بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 49

يوجّه الإنسان إلى اللّه تعالى، و يمنحه بصيرة و هدى و شفّافيّة في النفس، و يرقّق مشاعره، و يوسّع آفاق نفسه و عقله ...

و هذا هو معنى الثقافة و المعرفة.

المسئوليات التخصصية للعالم:

الإسلام لا يعتبر العلماء طبقة اجتماعية متميزة، ذات حقوق خاصة و متميزة، و لكن العلم يحمّل الإنسان مسئولية متميزة و هي إصلاح المجتمع و دعوة الناس إلى اللّه تعالى.

و هذه المسئولية نابعة من وعي العالم بعهده الذي أعطاه للّه تعالى ...

و هذا العهد يتضمن دعوة الناس إلى اللّه تعالى و إصلاحهم و توجيههم.

و كلّما استقرّ العلم في نفس الإنسان أكثر تأكد هذا العهد عنده أكثر.

و على هذا الأساس يكون الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر مسئولية تخصصية للعلماء دون سائر الناس، و يجب على المسلمين إعداد العلماء للقيام بهذه المسئولية.

الأمر بالمعروف في الدائرة العامة و الخاصة:

و الذي يمعن النظر في القرآن يجد أنّ القرآن الكريم يطرح هذا الواجب الخطير على صعيدين:

على الصعيد العام بالنسبة إلى كل المسلمين، و على الصعيد الخاص بالنسبة للعلماء. يقول تعالى:

وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِنٰاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُقِيمُونَ الصَّلٰاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ يُطِيعُونَ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ أُولٰئِكَ


صفحه 50

سَيَرْحَمُهُمُ اللّٰهُ[1].

و هذه هي الدائرة العامة لهذه الفريضة الإسلامية، و بموجب هذه الآية يجب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر على كل المؤمنين و المؤمنات.

و في الدائرة الخاصة يقول تعالى:وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ أُولٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[2].

و هذه الآية الكريمة واضحة في الدعوة إلى قيام طائفة من المؤمنين بصورة اختصاصية بمهمة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الشاهد على ذلك كلمةمِنْكُمْالدالّة على التبعيض.

كما أنّ القرآن يوجب الإعداد العلمي لهذه الطائفة من الدعاة إلى اللّه و الآمرين بالمعروف و الناهين عن المنكر.

يقول تعالى:وَ مٰا كٰانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لٰا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ[3].

و هذه الآية الكريمة تدعو المؤمنين إلى أن ينفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقّهوا في الدين، و ليقوموا بمسئولية الإنذار و التوجيه و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر إذا رجعوا إلى قومهم لعلهم يحذرون.

فليس من الممكن أن يتفقّه الناس جميعا، و لا يمكن أن يستقيم أمر الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر (في هذه الدائرة المركّزة) من دون أن‌

[1]التوبة: 71.

[2]آل عمران: 104.

[3]التوبة: 122.


صفحه 51

يتفقّه الآمرون بالمعروف و الناهون عن المنكر. و لهذا و ذاك يوجب القرآن الكريم على المؤمنين أن يتفقّه من كل فرقة منهم طائفة لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم.

و يبدو من هذه الآية الكريمة أنّ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر في الدائرة الخاصة يختلف شأنه عنه في الدائرة العامة.

فهو يتطلّب من الفقه ما لا يتطلّبه الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر في الدائرة العامة.

و يتطلّب من التفرّغ و التخصّص ما لا يتطلّبه الأمر بالمعروف في الدائرة العامة.

و يتطلّب من القوّة و السلطان و الصلاحيات ما لا يتطلّبه الأمر بالمعروف في الدائرة العامة.


صفحه 52

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


صفحه 53

- 1- الاجتهاد


صفحه 54

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


صفحه 55

حقيقة الاجتهاد

الإنسان كائن مفكّر، يسير في أعماله و حركاته على استدلال و استنتاج، و في بعض الأحيان ينظّم الإنسان أعماله و سلوكه وفق فلسفة خاصة يؤمن بها عن قناعة و دليل ...

و فيما عدا السلوك الانفعالي و الغريزي للإنسان الذي يتمّ بصورة طبيعية، فإنّ أعمال الإنسان و حركاته و سلوكه خاضعة للاستدلال و الاستنتاج و التفكير ..

و بغضّ النظر عن استقامة الإنسان، و انحرافه في التفكير و الاستدلال تعتبر هذه الظاهرة- ظاهرة التفكير و الاستدلال- ظاهرة عامة في الإنسان تميّز الإنسان عن سائر فصائل الحيوان، فهو كائن عاقل، يسبق أعماله في الغالب تفكير و استدلال، و في بعض الأحيان مناقشة ذاتية يقوم بها الإنسان بينه و بين نفسه أو مع الآخرين في الإقدام على عمل أو الإعراض عنه.

و هذه المعايير التي يخضع لها الإنسان في سلوكه قد تكون فنّية و تفصيلية، كما يخضع الطّبيب لمثل هذه المعايير و المقاييس في فهم نوعية المرض و تحديد نوعية العلاج، و كما يعمل المهندس في التصميم لصنع‌


صفحه 56

ماكنة أو سيّارة.

و قد يكون معيارا إجماليا، كما يخضع المريض لتوصيات الطبيب.

فهو لا يخضع لهذه التوصيات من دون تفكير و استدلال، و لا يراجع الطبيب إلّا بعد استدلال و قناعة ...

و الاستدلال في هذه الحالة دليل إجمالي على ضرورة مراجعة الجاهل للعالم، فيما يجهله من شئون حياته. و هذا الدليل الإجمالي هو الذي يدفعه إلى مراجعة الطبيب المختصّ و الأخذ برأيه و توصياته.

و عليه فإنّ المريض و الطبيب سواء، في أنّ سلوكهما يخضع لمعايير و مقاييس خاصة. و كلّ ما في الأمر أنّ هذه المعايير لدى الطبيب المعالج معايير فنّية تفصيلية، و لدى المريض معيار إجمالي عقلي.

و هكذا كلّ جوانب سلوك الإنسان العقلي و الإرادي، لا بدّ أن يخضع للاستدلال و التفكير، إلّا أنّ الاستدلال يختلف من حيث التفصيل و الإجمال.

و يتلخّص ما تقدّم في امور ثلاثة:

أوّلا: إنّ الإنسان كائن عاقل يخضع في سلوكه للتفكير و الاستدلال.

ثانيا: إنّ هذه المعايير تختلف من حيث الإجمال و التفصيل، فقد تكون هذه المعايير فنّية تفصيلية كما يخضع الطبيب و المهندس، و قد يكون معيارا إجماليا و هو ضرورة رجوع الجاهل إلى العالم فيما لا يحسنه من معرفة و فنّ.

و القسم الأوّل من الناس مجتهدون فيما يتعلّق باختصاصاتهم، بينما القسم الثاني من الناس مقلّدون فيما لا يحسنون.

و الناس في الغالب مجتهدون و مقلّدون معا. مجتهدون في أشياء‌