و حين خطّط النبي6لتهديد هذا الطريق، و تهديد تجارة قريش، كان يعلم أنّه قد وجّه بذلك ضربة قوية لشخصية قريش، من الناحية المادّية و المعنوية، و فعلا نفّذ النبي6هذا التخطيط في حرب بدر، و نجح المخطّط في تهديد تجارة قريش.
و لئن عادت قريش في عام مقبل لاستعادة مكانتها، و إعادة الأمن إلى تجارتها، و أصيب المسلمون ببعض الخسارة في هذه الحرب (حرب أحد)، فإنّ الطريق لم يعد لقريش، و لم تسلم قريش على تجارتها، و انتكست اقتصاديا و معنويا، كذلك حيث انقطعت عنها البضائع التي كانت تأتي بها تجارتها من الشام، و فقدت أسواق مكّة مركزيتها التجارية.
و لئن لم ينتبه المسلمون يومذاك، إلى أهمية العمل الذي قام به النبي6من ناحية سياسية و عسكرية، و تأثيره الكبير في شلّ الحياة الاقتصادية لمكّة، فقد عرفت أوروبا بعد قرون أهميّة هذا العمل في إحراج العدو، و إرهاقه و مباشرة الضغط عليه اقتصاديا. و عرفت هذه العملية بعد ذلك ب (الحصار الاقتصادي)، و استعملها نابليون ضدّ بريطانيا، كما استعملت مرّات اخرى من قبل القادة العسكريين في الحروب.
تصفية قواعد المشركين و اليهود:
و بعد أن تمّ للنبي6إرهاق العدو و إذلاله، و بعد أن فشلت آخر محاولة للعدو في التجمّع للقضاء على المعسكر الإسلامي في حرب (الأحزاب). بدأ بضرب قاعدة العدو، و تصفية ما تبقى له من النفوذ في الجزيرة، و سقطت القاعدة أمام الزّحف الإسلامي.
و صفح النبي6عن كل جرائم قريش و عدوانها في كرم و نبل،
و استمرّ الزّحف على سائر مراكز تجمّع العدو في أطراف الجزيرة، و انهارت هذه المراكز واحدا بعد آخر، أمام الجيش الإسلامي الفاتح ... و استسلمت الجزيرة للدّين الجديد، و فرضت الدعوة سلطانها على أطراف الجزيرة.
تحصين القاعدة الإسلامية:
و في خلال هذه الأعمال، كان النبي6يعمل لتحصين المدينة، بتطهيرها من العناصر المخرّبة و المنافقين و اليهود، الذين كانوا يكيدون للإسلام و للمسلمين.
فكان النبي6يعمل في وقت واحد لضرب معاقل العدو و قواعده في الجزيرة، و بتحصين القاعدة الإسلامية في الجزيرة، و تطهيرها من المنافقين و اليهود، و يمارس خلال هذه المهمة و تلك مسئولياته الرسالية في الدعوة، و تربية الشخصية الإسلامية، و تكوين المجتمع الإسلامي، و ترسيخ العقيدة الإسلامية في النفوس.
و استطاع النبي6بعد هذا الشوط الطويل الذي قطعة في ثلاث و عشرين سنة بعد البعثة من اخضاع الجزيرة كلّها لشريعة اللّه، و الاستيلاء فيها على زمام الحكم، و إدارة المجتمع بما في ذلك من شئون الإدارة و المال و الجيش و القضاء.
و انقادت الجزيرة بكل أطرافها للدعوة، و استسلمت لها في انقياد، و انتظمت في مجتمع واحد يحكمه الإسلام.
هذا إجمال من تفصيل عن الجانب القيادي من حياة النبي6، و التخطيط الذي امتدّ على مدى ربع قرن من حياة6.
و الذي يدرس السيرة النبويّة، و الأعمال التي قام بها النبي6بإمعان و دقّة، في مكّة و في المدينة، يجد أنّها كانت تنتظم جميعا في مخطّط واحد، و ينتهي هذا المخطّط إلى تسلّم الحكم في الجزيرة، و تحكيم شريعة اللّه فيها، و إشاعة الدعوة الإسلامية و ترسيخها في نفوس الناس ... هذا و رسول اللّه6معصوم، يعصمه اللّه من الزلل، و يوحي إليه بأمره و حكمه، و يسدّده في كلّ خطوة و عمل.
كما يرى أنّ مسألة الحكم، كانت مسألة جوهرية في هذه الرسالة، و ليست مسألة مؤقتة، أو أمرا هامشيا في هذا الدين.
و أنّ هذا الدين لا تنتهي رسالته عند دعوة الناس و إبلاغهم شريعة اللّه و أحكامه، و ردعهم عن الخضوع للأوثان و العبادة لغير اللّه.
بل إنّ من صميم هذه الرسالة، أن يتولّى المنهج الإلهي الحكم في حياة الناس، و ليس هذا الدين مجموعة من (الاقتراحات الطيّبة) و (النصائح و المواعظ الدينية) التي تلقى على المنابر و يتلقاها الناس بالقبول، و يعرض على غيرهم من الناس في سلام، و إنّما هو منهج في التشريع و مشروع للتنفيذ، و مخطّط للتحكيم، و دعوة و دولة، و قوّة و صلابة في تحقيق ذلك كلّه.
الدعوة و الدولة في هذا الدين:
و إذا كانت (الدعوة) قد سبقت (الدولة) في حياة النبي6، فإنّ ذلك لا يعني أنّ الدولة لم تكن حاجة أساسية في هذا الدين، أو جاءت عرضا و بالصّدفة. فإنّ كلّ شيء في حياة النبي6، يشهد بأنّ هذه الدعوة كانت ملتحمة بفكرة الدولة، و أنّ هذه الدعوة لم يتأتّ لها أن تغزو جزءا كبيرا من
الأرض، و أن تنشر النور و الوعي في كل مكان، لو لا أن كانت دولة تسندها.
و قد كان من ضمن المخطط الكبير، أن يسبق الدعوة وجود الدولة، و أن يسبق هذه الدولة تغيير نفسي عميق للناس، و بناء للشخصية الإسلامية، على اسس عقائدية متينة، لتكون الدولة دولة عقائدية هادفة، ذات رسالة إلهية في تاريخ هذا الإنسان.
فلو لا الدعوة لم تكن الدولة التي أقامها هذا الدين قادرة على تحقيق رسالة اللّه على وجه الأرض، و لم تكن هذه الدولة ذات رسالة تغييرية في حياة الإنسان، و لم تكن إلّا شيئا من هذه الحكومات التي تتعاقب على الحكم، و لا تترك في الحياة الاجتماعية غير هذا الصخب و الضجيج و العبث بمصالح الناس.
فقد عاشت الدعوة في مكّة ثلاثة عشر عاما من دون دولة، فلم يؤمن بها غير قلّة في مكّة، و عاشت هذه الفترة في أزمة و محنة قاسية. و لم تنتقل الدعوة إلى المدينة، حيث وجدت الفرصة الكفاية لإقامة الدولة، حتى استجابت الجزيرة كلّها للدعوة، و انطلقت رسل الدعوة إلى خارج الجزيرة، و لم يمرّ عليها قرن، حتى انفتحت للدعوة أقطار واسعة في آسيا و إفريقيّة و أوروبا أيضا.
و ليس ذلك إلّا لهذا الالتحام الوثيق بين الدعوة و الدولة في الإسلام؛ لأنّ أمر الدولة و الحاكمية من صميم هذا الدين و جوهره، و ليس شيئا طارئا عليه، حصل صدفة في حياة النبي6و بعده، دون أن يكون هناك مخطّط واسع لتحقيق هذه الدولة.
بعد عصر الرّسالة
وضوح الرّؤية:
لم يختلف المسلمون في أمر كما اختلفوا في أمر الخلافة و الحكم بعد رسول اللّه6، و لم تحدث فتنة بين المسلمين كما حدث بعد رسول اللّه6.
و قد ذهب المسلمون في هذه الفتنة، مذاهب شتّى من الرأي و المعتقد، إلّا أنّ الّذي يلفت النظر حقّا في هذه الفتنة، التي لم تخمد جذوتها بعد، أنّ المسلمين مهما اختلفوا في شيء، فلم يختلفوا في أصل وجوب إقامة الحكم الإسلامي بين المسلمين، و مبايعة حاكم من بين المسلمين، يحكم بينهم بكتاب اللّه و سنّة رسوله6.
و هو أمر عجيب حقّا، ملفت للنّظر، فقد كانت المسألة من الوضوح عند المسلمين حدا لا يقبل أدنى تشكيك. فلم يحدّثنا التاريخ، أنّ واحدا من المسلمين كان يقول، أو يرى في السقيفة التي احتدم المسلمون فيها في أمر الخلافة؛ أن لا حاجة إلى خليفة أو حاكم، و بوسع المسلمين أن يعيشوا كما كانوا يعيشون في الجاهلية من غير خلافة أو إمامة إسلامية.
و فيما بعد هذا اليوم أيضا، لم يحدّثنا تاريخ المذاهب و النّحل أن حدث بين المسلمين خلاف في هذه المسألة.
و استمرّت مسألة أصالة الحاكمية في الإسلام، و وجوب الالتفاف حول الحاكم الإسلامي و مبايعته و طاعته أمرا لا يشكّ فيه أحد، و إن كان الشكّ يراود المسلمين كثيرا، فيمن كانوا ينصبون أنفسهم أئمة و قيّمين على
المسلمين، و في الشروط التي تؤهّل أصحابها لتسلّم الحكم فيما بين المسلمين[1].
و مهما كان من انحراف الأجهزة التي تولّت الحكم على امتداد التاريخ الإسلامي، و بعدها عن الأصالة الإسلامية و المفاهيم و المقاييس الإسلامية في الحكم، فإنّ المسلمين بقوا يؤمنون رغم كل هذه الانحرافات، أنّ الحاكمية لا يجوز أن تنحرف عن هذا الدين، و حتى الحكام الذين كانوا يتناوبون على الحكم في اتجاه منحرف عن هذا الدين، كانوا يحكمون باسم هذا الدين، و كان الفقه الإسلامي هو القانون الذي يحقّ له أن يحكم حياة الناس في شئونهم الفرديّة و الاجتماعية، و علاقاتهم الداخلية و الخارجية.
و لا يعني ذلك تبريز هذا الانحراف في الحكم في عصور الخلافة الإسلاميّة، إلّا أنّ أصالة الحاكمية في هذا الدين كانت تحظى- حتى سقوط الخلافة العثمانية- بوضوح كامل لدى جمهور المسلمين، و لم يكن أحد من المسلمين يفكّر يومذاك، أنّ الدين شيء و الدولة شيء غريب عن الدين، و لا يتّصل به بسبب، و أنّ من الجائز أن يحافظ المسلمون على دينهم بينما يحكمهم حاكم كافر، و ينظّم حياتهم قانون غريب عن تراث هذه الامّة و فقهها.
التآمر على هذا الدين:
و لم يختف هذا الوضوح، إلّا بعد جهد كبير بذله الاستعمار في تغيير
[1]عدا فرقة واحدة من الخوارج تعرف بالنجدات، و قد اندثرت تأريخيا، و لا وجود لها اليوم، كانت ترى أن لا حاجة للمسلمين إلى إمام. راجع شرح المقاصد للتفتازاني: 5/ 235.
ملامح هذا الدين لدى العامّة من المسلمين، و تحويله إلى دين يشبه المسيحية (التي تؤمن بها أوروبا و إفريقيّة) يقنع من الأرض بما تحيطه جدران الكنائس، و يقنع من حياة الناس بالساعات القليلة التي يقضيها الناس في هذه الكنائس من أيّام الآحاد، و يقنع من الإسهام في الحياة الاجتماعية، بما تتطلّبه التقاليد الاجتماعية حين يموت أحد و يجري تشييعه و دفنه.
و قد حاول الاستعمار أن يعطي نفس الطابع للإسلام في نظر المسلمين، و يفقده أصالته و حيويته، و اهتمامه الكبير بمسائل الحياة و شئونها، و يفصل الدين عن الدولة و عن شئون الحياة الاخرى.
و منذ ذلك التاريخ أخذ هذا الوضوح بالاختفاء، و أخذ المسلمون- في الغالب- لا يعون من الدين إلّا هذه الطقوس التي تجري أحيانا عن إيمان و إخلاص، و تجري أحيانا اخرى كعادات و تقاليد اجتماعية لا بدّ من الإتيان بها. و لا يستعيد المسلمون كيانهم و شخصيتهم على وجه الأرض، و لا يمكن أن تنطلق هذه الدعوة في تحقيق رسالة اللّه، إلّا حينما يعي المسلمون حقيقة دينهم، و واقع هذه الرسالة، و إلّا حينما ينبثق من هذا الوعي قوّة إسلامية على وجه الأرض، و كيان اجتماعي و سياسي ذو جذور و أبعاد رسالية و عقائدية.
موقف أهل البيت من مسألة الحكم:
من نافلة القول أن نتحدّث عن انحراف الأجهزة التي تولّت الولاية و الحاكمية في المسلمين، في فترات طويلة من خلافة المسلمين.
ففي العصر الأموي و العصر العبّاسي و العصور التي تلت هذا العصر، بلغ انحراف الخلافة الإسلامية، حدّا لا يصحّ و لا يمكن الدفاع عنها.
و قد تصدّى أهل بيت رسول اللّه6، لتصحيح هذا الوضع الشّاذ في
جهاز الحكم الإسلامي، و تعديل مسيرة الحكم الإسلامي. و لا نحتاج إلى كثير من العناء و البحث، لنكتشف أبعاد الدور القيادي و التخطيط الهادف الذي كان يمارسه و ينفّذه أهل البيت:في إعداد الامّة، في حركة تغييرية واسعة، لرفض سلطان الباطل، و المطالبة بإعادة الحكم الإسلامي إلى مجراه الصحيح. و آية هذه الحركة الواعية في تاريخ أهل البيت:، للمطالبة بتقويم ما انحرف من مسيرة الحكم، ثورة الحسين من أهل البيت:.
فهو7كان يصرّح معلنا أهداف حركته الكبرى:
«إنّي لم أخرج أشرا و لا بطرا، و لا مفسدا و لا ظالما، و إنّما خرجت لطلب الإصلاح في امّة جدّي اريد أن آمر بالمعروف و أنهى عن المنكر و أسير بسيرة جدّي و أبي عليّ بن أبي طالب».
و يرفض بيعة يزيد بقوّة و إصرار، و يرفض أن يكون (يزيد بن معاوية) أهلا لإمامة المسلمين، و هو من تعرفه الامّة معاقرا للخمر، لاعبا للقمار، سفّاكا للدماء، محلّلا لما حرّمه اللّه على عباده.
و الأئمة الذين تسلّموا مسئولية الإمامة بعد الحسين7، من أهل البيت، لم يختلف موقفهم من انحراف الحكومات المعاصرة لهم، إلّا بقدر ما يتعلّق بضرورات المرحلة و متطلّباتها.
فقد كان أهل البيت:إذن يخطّطون لتقويم جهاز الحكم الإسلامي، و تعديل ما انحرف منه، و تسلّم الحكم و الولاية، و القيمومة على حياة المسلمين.
و ليس من شكّ أنّ الاسلوب الذي كان يمارسه الإمام الحسين7،