موقف الإسلام من مسألة الحكم
استعرضنا- فيما سبق من هذا الحديث- موقع الحكم من رسالات اللّه، بصورة واضحة، و هو فيما أعتقد، يعتبر منطلقا جيدا للبحث عن موقع الحكم من الإسلام، خاتمة رسالات اللّه.
فإنّ الإسلام قمّة هذا الامتداد الرسالي الذي ابتدأ في حياة الإنسان، منذ أن أخذ الإنسان ينحرف عن خط الفطرة. فلا يختلف عن هذا الامتداد في شيء ممّا يتّصف به من أصالة و وضوح، عدا أنّ هذه الأصالة تتّصف بعمق أكثر و وضوح و تركيز أكثر من ذي قبل في خاتمة الرسالات.
و الأصالة التي لمسناها في رسالات اللّه، في هذه المسألة، نلمسها في الإسلام بشكل أكثر وضوحا و تركيزا في الجانب النظري و التشريعي، و في الممارسة الحيّة التي قادها القائد الأوّل لهذه الرسالة.
و بهذا الشكل، تمتزج مسألة الحاكمية و الحكم بهذه الرسالة الخاتمة
امتزاجا قويّا، و تتفاعل معه تفاعلا عضويا، في كل جوانبها و أطرافها، من عقيدة، و تشريع، حتى يكاد أن يصعب فرز بعضها عن بعض، لنتناوله بدراسة مستقلّة.
أصالة الحاكمية في هذا الدين
1- من الناحية الاعتقادية:
كان من الواضح يوم بعث النبي6في الجزيرة العربية، أنّ مهمة النبي6مهمة تغييرية ذات أبعاد و جذور عميقة في هدم الحياة الجاهلية، بما فيها من شرك و عبادة للأوثان و عادات و تقاليد جاهلية، و في القضاء على السلطة التي كانت تمارس الحكم في الجزيرة، و في كل أطراف العالم؛ لتبني على السلطة التي كانت تمارس الحكم في الجزيرة، و في كل أطراف العالم؛ لتبني على أنقاض ذلك كلّه الحياة الإسلامية، التي كانت تختلف اختلافا كلّيا عن الحياة الجاهلية في أعرافها، و تقاليدها، و مفاهيمها، و نظمها، و عقيدتها و أهدافها، و لتتسلّم السلطة ليكون الحكم للّه، و تكون شريعة اللّه هي الحاكمة في حياة الإنسان، و كلمة اللّه هي العليا. و قد أدركت الجاهلية أبعاد هذه المهمة التغييرية يوم بعث النبي6و أعلن دعوته في الجزيرة بوضوح، و أدركت خطر ذلك على الحياة الجاهلية، و على ما تستفيده القلّة الحاكمة من مكاسب ماديّة و معنوية من الحياة الجاهلية.
و كان هذا هو في الغالب سبب المعارضة الشديدة التي أعلنتها قريش في وجه النبي6و الدعوة الإسلامية.
فإنّ كلمة التوحيد التي أعلنها النبي6، كانت تنطوي في إيجازها على عمق عميق لم يخف يومذاك على قريش، و هي تسمع النبي6يعلن
دعوته في إيجاز و جرأة و إصرار.
و إذا كانت قريش بحسّها السياسي المرهف قد أدركت الخطر منذ اليوم الأوّل الذي ظهر فيه هذا الدين في الجزيرة نتيجة لاحتكاكها المباشر بهذه الدعوة، فإنّ اليهودية و الصليبية العالمية لم تفتها هذه الحقيقة أيضا، و لكن بعد ما انتقلت الرسالة إلى قاعدتها الأولى في المدينة المنوّرة، و أقام النبي6في المدينة نواة أوّل دولة إسلامية، يحكمها الإسلام و ينظّم شئونها و علاقاتها، و يخطّط لكل ما يتّصل بحياتها. و يومذاك انتبهت اليهودية و الصليبية لخطر هذا الكيان الجديد، الذي جاء ليغيّر معالم الحياة كلّها، و يتسلّم الحكم على وجه الأرض كلّها، و ليحقق حكم اللّه على أوسع بقعة من الأرض.
و لئن كانت هذه الدعوة تتّصل بأوثق الروابط برسالة موسى و عيسى8، فلا تتصل باليهودية و المسيحية التي عاصرت ظهور هذه الرسالة في شيء.
و قد تأكدت اليهودية و الصليبية من هذه الحقيقة في الدين الجديد، فأعلنت الحرب في وجهه بكل قوة، و بكل وسيلة، و بدأتها اليهودية في المدينة، و حينما فشلت في كل مؤامراتها و مكرها و خبثها، تناست خلافاتها مع قريش، و التحمت معها في حرب ضدّ المسلمين في واقعة الأحزاب، و إذ ردّ اللّه مكرهم إلى صدورهم، جدّدت المحاولة لتلتحم هذه المرّة مع الصليبية العالمية في الشام، التي كانت قد شعرت بواقع هذه الدعوة في وقت متأخّر، و قد تناست اليهودية هذه المرّة أيضا كل أحقادها التاريخية مع الصليبية للقضاء على العدو المشترك، و اشتبكتا مع المسلمين في حرب تبوك، و قد
أراد اللّه أن تخرج الصليبية و اليهودية من هذه الحرب التي مهّدوا لها عن فشل ذريع.
و استمرّت هذه المؤامرات و المحاولات للقضاء على هذه الدعوة على امتداد التاريخ الإسلامي كلّه.
و الحقيقة الواضحة في هذه المعارضات كلّها و على اختلاف مستوياتها، أنّ الجاهلية أدركت منذ اليوم الأوّل من ظهور هذه الرسالة في مكة، أنّ هذا الدين الجديد جاء ليحكم على وجه الأرض، و ليتسلّم السلطة، و ليحقق حكم اللّه على وجه الأرض في قوّة و قدرة و سلطان، و لم يأت ليكون كيانا طفيليا في ظلّ أصحاب العروش و التيجان. و جاء إلى الناس بأخلاقية حركيّة فعّالة، تدفع إلى الإسهام الجادّ و البنّاء في الحياة، رافضا، الأخلاقية السلبيّة التي تدعو إلى الانعزالية و الرهبنة في الحياة.
و هذه الحقيقة هي أوضح ما في هذا الدين من بعد كلمة التوحيد. بل إنّ كلمة التوحيد ذاتها التي حملها النبي6في قوّة و جرأة، تحمل في أعماقها هذه الحقيقة بوضوح.
و لئن شككنا في أيّ شيء، فلا نستطيع أن نشك في هذه الحقيقة التي كلّفت حملة هذه الرسالة العناء، و جعلتهم في صراع دائم مع الجاهلية على امتداد تاريخ هذا الدين.
2- من الناحية التشريعية:
و الذي يدرس بإمعان الجانب التشريعي من هذه الرسالة، فسوف يخرج بقناعة كافية، بأنّ هذا الفقه فقه قائد في الحياة، و لا يقتصر نطاق عمله
و مسئوليته على العبادات و الأحوال الشخصية من زواج و طلاق و ميراث، و إنّما يتولّى إدارة المجتمع، و يعمل لتنسيق الحياة الاجتماعية بكلّ أبعادها.
و بشيء من الملاحظة الفقهيّة، يكتشف الإنسان، أنّ هذا الفقه يتجه في خطّه العام إلى إحداث جهاز اجتماعي حاكم يتولّى شئون المجتمع.
و كثير من أحكام هذا الفقه موضوع لهذه الغاية، و ضمن هذا الإطار، فإذا انتزع عن إطاره الطبيعي، الذي هو الدولة الإسلامية، و طلب تنفيذه في غير هذا الإطار، ظهر عليه أنّه حكم غير عملي، و أنّه لغير هذا العصر، أو كان يصعب تنفيذه و تحقيقه.
و ليس السبب من نقص في الحكم الشرعي، و إنّما السبب كلّه، أنّ هذا الحكم قد وضع ضمن إطار الدولة الإسلامية، و لتنسيق أجهزة هذه الدولة. و عند ما ننفّذ نحن اليوم هذا الحكم في غير إطاره الطبيعي، نواجه مشاكل و متاعب في تنفيذه.
كما أنّ تعاليم هذا الفقه و أحكامه، كانت في عصر التشريع تعاليم للدولة، و أحكاما لها، و كانت تفهم و تنفّذ على هذا الأساس. و نحن اليوم نأخذ بهذه التعاليم و الأحكام و نفهمها في إطار فردي. و من الواضح أن لا يكون لهذه الأحكام و التعاليم ذلك العطاء الذي كان لها عند ما كانت تفهم و تنفّذ في إطار اجتماعي، و التعاليم ذلك العطاء الذي كان لها عند ما كانت تفهم و تنفّذ في إطار اجتماعي، و ضمن جهاز الدولة. فقوله تعالى:وَ تَعٰاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوىٰ وَ لٰا تَعٰاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوٰانِ[1]، تعليم للدولة، و توجيه لأجهزة الحكم، و كان المسلمون يفهمونها و ينفّذونها ضمن هذا الإطار الاجتماعي
[1]المائدة: 2.
الحاكم، فكانت الآية الكريمة تتجسّد في المجتمع ضمن أجهزة و تركيب اجتماعي يخصّ هذه الغاية.
و نحن اليوم أيضا نفهم هذا التوجيه و ننفّذه، و لكن في نطاق فردي، و على شكل مبرّات و صدقات فردية، يدفعها الفرد منّا، عند ما يواجه حالة فقر أو عجز.
و من الطبيعي جدّا أن لا يكون لتنفيذ هذا الحكم في حياتنا، ذلك العطاء الذي كان له في عصر التشريع. و السبب كل السبب في هذا و في غيره، أنّ هذا التشريع بشكل عام قد وضع ضمن هذا الإطار الاجتماعي الحاكم، فإذا انتزع من إطاره الطبيعي الذي وضعه اللّه فيه، أدّى ذلك إلى نتيجتين اثنتين، غريبتين عن طبيعة هذا الفقه، اولاهما: صعوبة تنفيذ بعض أحكام هذا الفقه، و ثانيتهما: ضعف العطاء الذي تجنيه الامّة من تنفيذ أحكام هذا الدين.
و مهما يكن من أمر، فإنّ هذه الطبيعة الاجتماعية، و القيادية في تركيب التشريع الإسلامي ذات دلالة كافية لتوضيح طبيعة هذه الرسالة بشكل عام، و علاقتها بالمجتمع و موقفها من مسألة الحاكمية و الحكم.
فالنظام المالي مثلا في التشريع الإسلامي، بعرضه العريض و بما خطّط فيه الإسلام من موارد مالية ضخمة، تكفي لسدّ حاجات دولة، لم يكن الغرض منه بالتأكيد، سدّ العوز و الحاجة الفرديّة، و إعانة بعض الفقراء و العوائل المحتاجة فقط. فقد وضع الإسلام في هذا المخطّط المالي الكبير نظاما واسعا للجباية، و تشريعا للضرائب الثابتة، و أعطى للحاكم الإسلامي صلاحيات واسعة في فرض ما تقتضيه الضّرورة و المصلحة من الضرائب المالية.
و جعل ملكية الثروات الطبيعية كالمعادن و البحار و الأنهار، و كثير من الموارد الطبيعية للهيئة الحاكمة.
و ليس من شكّ أنّ هذا التشريع المالي الواسع، لم يكن لغرض القيام بتعهّدات مالية لحالات فرديّة، و إيواء المساكين و الفقراء و الضّعفاء، كما نحن نستعمل اليوم هذا النظام، و إنّما كان الغرض من هذا النظام الواسع، سدّ حاجات الدولة و إدارة مرافقها، و توفير موارد ماليّة كافية لحالات الحرب و السّلم، و للأغراض العمرانية و المعيشية للدّولة، و لتوفير الأمن و السلامة للمجتمع و أجهزة الحكم.
و ليس من شكّ أنّ قطّاعا واسعا من المسلمين يمارسون اليوم تنفيذ هذا النظام، و يستفيدون منه في سدّ الحاجة المادّية للحالات الفرديّة، و لكنّ هذه الممارسة تتمّ في نطاق فردي ضيّق، و في إطار العلاقات الفرديّة. و من الطبيعي أن لا يؤتي هذا النظام في ظلّ هذه الممارسة الفرديّة ثماره المترقّبة.
و مثل آخر لهذا التركيب الاجتماعي الحاكم في الفقه الإسلامي، التشريع القضائي الواسع الذي وضعه الإسلام لفصل الخصومات فيما بين الناس، و إحلال الوئام و السلام في العلاقات الاجتماعية، و الصلاحيات التنفيذيّة الواسعة، التي أعطاها الإسلام للقاضي في حلّ الخصومات فيما بين الناس موضع هذه الحقيقة.
و بالتأكيد لم يكن الغرض من هذا التشريع الواسع، أن يمارس بضعة علماء مهمّة القضاء بين الناس بصورة فرديّة، أو في ظلّ حكومات ظالمة جائرة، لا تعترف بدين اللّه تعالى و شريعته.
و كذلك الأمر في تشريع الجهاد و الدفاع، و الأحكام التي وضعها
الإسلام للدفاع عن حوزة وطن الإسلام لجهاد الكفّار، لئلا تكون فتنة، و يكون الدين كلّه للّه. و هذا التشريع الهادف الموسّع، الذي نسيه المسلمون اليوم فيما نسوه من أحكام دينهم، لا يمكن تنفيذه إلّا في ظلّ حكومة إسلامية، تحكم بدين اللّه، و تعمل على تنفيذ حكم اللّه على وجه الأرض.
و تشريع الأحكام التي تخصّ أهل الذمّة، و العناية التي يوليها بهم الفقه الإسلامي، يدلّ على أنّ مهمّة هذا الفقه و مسئوليته في حياة الإنسان، لا تنحصر في نطاق المسلمين، و إنّما تشمل الوطن الإسلامي في نطاقه الوسيع، بما فيه من مسلمين و غير مسلمين من أهل الذمّة، الذين يعيشون في كنف الإسلام و رعايته من أهل الكتاب.
و من هذا الباب أيضا الصلاحيات الواسعة التي يمنحها التشريع الإسلامي للفقيه الحاكم في الولاية على حياة الناس، و التي سوف نتحدّث عنها إن شاء اللّه بتفصيل في موضعه من هذا البحث. و لا يمكننا- نحن- أن نفهم هذا الحكم الشرعي، و هذه الصلاحيات التنفيذيّة الواسعة التي ينيطها المشرّع الإسلامي بالفقيه الحاكم، إلّا في إطار دولة إسلامية تحكم بشريعة اللّه.
و على نحو الإجمال، نرى أنّ هذا التشريع قد امتزج امتزاجا شديدا بمسألة الحاكمية و الحكم، و تفاعل معه، بصورة قويّة، حتى كاد لا يمكن عزله و تفكيكه عن كثير من أحكام هذا الفقه و أبوابه.
و كلّ ذلك يدلّ على أنّ هذا الفقه جاء ليقوم بدور قيادي حاكم على وجه الأرض، و يعدّ جهازا بشريّا قائدا، يتولّى الحاكمية على عباد اللّه، في أرض اللّه، و بمنهج اللّه تعالى و شريعته.