بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 125

د- و هو بذلك يستحق من الإنسان العبادةوَ مٰا لِيَ لٰا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* أَ أَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمٰنُ بِضُرٍّ لٰا تُغْنِ عَنِّي شَفٰاعَتُهُمْ شَيْئاً وَ لٰا يُنْقِذُونِ[1].

ذٰلِكُمُ اللّٰهُ رَبُّكُمْ لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ خٰالِقُ كُلِّ شَيْ‌ءٍ فَاعْبُدُوهُ وَ هُوَ عَلىٰ كُلِّ شَيْ‌ءٍ وَكِيلٌ[2].

و يستحق الدعاء:وَ لٰا تَدْعُ مَعَ اللّٰهِ إِلٰهاً آخَرَ لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ[3].

و يستحق التشريع:أَمْ لَهُمْ شُرَكٰاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مٰا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللّٰهُ[4].

و يستحق التبعية و الطاعة:أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلٰهَهُ هَوٰاهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا[5].

و إنّما اتخذوا أهواءهم آلهة، بالتبعية و الطاعة و الانقياد لأهوائهم و شهواتهم.

ه‌- و إذا عرفنا أنّ (الإله) هو القوة المهيمنة و الحاكمة على الكون و الإنسان، و أنّه انطلاقا من هذه الهيمنة و القوة يعز و يذل و ينصر و يغني و يعطي و يمنع و يضر و ينفع، و هو بذلك يستحق من الإنسان الدعاء و العبادة و الطاعة و التسليم ...

[1]يس: 22- 23.

[2]الأنعام: 102.

[3]القصص: 88.

[4]الشورى: 21.

[5]الفرقان: 43.


صفحه 126

و يحقّ له وحده أن يتولى التشريع و الحكم و السيادة في حياة الإنسان ... أقول إذا عرفنا هذه المجموعة من الحقائق، فإنّ القرآن يقرر أنّ الالوهية وحدة لا تتجزأ و لا تتعدد، فإنّ المصدر الشرعي مصدر هذه الولاية المطلقة لل‌ (إله) لهذه الولاية المطلقة في حياة الإنسان هو الهيمنة و الحاكمية المطلقة في الكون و في حياة الإنسان. و لما كانت هذه الهيمنة و الولاية لا تتعدد و لا تتجزأوَ هُوَ الَّذِي فِي السَّمٰاءِ إِلٰهٌ وَ فِي الْأَرْضِ إِلٰهٌ.

فإنّ اللّه تعالى هو الإله الواحد المهيمن على هذا الكون و لذلك فهو الحاكم و المشرع في حياة الإنسان، و هو وحده مصدر كل ولاية و سيادة و حاكمية في حياة الإنسان. و ليس لغيره من دون إذنه ولاية و حاكمية و سيادة على حياة الإنسان. و هذا هو معنى توحيد الالوهية.

يقول تعالى:وَ قٰالَ اللّٰهُ لٰا تَتَّخِذُوا إِلٰهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمٰا هُوَ إِلٰهٌ وٰاحِدٌ فَإِيّٰايَ فَارْهَبُونِ[1].

وَ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّٰهِ لٰا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَ هُمْ يُخْلَقُونَ* أَمْوٰاتٌ غَيْرُ أَحْيٰاءٍ وَ مٰا يَشْعُرُونَ أَيّٰانَ يُبْعَثُونَ* إِلٰهُكُمْ إِلٰهٌ وٰاحِدٌ[2].

وَ لٰا تَدْعُ مَعَ اللّٰهِ إِلٰهاً آخَرَ لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ[3].

3- توحيد الربوبية:

أ- (الربّ) في القرآن يأتي بمعنيين اثنين. يأتي بمعنى المربّي (من‌

[1]النحل: 51.

[2]النحل: 20- 21.

[3]القصص: 88.


صفحه 127

التربية) و الاستصلاح، و الرعاية و التدبير. يقول الراغب في المفردات[1]: الربّ في الأصل التربية و هو إنشاء الشي‌ء حالا فحالا إلى حد التمام. و قال في الصحاح[2]: ربّ الضيعة أي أصلحها و أتمها، و ربّ فلان ولده أي ربّاه. و بهذا المعنى استعمل القرآن هذه الكلمة كثيرا.

يقول تعالى:الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ* وَ الَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَ يَسْقِينِ* وَ إِذٰا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ[3].

قٰالَ فَمَنْ رَبُّكُمٰا يٰا مُوسىٰ* قٰالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطىٰ كُلَّ شَيْ‌ءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدىٰ[4].

قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ وَ الْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصٰارَ وَ مَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ يُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَ مَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّٰهُ فَقُلْ أَ فَلٰا تَتَّقُونَ* فَذٰلِكُمُ اللّٰهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمٰا ذٰا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلٰالُ فَأَنّٰى تُصْرَفُونَ[5].

يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهٰارِ وَ يُولِجُ النَّهٰارَ فِي اللَّيْلِ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذٰلِكُمُ اللّٰهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مٰا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ[6].

[1]المفردات للراغب: ص 184 مادة (رب).

[2]الصحاح للجوهري: 1/ 130.

[3]الشعراء: 78- 80.

[4]طه: 49- 50.

[5]يونس: 31- 32.

[6]فاطر: 13.


صفحه 128

ب- و يأتي الربّ بمعنى المالك، يقول تعالى:فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هٰذَا الْبَيْتِ* الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَ آمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ[1].

قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمٰاوٰاتِ السَّبْعِ وَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ[2].

رَبُّ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا وَ رَبُّ الْمَشٰارِقِ[3].

وَ أَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرىٰ[4].

ج- و يحقّ للرب بموجب هذا التدبير و الاستصلاح و الرعاية للكون و للإنسان أن ينيب إليه الناس و يدعونه:وَ إِذٰا مَسَّ الْإِنْسٰانَ ضُرٌّ دَعٰا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ[5].

و يستحق بذلك على الناس الحمد:فَلِلّٰهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمٰاوٰاتِ وَ رَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ[6].

الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ[7].

و يستحق على الناس الاستغفار:فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كٰانَ غَفّٰاراً[8].

[1]قريش: 3- 4.

[2]المؤمنون: 86.

[3]الصافات: 5.

[4]النجم: 49.

[5]الزمر: 8.

[6]الجاثية: 36.

[7]الفاتحة: 1.

[8]نوح: 10.


صفحه 129

و يستحق بذلك على الناس العبادة:فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هٰذَا الْبَيْتِ* الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَ آمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ[1].

رَبُّ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا فَاعْبُدْهُ وَ اصْطَبِرْ لِعِبٰادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا[2].

إِنَّ هٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وٰاحِدَةً وَ أَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ[3].

و يستحق على عباده الطاعة و التبعية:اتَّبِعُوا مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَ لٰا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيٰاءَ[4].

و يستحق على عباده الإيمان و الطاعة:وَ تِلْكَ عٰادٌ جَحَدُوا بِآيٰاتِ رَبِّهِمْ وَ عَصَوْا رُسُلَهُ وَ اتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبّٰارٍ عَنِيدٍ[5].

و يستحق على عباده الطاعة و الانقياد و أن يولّوا وجوههم وجهه:

فَلَمّٰا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأىٰ كَوْكَباً قٰالَ هٰذٰا رَبِّي فَلَمّٰا أَفَلَ قٰالَ لٰا أُحِبُّ الْآفِلِينَ* ... فَلَمّٰا رَأَى الشَّمْسَ بٰازِغَةً قٰالَ هٰذٰا رَبِّي هٰذٰا أَكْبَرُ فَلَمّٰا أَفَلَتْ قٰالَ يٰا قَوْمِ إِنِّي بَرِي‌ءٌ مِمّٰا تُشْرِكُونَ* إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً وَ مٰا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ[6].

د- إذن للربوبية أصلان و معنيان في القرآن:

[1]قريش: 3- 4.

[2]مريم: 65.

[3]الأنبياء: 92.

[4]الأعراف: 3.

[5]هود: 59.

[6]الأنعام: 76- 79.


صفحه 130

أحدهما: الرعاية و التدبير و الاستصلاح. و الثاني: الملك. و بناء على كلّ منهما يستحق (الربّ) من المربوبين الحمد و الإنابة و الاستغفار و الطاعة و الاتباع و الانقياد و التسليم.

و لم يكن يشك أحد من المشركين في ربوبية اللّه تعالى، كما لم يشكّوا في أنّه تعالى هو الخالق، إلّا أنّهم كانوا يؤمنون بتوحيد الخالقية، أمّا الربوبية فكانوا يقولون فيها بالتعدد و التجزؤ و الشرك.

فكانوا يرون أنّ للملائكة و الجنّ و الأرواح و النجوم حظّا في تدبير الكون و الإنسان، و حظّا في رعاية حياة الإنسان و استصلاحه و استصلاح الكون. هذا فيما يتعلق بالشرك في المعنى الأوّل من معنيي (الرب)، و أمّا الشرك الذي كانوا يقترفونه في المعنى الثاني من معنيي (الرب) فهو في اعتبار الإنسان شريكا للّه تعالى في الملك.

و بذلك كانوا يرون الملوك و الحكام (الطغاة) الذين كانوا يملكون البلاد أنّهم أرباب هذه البلاد، و يحقّ لهم بموجب هذه الربوبية أن يعبدهم الناس و يطيعوهم و يتبعوهم و يتولوهم، و كان ملاك ذلك كلّه هو الملك.

فقد كان نمرود- طاغية عصر إبراهيم7- يدّعي الربوبية، و كان السبب في هذه الدعوى هو (أن آتاه اللّه الملك). تأملوا في هذه الآيات المباركة:أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرٰاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتٰاهُ اللّٰهُ الْمُلْكَ إِذْ قٰالَ إِبْرٰاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ ...[1].

و كان فرعون- طاغية عصر موسى7- يدّعي الربوبية، يقول تعالى:

[1]البقرة: 258.


صفحه 131

فَكَذَّبَ وَ عَصىٰ* ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعىٰ* فَحَشَرَ فَنٰادىٰ* فَقٰالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلىٰ[1].

و كان ملاك هذه الربوبية عنده (الملك).

يقول تعالى:وَ نٰادىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قٰالَ يٰا قَوْمِ أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَ هٰذِهِ الْأَنْهٰارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَ فَلٰا تُبْصِرُونَ[2].

و القرآن يقرر في مقابل دعوى تجزئة الملك و تعدّد المالكية، و تعدّد التدبير و تجزئته، وحدة التدبير و الملك، و بالتالي توحيد الربوبية.

يقول تعالى:قُلْ أَ غَيْرَ اللّٰهِ أَبْغِي رَبًّا وَ هُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْ‌ءٍ[3]،رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا[4]،قٰالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ[5]و هذا هو أصل (توحيد الربوبية).

4- توحيد التشريع:

للربوبية و الالوهية حقوق و اختصاصات تخص (الإله) و (الربّ) في حياة الناس و من هذه الاختصاصات و الحقوق، حقّ التشريع في حياة الإنسان. و قد اختصّ تعالى لنفسه بهذا الحق في حياة الإنسان.

و ذلك أنّ اللّه تعالى وحده الإله الحاكم في حياة الإنسانوَ هُوَ الَّذِي فِي

[1]النازعات: 21- 24.

[2]الزخرف: 51.

[3]الأنعام: 164.

[4]المزمل: 9.

[5]الأنبياء: 56.


صفحه 132

السَّمٰاءِ إِلٰهٌ وَ فِي الْأَرْضِ إِلٰهٌ[1].

و هو وحده (رب المشارق و المغارب) و (رب الناس)، أنشأهم و ربّاهم و يملكهم و يدبر امورهمقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّٰاسِ* مَلِكِ النّٰاسِ* إِلٰهِ النّٰاسِفهو بالضرورة يحقّ له وحده، أن يشرّع للناس، فإنّ التشريع يحدّد من حريّة الإنسان بالضرورة، و لا يحقّ لأحد أن يحدّد من حريّة الآخرين، إلّا إذا كان يملك امورهم، و كان المدبّر المهيمن الحاكم عليهم و هو اللّه تعالى فقط، و لا يشاركه فيه أحد؛ فإنّ الخلق و التدبير و الهيمنة و الملك في نظر القرآن كل لا يتجزأ و لا يتعدّد، فلا ملك بالحقيقة و لا سلطان و لا هيمنة، و لا تدبير لغير اللّه تعالى في حياة الإنسان إلّا أن يكون بإذن اللّه و في امتداد سلطان اللّه و ملكه و هيمنته و تدبيره.

و توحيد الخلق و التدبير و الهيمنة و الملك يقتضي توحيد التشريع بالضرورة، فلا يحقّ لأحد أن يشرّع للآخرين إلّا بإذنه و أمره.

و الحكم حكمان و لا ثالث لهما:

فأمّا أن يكون الحكم للّه و بأمر اللّه فهو دين اللّه. و أمّا أن يكون لغير اللّه فهو من حكم الجاهلية. يقول تعالى:أَ فَحُكْمَ الْجٰاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّٰهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ[2].

و القرآن صريح في توحيد التشريع، يقول تعالى:وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْكٰافِرُونَ[3]،وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ

[1]الزخرف: 84.

[2]المائدة: 50.

[3]المائدة: 44.