بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 89

2 التقليد


صفحه 90

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


صفحه 91

التقليد و الاتّباع فيما لا يحسنه الإنسان شي‌ء من فطرته و طبيعته؛ فلا يحسن الإنسان كلّ ما يتعلّق بحياته و سلوكه و واجباته على تشعّب مسائل الحياة و واجباته فيها، فيضطر الإنسان حينئذ إلى التقليد و اتّباع الآخرين ممّن يحسنون ذلك.

فحين يصاب الإنسان بمرض، لا يتردّد في مراجعة الأطباء المتخصّصين في فهم نوعية المرض و تعيين العلاج .. و لا يتردّد في تنفيذ توصيات الطبيب فيما يتعلّق بصحّته، و ذلك انطلاقا من الأصل المتقدّم القائم بالفطرة ..

فإنّ الرجوع إلى أصحاب الاختصاص فيما لا يحسنه الإنسان و ما لا يعرفه أمر متأصّل في فطرة الإنسان، يجري عليه الإنسان في الجانب الأكبر من حياته و من شئونه. و كلّما تتّسع دائرة حياة الإنسان و حاجاته و تتوسّع الاختصاصات و الخبرات و التجارب البشرية، كلّما تزداد حاجة الإنسان للتقليد و الاستعانة بذوي الخبرة و التجربة.

فالطبيب الذي يختصّ بأمراض القلب، لا يستطيع أن يقطع برأي في‌


صفحه 92

مريض قبل أن يستشير عددا من ذوي الاختصاصات الأخرى في الطب .. و في صناعة مادّة كيمياوية، أو صنع النسيج، أو تصفية النفط قد يسهم العشرات من ذوي الخبرة و الاختصاصات المختلفة حتى يتمّ العمل.

و لا يملك الإنسان في مسائل الحياة المتشعّبة و الكثيرة و حاجاته الآخذة في الاتّساع، إلّا أن يرجع إلى عدد كبير من ذوي الاختصاص و الخبرة .. و تتوزّع الاختصاصات في المجتمع بصورة طبيعية، و يتمّ التقليد و الرجوع إلى ذوي الاختصاص في المسائل المختلفة كذلك بصورة طبيعية، دون أن يفكّر أحد من الناس أن يقوم وحده بعب‌ء كلّ حياته، و أن يتخصّص في جميع المسائل التي تعنيه من أمر حياته.

و التقليد بهذا المعنى قانون أصيل من قوانين الفطرة، و هو يختلف تماما عن التقليد المذموم الذي يفهمه الناس من كلمة التقليد، و ليس بمعنى التبعية غير الواعية و غير الراشدة، فإنّ هذا النوع من التقليد في واقعه، رجوع الجاهل إلى الجاهل، و ليس رجوعا للجاهل إلى العالم، بعد تقييم و تقدير و حساب.

و الذي نعنيه من التقليد هنا، هو رجوع الجاهل إلى العالم بعد تقييم و تقدير و حساب، و هو تقليد واع يتمّ عن تقييم و بصيرة لا بدّ منه، ليتيح للإنسان الانتفاع بخبرات الآخرين و تجاربهم و اختصاصاتهم، و كلّما تتعقّد مسائل الحياة و تتشعّب، تزداد حاجة الإنسان و إقباله إليه أكثر من ذي قبل.

و التقليد بهذا المعنى، هو نفس المعنى الذي يقصد من كلمة التقليد التي تأتي في قبال كلمة الاجتهاد، فإنّ الشريعة الإسلامية تتضمّن سلسلة من التعليمات و التشريعات التي تتعلّق بسلوك الإنسان المسلم و علاقاته و أعماله.


صفحه 93

و هي تشتمل على كلّ جوانب حياة الإنسان الفردية و الاجتماعية، و كلّ علاقاته و صلاته، و كلّ أنحاء حياته في دقّة و تفصيل.

و لا يتيسّر لكلّ أحد أن يعرف هذه الأحكام في تفاصيلها من مصادرها الاولى، فإنّ هذه العملية تتطلّب جهدا كبيرا، و دراسة طويلة لهذه المصادر و معرفة كاملة بقواعد الفقه و أصوله، و إحاطة بالأحاديث و الروايات و إلماما بإسناد هذه الروايات. و التوفّر على ذلك كلّه يتطلّب دراسة لا تتوفّر لكلّ أحد.

و الذين يتاح لهم أن يتخصّصوا في هذا العلم و يتوفّروا عليه، هم قلّة قليلة من الناس، فلا يملك جمهور المسلمين من غير الفقهاء، و هم مكلّفون بأحكام هذا الدين و تشريعاته، إلّا أن يستعينوا بذوي الخبرة و الاختصاص في هذا العلم، و يقلّدوا ممّن أتيحت لهم هذه الدراسة.


صفحه 94

مرجع التقليد

مكانة المرجع و مسئولياته:

تناط بمراجع التقليد، مسئولية إصدار الفتوى و استنباط الأحكام الإلهية فيما يهمّ المسلم من أمر حياته و سلوكه، و يرجع إليهم في معرفة أحكام اللّه و حدوده و شريعته، و كل صغيرة و كبيرة ممّا يتعلّق بأعماله و علاقاته و معيشته و فرائضه و معاملاته، و فيما يتعلّق بشئون الحياة الاجتماعية و مسائلها.

و بذلك فإنّ المرجع الديني يمثّل السلطة الإفتائية العليا (و هذه السلطة تحلّ محلّ السلطة التشريعية في الدول العلمانية)، كما يمثّل السلطة القضائية.

و قد وردت أحاديث كثيرة عن قيمة المرجعية و مكانتها من حياة الامّة، منها التوقيع المروي عن الإمام الحجة (عجّل اللّه فرجه):


صفحه 95

«و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم، و أنا حجّة اللّه عليهم».

و الحديث المروي عن أمير المؤمنين7: «مجاري الامور و الأحكام على أيدي العلماء باللّه، الامناء على حرامه و حلاله».

انتخاب المرجع:

لأتباع مدرسة أهل البيت:طريقتهم الخاصة في انتخاب المرجع الديني الذي يتصدّى لشئون التقليد، فلا يتم اختيار المرجع من قبل موقع مسئول في النظام الحاكم كما هو الحال مثلا في جملة من الجامعات الإسلامية في البلاد الإسلامية في شمال إفريقية مثلا، حيث يتمّ تعيين الشخص الذي يعهد إليه برئاسة الشئون الدينية و رئاسة الجامعة بواسطة رئيس الجمهورية أو رئاسة الوزراء أو وزير الأوقاف، و لهذه الطريقة سلبيات واضحة تجعل الجامعة الإسلامية أو منصب الفتوى تابعا للنظام و خاضعا له.

و لا يتمّ انتخاب المرجع بالطريقة الديمقراطية المعروفة في المؤسسات الديمقراطية، حيث تلعب الوسائل الإعلامية دورا مؤثرا في تكوين الرأي العام و توجيهه.

و إنّما يتمّ انتخاب المرجع بصورة تدريجية عبر الزمن، و السبب في ذلك أنّ ارتباط (المقلّد) الفرد المسلم بالمرجع في شئون دينه يتمّ بعد اكتمال الثقة الكافية في نفس الفرد تجاه المرجع في كفاءته الدينية و العلمية و الإدارية، و اكتمال هذه الثقة في مساحة واسعة من المجتمع يحتاج إلى زمن غير قليل.


صفحه 96

و لهذه الطريقة سلبية معروفة، نحن في غنىّ عن شرحها؛ فإنّها طريقة بطيئة و معوّقة للعمل، و لا تكمل لمرجع التقليد إمكانات العمل بصورة واسعة و قوية إلّا في وقت متأخر و بعد تفويت فرص جيدة للعمل، و يحدث أحيانا أنّ المرجعية تتوزع على عدد من المحاور بعد وفاة المرجع الذي كان يستوعب الساحة، و يحتاج الأمر إلى زمن ليس بقليل حتى تجتمع المرجعية مرة اخرى حول محور واحد، و يكتسب هذا المحور القوّة و الكفاءة اللازمة لتحريك الأمّة و إدارة القضايا الكبرى التي تمرّ بها. و يتحين الأعداء و المتربصون بالامّة عادة فرصة وفاة مرجع و قيام مرجع آخر لتمرير مشاريعهم السياسية لعدم اكتمال أسباب المرجعية لمحور واحد بصورة كاملة خلال هذه الفترة، و خلوّ الساحة من مرجع قويّ يتمكن من مواجهة هذه المشاريع و إحباطها.

و هذا ما حدث فعلا بعد وفاة الإمام البروجردي (;تعالى) عام 1965 في إيران، حيث استغل (الشاة) فرصة توزّع المرجعية و خلو الساحة من مرجعية قوية و مستوعبة، فطرح مجموعة من المشاريع السياسية لربط إيران بعجلة أمريكا التي عارضها الفقهاء في تلك الفترة، و إلى أن استطاع الإمام الخميني (;تعالى) أن يستقطب جماهير الامّة من حوله و يتصدى لمشاريع الشاه، كان الشاة قد تمكّن من تنفيذ جملة من مشاريعه و أفكاره الرامية إلى ربط الامّة بمصالح الغرب.

قد يصح هذا النقد، و لكن ما لا يصح إطلاقا أن يقول أحد إنّ مرجعية الشيعة تقع تحت تأثير و نفوذ شبكة من رجال الدين، و يندر أن يتمكن أحد أن يرشح نفسه للمرجعية و يكتسب ثقة الناس إلّا من خلال التفاهم مع هذه الشبكة، و التنازل لمطالبها السياسية و المالية. و إنّ هذه الشبكة تمارس نفوذها غير المرئي على الوسط الشيعي في تشخيص و تحديد مرجع التقليد‌