1- التحريف:
حركة التحريف المعاصرة حركة واسعة و هي في الظاهر فكريّة عقائديّة، إلّا أنّها في خلفياتها سياسيّة.
و الأهداف التي يحققها التحريف في المجتمع الإسلامي هي:
أ- النيل من نقاوة الفكر الإسلامي و أصالته.
ب- تشويش الساحة الإسلامية بإثارة المشاكل الفكرية فيها و خلق جوّ من الاضطرابات و القلق الفكري في هذه الساحة.
ج- إيجاد أقلّيات عقائدية و فكرية في المجتمع الإسلامي، تنفذ من خلالها الأنظمة التي تحكم الامّة بالاستبداد و الإرهاب، و تتخذ منها أدوات لإثارة المشاكل و المتاعب في صفوف الامّة، و بالتالي إحكام القبضة السياسية على الامّة.
و لو استقرأنا التاريخ الإسلامي القريب و البعيد وجدنا أنّ هذه الأقليّات التي أوجدتها الانحرافات الفكرية خلقت كثيرا من المشاكل في حياة الامّة، كالفرق المنحرفة من الصوفية و القاديانية و الشيخية، و الغلاة، و البابية و البهائية و النواصب و الآغاخانية و غيرهم.
و قد كان للعلماء دور بارز في مكافحة هذه الانحرافات الفكرية و التقليل من حجمها و خسائرها.
فإنّ بعض هذه الفرق كان يمسّ اصول الالوهية كالغلاة، و بعضها كان يمسّ النبوة و المعاد و العدل، و منها ما كان يمسّ شريعة اللّه و حدوده من الحلال و الحرام.
2- التغريب:
و هو أشرس هجوم قام به الغرب تجاه الشرق.
و قد سبقت هذا الهجوم الدراسات الاستشراقية التي مهّدت لدخول الغرب إلى العالم الإسلامي في الشرق.
و كانت الغاية من هذا الهجوم هو مصادرة القيم الإسلامية و تصدير الأفكار و الأعراف الغربية إلى العالم الإسلامي.
فمتى بدأ هذا الهجوم؟ و كيف كانت بداياته؟ و الغاية منه؟
في عام 1798 م غزا نابليون مصر و هذه السنة بالذات تعتبر بداية محنة طويلة للشرق الإسلامي.
و لم يواجه نابليون في هذا الغزو مواجهة عسكرية تذكر، و لكنه واجه مقاومة شديدة من قبل جماهير الامّة التي كانت تتمتع بحصانة حضارية قوية ضدّ غزو الكافر لبلاد المسلمين. و قد شلّت هذه المقاومة حركة نابليون العسكرية.
فإنّ الإسلام يمنح المسلم مناعة كاملة ضد الكفر و أخلاقه و أفكاره و أحكامه و عاداته و نفوذه، مهما يكن أمر هذا النفوذ، سياسيّا كان، أم عسكريّا أم اقتصاديّا، أم حضاريّا. و هذه الحصانة و البراءة التي يتمتع بها الإنسان المسلم تحميه من غزو الكفار.
و قد اصطدم نابليون في مصر بهذه العقبة أشدّ و أقوى من المواجهة العسكرية التي واجهها في هذا الغزو.
فبدأ نابليون يفكّر في تغريب الشرقيين و انتزاع هذه المناعة الإسلامية
من نفوس الشرقيين و تطبيعهم بمعاشرة الغربيّين و ترويضهم بقبول أخلاقهم و عاداتهم و قيمهم و قوانينهم و نفوذهم السياسي و العسكري و الفكري و الاقتصادي.
و لذلك بدأ نابليون يفكر في مخطط كامل للغزو الحضاري إلى جانب الغزو العسكري.
و قد ورث الإنكليز بعد ذلك نظرية الغزو الحضاري من سلفهم الفرنسيين كما ورثها الأمريكان من الإنكليز.
و مهما يكن من أمر فإنّ الغربيّين بدءوا حركة تخريب حضارية شرسة في مصادرة القيم و الأحكام الإسلامية و استبدالها بالقيم و الأحكام المادية في العالم الإسلامي. و أهم مفردات التغريب ثلاث:
أ- إسباغ الطابع المادي (اللّاربّاني) على حياة الإنسان، و عزل الإيمان باللّه عن حياة الإنسان المسلم، و حشر الإيمان باللّه في زوايا و مساحات محدودة من حياته في المساجد و في بعض الطقوس و الشعائر الدينية، كما عزل الغرب الإيمان باللّه من حياته العملية و حشره في الكنيسة و في بضع ساعات من أيام الآحاد فقط ... بعكس الاتجاه الإسلامي الذي يحاول أن يربط كل حياة الإنسان بالإيمان باللّه و ذكره. ففي منهج التربية الإسلامية يرتبط الإنسان في كل حال بذكر اللّه، و يستقيم في كل حالة على نهج اللّه، و يراقب حضور اللّه تعالى و مراقبته له في كل أحواله، حتى في غير العبادات و ممارسة الشعائر الدينية.
و هو بعكس ما يتجه إليه الغرب تماما بالنسبة إلى الإيمان باللّه؛ فإنّ الغرب لم يرفض بصورة رسمية مسألة الإيمان، و لكنه عزل الإيمان عن
حياته تماما، إلّا في حالات نادرة و ضمن مساحات محدودة جدا.
و من مظاهر إسباغ الحالة الماديّة (اللّاربّانية) على حياة الإنسان، تحويل الإنسان من محور الوهية اللّه تعالى إلى محور الوهية الإنسان، و استبدال الوهية اللّه بالإنسان في حقّ التشريع و السيادة.
ففي الإسلام يرجع الإنسان كلّا من هذين الأمرين (التشريع و السيادة) إلى اللّه تعالى، و لا يحقّ للإنسان أن يشرّع، فإن التشريع خاص باللّه تعالى، و لا يحقّ للإنسان أن يتولّى سلطانا أو ولاية في شأن من شئون الناس إلّا فيما يأذن به اللّه تعالى، و في حدود ما أذن به اللّه تعالى، فإنّ التشريع و الولاية للّه لا يشاركه فيه أحد من خلقه.
و قد حوّل الغرب حقّ التشريع و حقّ السيادة من محور (اللّه) تعالى إلى محور الإنسان، و جعل من الإنسان إلها يشرّع و يمنح حقّ السيادة و الولاية في مقابل اللّه تعالى.
و هذه هي النظرية المعروفة ب (الديمقراطية) التي يتبنّاها الغرب و روّج لها، و صدّرها إلى الشرق الإسلامي فيما بعد.
و بموجب هذه النظرية يحقّ للإنسان أن يشرّع لحياته ما شاء من حكم و قانون، و يحقّ له أن يمنح الولاية و السيادة لمن يشاء من الناس بغير حدود.
و الخلاصة الأخيرة التي نستطيع أن نوجز بها هذه النظرية هي: أنّ الديمقراطية تقرر حاكمية الإنسان في مقابل حاكميّة اللّه تعالى، و تعكس تضايق الإنسان من حاكمية اللّه، و تتوجّه إلى استبدال حاكمية اللّه بحاكمية الإنسان. يقول تعالى:وَ طٰائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّٰهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ
الْجٰاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنٰا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ[1].
و الإسلام يقرّر في مقابل الديمقراطية مبدأ الشورى و هو مبدأ ينسجم تماما مع أصل التوحيد، يقرر مشاركة الناس بصورة حقيقية في تقرير مصيرهم، دون أن يزاحم حقّا للّه تعالى في التشريع و السيادة.
و من الخطأ ما يرتكبه بعض الكتّاب المعاصرين في الخلط بين مبدأ (الشورى) و (الديمقراطية).
ب- التحلّل و الإباحية: و هو البعد الثاني من أبعاد الحضارة الغربية، و المفردة الثانية من أهمّ مفردات التغريب التي صدّرها الغرب للشرق، و تتلخّص هذه المفردة في دعوة الإنسان إلى التحلّل من القيود و القيم، و فسح المجال للإنسان أن يأخذ حظّه من كل الشهوات و اللّذات من دون قيود و لا حدود. و قد دخلت هذه الإباحية و هذا التحلّل بلادنا في الشرق تحت شعار (الحرية) كما دخل معها العدوان على حقّ اللّه في التشريع و السيادة تحت عنوان (الديمقراطية).
و نظّر الغرب للتحلّل و الإباحية بنظريات علمية دخلت بلادنا مع الحرية و الإباحية جنبا إلى جنب، كالداروينيّة، و الفرويدية، و أمثال ذلك من النظريات التي تؤكّد عمق الحالة الحيوانية و تأصيل الجانب الحيواني لدى الإنسان و أصالة الهوى و الشهوة و الغريزة في شخصيّته. و تعطي الغريزة الجنسية الدور الأوّل و الأكبر في حياة الإنسان، بعكس الاتجاه القرآني الذي يعطي للجانب الروحي و الإنساني الدور الأوّل و الأكبر في حياة الإنسان،
[1]آل عمران: 154.
و يعتبر الجانب الحيواني مركّبا للشطر الإنساني.
كما أنّ الإسلام يخالف تماما طرح الحرية مفهوما و شعارا و قيمة في حياة الإنسان، فإنّ الإنسان من حيث المبدأ عبد للّه تعالى، و شأن العبد الطاعة و الالتزام و التعبّد و التقوى و كفّ النفس و الاستعصام و الورع.
و هذه المفاهيم التي يطرحها الإسلام في مقابل التحلّل و الإباحية تنبع من أصل (العبودية). كما أنّ المفاهيم التي يطرحها الغرب تنبع من أصل (الحرية).
و هذان أصلان مختلفان لا يجتمعان، و لا تجتمع النتائج الحاصلة منهما، و هما يعتبران خطّان فكريان و حضاريان في اتّجاهين مختلفين و متعاكسين.
و نحن نتّهم الماسونية في تصدير هذه الكلمة إلى العالم الإسلامي.
و اللّه تعالى وحده يعلم الخسائر و الاضرار الحضارية، و الضلال، و العمى، و الطيش الذي لحق بهذه الامّة نتيجة شيوع و انتشار هذه الكلمة.
و قد أدرك علماؤنا بصورة مبكّرة خطر هذا الشعار، و حذّروا الناس منه، و استخدموا كلّ الوسائل الممكنة لصدّ تيّارها الجارف.
و كانوا مدركين بصورة واضحة للنتائج و الآثار السيئة التي تحملها هذه الكلمة، و للمدلولات العقائدية التي تدلّ عليها هذه الكلمة.
و نحن الآن بعد أكثر من سبعين سنة من الصراع بين هذين الخطّين نقرأ في التاريخ هذا الوعي المبكّر لعلماء الإسلام لمداليل هذه الكلمة و آثارها في حياة المسلمين فيملكنا الإعجاب و الاعتزاز بهذا الوعي و التحذير المبكّر.
يقول الملّا علي الكني للملك ناصر الدين القاجار الإيراني في رسالة يبعثها إليه يحذّره فيها من حركة التغريب التي بدأت تزحف إلى العالم الإسلامي: (إنّ كلمة الحرية القبيحة تصادر كل ما يقوله الأنبياء تحت عنوان العبودية و التقوى).
و يعبّر الشيخ فضل اللّه النوري عن هذه الكلمة ب: الكلمة المشئومة.
ج- استبدال الولاء للّه و لرسوله و للمؤمنين بالولاء للقوم و الوطن: كانت عملية (تبديل الولاء) واحدة من أهمّ نقاط المؤامرة في عملية التغريب، فليس في الغرب ولاء للّه و للرسول و للمؤمنين، و إنّما الولاء للوطن و القوم، و ليس فيما بين المسلمين ولاء للقوم و الوطن، و لكن الولاء للّه و لرسوله و للمؤمنين.
و مع استقرار هذا الولاء في نفوس المسلمين لا يمكن النفوذ إلى كيانهم السياسي و بسط نفوذهم و سلطانهم في بلاد المسلمين.
و لهذا السبب خطّط الغرب لعملية تبديل الولاء، و استحداث الولاءات القومية، و الوطنية و أفقد العالم الإسلامي الحصانة التي كان يتمتّع بها من ناحية الولاء للّه و لرسوله و للمؤمنين.
و سخّرت الأنظمة الحاكمة في بلاد المسلمين كل إمكاناتها الإعلامية و التربوية لإلغاء الولاء للّه و لرسوله و للمؤمنين. و تثبيت الولاء للقوم و الوطن مكان الولاء للّه.
و عمّقت هذه الأنظمة فكرة الولاء القومي و الوطني بكل إمكاناتها.
فعمّمت الثقافة الوطنية و القومية على كل الجهاز التربوي و التعليمي في بلاد المسلمين، و نظّمت على هذا الأساس البرامج الفنيّة في الإعلام من خلال
الأغاني و الأناشيد، و استخرجت التاريخ و التراث القومي و الوطني، من زوايا الخمول و النسيان و سلّطت عليه الأضواء، و سمّت به الشوارع و المدارس و المعارض و المحلّات و القاعات. و عمدت إلى إخفاء معالم التاريخ الإسلامي و إبراز و تلميع الأساطير القومية و الوطنية البائدة .. إلى غير ذلك من الأعمال التي قامت بها هذه الأنظمة في عملية (استبدال الولاء).
و كلّفت هذه العملية كثيرا من الجهود و الأموال، ليس فقط في إبراز مجاهيل التاريخ و أساطير التراث القومي و الوطني باسم الفن و الفولكلور، و إنّما في تخريب الولاء الذي كان يضمره المسلمون للّه و لرسوله و للمؤمنين، و في نسيان و إلغاء التاريخ و التراث الإسلامي.
و كان في مقدّمة هذه المؤامرة الحكام الذين يحكمون بلاد المسلمين من قبل رضا پهلوي في إيران و كمال آتاتورك في تركيا و أمان اللّه خان في أفغانستان و إلى جنبهم من الكتّاب و الادباء و الشعراء و المفكّرين الذين سخّروا أقلامهم و أدبهم و فكرهم لخدمة استيراد هذا الولاء الجديد إلى العالم الإسلامي و إخراجه و إبرازه بصورة مناسبة. من مثل رفعت الطهطاوي في مصر الذي قضى نحو خمسين سنة من عمره في پاريس و رفع في مصر شعار الوطنية و دعا إليه، و سليم النقّاش المسيحي الذي طرح شعار مصر للمصريين، و بطرس البستاني المسيحي أيضا الذي كان يعدّ في مقدّمة الدعاة إلى الوطنية و شبلي شميل و سلامه موسى و غيرهم.
و من الغريب أنّ أكثر المفكّرين من دعاة القومية و الوطنية هم من المسيحيين.
و قد جنى الغرب ثمرة هذا الولاء الجديد في الشرق الإسلامي كما كان