حياته تماما، إلّا في حالات نادرة و ضمن مساحات محدودة جدا.
و من مظاهر إسباغ الحالة الماديّة (اللّاربّانية) على حياة الإنسان، تحويل الإنسان من محور الوهية اللّه تعالى إلى محور الوهية الإنسان، و استبدال الوهية اللّه بالإنسان في حقّ التشريع و السيادة.
ففي الإسلام يرجع الإنسان كلّا من هذين الأمرين (التشريع و السيادة) إلى اللّه تعالى، و لا يحقّ للإنسان أن يشرّع، فإن التشريع خاص باللّه تعالى، و لا يحقّ للإنسان أن يتولّى سلطانا أو ولاية في شأن من شئون الناس إلّا فيما يأذن به اللّه تعالى، و في حدود ما أذن به اللّه تعالى، فإنّ التشريع و الولاية للّه لا يشاركه فيه أحد من خلقه.
و قد حوّل الغرب حقّ التشريع و حقّ السيادة من محور (اللّه) تعالى إلى محور الإنسان، و جعل من الإنسان إلها يشرّع و يمنح حقّ السيادة و الولاية في مقابل اللّه تعالى.
و هذه هي النظرية المعروفة ب (الديمقراطية) التي يتبنّاها الغرب و روّج لها، و صدّرها إلى الشرق الإسلامي فيما بعد.
و بموجب هذه النظرية يحقّ للإنسان أن يشرّع لحياته ما شاء من حكم و قانون، و يحقّ له أن يمنح الولاية و السيادة لمن يشاء من الناس بغير حدود.
و الخلاصة الأخيرة التي نستطيع أن نوجز بها هذه النظرية هي: أنّ الديمقراطية تقرر حاكمية الإنسان في مقابل حاكميّة اللّه تعالى، و تعكس تضايق الإنسان من حاكمية اللّه، و تتوجّه إلى استبدال حاكمية اللّه بحاكمية الإنسان. يقول تعالى:وَ طٰائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّٰهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ
الْجٰاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنٰا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ[1].
و الإسلام يقرّر في مقابل الديمقراطية مبدأ الشورى و هو مبدأ ينسجم تماما مع أصل التوحيد، يقرر مشاركة الناس بصورة حقيقية في تقرير مصيرهم، دون أن يزاحم حقّا للّه تعالى في التشريع و السيادة.
و من الخطأ ما يرتكبه بعض الكتّاب المعاصرين في الخلط بين مبدأ (الشورى) و (الديمقراطية).
ب- التحلّل و الإباحية: و هو البعد الثاني من أبعاد الحضارة الغربية، و المفردة الثانية من أهمّ مفردات التغريب التي صدّرها الغرب للشرق، و تتلخّص هذه المفردة في دعوة الإنسان إلى التحلّل من القيود و القيم، و فسح المجال للإنسان أن يأخذ حظّه من كل الشهوات و اللّذات من دون قيود و لا حدود. و قد دخلت هذه الإباحية و هذا التحلّل بلادنا في الشرق تحت شعار (الحرية) كما دخل معها العدوان على حقّ اللّه في التشريع و السيادة تحت عنوان (الديمقراطية).
و نظّر الغرب للتحلّل و الإباحية بنظريات علمية دخلت بلادنا مع الحرية و الإباحية جنبا إلى جنب، كالداروينيّة، و الفرويدية، و أمثال ذلك من النظريات التي تؤكّد عمق الحالة الحيوانية و تأصيل الجانب الحيواني لدى الإنسان و أصالة الهوى و الشهوة و الغريزة في شخصيّته. و تعطي الغريزة الجنسية الدور الأوّل و الأكبر في حياة الإنسان، بعكس الاتجاه القرآني الذي يعطي للجانب الروحي و الإنساني الدور الأوّل و الأكبر في حياة الإنسان،
[1]آل عمران: 154.
و يعتبر الجانب الحيواني مركّبا للشطر الإنساني.
كما أنّ الإسلام يخالف تماما طرح الحرية مفهوما و شعارا و قيمة في حياة الإنسان، فإنّ الإنسان من حيث المبدأ عبد للّه تعالى، و شأن العبد الطاعة و الالتزام و التعبّد و التقوى و كفّ النفس و الاستعصام و الورع.
و هذه المفاهيم التي يطرحها الإسلام في مقابل التحلّل و الإباحية تنبع من أصل (العبودية). كما أنّ المفاهيم التي يطرحها الغرب تنبع من أصل (الحرية).
و هذان أصلان مختلفان لا يجتمعان، و لا تجتمع النتائج الحاصلة منهما، و هما يعتبران خطّان فكريان و حضاريان في اتّجاهين مختلفين و متعاكسين.
و نحن نتّهم الماسونية في تصدير هذه الكلمة إلى العالم الإسلامي.
و اللّه تعالى وحده يعلم الخسائر و الاضرار الحضارية، و الضلال، و العمى، و الطيش الذي لحق بهذه الامّة نتيجة شيوع و انتشار هذه الكلمة.
و قد أدرك علماؤنا بصورة مبكّرة خطر هذا الشعار، و حذّروا الناس منه، و استخدموا كلّ الوسائل الممكنة لصدّ تيّارها الجارف.
و كانوا مدركين بصورة واضحة للنتائج و الآثار السيئة التي تحملها هذه الكلمة، و للمدلولات العقائدية التي تدلّ عليها هذه الكلمة.
و نحن الآن بعد أكثر من سبعين سنة من الصراع بين هذين الخطّين نقرأ في التاريخ هذا الوعي المبكّر لعلماء الإسلام لمداليل هذه الكلمة و آثارها في حياة المسلمين فيملكنا الإعجاب و الاعتزاز بهذا الوعي و التحذير المبكّر.
يقول الملّا علي الكني للملك ناصر الدين القاجار الإيراني في رسالة يبعثها إليه يحذّره فيها من حركة التغريب التي بدأت تزحف إلى العالم الإسلامي: (إنّ كلمة الحرية القبيحة تصادر كل ما يقوله الأنبياء تحت عنوان العبودية و التقوى).
و يعبّر الشيخ فضل اللّه النوري عن هذه الكلمة ب: الكلمة المشئومة.
ج- استبدال الولاء للّه و لرسوله و للمؤمنين بالولاء للقوم و الوطن: كانت عملية (تبديل الولاء) واحدة من أهمّ نقاط المؤامرة في عملية التغريب، فليس في الغرب ولاء للّه و للرسول و للمؤمنين، و إنّما الولاء للوطن و القوم، و ليس فيما بين المسلمين ولاء للقوم و الوطن، و لكن الولاء للّه و لرسوله و للمؤمنين.
و مع استقرار هذا الولاء في نفوس المسلمين لا يمكن النفوذ إلى كيانهم السياسي و بسط نفوذهم و سلطانهم في بلاد المسلمين.
و لهذا السبب خطّط الغرب لعملية تبديل الولاء، و استحداث الولاءات القومية، و الوطنية و أفقد العالم الإسلامي الحصانة التي كان يتمتّع بها من ناحية الولاء للّه و لرسوله و للمؤمنين.
و سخّرت الأنظمة الحاكمة في بلاد المسلمين كل إمكاناتها الإعلامية و التربوية لإلغاء الولاء للّه و لرسوله و للمؤمنين. و تثبيت الولاء للقوم و الوطن مكان الولاء للّه.
و عمّقت هذه الأنظمة فكرة الولاء القومي و الوطني بكل إمكاناتها.
فعمّمت الثقافة الوطنية و القومية على كل الجهاز التربوي و التعليمي في بلاد المسلمين، و نظّمت على هذا الأساس البرامج الفنيّة في الإعلام من خلال
الأغاني و الأناشيد، و استخرجت التاريخ و التراث القومي و الوطني، من زوايا الخمول و النسيان و سلّطت عليه الأضواء، و سمّت به الشوارع و المدارس و المعارض و المحلّات و القاعات. و عمدت إلى إخفاء معالم التاريخ الإسلامي و إبراز و تلميع الأساطير القومية و الوطنية البائدة .. إلى غير ذلك من الأعمال التي قامت بها هذه الأنظمة في عملية (استبدال الولاء).
و كلّفت هذه العملية كثيرا من الجهود و الأموال، ليس فقط في إبراز مجاهيل التاريخ و أساطير التراث القومي و الوطني باسم الفن و الفولكلور، و إنّما في تخريب الولاء الذي كان يضمره المسلمون للّه و لرسوله و للمؤمنين، و في نسيان و إلغاء التاريخ و التراث الإسلامي.
و كان في مقدّمة هذه المؤامرة الحكام الذين يحكمون بلاد المسلمين من قبل رضا پهلوي في إيران و كمال آتاتورك في تركيا و أمان اللّه خان في أفغانستان و إلى جنبهم من الكتّاب و الادباء و الشعراء و المفكّرين الذين سخّروا أقلامهم و أدبهم و فكرهم لخدمة استيراد هذا الولاء الجديد إلى العالم الإسلامي و إخراجه و إبرازه بصورة مناسبة. من مثل رفعت الطهطاوي في مصر الذي قضى نحو خمسين سنة من عمره في پاريس و رفع في مصر شعار الوطنية و دعا إليه، و سليم النقّاش المسيحي الذي طرح شعار مصر للمصريين، و بطرس البستاني المسيحي أيضا الذي كان يعدّ في مقدّمة الدعاة إلى الوطنية و شبلي شميل و سلامه موسى و غيرهم.
و من الغريب أنّ أكثر المفكّرين من دعاة القومية و الوطنية هم من المسيحيين.
و قد جنى الغرب ثمرة هذا الولاء الجديد في الشرق الإسلامي كما كان
يتمنّى و يريد. و دعم بهذا المشروع الجديد في استبدال الولاء مشاريعه السياسية في تمزيق العالم الإسلامي و تحويله إلى أجزاء منفصلة عن بعض، و أثار الخلافات و المشاكل القومية و الوطنية فيما بينها، و فرض سلطانه و نفوذه عليها من خلال هذه التجزئة و هذه الإثارات.
يقول برنارد لويس في محاضراته التي ألقاها بجامعة «انديانا» في الولايات المتّحدة تحت عنوان الغرب و الشرق الأوسط:
إنّ تأثير التغريب في الشرق كان هو الانحلال السياسي الذي أدّى إلى تفتيت المنطقة و تجزئتها، فقد هدمت الخلافة العثمانيّة، و رغم ضعف الخلافة كان شطر كبير من المسلمين يضعون ولاءهم السياسي في خلفاء آل عثمان، و خلفهم الملوك و الرؤساء الذين لم يكتسبوا ولاء الرعية، هذا الولاء الذي كان يجعل السلطان لا يحتاج إلى ضغط و عنف و إرهاب ... فدخلت الدكتاتورية و الإرهاب.
و بعد أن كان كل مواطن عضوا في دولة إسلامية كبيرة لها ألف سنة من التراث و التاريخ وجد الناس أنفسهم منتمين إلى سلسلة من الأنظمة الحديثة و الوحدات السياسية المفتعلة (الوطنية و القومية) و التي تحاول إيجاد عمق لها في ضمير الامّة، و صاحب ذلك نسف النظام القديم و تدمير الدولة الإسلامية العريقة في نفوس الناس، و حلّت محلّها ولاءات جديدة للقوم و الوطن مستوردة من الغرب، غريبة عن مشاعر المسلمين.
هذه خلاصة عن التغريب و ما استتبع التغريب من تخريب ثقافي و حضاري واسع في بلاد المسلمين.
الاستشراق و التغريب:
و قد سبقت عملية التغريب دراسات استشراقية واسعة قام بها علماء من الغرب و قد مكّنتهم هذه الدراسات من معرفة التاريخ و التراث الإسلامي، و مكّنتهم من معرفة بقاع العالم الإسلامي و ما كان فيها من عادات و تقاليد، و ما فيها من نقاط الضعف و القوّة.
فكانت هذه الدراسات الاستشراقية هي الطلائع الاولى لعمليات (التغريب) التي قام بها الغرب بعد ذلك على أيدي حكام و مفكّرين من العالم الإسلامي.
و لا نحتاج إلى كثير من التأمّل لندرك أنّ (الاستشراق) و (التغريب) وجهان للمحاولات التي بذلها الغرب منذ عصر نابليون إلى اليوم لبسط نفوذه و سلطانه في الشرق.
و مهما يكن من أمر فقد كان للتغريب أثر تخريبيّ كبير في ثقافة الامّة و تاريخها و حضارتها و حصانتها.
و قد أدرك العلماء في وقت مبكّر خطر هذه الموجة التي كانت تزحف بصورة منتظمة إلى العالم الإسلامي، و أنذروا المسلمين بأخطار هذه الموجة و آثارها التخريبية في الحضارة و السياسة، و أنّ الاستسلام لهذه الموجة من الركون إلى الذين كفروا و الذي حرّمه اللّه تعالى و أوعد عليه بالنار، و من سبيل الكافر على المؤمن.
و قد نفى اللّه تعالى أن يكون للكافرين على المؤمنين سبيل أو سلطان و نفوذ في أي شأن من شئون الحياة.
غير أنّ الدعوة إلى التغريب كانت تتمّ ضمن إمكانات هائلة تملكها
الأنظمة و دعم واسع من الغرب، و لم تكن الدعوة المناهضة لها التي قام بها العلماء في العالم الإسلامي تملك الإمكانات المكافئة للدعوة الاولى في هذا الصراع الرهيب.
و تمكّن الحكّام في فترة من التاريخ من عزل العلماء عن الساحة السياسية و الإعلامية و استطاعوا أن يفسّروا و يوجّهوا حركة العلماء في مناهضة التغريب بمعاداة الحداثة و التخوّف من التجديد.
و كان الخلط بين التغريب من جانب و الحداثة و التجديد من جانب آخر لعبة إعلامية نجح فيها دعاة التغريب حكّاما و مفكّرين، استطاعوا فيها أن يركّزوا في أذهان الناس أنّ الموقف السلبي للعلماء من التغريب ينبع من تخوّفهم من موجة الحداثة. إلّا أنّ نجاح الحكّام و الكتّاب التابعين لهم في الدعوة إلى التغريب لم يطل. فقد كفتنا الفضائح السياسية و الأخلاقية و المآسي الحضارية في الغرب شرّ هذه الموجة، و أخذ الناس يعودون من جديد إلى قيمهم و جذورهم الحضارية.
3- الاستبداد السياسي:
و هذه هي المؤامرة الثالثة. و لئن خفّت موجة المؤامرة الاولى و الثانية فإنّ هذه المؤامرة لا تزال قائمة بقوّة، و بكل ثقلها.
و خلاصة هذه المؤامرة أنّ الاستعمار الانكليزى و الفرنسي، و بعدهما الاستعمار الأمريكي بدأ يخطّط بعد الحرب العالمية الثانية لأسلوب جديد من النفوذ السياسي بدل اسلوب الاحتلال العسكري.
فقد واجه الاحتلال العسكري أمواجا عارمة من الغضب قادها العلماء كما حدث ذلك في العراق و الجزائر، لم يقو الاستعمار على مقاومتها