يجري في أوساط المثقفين اليوم حوار كثير حول «المرجعية» و «الحوزة العلمية» و «دور العلماء» في المجتمع.
و لما كان هذا الحوار يتعلق بمسألة ذات حساسية و أهمية خطيرة و ذات بعد تاريخي في حياتنا السياسية و الاجتماعية، فقد رأيت من المفيد أن اسلّط بعض الضوء على النقاط الأساسية و محاور البحث الرئيسة في هذا الحوار.
القيمة الحضارية للمرجعية:
تختلف المرجعية عن أي مؤسسة اخرى من مؤسساتنا السياسية و العلمية و الاجتماعية بما تمتلك من رصيد كبير من الاحترام و الثقة في نفوس الناس، و أمر هذا الرصيد يعود إلى مجموعة من العوامل التاريخية ساهمت في تكوين هذه الثقة في نفوس الجمهور.
و من جملة هذه العوامل: التوصيات الكثيرة لأهل البيت:بالارتباط بالفقهاء و منحهم الثقة و تكريمهم.
و منها: الدور الذي تنهض به المرجعية في تمثيل الإمام الحجة المنتظر (عج)، و هذا التمثيل يعطي للمرجعية قيمة حضارية كبيرة في نفوس جماهير المؤمنين، و النصوص الواردة عن أهل البيت:تؤكد هذا التمثيل في عصر الغيبة.
و من جملة هذه العوامل: الظلامات الكبيرة التي تعرضت لها المرجعية في تاريخها السياسي من قبل الأنظمة السياسية التي لم تتمكن من إخضاع الفقهاء لإراداتها و قراراتها السياسية، و استقامة المرجعية على الخط الفقهي الذي ورثه الفقهاء من أئمة أهل البيت:.
هذه النقاط مجتمعة و غيرها تجعل للمرجعية قيمة حضارية كبيرة، و تمنحها موقعا سياسيا و اجتماعيا متميزا، و ثقة كبيرة في نفوس الناس و محبة في قلوبهم.
و قد استفادت المرجعية من هذه القيمة الحضارية في تاريخها السياسي كثيرا، و استخدمتها في القضايا الكبيرة التي مرّت بالامّة خلال صراعها السياسي استخداما جيدا، و على درجة عالية من الكفاءة، كان آخرها الثورة الجماهيرية الكبيرة في إيران بقيادة الإمام الخميني;حيث استطاعت المرجعية أن توظف هذه الثقة و العلاقة الروحية و الفكرية في حياة الامّة و في مختلف مواقع الصراع و المواجهة السياسية و العسكرية.
و من المؤكد أنّ هذه الثقة لم تتكون تاريخيا بصورة عفوية، كما لم يكن أمر المحافظة عليها أمرا يسيرا، فهما قد استنفذا جهدا و عملا غير يسير من قبل الجماهير و المرجعية على امتداد هذا التاريخ.
المرجعية من مراكز القوّة في المجتمع:
إذن المؤسسة الدينية تعتبر من مراكز القوّة الأساسية في مجتمعنا،
و مراكز القوة عادة تختزل قوة الامّة و إرادتها. فإنّ للامّة إرادة و قوّة، و هذه الإرادة و القوة قد تجتمعان في مركز واحد، فيكتسب هذا المركز قوّة كبيرة تساوي قوة الامّة، و إرادة قويّة تساوي إرادة الامّة.
و هذه المراكز هي ملك للامّة كلها، لأنّ قوّتها و فاعليّتها نابعة من الامّة ... و دورها هو تمثيل إرادة الامّة و عزمها في القضايا الكبيرة التي لا يتمكن الناس من القيام بها أفرادا و جماعات. و تلك حاجة حقيقية في الامّة.
فلا بدّ في الامّة من مراكز قوّة تمثل إرادة الامّة و وعيها و قوتها و صرختها و احتجاجها.
و المؤسسة الدينية تمتلك هذا الثقل السياسي و الاجتماعي و الحركي إلى حد كبير.
و الذين يفهمون هذه القيمة الحضارية و يحترمونها و يحترمون دورها التاريخي لا بدّ أن يضعوا في حساباتهم أضرار و خسائر التفريط بها في طريقة البحث و النقد لهذا الكيان الديني، الفقهي، السياسي، .. دون أن نقصد تجنّب (النقد الموجّه)، فإنّ النقد الموجّه ضرورة حقيقية في تنبيه و توجيه و تثبيت هذا الكيان، ليؤدي دوره بصورة أكثر فعّالية، و لكن (النقد) من دون هذا الاعتبار، أو بغير هذا التوجيه قد يؤدي، من حيث لا يقصد الناقد إلى هذه الخسارة في حياة الامّة و مسيرتها.
و لذلك فإنّ طائفة من هذه النقود التي يوجهها الكتّاب و المفكّرون الشيعة الذين يفهمون هذا الدور للمرجعية الشيعية و قيمتها التاريخية عن حسن نية يحتاج أحيانا إلى (نقد النقد) أو (توجيه النقد) ليسلم من السلبيات التي قد تترتب عليها من دون قصد، سواء كان النقد من داخل المؤسسة أو
من خارجها، لا فرق.
إذن- و دون أن نمنع هذا الحوار- نقول لا بدّ في كل حوار يجري أن نأخذ بنظر الاعتبار هذه الحقيقة.
فليس من بأس على أحد من المفكّرين و المعنيّين بشئون الامّة أن يحاور هذه المؤسسة أو تلك من مؤسسات الامّة، و هذا المركز أو ذلك من مراكز القوّة، إذا كان يلتزم في الحوار أن لا يفرّط بشيء منه، و أن لا يجرّه الحوار و النقاش إلى التسقيط و الإلغاء.
العمق الاجتماعي لأمّتنا:
و قد يختفي هذا العمق الاجتماعي و القيمة الحضارية للعلماء و المؤسسة الدينية عن أعين الكثيرين، فلا يرون للمؤسسة الدينية هذا النفوذ، و هذا التأثير و هذه المركزية، و الموقع الحسّاس الذي تحدّثنا عنه.
و اولئك على جانب من الحق، فإنّ المجتمع قد يتعرض لمؤثرات سياسيّة و إعلامية معيّنة، فتختفي القوّة الحقيقية في ذلك المجتمع، و تظهر على السطح حالة وهميّة كاذبة، و لكنها تملأ السمع و العين.
و قد تعرّض مجتمعنا في السنوات العجاف لمثل هذه الحالة، فاختفت هذه القوة عن السطح الظاهر للحياة، دون أن تفقد قدرتها و نفوذها في وسط الجمهور، أو على الأقل دون أن تفقد مقوّمات هذه القوّة، و ظهرت على السطح قوّة سياسيّة عسكرية تمتلك مفاتيح الإعلام و المال و السلطان، دون أن تملك من دعم الجمهور و تأييده قليلا أو كثيرا، و لكنها تعتمد على (النظام الأمني القمعي) من جانب، و على (التضليل الإعلامي) من جانب آخر.
و اختفت في هذه السنوات العجاف (أعراف) الامّة و (أيامها) و (أخلاقها) و حتى (مصطلحاتها) و (شعاراتها) عن العين و ظهرت على السطح أعراف، و أيام، و أخلاق، و مصطلحات، و شعارات لا قبل للامّة بها.
و في حالة تشبه حالة (المسخ الحضاري) و لكننا نقول تشبه حالة المسخ و لا نقول هي حالة المسخ الحضاري؛ لأنّ العلماء لم يفقدوا في السنوات العجاف هذه قدرتهم و نفوذهم الحقيقي، و إنما اختفوا عن السطح الظاهر للحياة فقط، و ملأ هذا السطح زبد يملأ العين و السمع.
إلّا أنّ الأحداث الأخيرة في العراق و إيران و أفغانستان و مصر و الجزائر ... أعدّت العالم الإسلامي للعودة إلى حالته الطبيعية مرة اخرى، و مهّدت الظروف السياسية لتحتلّ الحالة الإسلامية- و من يرعى هذه الحالة من العلماء العاملين- السطح الظاهر للحياة الاجتماعية و السياسية.
و كان أهم هذه الأحداث و الهزّات في العالم الإسلامي، على الإطلاق هي الثورة الإسلامية في إيران ... فقد كان لهذه الثورة دور كبير في ذهاب الزبد الذي كان يطفو و يطغى على سطح الحياة، و في إبراز و تثبيت ما ينفع الناس من الوعي و الحركة و الأخلاق و الأعراف و القوانين، و من الناس الذين يحملون هذا الوعي و الحركة.
و كانت هذه الثورة بمثابة زلزال قلب المجتمع، فظهر على السطح ما كان خافيا و كامنا في العمق من قبل، و اختفى عن السطح تماما ما كان يملأ العين و السمع من قبل، من الزبد الذي لا يحمل شيئا مما ينفع الناس.
و هذه خاصّية الهزّات القوية، و في هذه الهزّة العميقة ظهر علماء الدين و برز دورهم القياديّ الفاعل في الأحداث السياسية، و في مواجهة الاستكبار
و الكفر، و كان للإمام الراحل الخميني;الدور القياديّ البارز في هذه الحركة.
و لا تنقص من قيمة هذا الدور و هذا الحجم إطلاقا بعض الأخطاء السياسية و الاجتماعية التي ارتكبها قادة الثورة و رجالها من العلماء و غيرهم.
فلا بدّ في كل ثورة من الأخطاء .. و كل ثورة تمرّ عبر بحر من الفتن، و لا يمكن أن تسلم الثورة عبر هذه الفتن من الأخطاء. و ليس المهم حدوث هذه الأخطاء في وقتها، و إنما المهم هو جرد الثورة بصورة مستمرة، و تصحيح مسيرها، و تصحيح الأخطاء التي تقع فيها، و تثبيت المكاسب الحضارية و السياسية التي حقّقتها الثورة.
و نعود مرّة اخرى إلى القيمة الحضارية و السياسية للعلماء في امّتنا، فنقول: في هذه الثورة تبادلت (القيادة) و (القاعدة) الثقة، و شعر الناس بأنّ قيادتهم تشاركهم في همومهم و تتحسّس آلامهم، حتى لو كانت تعجز عن إزالتها أو تخفيفها، و وقفت الامّة إلى جانب قيادتها في الأزمات الشديدة، و في أقسى أيام الحصار الاقتصادي و السياسي و الإعلامي.
و أحسّ الناس بأنّ قيادتهم تحترم إرادتهم و تراثهم و مواريثهم الحضارية، و كان الناس قد ألفوا منذ زمن طويل هجر القيادة و تنكّرها لإرادتهم و مواريثهم الحضارية و تراثهم.
و نوجز القول و نقول: إنّ هذه الثورة أعادت الناس إلى أنفسهم، بعد أن كانت الأنظمة الحاكمة و المرتبطة بعجلة الغرب و الشرق قد سلختهم عن أنفسهم.
و تلك قيمة حضارية كبيرة. و من خلال هذا التصوّر نستطيع أن نفهم و نتحدث عن مركز العالم الديني و موقعه السياسي و الاجتماعي في الامّة.
الموقع التوجيهي و القيادي للعالم الديني في المجتمع:
يمارس العالم الديني في مجتمعنا دورا توجيهيّا و قياديّا خطيرا.
و هذا الموقع يتطلّب حضورا فاعلا و مؤثّرا في وسط الامّة. فلا يستطيع العلماء أن يمارسوا مثل هذا الدور الخطير في الامّة، إذا كانوا منعزلين عن الامّة و عن حياتها السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية، و عن حركتها و طموحها و آمالها و آلامها.
و تبادلهم الامّة أغلى ما عندها، و أغلى ما عند الامّة هي (الثقة) و (الطاعة). و لو لا أنّ الامّة تمنح (الثقة) و (الطاعة) للعلماء لم يكن بإمكان العلماء أن يمارسوا دورا فعّالا من خلال هذا الموقع الخطير.
مصادر الثقة:
و لم تكتسب المؤسسة الدينية هذه الثقة و بهذه الدرجة من الامّة من دون سبب، فإن الامّة لا تمنح الثقة إلّا ضمن حساب دقيق.
فقد يكتسب أحد ثقة جماعة من الناس بصورة أو اخرى، من دون سبب كاف، و لكن من غير الممكن أن شخصا أو مؤسسة تكتسب ثقة امة من الناس بصورة اعتباطية و من غير سبب كاف و بصورة مستمرة، رغم كل العوامل السلبية.
و عند ما نبحث عن الأسباب التي دعت الناس إلى أن يضعوا ثقتهم في (العلماء) بهذه الصورة نلتقي بسببين أساسيين:
السبب الأول: هو توجيه أهل البيت:الامّة باحترام العلماء و وضع الثقة فيهم، و الرجوع إليهم، و الأخذ بتوجيهاتهم، و الاحتفاف بهم، و التزامهم، و تبنّيهم.
و السبب الثاني: هو تاريخ المؤسّسة الدينية، و هذا التاريخ يضرب بجذوره في عمق الماضي و تستحضره ذاكرة الامّة.
و الذين يستحضرون هذا التاريخ يعرفون جيدا أنّ المؤسسة الدينية سلمت خلال هذا التاريخ الطويل من الغيبة الكبرى إلى اليوم من الانحراف و الشطط و الانتهازية و التلاعب، و استثمار ثقة الناس في المصالح الشخصيّة.
و هذا التاريخ حاضر في ذاكرة الامّة ضمن أرقام و قضايا واقعية.
و ليس معنى ذلك أن التاريخ لم يشهد عضوا في هذه المؤسسة شطّ أو انحرف. فقد حصل هذا الأمر بالتأكيد، و المناقشة فيه مناقشة في البديهيات.
و لكن الأمر الذي حدث إلى جنب ذلك، إن كلّ عنصر شطّ أو انحرف من داخل المؤسسة الدينية عزلته هذه المؤسسة عن نفسها أو عزله الناس بأنفسهم عن المؤسسة.
و لعل هذا الوعي المبكّر لتشخيص حالات الانحراف في أعضاء المؤسسة الدينية، و الموقف العمليّ السريع تجاه هذه العناصر و عزلها عن هذه المؤسسة و تجريدها عن صلاحياتها و أدوارها هو من جملة أسباب حصانة المرجعية و الحوزة العلمية.
و يدخل في هذا الباب النماذج المعاصرة التي يعرفها الناس في حياتهم