على أنّ من الحقّ أن نقول إنّ كلمة الرأي لم تحدّد تحديدا فنيا دقيقا في هذا العهد، و لم يقصد غالبا من استعمال الكلمة في هذا الصدد معنى دقيقا محددا كما حدث من بعد ذلك في العهد العباسي و بعده، حيث ازدهرت مدرسة الرأي في العراق، حتى بلغت ذروتها على يد أبي حنيفة و أتباعه، في قبال الحجاز التي كانت تفضّل أن تظل محافظة على المأثور من الحديث و اجتهادات الصحابة و التابعين من بعدهم.
أدلة القائلين بالرأي:
و هذه الأدلة كثيرة يكفي أن نشير إلى بعضها و نناقشها ليقف القارئ على نوعية الأدلة و الحجج التي يحتج بها ذووا الرأي على صحة مذهبهم.
فمن ذلك ما ذكروه من أنّ اللّه عزّ و جلّ أمر بإنفاذ الحكم بالشاهدين و اليمين و إنّما هذا غلبة الظن، إذ قد يكون الشهود كذبة أو مغفلين و تكون اليمين كاذبة[1]. و أورد عليهم ابن حزم في رسالته (إبطال القياس) بقوله:
و أما ما ذكروه من الأمر بالحكم بالشهود و اليمين، و لعلّ الشهود كاذبون أو مغفّلون، و اليمين كاذبة، و أنّ هذا إنّما هو على غلبة الظن. بل ما يحكم من ذلك إلّا بيقين الحق الذي أمرنا اللّه به: لا يمتري في ذلك مسلم، و لم يكلّفنا اللّه تعالى مراعاة الشهود في الكذب و الصدق و لا معرفة كذب اليمين أو صدقها فلو كان هذا غلبة الظن، و أعوذ باللّه من ذلك، لكنّا إذا اختصم إلينا مسلم فاضل، برّ، تقيّ، عدل، و نصراني مثلّث مشهور بالكذب على اللّه و على الناس، خليع ماجن، فادّعى المسلم عليه دينا، قلّ أو كثر، فأنكر النصراني،
[1]نظرة في تاريخ الفقه الإسلامي: ص 213.
أو ادّعى النصراني و أنكر المسلم بدعواه؛ لأنّه- في أغلب الظن الذي يناطح اليقين- هو الصادق و النصراني هو الكاذب، لكن لا خلاف في أننا لا نفعل ذلك، بل نحكم بالبيّنة العادلة عندنا أو بيمين المدّعى عليه و نطرح الظن جملة[1].
و استدل له أيضا بحديث معاذ الذي رواه أحمد و أبو داود و الترمذي و غيرهم. قال: لمّا بعثه6إلى اليمن قال: «كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب اللّه. قال: فإن لم تجد في كتاب اللّه؟ قال: فبسنّة رسول اللّه. قال: فإن لم تجد في سنّة رسول اللّه و لا في كتاب اللّه؟ قال: أجتهد رأيي و لا آلو. قال: فضرب رسول اللّه6صدره، و قال: الحمد للّه الذي وفّق رسول اللّه لما يرضاه رسول اللّه»[2].
و الحديث صريح في إقرار رسول اللّه6لمعاذ في استعمال الرأي فيما إذا لم يجد نصّا في الكتاب أو السنّة لما عرض له من الأمر.
إلّا أنّ هذا الحديث لم يصح عن النبيّ6بطريق معتبر، و قد أورده الجوزقاني في الموضوعات، و لم يجد له طريقا معتبرا.
و شكّ باحثون آخرون في صحة إسناد هذا الحديث إلى النبي6من حيث المتن، حيث اشتملت الرواية على مصطلحات دقيقة تعتبر وليدة عصر ما بعد الصحابة، و هذا ما دعاهم إلى التشكيك في قيمة إسناد هذه الرواية إلى النبي6.
[1]إبطال القياس لابن حزم، و راجع أيضا الإحكام في اصول الأحكام: 7/ 373 و ما بعدها.
[2]إرشاد الفحول للشوكاني: ص 202.
أصحاب الرأي و الاجتهاد:
و مهما تكن قيمة الأدلة التي يعرضها أصحاب الرأي للأخذ بالرأي في مجال الحكم و الإفتاء ... فإنّ مدرسة الرأي تميّزت منذ أول يوم، بعد وفاة النبي6بشيء من الجرأة في إعطاء الحكم و الفتوى لم توجد في غير هذه المدرسة. و نماذج ذلك كثيرة فيما استحدثه الخليفة الثاني مما لم يكن للمسلمين به عهد أيام النبي6و أيام أبي بكر من تحريم المتعتين، و جمع الناس على إقامة صلاة التراويح جماعة، و منع سهم المؤلّفة قلوبهم، و غير ذلك من الموارد التي استحدثها الخليفة اعتمادا على رأيه[1].
موقف أصحاب الرأي من السنّة:
كما أنّ مدرسة الرأي تميّزت منذ أول يوم بقلّة الاهتمام بالسنّة و الاكتفاء بالرأي عن السنّة، و هذه ظاهرة تتميّز بها هذه المدرسة، و لا يصعب على الباحث أن يلمس ملامح منها خلال هذه الفترة التي نمت فيها مدرسة الرأي، على أن يلحظ في التماس ذلك تدرج المرحلة التي قطعتها هذه المدرسة حتى بلغت ذروتها على يد أبي حنيفة و أتباعه.
و أول ما يلفت النظر قول الخليفة الثاني بمحضر من رسول اللّه6أيام مرضه الذي توفّي فيه- حينما طلب إليهم أن يحضروا له كتفا و دواة ليكتب لهم ما لا يضلوا من بعده أبدا-: إنّ النبي قد غلب عليه الوجع، و عندكم القرآن، حسبنا كتاب اللّه[2].
[1]يحسن لمن يريد تفصيلا أكثر، أن يراجع (الغدير) للشيخ الأميني و (النص و الاجتهاد) للسيد عبد الحسين شرف الدين.
[2]راجع صحيح البخاري: ج 114، 5345. و رواه أحمد في مسنده: 1/ 325.
و روي عن أبي بكر أنّه جمع الناس بعد وفاة النبي6فقال: إنكم تحدّثون عن رسول اللّه أحاديث تختلفون فيها و الناس بعدكم أشد اختلافا فلا تحدّثوا عن رسول اللّه شيئا، فمن سألكم فقولوا بيننا و بينكم كتاب اللّه فاستحلّوا حلاله و حرّموا حرامه[1].
و روى عبد اللّه بن العلاء قال: سألت القاسم بن محمد أن يملي عليّ أحاديث، فقال: إنّ الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب فأنشد الناس أن يأتوه بها، فلما أتوه بها أمر بتحريقها ثمّ قال:
مثناة كمثناة أهل الكتاب[2]
. و روي عن عمر أنّه قال لمن سيّرهم إلى العراق: إنكم تأتون أهل قرية لهم دويّ بالقرآن كدويّ النحل، فلا تصدّوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جرّدوا القرآن و أقلّوا الرواية عن رسول اللّه و أنا شريككم[3]و روي أنّه حبس ثلاثة من الصحابة؛ لأنّهم أكثروا من الحديث عن رسول اللّه6[4].
و قد كان عمر بن الخطاب يعارض تدوين الحديث، و قد استشار فيه أصحاب رسول اللّه6، فأشار عليه عامتهم بذلك. فلبث شهرا يستخير اللّه في ذلك شاكّا فيه، ثمّ أصبح يوما فقال: إنّي كنت ذكرت لكم من كتابة السنن ما قد علمتم ثمّ تذكرت فإذا اناس من أهل الكتاب من قبلكم قد كتبوا مع كتاب
[1]تاريخ التشريع الإسلامي: ص 91- 92.
[2]الطبقات الكبرى لابن سعد: 5/ 188.
[3]تاريخ التشريع الإسلامي: ص 92.
[4]تذكرة الحفّاظ للذهبي 1/ 7.
اللّه كتبا فأكبّوا عليها و تركوا كتاب اللّه و إنّي و اللّه لا ألبس كتاب اللّه بشيء[1].
و من مثل ذلك يستطيع الباحث أن يجمع مجموعة من الشواهد على هذه الحالة التي تتميّز بها مدرسة الرأي بالنسبة إلى رواية الحديث. و مظاهر ذلك تختلف باختلاف المواقف و الأشخاص.
فتارة يشفق الخليفة على رسول اللّه6أن يكتب لهم كتابا و هو يتوجّع من المرض.
و تارة يعتبر في القرآن كفاية فيما يهمّهم من شئون الحكم.
و تارة يحرق ما يأتونه به من الحديث؛ لأن جمع الحديث يشبه عمل أهل الكتاب.
و تارة يحسب أنّ ذلك يصدّهم عن تلاوة القرآن و العناية به. و حينا يحبس جمعا من الصحابة؛ لأنهم يكثرون الحديث عن رسول اللّه دون أن يتّهمهم بالكذب على رسول اللّه.
و تارة يحتج أبو بكر على ذلك بأنّ نقل الحديث يسبّب اختلافا و انشقاقا بين صفوف الأمّة فيمنع منه. هذا و لا نريد أن نقف هنا أكثر من هذه الوقفة، و لا نريد أن نعقّب كثيرا على هذه النقطة من البحث ... و إنّما نحب أن نستمر في عرض نماذج من هذا الإعراض في العصور المتأخرة عن هذا العصر، و نمعن في التماس شواهد على هذا الموقف بعد ما بلغت مدرسة الرأي ذروتها على يد أبي حنيفة و أتباعه.
[1]راجع مقدمة اللمعة الدمشقية: محمد مهدي الآصفي: ص 28 و تاريخ التشريع الإسلامي: ص 92.
و أول ما يجد الإنسان في تاريخ أبي حنيفة اتّهامه من قبل مناوئيه بأنّه كان قليل العناية بالحديث. فلم يصح لديه إلّا عدد يسير من الحديث كما يروي ذلك ابن خلدون[1]. كما أنّ خصومه رموه بالاعتداد برأيه حتى في قبال الحديث النبوي الشريف.
حدّث أبو صالح الفرّاء: قال: سمعت يوسف بن أسباط يقول: ردّ أبو حنيفة على رسول اللّه أربعمائة حديث أو أكثر. قلت له: يا أبا محمد تعرفها؟ قال: نعم، قلت: أخبرني بشيء منها، فقال:
قال رسول اللّه: «للفرس سهمان و للرجل سهم». قال أبو حنيفة: أنا لا أجعل سهم بهيمة أكثر من سهم المؤمن.
و أشعر رسول اللّه و أصحابه البدن، و قال أبو حنيفة الإشعار مثلة.
و قال6: «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا»، و قال أبو حنيفة: إذا وجب البيع فلا خيار.
و كان النبي يقرع بين نسائه إذا أراد أن يخرج في سفر، و أقرع أصحابه و قال أبو حنيفة: القرعة قمار[2].
و لسنا نقرّ هذه النسب إلى أبي حنيفة، و لكنّا نقول: إنّ هذا الاتجاه من الرأي في الاجتهاد بلغ ذروته على يد أبي حنيفة و تلاميذ مدرسته؛ و لو لا الموقف المتصلّب المضادّ لهذه المدرسة لكان لهذا الاتجاه شأن آخر في
[1]المقدمة لابن خلدون: ص 371. و نحن نشك في هذه النسبة لكنها تكشف اتجاها و طريقة متميزة في فقه المذهب الحنفي و مدرسة أبي حنيفة إمام هذا المذهب.
[2]تاريخ بغداد: 13/ 407.
تاريخ الفقه بعد عصر أبي حنيفة.
موقف أهل البيت:من مدرسة الرأي:
و لا نحتاج إلى كثير من الجهد و البحث لنلمس موقف أهل البيت:من مدرسة الرأي في الاجتهاد. فقد وجد أهل البيت في هذه المدرسة جرأة على الفتوى و استنباط أحكام اللّه تعالى، كما وجدوا فيها تهاونا بالسنّة و الحديث؛ و لذلك وقف أئمة أهل البيت:منذ أول يوم موقف المعارض من مدرسة الرأي في الاجتهاد، و أبدوا رأيهم في هذه المدرسة في كثير من المناسبات دون أن يفرّقوا بين أقسام الرأي من قياس، أو استحسان و استصلاح و غير ذلك من وجوه الرأي التي لا تستند على دليل معتبر من ناحية الشريعة.
يقول ابن جميع: دخلت على جعفر بن محمد أنا و ابن أبي ليلى، و أبو حنيفة، فقال لابن أبي ليلى: «من هذا معك»؟ قال: هذا رجل له بصر و نفاذ في أمر الدين، قال: «لعلّه يقيس أمر الدين برأيه» قلت: نعم، فقال جعفر لأبي حنيفة: «ما اسمك»؟ قال: نعمان.
فقال: «يا نعمان حدّثني أبي عن جدّي أنّ رسول اللّه6قال: أول من قاس أمر الدين برأيه إبليس. قال اللّه تعالى له: اسجد لآدم. فقال أنا خير منه خلقتني من نار و خلقته من طين، فمن قاس الدين برأيه قرنه اللّه تعالى يوم القيامة بإبليس لأنّه اتّبعه بالقياس».
و زاد ابن شبرمة في حديثه:
ثمّ قال جعفر: «أيّهما أعظم قتل النفس أو الزنا»؟ قال: قتل النفس. قال: «فإنّ اللّه عزّ و جلّ قبل في قتل النفس شاهدين، و لم يقبل في الزنا إلّا أربعة».
ثمّ قال: «أيّهما أعظم الصلاة أم الصوم؟» قال: الصلاة، قال: «فما بال الحائض تقضي الصوم و لا تقضي الصلاة؟ فكيف ويحك يقوم لك قياسك، اتق اللّه و لا تقس الدين برأيك»[1].
و الأحاديث، نظير ذلك كثيرة عن أئمة أهل البيت:في الردع عن إعمال الرأي و القياس و الاستحسان، بهذا الشكل الذي لا يقوم عليه دليل من الشرع، و قد أفادت المعركة الفكرية التي خاضها أهل البيت:ضد أنصار الرأي في التخفيف من غلواء هذه المدرسة، و في إحداث اتّجاه معارض لهذه المدرسة في الأوساط الفكرية وقتذاك، كما مهّدت لظهور مدارس معارضة لها في الاتّجاه كما سنرى ذلك فيما بعد.
2- مدرسة الحديث
و في قبال مدرسة الرأي ظهرت مدرسة الحديث و تعصّب ناس من الفقهاء لمدرسة الحديث.
و كان مركز هذه المدرسة الحجاز، كما كان توسّع مدرسة الرأي في العراق. ففي الحجاز كان الفقهاء يعنون بحفظ الأحاديث و السنّة و الآثار و فتاوى الصحابة و التابعين، و يزهدون في الرأي و تجاوز المأثور من الحديث النبوي و أقوال الصحابة و التابعين.
أما العراق فكان يختلف أمره عن الحجاز، فقد تعرّض فيها الفقهاء لأمور جديدة لم يكن لهم بها عهد من قبل، مما ألجأهم إلى الرأي، و تجاوز
[1]حلية الأولياء: 3/ 197 في ترجمة الإمام الصادق7.