جَعَلَ خِلٰالَهٰا أَنْهٰاراً وَ جَعَلَ لَهٰا رَوٰاسِيَ وَ جَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حٰاجِزاً أَ إِلٰهٌ مَعَ اللّٰهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لٰا يَعْلَمُونَ[2].
خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهٰارِ وَ يُكَوِّرُ النَّهٰارَ عَلَى اللَّيْلِ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى[3].
ب- و هو المهيمن الحاكم على وجود الإنسان:قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللّٰهُ سَمْعَكُمْ وَ أَبْصٰارَكُمْ وَ خَتَمَ عَلىٰ قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلٰهٌ غَيْرُ اللّٰهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ[4].
ج- و هو يعزّ، و يذلّ، و يعطي الملك لمن يشاء، و ينزع الملك ممن يشاء:قُلِ اللّٰهُمَّ مٰالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشٰاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشٰاءُ وَ تُعِزُّ مَنْ
[1]الزخرف: 84.
[2]النمل: 60- 61.
[3]الزمر: 5.
[4]الأنعام: 46.
تَشٰاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشٰاءُ[1].
وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّٰهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا[2][3].
و ينصر:وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّٰهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ[4].
و يغني:فَمٰا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّٰهِ مِنْ شَيْءٍ لَمّٰا جٰاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَ مٰا زٰادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ[5].
و يضر، و ينفع:وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّٰهِ مٰا لٰا يَضُرُّهُمْ وَ لٰا يَنْفَعُهُمْ وَ يَقُولُونَ هٰؤُلٰاءِ شُفَعٰاؤُنٰا عِنْدَ اللّٰهِ[6][7].
وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لٰا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَ هُمْ يُخْلَقُونَ وَ لٰا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَ لٰا نَفْعاً وَ لٰا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَ لٰا حَيٰاةً وَ لٰا نُشُوراً[8].
و يتولى رزق عباده:يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّٰهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خٰالِقٍ غَيْرُ اللّٰهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ وَ الْأَرْضِ لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ فَأَنّٰى تُؤْفَكُونَ[9]
[1]آل عمران: 26.
[2]مريم: 81.
[3]هذه الآية تدلّ على أنّ العرب كانوا يفهمون أن الإله هو مصدر عزّ الإنسان.
[4]يس: 74.
[5]هود: 101.
[6]يونس: 18.
[7]كذلك هذه الآية تدلّ على أنّ من خصائص الالوهية أنّ الإله يضرّ و ينفع، و لما كان هؤلاء الناس يعبدون من دون اللّه ما لا يضرهم و لا ينفعهم يستنكر القرآن عبادتهم له و اتخاذهم له إلها.
[8]الفرقان: 3.
[9]فاطر: 3.