سَيَرْحَمُهُمُ اللّٰهُ[1].
و هذه هي الدائرة العامة لهذه الفريضة الإسلامية، و بموجب هذه الآية يجب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر على كل المؤمنين و المؤمنات.
و في الدائرة الخاصة يقول تعالى:وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ أُولٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[2].
و هذه الآية الكريمة واضحة في الدعوة إلى قيام طائفة من المؤمنين بصورة اختصاصية بمهمة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الشاهد على ذلك كلمةمِنْكُمْالدالّة على التبعيض.
كما أنّ القرآن يوجب الإعداد العلمي لهذه الطائفة من الدعاة إلى اللّه و الآمرين بالمعروف و الناهين عن المنكر.
يقول تعالى:وَ مٰا كٰانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لٰا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ[3].
و هذه الآية الكريمة تدعو المؤمنين إلى أن ينفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقّهوا في الدين، و ليقوموا بمسئولية الإنذار و التوجيه و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر إذا رجعوا إلى قومهم لعلهم يحذرون.
فليس من الممكن أن يتفقّه الناس جميعا، و لا يمكن أن يستقيم أمر الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر (في هذه الدائرة المركّزة) من دون أن
[1]التوبة: 71.
[2]آل عمران: 104.
[3]التوبة: 122.
يتفقّه الآمرون بالمعروف و الناهون عن المنكر. و لهذا و ذاك يوجب القرآن الكريم على المؤمنين أن يتفقّه من كل فرقة منهم طائفة لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم.
و يبدو من هذه الآية الكريمة أنّ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر في الدائرة الخاصة يختلف شأنه عنه في الدائرة العامة.
فهو يتطلّب من الفقه ما لا يتطلّبه الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر في الدائرة العامة.
و يتطلّب من التفرّغ و التخصّص ما لا يتطلّبه الأمر بالمعروف في الدائرة العامة.
و يتطلّب من القوّة و السلطان و الصلاحيات ما لا يتطلّبه الأمر بالمعروف في الدائرة العامة.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
- 1- الاجتهاد
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
حقيقة الاجتهاد
الإنسان كائن مفكّر، يسير في أعماله و حركاته على استدلال و استنتاج، و في بعض الأحيان ينظّم الإنسان أعماله و سلوكه وفق فلسفة خاصة يؤمن بها عن قناعة و دليل ...
و فيما عدا السلوك الانفعالي و الغريزي للإنسان الذي يتمّ بصورة طبيعية، فإنّ أعمال الإنسان و حركاته و سلوكه خاضعة للاستدلال و الاستنتاج و التفكير ..
و بغضّ النظر عن استقامة الإنسان، و انحرافه في التفكير و الاستدلال تعتبر هذه الظاهرة- ظاهرة التفكير و الاستدلال- ظاهرة عامة في الإنسان تميّز الإنسان عن سائر فصائل الحيوان، فهو كائن عاقل، يسبق أعماله في الغالب تفكير و استدلال، و في بعض الأحيان مناقشة ذاتية يقوم بها الإنسان بينه و بين نفسه أو مع الآخرين في الإقدام على عمل أو الإعراض عنه.
و هذه المعايير التي يخضع لها الإنسان في سلوكه قد تكون فنّية و تفصيلية، كما يخضع الطّبيب لمثل هذه المعايير و المقاييس في فهم نوعية المرض و تحديد نوعية العلاج، و كما يعمل المهندس في التصميم لصنع
ماكنة أو سيّارة.
و قد يكون معيارا إجماليا، كما يخضع المريض لتوصيات الطبيب.
فهو لا يخضع لهذه التوصيات من دون تفكير و استدلال، و لا يراجع الطبيب إلّا بعد استدلال و قناعة ...
و الاستدلال في هذه الحالة دليل إجمالي على ضرورة مراجعة الجاهل للعالم، فيما يجهله من شئون حياته. و هذا الدليل الإجمالي هو الذي يدفعه إلى مراجعة الطبيب المختصّ و الأخذ برأيه و توصياته.
و عليه فإنّ المريض و الطبيب سواء، في أنّ سلوكهما يخضع لمعايير و مقاييس خاصة. و كلّ ما في الأمر أنّ هذه المعايير لدى الطبيب المعالج معايير فنّية تفصيلية، و لدى المريض معيار إجمالي عقلي.
و هكذا كلّ جوانب سلوك الإنسان العقلي و الإرادي، لا بدّ أن يخضع للاستدلال و التفكير، إلّا أنّ الاستدلال يختلف من حيث التفصيل و الإجمال.
و يتلخّص ما تقدّم في امور ثلاثة:
أوّلا: إنّ الإنسان كائن عاقل يخضع في سلوكه للتفكير و الاستدلال.
ثانيا: إنّ هذه المعايير تختلف من حيث الإجمال و التفصيل، فقد تكون هذه المعايير فنّية تفصيلية كما يخضع الطبيب و المهندس، و قد يكون معيارا إجماليا و هو ضرورة رجوع الجاهل إلى العالم فيما لا يحسنه من معرفة و فنّ.
و القسم الأوّل من الناس مجتهدون فيما يتعلّق باختصاصاتهم، بينما القسم الثاني من الناس مقلّدون فيما لا يحسنون.
و الناس في الغالب مجتهدون و مقلّدون معا. مجتهدون في أشياء
و مقلّدون في امور اخر.
و كذلك كلّ إنسان يخضع في جزء من سلوكه لإدراك تفصيلي نابع عن دراسة أو تجربة، و في جزء آخر من سلوكه يأخذ برأي المختصّين و ذوي الخبرة. و هذا هو- بالإجمال- معنى كل من الاجتهاد و التقليد و الفارق بينهما.
ثالثا: إنّ المقلد يرجع في أمر التقليد إلى نهج استدلالي واضح في الرجوع إلى ذوي الاختصاص، و لا يمكن أن يكون مقلّدا في هذه المسألة أيضا، و هذه هي المسألة المعروفة في التقليد: إنّ التقليد لا يجوز في مسألة التقليد، و إنّ الإنسان لا بدّ و أن يكون مجتهدا في التقليد.
الاجتهاد في الفقه:
و علم الشريعة ليس بدعا من العلوم و المعارف البشريّة. و لا يمكن أن يكون الناس كلّهم مجتهدين فيه، و لا محالة ينقسم الناس في أمر الشريعة إلى طائفتين عامّة و خاصّة:
و العامّة من الناس هم الذين لا يحسنون فهم الحكم الشرعي بمراجعة مصادر الشريعة و اصولها، و هؤلاء هم المقلّدون ...
و الخاصّة من الناس هم الذين تؤهّلهم دراستهم و ممارستهم العلمية لفهم الحكم الشرعي و استخراجه من أدلّته و مصادره الشرعية، و هؤلاء هم المجتهدون ذوو الاختصاص في علم الفقه ..
و لا يتيسّر لكل الناس أن يفهموا هذا الفقه فهما تفصيليا لما يستتبعه من دراسة، و تخصّص في هذه الدراسة، و إلمام بكثير من العلوم التي تتّصل بهذا العلم.