الشخصيات الشيعية و اضطهادهم و سجنهم، و تفتيت العوائل و الاسر الشيعية العريقة، و قتل العلماء و مطاردتهم إلّا نتيجة لهذا العمل السياسي الكبير الذي كان يجري تحت الأرض بعيدا عن عيون السلطات الأمنية في الأنظمة المعاصرة لهذه الفترة.
و الذي يتابع أدوار تاريخ هذه المرحلة، سيلفت نظره كثرة الفقهاء الشهداء، حتى إنّ الشيخ عبد الحسين الأميني;الباحث و المتتبع المعروف كتب كتابا عن الشهداء من الفقهاء في هذه المرحلة من تاريخ الشيعة أسماه ب (شهداء الفضيلة).
و هذه المرحلة تمتد إلى وقت متأخر رغم تحسن الظروف السياسية في بعض الفترات، و لكن يبقى (الإرهاب و التقية) هو الطابع العام لهذه المرحلة التاريخية الطويلة و الصعبة.
و لم يؤرخ أحد التاريخ السياسي لهذه المرحلة بصورة واسعة و دقيقة، و هي مرحلة جديرة بالتكفير و الدراسة و العناية العلمية. و من المؤسف حقّا أن يضيع نتيجة هذا الإهمال العلمي تاريخ حافل بالجهاد و العمل السياسي الهادف؛ و لو أرّخ العلماء هذه الفترة في دراسة علمية دقيقة لعلم الناس ما لفقهاء الشيعة من دور كبير في خدمة الإسلام الأصيل الذي بعث اللّه به رسوله6، في المساحة الشيعية و السنية معا في غمار الانحرافات السياسية و انحرافات الحكام و ظلمهم و طيشهم من الذين حكموا باسم الإسلام، و مارسوا كل قبيح و فساد في تاريخ الإسلام باسم الإسلام إرضاء لأهوائهم و شهواتهم و تثبيتا لدعائم حكمهم و سلطانهم.
و فقهاء الشيعة في هذه الفترة المظلمة كانوا يقومون بدور كبير في
حفظ أصالة الإسلام و نقائه، و عزل جماهير الامّة (دينيا) عن الحكام، و نفي الشرعية عنهم و الفصل بينهم و بين الدين، لا بين السياسة و الدين.
و مهما يكن من أمر فهذه مرحلة من أخصب مراحل المرجعية الشيعية، و في نفس الوقت من أصعبها و أشقّها. و كما تعرّض الشيعة و فقهاؤهم لظلم الحكّام و الأنظمة في هذه الفترة، كذلك ظلمتهم أقلام المؤرخين فلم يؤرّخوا التاريخ الحافل ذا الحركة و العمل لفقهاء الشيعة في هذه المرحلة من التاريخ. و لو لا مفردات نوعية من الجهاد و الحركة و العمل لفقهاء الشيعة وصلت إلينا لاندثرت هذه المرحلة بكاملها، و ضاع بذلك تراث عريق من العلم و العمل. و كان بودّي أن لا افارق الحديث عن هذه المرحلة حتى افصّل الحديث عنها تفصيلا، غير أنّي مضطر أن ارغم القلم على تجاوز هذه المرحلة، على أمل أن يقيّض اللّه تعالى من العلماء و الكتّاب و المؤرخين من يؤرخ هذه المرحلة، و يعطيها حقها من تاريخ و جهاد و صبر و مقاومة عبر جهاد علمائها المخلصين.
و لو لا جهود فقهاء الشيعة و مقاومتهم و عملهم الدءوب خلال هذه الفترة لا نزوت مدرسة أهل البيت:تاريخيا في هذه المرحلة، و تحوّلت إلى مذهب فكري و سياسي معزول و باطني بين الحياة و الاندثار، كما هو الشأن في طائفة من المذاهب التي حاربها الحكام، و لم يكن يشفع لهذا المذهب ارتباطه بأهل البيت:، الذي أنزل اللّه تعالى الكتاب و الوحي في بيوتهم. و ينجلي هذا الليل المظلم، بكل بشاعته و ظلمه لتدخل القيادات الشيعية مرحلة التصدي العلني للمعارضة السياسية و مقارعة الأنظمة المعتدية و المنحرفة، و لننظر في هذه المرحلة السياسية الجديدة من تاريخ الشيعة و جهادهم السياسي.
من إعلان المعارضة إلى الولاية و تسلّم الحكم
- 2- في هذه المرحلة تجاوز التشيّع خطر الإبادة و التصفية الجسديّة و السياسية و الفكريّة، و هو عمل جبّار لفقهاء المرحلة الاولى، تسلّمه فقهاء المرحلة الثانية بجدارة و كفاءة و تصدّى فقهاء هذه المرحلة للعمل السياسي تحت ضوء الشمس و على الأرض، و كان محتوى العمل السياسي في هذه المرحلة هو مواجهة الأنظمة الحاكمة و السلاطين المنحرفين المتسلطين على مقدرات الامّة.
و من الصعب جدا أن نحدد بصورة دقيقة الفترة الزمنية التي انتقلت فيها القيادة الشيعية من مرحلة العمل السري إلى مرحلة المعارضة العلنية، فإنّ فترات هاتين المرحلتين متداخلة أحيانا في التاريخ، حسب انفراج و اشتداد الظروف السياسية، إلّا أنّ السمة البارزة لهذه المرحلة التصدي للعمل السياسي و المواجهة العلنية.
و عند ما نستعرض تاريخ هذه المرحلة نلتقي بثلاثة أنواع من التحدّي الحضاري و السياسي التي تواجه المسلمين و هي:
«التغريب، و الاستعمار، و الاحتلال».
و قد كان الاحتلال واسعا كالاستعمار في آسيا و إفريقيّة، إلّا أنّ حركة الاحتلال انحسرت بالتدريج و تحرر أكثر البلاد الآسيوية و الإفريقيّة من الغزو العسكري. و لم يبق من العالم الإسلامي بلد تحت الاحتلال المباشر للغرب غير فلسطين و بعض البلاد الإفريقيّة، إلّا أنّ موجة الاستعمار
و التغريب بقيت على قوّتها.
و كانت موجة التغريب و الاستعمار تأتي من ناحية الغرب بطبيعة الحال، و دخلت الجبهة الشرقية (الاتحاد السوفيتي) بعد ذلك في هذه الحلبة إلى حد منافسة الغرب سياسيا و حضاريا و ثقافيا، فأصبحت المنطقة الإسلامية ميدانا لحركة و نشاط الغرب و الشرق السياسي و الفكري و الحضاري. و كان في واجهة هذه الحركة (و ليس وراءها) عملاء الغرب و الشرق من حكّام المنطقة، و كان الاستعمار يستخدم هؤلاء العملاء و الأنظمة المرتبطة بمثابة عتلة قوية لتحقيق و إنجاز المهمات الصعبة.
و بطبيعة الحال كانت مهمة فقهاء هذه المرحلة هي مواجهة هذه الأنظمة و من وراءهم من دول الاستكبار العالمي في الشرق و الغرب. فكانت المهام السياسية الأساسية في حركة العلماء في هذه المرحلة ثلاث مهام:
أ- الدعوة إلى الجهاد ضد الاحتلال الأجنبي.
ب- مكافحة الاستعمار الاقتصادي و السياسي.
ج- مكافحة التغريب و الأفكار المستوردة من الشرق و الغرب.
و كانت الأداة المفضلة لمرجعية الشيعة في هذه الحركة ضد الاحتلال و الاستعمار و التغريب هي توعية الجماهير و تحريكها، و هذه الحركة كانت تكتسب أحيانا دورا إيجابيا من المواجهة المسلحة و غير المسلحة، و تأخذ أحيانا دورا سلبيا نحو مقاطعة الأنظمة و معارضتها.
و قد خاضت مرجعية الشيعة صراعا طويلا في هذه المرحلة، و في هذه الساحات الثلاث، في مثل:
ثورة إيران و العراق (ضد استبداد الدولة القاجارية في إيران).
- ثورة العشرين في العراق ضدّ الاحتلال الإنكليزي.
- معركة الدستور في الدولة العثمانية التي وقف فيها علماء النجف إلى جانب المطالبة بالدستور.
- حركة الميرزا الشيرازي في تحريم استعمال التنباك.
- حركة الميرزا كوجك خان في شمال إيران.
- مواجهة الاحتلال الروسي في عهد مظفر الدين قاجار.
- مواقف علماء النجف:
من الاحتلال الإيطالي لليبيا.
من الاحتلال الصهيوني لفلسطين.
مواجهة المد الأحمر في العراق.
- حركة العلماء ضدّ برامج الشاه التي أسماها (الثورة البيضاء).
- مواقف علماء أفغانستان من الاحتلال الروسي لأفغانستان.
- و موقفهم أيضا من اليسار و الإلحاد الماركسي.
- موقف علماء لبنان من المارونية و من التحالف الماروني الصهيوني.
- موقف علماء البحرين من استبداد الحكام في البحرين- مواقف العلماء ضدّ التطرّف السلفي، و مواقفهم ضد الهجمات الوهابية المسلحة على سواحل الخليج و العراق.
- مواقف العلماء في إيران ضدّ البهائية.
- انحراف أحمد كسروي.
- مواقف علماء العراق في انتفاضة رجب و شعبان في العراق.
و لو أننا استعرضنا فهرسا بعناوين هذه الانتفاضات و الثورات و الحركات و الدعوات و المواقف التي نهض بها علماء الشيعة خلال هذه
المرحلة من التصدي للعمل السياسي و المواجهة لطال الحديث و الكلام.
و لو أننا أرّخنا هذه المواقف و الحركات و الأعمال لاقتضى الأمر إلى تدوين مجلدات من التاريخ. و قد أولت الجماهير المرجعية الدينية خلال هذه المعارك و المواقف و المواقع ثقة كبيرة يندر مثلها في التاريخ السياسي المعاصر. و هذه الثقة و العلاقة القوية بين الجمهور و الفقهاء هي التي مكنتهم من مواصلة التحرك بعكس التيار خلال هذه الفترة من تاريخ المرجعية.
مرحلة تسلّم الحكم و ممارسة الولاية
- 3- و تطور هذا العمل السياسي و الحركي و الجهادي الذي نهضت به مرجعية الشيعة إلى الثورة الإسلامية الكبرى التي أسقطت حكم الشاه و أنهت اسرة (بهلوي) في إيران و مكّنت المرجعية الشيعية من تسلّم الحكم في إيران ضمن نظرية فقهية محددة المعالم، و ثابتة الاصول من الناحية الفقهية بعنوان «ولاية الفقيه».
و هذه النظرية و إن كانت حديثة العهد بالتنفيذ، و لم تدخل مرحلة الممارسة و الفعلية إلّا في وقت متأخر، إلّا أنّ الدراسة التاريخية لهذه النظرية تكشف لنا عن عمق تاريخي لهذه النظرية في اصولها الاولى يرجع إلى عصر أهل البيت:.
و من الناحية التنظيرية نلتقي بدراسات فقهية مدونة و كاملة عن (ولاية الفقيه) قبل أكثر من قرن، و من هذه الدراسات البحث العلمي القيم الذي كتبه المحقق و الباحث الفقيه الشيخ أحمد النراقي (;تعالى) ضمن أبحاث
كتابه الفقهي القيم «العوائد» و هو استاذ الشيخ مرتضى الأنصاري;.
و هذا العمق النظري- على الأقل- لمسألة ولاية الفقيه في الفقه الشيعي، يكشف لنا عن العلاقة التاريخية بين المرجعية و الولاية و الحكم على الصعيدين النظري بصورة واسعة، و العملي في الدائرة الممكنة و الميسرة.
و إنّ انتصار الثورة الإسلامية و قيام الجمهورية الإسلامية بقيادة الإمام الخميني (;تعالى) لم يكن حدثا عفويا و صدفة من صدف التاريخ، إذا كان في التاريخ صدف، و إنّما كان نتيجة لتاريخ طويل من العمل و الحركة. و دخلت المرجعية في هذه المرحلة ساحة الصراع الدولي من أوسع الأبواب، و أصبحت فجأة في مواجهة المؤمرات الدولية و الصراع الدولي بصورة مباشرة، و استهدفت من قبل الشرق و الغرب، في حديث طويل يعرفه من يلمّ بالوضع السياسي المعاصر في العالم.
و لو لا الجذور التاريخية و العقيدية المتينة و العميقة لهذه الدولة الجديدة لسقطت أمام زوبعة المؤامرات الدولية التي واجهتها خلال هذه المدة. و لكن للّه تعالى شأن في هذه الدولة الفتية، و له عزّ شأنه إرادة في أمر هذه الدولة، فلا يمكن أن يثبت في الحسابات الماديّة المعقولة نظام سياسي في هذه المنطقة الحساسة، و في وسط هذه العواصف من المؤامرات لو لا إرادة اللّه تعالى و أمره، و الأمر للّه تعالى وحده.
و نأمّل نحن أن توطئ هذه الدولة المباركة لقيام الدولة الكريمة التي بشّر بها الأنبياء:و التي ينهض بها المهدي7من آل محمد6و ينشر فيها العدل في أرجاء الأرض إن شاء اللّه تعالى.
مسألة الولاية على الصعيد الفقهي العام
من الناحية الفقهية لا أعتقد أنّ ثمّة مشكلة فقهية في مسألة الولاية و الطاعة.
فإنّ الخلاف المعروف بين الفقهاء في أمر (ولاية الفقيه) لا يتصل بهذه المسألة، و لا علاقة له بمسألة الارتباط بالولاية و الطاعة و البيعة سواء كان الرأي الفقهي في مسألة ولاية الفقيه بالإيجاب أو بالسلب.
فإنّ الخلاف المعروف في مسألة ولاية الفقيه يتلخص في أنّ الفقاهة هل تكسب صاحبها الولاية أم لا؟
و هذه مسألة يختلف فيها الفقهاء بين رأيين مختلفين، فينفي الشيخ الأنصاري و طائفة من تلامذة مدرسته ولاية الفقيه بهذا المعنى، و منهم آية اللّه السيد الخوئي;، و يذهب جمع آخر من الفقهاء إلى إثبات الولاية للفقهاء