بدرجة عالية و هي قادرة على تقويم المرجعية و تقويضها في آن واحد.
إنّ في هذا التصور شيئا كثيرا من المبالغة و الغلو و الإفراط، و لو لا أنّي أعلم أنّ قائل هذه المقولة إنسان عالم و ملم بظروف و تاريخ المرجعية البعيد و القريب، و قرأت له في تاريخ الفقه الإمامي دراسة ناضجة و علمية قيّمة جديرة بالاحترام لقلت إنّ هذا الكلام ضرب من الخيال[1].
و لست اناقش في وجود هذه الحالة على أرض الواقع، و هذا أمر طبيعي، فمن حول كل مرشّح للزعامة نفر من الحاشية من أهل الدنيا و الطمع في متاع الحياة الدنيا، و هؤلاء النفر ينفعون و يضرّون بطبيعة الحال. هذا أمر لا أنفيه، و لكن الكلام في حجم هذا النفر و قيمتهم السياسية و الاجتماعية و الدور الذي يمكن أن يضطلعوا به، و أنا لا أشك أنّ هذا التصور عن الحجم و الدور الضخم الذي يمارسه هذا النفر لا واقع له على أرض الواقع إطلاقا.
التقليد و الحالة القومية عند الشيعة:
و إذا أردنا أن نسلط الأضواء على الجوانب المشرقة لفكرة التقليد و المرجعية عند الشيعة، يجب أن نذكر قدرة المرجعية في تخطي الحالة القومية و تجاوزها على مستوى القمة و القاعدة معا.
فإنّنا نلاحظ على مستوى القمة في الحوزات العلمية، و في الأوساط الفقهية ذات الخبرة بالمرجعية و المعنية بها طرح اسم فقيه أو آخر لقيادة المسلمين الدينية في العالم الشيعي، دون أن يؤخذ بنظر الاعتبار الحالة
[1]يشير إلى المقال المنشور في جريدة (صوت العراق) الصادرة في لندن العدد 106 بتاريخ 22/ 2/ 1992.
القومية و الجذور القومية لهذا الشخص على الإطلاق.
و كما نلاحظ على مستوى القاعدة قبول مرجعية الفقيه المتصدي العادل و الكفوء من قبل جماهير المسلمين الشيعة، دون أن يؤخذ بنظر الاعتبار انتماؤه و ارتباطه القومي.
و هذا التخطي على مستوى القمة و على مستوى القاعدة يدل على درجة عالية من الوعي و الالتزام بالحدود الشرعية، و الفهم الشامل و المستوعب لمفاهيم الإسلام و نظرته الإنسانية الواحدة، يجب أن يذكر باعتزاز، و لنا على ذلك عشرات النماذج و المصاديق التاريخية و المعاصرة.
فقد ذاع اسم الشيخ محمد حسن النجفي مؤلف الموسوعة الفقهية (جواهر الكلام) في الأوساط الفارسية و التركية في إيران و القفقاز و أذربيجان، كما ذاع اسمه في الهند بالتقليد، و هو فقيه عربي عريق من العراق. و لما حضرته الوفاة أناط المرجعية بحضور جمع من فقهاء العراق و عيونهم إلى فقيه فارسي من دزفول مغمور، لا يعرفه أحد، إلّا في أوساط الحوزة و بين الطلبة و هو الشيخ مرتضى الأنصاري بعد أن أوصاه أن يقلل من احتياطاته في الفتوى، و قال له إنّ الشريعة سهلة سمحة فلا تكثر من الاحتياط. و قال;بعد ذلك و هو في اللحظات الأخيرة من حياته: الآن طاب لي الموت.
و قال الناس بعد ذلك: دخل ملا مرتضى- و هو الاسم الذي كان يعرف به الشيخ الأنصاري في أوساط طلبة الحوزة حينذاك- على صاحب الجواهر و خرج بعنوان الشيخ مرتضى الأنصاري زعيم الشيعة و مرجعهم في العالم.
و تعاقب بعد ذلك فقهاء من العراق و إيران على مرجعية الشيعة، عمّ تقليدهم البلدين مثل: مرجعية الفقيه الشيخ جعفر كاشف الغطاء (;تعالى)- من فقهاء العراق الكبار- و الذي شاع تقليده في إيران في العصر (القاجاري) و سافر إلى إيران و استقبلته إيران استقبالا حافلا، و مرجعية السيد ميرزا حسن الشيرازي الذي شاع تقليده في العراق بصورة واسعة.
و في عصرنا الحاضر يمكن أن نذكر كشاهد على ما نقول مرجعية الإمام السيد محسن الحكيم (قدّس سرّه)- من فقهاء العراق- التي امتدت من العراق إلى إيران و بلاد الأفغان و الهند و باكستان. و مرجعية الإمام الخميني (قدّس سرّه)، و مرجعية آية اللّه العظمى السيد الخوئي (قدّس سرّه) التي امتدت إلى البلاد العربية و غير العربية في العالم الشيعي بشكل واسع. و هذه الشواهد تعبر بوضوح عن مضمون حضاري في مرجعية الشيعة، و هو أنّ الزعامة الشيعية تمكنت من أن تتجاوز الحدود الإقليمية و القومية بكفاءة و جدارة عالية.
و مما لا يصح في أي نقد موضوعي لمرجعية الشيعة تجاوز هذا الواقع الموضوعي المشرق و الحديث عن المرجعية بلغة (العرب) و (العجم) و (القومية) و (الإقليمية) باللغة المألوفة في الأوساط السياسية[1]. فقد استطاعت الزعامة الشيعية أن تتجاوز هذه الحالة منذ عهد بعيد[2].
[1]إشارة إلى المضامين الواردة في المقال في جريدة (صوت العراق) الصادرة من لندن.
[2]كان الشيخ المفيد موضع احترام و ثقة الدولة (البويهية) الإيرانية المعروفة، و الشيخ كما نعرفه من اسرة عربية عراقية معروفة من (عكبرا) قرب مدينة بلد، كما أنّ الشهيد الأول;كان موضع ثقة و اعتماد الدولة (السربدارية) الفارسية و السبزوارية، و هو فقيه عربي من لبنان (جبل عامل).
مسئولية الجمهور في أمر التقليد:
و انطلاقا مما تقدم في أهمية موقع المؤسسة الدينية في مجتمعنا و أهمية زعيم هذه المؤسسة، لا بدّ من أن نشير إلى ضخامة المسئولية التي يتحمّلها الناس، حينما يرجعون إلى أحد في التقليد و يختارونه للمرجعية .. فإنّ هذا الاختيار يعتبر كما سبق أن ذكرنا إسهاما مباشرا في تكوين المرجع الديني و نصبه للتقليد .. و هو مسئولية خطيرة للغاية.
و كما يتحمّل المرجع الديني مسئولية هذه المهمّة كمرجع للتقليد، تتحمّل الامّة أيضا مسئولية اختيار المرجع الديني من بين المرشّحين للمرجعية، فلا يجوز للامّة أن تسلّم المرجعية إلى أيّ يد تمتد لها، دون أن تتأكّد من قبل من صلاحيتها و كفاءتها لهذا المنصب الرفيع، و دون اختبار و حساب دقيق للشخص الذي تسلّمه الامّة زمام المرجعية. فإنّ عدم التأكّد من صلاحية المرجع و كفاءته من الناحية العلمية و التقوى و الكفاءات الشخصية، قد يؤدّي إلى كارثة في حياة الامّة، عند ما لا يكون المرجع الذي تسلّم مهام المرجعية أهلا لتحمّل هذه المسئولية.
فأمر اختيار المرجع- إذن- من المسئوليات الكبيرة الملقاة على عاتق الامّة، و حينما تختار أحدا للتقليد تتحمّل مسئولية التّبعات التي تتمخّض عن ذلك.
و لذلك فإنّ على الامّة أن تتريّث كثيرا في اختيار المرجع، و أن تتأكد من الشخص الذي تنيط به هذه الأمانة، قبل أن تحمّله هذه المسئولية الكبيرة. فإنّ المرجعية كيان اجتماعي و سياسي مؤثّر في حياة الامّة تجلب كثيرا من المطامع، و تعنى بها واجهات سياسية و حكومية، و تحاول أن تدسّ أنفها في
الموضوع و تؤثّر بشكل من الأشكال في توجيه المرجعية بالشكل الذي ترتضيه و تؤمّن مصالحها.
و مع أنّ هذه المحاولات لا تزال تبوء بالفشل في تاريخ المرجعية، رغم الجهود الكبيرة التي تبذلها هذه الفئة أو تلك في تحريف خط المرجعية، و مع أنّ المرجعية ظلّت على امتداد تاريخها الطويل- رغم كل هذه المحاولات- نظيفة مشرقة، لا يجد فيها أحد مغمزا .. رغم ذلك كلّه فإنّ على الامّة أن تكون واعية، مفتوحة العينين، مدركة لمسئولياتها الكبيرة في اختيار المرجع الذي تلقي إليه زمام التقليد و الزّعامة الإسلامية، مقدّرة كل التقدير جسامة المسئولية الملقاة على عاتقها في هذا الاختيار، و لا تنقاد من وراء موقف عاطفي، و لا تحكم بنظرة سطحية، و دون تقدير و حساب دقيق لمن تختار لهذه المسئولية الخطيرة.
الشروط التي لا بدّ منها في مرجع التقليد:
و نظرا لما تقدّم من مسئولية المرجع الديني، و مسئولية المقلّدين في اختيار مرجع التقليد من بين المرشّحين للمرجعية، فلا بدّ من التأكّد من صلاحية الشخص لهذه المسئولية، و توفّر الشروط التي لا بدّ منها فيه قبل اختياره لها.
و هذه الشروط كثيرة لا نريد أن نستقصيها جميعا، و بإمكان القارئ فيما لو أراد المزيد من المعرفة الرجوع إلى المباحث الفقهية المتعلّقة بالموضوع. و أهم هذه الشروط هي:- 1- الحياة.
2- الفقاهة (الاجتهاد).
3- العدالة.
و لمّا كان الفقهاء يتولّون في حياة المجتمع الإسلامي، مسئولية الولاية و الحكم، كان لا بدّ من إضافة شروط اخرى لا بدّ منها، فيمن يتولّى شئون المجتمع و إدارته و يتولّى مسئولية الحكم و الولاية فيه.
و أهم هذه الشروط التي نضيفها إلى الشروط المتقدّمة- كشرط رابع- لتحقيق هذه الغاية هو (الكفاءة و الوعي).
و لمّا كنّا قد بحثنا سابقا عن ضرورة انفتاح حركة الاجتهاد، و الأخطار التي تلحق الفقه الإسلامي عند تعطيل هذه الحركة و تمجيدها .. فسوف لا نحتاج إلى البحث عن اشتراط الحياة في مرجع التقليد.
فإنّ الرجوع إلى المجتهدين السابقين يؤدّي إلى تعطيل حركة الاجتهاد، و يفقد هذه الحركة أهمّ خصائصها، و هو المرونة في التطبيق. و للبحث عن الموضوع فقهيا مجال آخر.
و بناء عليه فسوف نقتصر فيما يلي من البحث عن الشروط المتقدّمة، باستثناء الحياة، و نترك التفصيل للأبحاث الفقهية المعنية بالموضوع.
1- الفقاهة[1]:
في مقدّمة الشروط التي لا بدّ منها في مرجع التقليد، هو الفقاهة و الاجتهاد، و هو ملكة نفسية تمكّن المجتهد من تحصيل الحجج و الأدلّة على الحكم الشرعي أو الوظيفة الشرعية[2]، و لا تتحقق هذه الملكة لدى الشخص،
[1]و المشهور من الفقهاء يذهبون إلى اشتراط الأعلمية في مرجع التقليد، و نقل الإجماع على ذلك المحقّق الثاني.
[2]حيث لا يتأتّى للفقيه معرفة الحكم الشرعي، يبحث عن الوظيفة الشرعية أو العقلية الثابتة له في ظرف الجهل بالحكم الشرعي.
إلّا بعد إلمام اطّلاع واسع و معمّق بالاصول و القواعد الفقهية التي تعين المجتهد على معرفة الحكم الشرعي و الوظيفة الشرعية. و لا بدّ من أن تكون هذه المعرفة نابعة عن رأي و نظر، و لا يكفي الاطّلاع وحده على هذه الاصول و القواعد، ما لم تصحبها ممارسة طويلة لاستعمال هذه الاصول في مجاريها الصحيحة .. فقد تختلف أحيانا مجاري هذه الاصول و القواعد اختلافات دقيقة جدّا، لا يتمكّن الفقيه من تمييزها دون ممارسة طويلة و خبرة واسعة في الموضوع، و هذا هو ما يعبّر عنه الفقهاء عادة بالقدرة على تطبيق الكبريات على صغرياتها.
فالطبيب الحاذق، ليس هو الذي يفهم القواعد الكلّية في الطب، و يفهم أحكاما كلّية عن الأمراض و المعالجات، و إنّما هو الذي يحسن تشخيص الأمراض، و تطبيق القواعد الكلّية في الطب على الانحرافات و الأعراض المرضيّة. و هذه القابلية لا تحصل للطبيب بالدراسة بقدر ما تحصل له بالممارسة و التجربة و العمل.
كما أنّ الاجتهاد يتطلّب من الفقيه معرفة كاملة بالحديث، و فهم مجمله و مبيّنه و ضعيفه و حسنه، و حلّ معضلاته و مشكلاته، و فهم الرجال الذين وصل إلينا الحديث على أيديهم من حيث الوثوق، و فهم ظروف صدور الحديث.
و في دراسة الأحاديث يتّفق كثيرا أن يلتقي الفقيه بأحاديث متعارضة من حيث المدلول، و ذلك لما كان يحيط ظروف صدور الحديث من ملابسات، لا نريد أن نتعرّض لها في هذا المجال.
و لا بدّ للفقيه أن يكون على معرفة واسعة بطرق علاج هذه المعارضات،
و ترجيح بعضها على بعض أو الجمع بينها فيما إذا أمكن.
و يتطلّب الاجتهاد من الفقيه، أن يكون على معرفة واسعة بالقرآن الكريم، و بصورة خاصة ما يتعلّق بالأحكام من آياته، و معرفة الناسخ من المنسوخ، و العام من الخاص، و المجمل من المبيّن.
و لا بدّ أن يكون للفقيه ممارسة طويلة لكلام العرب و أساليبهم في الشعر و النثر، تمكنه من فهم الكتاب و السنّة و تذوقهما بصورة سليمة خالية من التعقيد.
كما لا بدّ أن يملك الفقيه ذوقا فقهيّا سليما خاليا من التعقيد، بعيدا عن التكلّف، مسترسلا في فهم الحكم الشرعي؛ فإنّ الذّوق الشخصي و النظرة العامة التي تتكوّن لدى الفقيه عن الفقه، تؤثر كثيرا في فهمه للأدلّة و القواعد. و يسمّى عادة هذا الذّوق الفقهي بالشمّ الفقهي، و لا يستغني الفقيه عن هذا الشّم الفقهي أو الذّوق الفقهي في الاستنباط مهما بلغ علمه بالاصول و القواعد.
و يتكوّن لدى الفقيه هذا الحسّ من الاطّلاع الواسع على الكتب الفقهية القديمة و المعاصرة، و دراسة القرآن و الحديث بإمعان، و محاولة تكوين نظرة عامّة عن روح هذا الفقه و اتجاهه العام.
و من الطبيعي أنّ الفقيه لا يتيسّر له أن يبلغ هذا المبلغ من العلم و الفقاهة، دون أن يمضي أمدا طويلا في الدراسة و القراءة و التطبيق و المناقشة، و الاطّلاع على الموسوعات القرآنية و الحديثية لمختلف طبقات المفسّرين و المحدّثين و الفقهاء.