بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 26

دور العلماء في إحباط المؤامرات الثلاثة على العالم الإسلامي

لكي نعرف قيمة الدور الذي نهض به العلماء في تاريخنا السياسي و الفكري المعاصر، لا بدّ أن نشير إشارة سريعة إلى المؤامرات الثلاثة الكبرى التي حلّت بالإسلام و المسلمين في تاريخنا الفكري و السياسيّ المعاصر و القريب منه ... عندئذ نستطيع أن نقيّم الدور الذي نهض به العلماء في هذه المرحلة من التاريخ، و نحدّد اسلوب النقد الذي نسمح به لأنفسنا في نقد نقاط الضعف الموجودة في هذه المؤسسة.

و هذه المؤامرات هي:

1- التحريف.

2- التغريب.

3- الاستبداد السياسي.


صفحه 27

1- التحريف:

حركة التحريف المعاصرة حركة واسعة و هي في الظاهر فكريّة عقائديّة، إلّا أنّها في خلفياتها سياسيّة.

و الأهداف التي يحققها التحريف في المجتمع الإسلامي هي:

أ- النيل من نقاوة الفكر الإسلامي و أصالته.

ب- تشويش الساحة الإسلامية بإثارة المشاكل الفكرية فيها و خلق جوّ من الاضطرابات و القلق الفكري في هذه الساحة.

ج- إيجاد أقلّيات عقائدية و فكرية في المجتمع الإسلامي، تنفذ من خلالها الأنظمة التي تحكم الامّة بالاستبداد و الإرهاب، و تتخذ منها أدوات لإثارة المشاكل و المتاعب في صفوف الامّة، و بالتالي إحكام القبضة السياسية على الامّة.

و لو استقرأنا التاريخ الإسلامي القريب و البعيد وجدنا أنّ هذه الأقليّات التي أوجدتها الانحرافات الفكرية خلقت كثيرا من المشاكل في حياة الامّة، كالفرق المنحرفة من الصوفية و القاديانية و الشيخية، و الغلاة، و البابية و البهائية و النواصب و الآغاخانية و غيرهم.

و قد كان للعلماء دور بارز في مكافحة هذه الانحرافات الفكرية و التقليل من حجمها و خسائرها.

فإنّ بعض هذه الفرق كان يمسّ اصول الالوهية كالغلاة، و بعضها كان يمسّ النبوة و المعاد و العدل، و منها ما كان يمسّ شريعة اللّه و حدوده من الحلال و الحرام.


صفحه 28

2- التغريب:

و هو أشرس هجوم قام به الغرب تجاه الشرق.

و قد سبقت هذا الهجوم الدراسات الاستشراقية التي مهّدت لدخول الغرب إلى العالم الإسلامي في الشرق.

و كانت الغاية من هذا الهجوم هو مصادرة القيم الإسلامية و تصدير الأفكار و الأعراف الغربية إلى العالم الإسلامي.

فمتى بدأ هذا الهجوم؟ و كيف كانت بداياته؟ و الغاية منه؟

في عام 1798 م غزا نابليون مصر و هذه السنة بالذات تعتبر بداية محنة طويلة للشرق الإسلامي.

و لم يواجه نابليون في هذا الغزو مواجهة عسكرية تذكر، و لكنه واجه مقاومة شديدة من قبل جماهير الامّة التي كانت تتمتع بحصانة حضارية قوية ضدّ غزو الكافر لبلاد المسلمين. و قد شلّت هذه المقاومة حركة نابليون العسكرية.

فإنّ الإسلام يمنح المسلم مناعة كاملة ضد الكفر و أخلاقه و أفكاره و أحكامه و عاداته و نفوذه، مهما يكن أمر هذا النفوذ، سياسيّا كان، أم عسكريّا أم اقتصاديّا، أم حضاريّا. و هذه الحصانة و البراءة التي يتمتع بها الإنسان المسلم تحميه من غزو الكفار.

و قد اصطدم نابليون في مصر بهذه العقبة أشدّ و أقوى من المواجهة العسكرية التي واجهها في هذا الغزو.

فبدأ نابليون يفكّر في تغريب الشرقيين و انتزاع هذه المناعة الإسلامية‌


صفحه 29

من نفوس الشرقيين و تطبيعهم بمعاشرة الغربيّين و ترويضهم بقبول أخلاقهم و عاداتهم و قيمهم و قوانينهم و نفوذهم السياسي و العسكري و الفكري و الاقتصادي.

و لذلك بدأ نابليون يفكر في مخطط كامل للغزو الحضاري إلى جانب الغزو العسكري.

و قد ورث الإنكليز بعد ذلك نظرية الغزو الحضاري من سلفهم الفرنسيين كما ورثها الأمريكان من الإنكليز.

و مهما يكن من أمر فإنّ الغربيّين بدءوا حركة تخريب حضارية شرسة في مصادرة القيم و الأحكام الإسلامية و استبدالها بالقيم و الأحكام المادية في العالم الإسلامي. و أهم مفردات التغريب ثلاث:

أ- إسباغ الطابع المادي (اللّاربّاني) على حياة الإنسان، و عزل الإيمان باللّه عن حياة الإنسان المسلم، و حشر الإيمان باللّه في زوايا و مساحات محدودة من حياته في المساجد و في بعض الطقوس و الشعائر الدينية، كما عزل الغرب الإيمان باللّه من حياته العملية و حشره في الكنيسة و في بضع ساعات من أيام الآحاد فقط ... بعكس الاتجاه الإسلامي الذي يحاول أن يربط كل حياة الإنسان بالإيمان باللّه و ذكره. ففي منهج التربية الإسلامية يرتبط الإنسان في كل حال بذكر اللّه، و يستقيم في كل حالة على نهج اللّه، و يراقب حضور اللّه تعالى و مراقبته له في كل أحواله، حتى في غير العبادات و ممارسة الشعائر الدينية.

و هو بعكس ما يتجه إليه الغرب تماما بالنسبة إلى الإيمان باللّه؛ فإنّ الغرب لم يرفض بصورة رسمية مسألة الإيمان، و لكنه عزل الإيمان عن‌


صفحه 30

حياته تماما، إلّا في حالات نادرة و ضمن مساحات محدودة جدا.

و من مظاهر إسباغ الحالة الماديّة (اللّاربّانية) على حياة الإنسان، تحويل الإنسان من محور الوهية اللّه تعالى إلى محور الوهية الإنسان، و استبدال الوهية اللّه بالإنسان في حقّ التشريع و السيادة.

ففي الإسلام يرجع الإنسان كلّا من هذين الأمرين (التشريع و السيادة) إلى اللّه تعالى، و لا يحقّ للإنسان أن يشرّع، فإن التشريع خاص باللّه تعالى، و لا يحقّ للإنسان أن يتولّى سلطانا أو ولاية في شأن من شئون الناس إلّا فيما يأذن به اللّه تعالى، و في حدود ما أذن به اللّه تعالى، فإنّ التشريع و الولاية للّه لا يشاركه فيه أحد من خلقه.

و قد حوّل الغرب حقّ التشريع و حقّ السيادة من محور (اللّه) تعالى إلى محور الإنسان، و جعل من الإنسان إلها يشرّع و يمنح حقّ السيادة و الولاية في مقابل اللّه تعالى.

و هذه هي النظرية المعروفة ب‌ (الديمقراطية) التي يتبنّاها الغرب و روّج لها، و صدّرها إلى الشرق الإسلامي فيما بعد.

و بموجب هذه النظرية يحقّ للإنسان أن يشرّع لحياته ما شاء من حكم و قانون، و يحقّ له أن يمنح الولاية و السيادة لمن يشاء من الناس بغير حدود.

و الخلاصة الأخيرة التي نستطيع أن نوجز بها هذه النظرية هي: أنّ الديمقراطية تقرر حاكمية الإنسان في مقابل حاكميّة اللّه تعالى، و تعكس تضايق الإنسان من حاكمية اللّه، و تتوجّه إلى استبدال حاكمية اللّه بحاكمية الإنسان. يقول تعالى:وَ طٰائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّٰهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ


صفحه 31

الْجٰاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنٰا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْ‌ءٍ[1].

و الإسلام يقرّر في مقابل الديمقراطية مبدأ الشورى و هو مبدأ ينسجم تماما مع أصل التوحيد، يقرر مشاركة الناس بصورة حقيقية في تقرير مصيرهم، دون أن يزاحم حقّا للّه تعالى في التشريع و السيادة.

و من الخطأ ما يرتكبه بعض الكتّاب المعاصرين في الخلط بين مبدأ (الشورى) و (الديمقراطية).

ب- التحلّل و الإباحية: و هو البعد الثاني من أبعاد الحضارة الغربية، و المفردة الثانية من أهمّ مفردات التغريب التي صدّرها الغرب للشرق، و تتلخّص هذه المفردة في دعوة الإنسان إلى التحلّل من القيود و القيم، و فسح المجال للإنسان أن يأخذ حظّه من كل الشهوات و اللّذات من دون قيود و لا حدود. و قد دخلت هذه الإباحية و هذا التحلّل بلادنا في الشرق تحت شعار (الحرية) كما دخل معها العدوان على حقّ اللّه في التشريع و السيادة تحت عنوان (الديمقراطية).

و نظّر الغرب للتحلّل و الإباحية بنظريات علمية دخلت بلادنا مع الحرية و الإباحية جنبا إلى جنب، كالداروينيّة، و الفرويدية، و أمثال ذلك من النظريات التي تؤكّد عمق الحالة الحيوانية و تأصيل الجانب الحيواني لدى الإنسان و أصالة الهوى و الشهوة و الغريزة في شخصيّته. و تعطي الغريزة الجنسية الدور الأوّل و الأكبر في حياة الإنسان، بعكس الاتجاه القرآني الذي يعطي للجانب الروحي و الإنساني الدور الأوّل و الأكبر في حياة الإنسان،

[1]آل عمران: 154.


صفحه 32

و يعتبر الجانب الحيواني مركّبا للشطر الإنساني.

كما أنّ الإسلام يخالف تماما طرح الحرية مفهوما و شعارا و قيمة في حياة الإنسان، فإنّ الإنسان من حيث المبدأ عبد للّه تعالى، و شأن العبد الطاعة و الالتزام و التعبّد و التقوى و كفّ النفس و الاستعصام و الورع.

و هذه المفاهيم التي يطرحها الإسلام في مقابل التحلّل و الإباحية تنبع من أصل (العبودية). كما أنّ المفاهيم التي يطرحها الغرب تنبع من أصل (الحرية).

و هذان أصلان مختلفان لا يجتمعان، و لا تجتمع النتائج الحاصلة منهما، و هما يعتبران خطّان فكريان و حضاريان في اتّجاهين مختلفين و متعاكسين.

و نحن نتّهم الماسونية في تصدير هذه الكلمة إلى العالم الإسلامي.

و اللّه تعالى وحده يعلم الخسائر و الاضرار الحضارية، و الضلال، و العمى، و الطيش الذي لحق بهذه الامّة نتيجة شيوع و انتشار هذه الكلمة.

و قد أدرك علماؤنا بصورة مبكّرة خطر هذا الشعار، و حذّروا الناس منه، و استخدموا كلّ الوسائل الممكنة لصدّ تيّارها الجارف.

و كانوا مدركين بصورة واضحة للنتائج و الآثار السيئة التي تحملها هذه الكلمة، و للمدلولات العقائدية التي تدلّ عليها هذه الكلمة.

و نحن الآن بعد أكثر من سبعين سنة من الصراع بين هذين الخطّين نقرأ في التاريخ هذا الوعي المبكّر لعلماء الإسلام لمداليل هذه الكلمة و آثارها في حياة المسلمين فيملكنا الإعجاب و الاعتزاز بهذا الوعي و التحذير المبكّر.


صفحه 33

يقول الملّا علي الكني للملك ناصر الدين القاجار الإيراني في رسالة يبعثها إليه يحذّره فيها من حركة التغريب التي بدأت تزحف إلى العالم الإسلامي: (إنّ كلمة الحرية القبيحة تصادر كل ما يقوله الأنبياء تحت عنوان العبودية و التقوى).

و يعبّر الشيخ فضل اللّه النوري عن هذه الكلمة ب‌: الكلمة المشئومة.

ج- استبدال الولاء للّه و لرسوله و للمؤمنين بالولاء للقوم و الوطن: كانت عملية (تبديل الولاء) واحدة من أهمّ نقاط المؤامرة في عملية التغريب، فليس في الغرب ولاء للّه و للرسول و للمؤمنين، و إنّما الولاء للوطن و القوم، و ليس فيما بين المسلمين ولاء للقوم و الوطن، و لكن الولاء للّه و لرسوله و للمؤمنين.

و مع استقرار هذا الولاء في نفوس المسلمين لا يمكن النفوذ إلى كيانهم السياسي و بسط نفوذهم و سلطانهم في بلاد المسلمين.

و لهذا السبب خطّط الغرب لعملية تبديل الولاء، و استحداث الولاءات القومية، و الوطنية و أفقد العالم الإسلامي الحصانة التي كان يتمتّع بها من ناحية الولاء للّه و لرسوله و للمؤمنين.

و سخّرت الأنظمة الحاكمة في بلاد المسلمين كل إمكاناتها الإعلامية و التربوية لإلغاء الولاء للّه و لرسوله و للمؤمنين. و تثبيت الولاء للقوم و الوطن مكان الولاء للّه.

و عمّقت هذه الأنظمة فكرة الولاء القومي و الوطني بكل إمكاناتها.

فعمّمت الثقافة الوطنية و القومية على كل الجهاز التربوي و التعليمي في بلاد المسلمين، و نظّمت على هذا الأساس البرامج الفنيّة في الإعلام من خلال‌