ما يبحث فيه عنه ليس عن أدلّة الفقه، فإنّهم يبحثون فيه عن حجّيّة الظنّ، و كون الظنّ دليلا على استنباط الأحكام؛ محلّ كلام.
و كيف ما كان، توقّف الفقه على علم الأصول، يمكن أن يقال: إنّه بديهيّ.
و أمّا كيفيّة المعرفة، فلا بدّ أن يكون بالاجتهاد، لقاعدة الاشتغال و الإجماع، و لا يلزم من الاجتهاد فيه العسر و الحرج، لكون المأخذ بأيدينا؛ و لا بدّ أن يكون ملكته ملكة علميّة على المختار، لانفتاح باب العلم فيه.
و أمّا قدر المعرفة، فالحقّ: أنّ كلّ مسائل الأصول لا بدّ من معرفتها للاجتهاد المطلق، إلّا القياس عند من لا يقول بحجّيّته، و إلّا المسائل الذي لا يكون لها ثمرة عمليّة، كمسألة بقاء الجواز بعد نسخ الوجوب مثلا؛ كما لا يخفى على العارف الخبير.
ثمّ لا يخفى أنّ ملكته كافية، فإنّ استحضار جميع القواعد ممّا لا يكاد فعليّته.
[الشرط] الرابع عشر: علم الرجال.
أمّا الدليل على التوقّف إجمالا، فلأنّ معظم أدلّة الفقه السنّة؛ و ذلك لقلّة موارد يستقلّ به العقل، و لقلّة موارد الإجماع، بل قيل: إنّ تحقّق الإجماع في زماننا مستحيل؛ و على فرض التحقّق، الاطّلاع عليه غير ممكن.
و أمّا الكتاب، فأكثره ليس في الأحكام، بل النصائح و القصص و أصول العقائد؛ و ما نزل في الأحكام يقرب خمسمائة؛ و هذه الآيات أيضا بعضها مجملة، لا يسدّ بها الاحتياج؛ و آيات الأحكام المبيّنة أيضا، بعض الأحكام المستفاد من بعضها صار ضروريّا، كوجوب الصلاة و الزكاة و أمثالها، المستفادة من قبيل قوله تعالىأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَو ما بقي منها أيضا، في استفادة الحكم منها محتاج إلى الأخبار.
و بعد ما كان معظم الأدلّة السنّة، فنقول: إنّ الأخبار على سبعة أقسام؛ لأنّ الأخبار إمّا قطعي الصدور لا المضمون أو قطعي المضمون لا الصدور، أو قطعيّتهما، أو ظنّيّتهما؛ و ما عدا الآخر، القطع فيه إمّا يحصل من التواتر، كأن يكون متواترا
لفظيّا أو معنويّا أو كليهما؛ أو من الاحتفاف بالقرينة.
و هذه الأقسام الستّة أيضا في غاية القلّة؛ بقي القسم الأخير؛ و لا بدّ في حصول الظنّ بأنّ هذا الخبر صدر من المعصوم، من معرفة أنّ الراوي كان ثقة أو فاسقا، فلا بدّ في الاستنباط من معرفة علم الرجال؛ و لا يخفى أنّ المراد بالرجال الأشخاص الذين رووا الحديث، سواء كان رجلا أو مرأة؛ و إطلاق اسم الرجال عليهم من باب الغلبة.
و أمّا تفصيلا، فلأنّ الأخبار التي بناء القوم في استنباط الأحكام عليها، هي الأخبار المودعة في الكتب الأربعة؛ و العمل بها لا يخلو إمّا أن يكون من باب أنّها قطعيّات الصدور، كما يقول به الأخباريّون؛ أو من باب الظنّ الخاصّ، أو من باب الظنّ المطلق، أو من باب التعبّد الصرف، كما يقول به الحشويّة؛ و على كلّ فرض من الفروض الأربعة، لا بدّ من معرفة الرجال.
أمّا على الفرض الأوّل، فلأنّ في هذه الكتب بعض الأخبار معارض لبعض آخر، مع العلم بأنّ كلا الطرفين صادر من المعصوم، فنقول: سلّمنا عدم الاحتياج إلى علم الرجال فيما ليس معارضا لآخر، و لكن ما تصنع في صورة التعارض، و الحال أنّ أكثر الأخبار متعارض.
فإن قلت: نحكم بالتخيير، بأن يعمل بأيّهما شاء.
نقول: إنّ الحكم بالتخيير متوقّف بعدم وجدان المرجّح لأحد الطرفين، كما هو صريح أخبار العلاجيّة الثابتة في الكتب الأربعة؛ و قد قال(عليه السلام)فيها بالأخذ لقول الأعدل و الأفقه، و نظائرهما من المرجّحات؛ فعملا بمضمون هذه الأخبار، لا يجوز الحكم بالتخيير إلّا بعد الفحص عن المرجّحات، و منها الأعدليّة و الأفقهيّة و الضبط و نحوها؛ و هذه ممّا يستفاد من علم الرجال، فلا بدّ مع فرض كون الأخبار المودعة قطعيّات، من معرفة الرجال عند التعارض؛ و ذلك بيّن على أنّ بين الأخبار الصادرة للعلاج أيضا تعارض، فلا بدّ في الأخذ بأحدهما دون الآخر من أحد
المرجّحات المذكورة.
و ممّا يؤيّد ما قلنا أنّ بعض المحمّدين الثلاثة رحمهم اللّه ذكر الرواة الواقعة بينه و بين الأئمّة(عليهم السلام)، فلو لم يكن الغرض ترجيح أحد الروايتين على الآخر بالرواة عند التعارض، لما كان لذلك الذكر فائدة؛ مضافا إلى أنّ الشيخ أعلى اللّه مقامه أيضا كتب رجالا؛ مضافا إلى أنّ كون هذه الأخبار قطعيّات، ممّا لنا فيه كلام سنبيّنه مفصّلا إن شاء اللّه تعالى.
و أمّا على الفرض الثاني، فلأنّ القائلين بالظنّ الخاصّ يعملون بالآحاد، لدلالة مفهوم آية النبأ على سماع خبر العدل الواحد؛ و معرفة أنّ هذا الراوي عدل ممّا يستفاد من علم الرجال، و مع قطع النظر عن ذلك، نقول: إنّ القائلين بالظنّ الخاصّ يذكرون للعمل بالخبر شروطا، كأن يكون إماميّا عادلا ضابطا، و من البيّن أنّ معرفة أنّ الراوي متّصف بهذه الصفات لا يستفاد إلّا من علم الرجال؛ مضافا إلى بداهة الاحتياج إلى الرجال عند التعارض، للعامل بالظنّ الخاصّ أيضا.
و أمّا على الفرض الثالث، فلأنّ عملهم بالأخبار من باب حصول الوصف، فربّما لا يحصل من ملاحظة نفس الخبر ظنّ، و لكن بعد ملاحظة أنّ راويه عدل ضابط، يحصل نفس الوصف؛ و ربما يحصل الظنّ من الخبر، و بعد ملاحظة أنّ الراوي كاذب فاسق ينتفي الظنّ بالمرّة؛ فإنّه على الظنّ المطلق أيضا، لا يعمل بالظنّ، إلّا بعد الفحص عن المعارض، فنحتاج إلى ملاحظة علم الرجال، لعلّه ينتفي ذلك الظنّ الحاصل من الخبر، و ربما يقوي بالمراجعة إلى علم الرجال الظنّ؛ و على أيّ تقدير، احتياج العامل بالظنّ المطلق إلى الرجال أكثر، خصوصا عند التعارض، فإنّه إمّا محصّل للظنّ، أو ناف له، أو مقوّ له.
و أمّا على الفرض الرابع، فلأنّ العامل بالإخبار تعبّدا، لا بدّ له من العمل بأخبار العلاج أيضا، عند التعارض؛ و ذلك لا يتحقّق إلّا بمعرفة الرجال عدالة و ضبطا، و نحوهما.
و كيف ما كان، الاحتياج إلى علم الرجال، لاستنباط الأحكام الشرعيّة، على كلّ فرض من هذه الفروض الأربعة، ممّا يمكن أن يقال: إنّه لا ريب فيه.
فإن قلت: نكتفي عند التعارض بتصحيح المحمدين الثلاثة رحمهم اللّه و تضعيفهم، فإنّ الشيخ فيما يحصل التعارض بين الخبرين يحمل أحدهما على التقيّة مثلا، و هكذا، فلا حاجة بمعرفة الرجال.
قلت: مع أنّ هذا الحمل لم يصدر إلّا من الشيخ في الاستنباط فقط، إنّ العمل بقوله عمل بما وراء العلم، و الأصل ينفيه، فأيّ دليل دلّ على الاعتماد بتصحيح الشيخ و تضعيفه؟
فإن قلت: آية النبإ.
نقول: لنا في تماميّة الآية كلام، و لذا قلنا بالظنّ المطلق؛ سلّمنا صحّة العمل بقوله، و لكن ما نصنع فيما لو تعارض قولى الشيخ مثلا، بالصحّة و الضعف في خبر واحد، كان الحكم بضعفه في التهذيب و تصحيحه في الاستبصار؛ و يشهد على ذلك التعارض الأغلاط التي ذكروها علماء الرجال في كلام الشيخ، فلا بدّ لنا حينئذ الاجتهاد في أنّ أيّا من قوليه خبط، و ذلك لا يحصل إلّا باستعلام أنّ رواته عادلون أم لا، و ذلك لا يحصل إلّا بعلم الرجال.
سلّمنا أن ليس بين كلاميه أبدا تعارض، و لكن يحصل التعارض كثيرا ما بين قوله و قول سائر المشايخ، في تصحيح الخبر و تضعيفه، بمعنى أنّ الشيخ حكم بصحّة خبر و الكليني حكم بضعف خبر آخر، و كانا متعارضين؛ فما العلاج حينئذ إلّا بالتفحّص عن حال الرواة، و ذلك لا يتمّ إلّا بعلم الرجال.
فإن قلت: نتفحّص عن آراء غير الشيخ و الكليني، فإن وجدنا قول واحد منهما مطابقا للآراء، نأخذ به.
قلنا: نفرض الكلام فيما لو تعارض قولان، و كان قول نصف العلماء مطابقا لأحدهما، و قول النصف الآخر مطابقا للآخر، و لا يحتمل مرجّح لأحدهما، إلّا أنّه
يحتمل أن يكون رواة أحد الخبرين أوثق، فقبل الرجوع إلى أحوال الرواة و الاجتهاد فيها، لا يمكن الترجيح، و لا الحكم بالتخيير لفقدان شرطهما، فلا محيص عن الاحتياج بعلم الرجال.
و إذا ثبت الاحتياج إليه في صورة واحدة، ثبت المطلوب؛ لأنّ الغرض الإثبات و لو بالموجبة الجزئيّة، في مقابل من ينكر الاحتياج بالسلب الكليّ.
و بعد ما انجرّ الكلام إلى هنا، لا يضرّنا بل يجب علينا أن نذكر الشكوك التي أوردها الأخباريّون في المقام، مستدلّين بها على نفي الاحتياج إلى علم الرجال و علم الأصول؛ و نجيب عنها مفصّلا، مخافة على القاصر الغير المحيط بأطراف الكلام، كيلا يقع في الشكوك عند ورودها عليه، فإنّهم يتكلّمون بلسان يجعل الغافل مغرورا، و يخاله الناشق كافورا، كلّا إنّ فساده كان في الكتاب مسطورا.
و لنقدّم أوّلا في كيفيّة معرفة علم الرجال و مقدار التوقّف، ثمّ لنشرع في ذكر بعض شكوكهم الذي هو عمدة أدلّتهم على نفي الاحتياج؛ فنقول: إنّ معرفة علم الرجال لا بدّ و أن يكون على طريق الاجتهاد، لأنّه القدر المتيقّن؛ و لا بدّ في ما خالف الأصل من الاقتصار على القدر المتيقّن، إلّا أن يلزم من الاجتهاد فيها العسر و الحرج، فإنّه دليل اجتهاديّ مخصّص للأصل؛ و حينئذ يجوز الاكتفاء بتصحيح الغير، و بمراجعة الكتب المدوّنة في علم الرجال.
و هل يكفي معرفته لبّا، كأن يعرف أنّ ذلك الراوي ثقة عدل إمامي؛ سواء حصل ذلك العرفان من المجالسة مع الراوي و اختبار حاله، أو حصل من الرجوع إلى كتب الرجال، بعد معرفة اصطلاحاتهم في أوائل كتبهم، كأن يعرف أنّ ذلك المؤلّف يطلق الثقة على أيّ معنى، و العدل على أيّ معنى، و هكذا؛ أم لا بدّ في المعرفة من الرجوع إلى الكتب و معرفة الاصطلاحات.
الحقّ: كفاية المعرفة لبّا، بأيّ نحو حصل، لأنّ الدليل الدالّ على معرفة علم الرجال من شرائط الاجتهاد المطلق، لم يدلّ على أكثر من ذلك؛ لكن لمّا لم يكن
معرفة الرجال في عصرنا هذا بالمعاشرة و اختبار الحال، لا بدّ من الرجوع إلى الكتب من باب المقدّمة؛ و كذا نكتفي ملكة المعرفة لا فعليّتها.
و الحاصل: أنّ كيفيّة معرفة علم الرجال على نحو كيفيّة معرفة العلوم العربيّة، في جميع ما ذكر مطلبا و دليلا، فعليك بالرجوع و التطبيق؛ و كذا في مقدار المعرفة، فإنّه يكفي معرفة الرجال الذين روي منهم أحاديث الأحكام، و لا احتياج إلى معرفة روات الأخبار الواردة في غير الأحكام، كالواردة في أصول العقائد و الطبّ مثلا.
و بعد ما عرفت ذلك، نقول: إنّ من جملة شكوكهم التي استدلّوا بها في المقام، على عدم الاحتياج بعلم الرجال، أنّ الأخبار المدوّنة في الكتب الأربعة للأئمّة و المشايخ الثلاثة، كلّها قطعيّة الصدور من الأئمّة(عليهم السلام)، و بعد ما كانت قطعيّة الصدور، لا احتياج إلى معرفة أحوال الرواة.
أمّا الكبرى فبديهيّة؛ و أمّا الصغرى، فلأنّه اجتمعت في زمن الأئمّة(عليهم السلام)أربعة آلاف أو ستّة آلاف أصل، و كلّ صاحب أصل كان جادّا في تصحيح أصله، كأن كان يعرضه على الإمام عليه(عليه السلام)، أو كان يكتب الحديث عند حضوره بخدمته(عليه السلام)؛ و مع ذلك، فما كانت الأصول محتملة لاشتمالها على الأخبار الموضوعة المنتسبة إليهم(عليهم السلام)كذبا.
انتخب قدماء الأصحاب(رضوان اللّه عليهم)أربعمائة أصل، مع شدّة اهتمامهم في الاحتراز عن الأصول المحتملة للكذب؛ و مع ذلك، لم يقتصر المحمّدون الثلاثة رحمهم اللّه على ذلك، و انتخبوا من الأصول الأربعمائة أحاديث زبروها في الكتب الأربعة، مع صرف أعمارهم و بذل جهدهم في تصحيح تلك الأحاديث، حتّى أنّه قيل، بل اشتهر: إنّ الكليني(رحمه اللّه)سمع أنّ عند رجل حديث أو أصل، فسافر إلى بلده ليأخذ الحديث منه، فوجده في القاع يريد أن يأخذ فرسه الشارد بالحيلة، فلمّا رأى الشيخ ذلك، أعرض عنه و قال: إنّه رجل محتال ليس قابلا لأخذ الحديث منه؛ و أمثال ذلك، كما اشتهر عن القمّيّين رحمهم اللّه.
فبملاحظة هذه القرائن و نحوها، حصل لنا القطع بصدور الأحاديث المزبورة في الكتب الأربعة عن الأئمّة(عليهم السلام)، و يشهد على ذلك أيضا، ما قاله الصدوق(رحمه اللّه)في أوّل كتابه «إنّي لا أورد في هذا الكتاب إلّا ما أفتى به و أحكم بصحّته، و هو حجّة بيني و بين ربّي».
و قال الكليني في أوّل الكافي مخاطبا بمن سأله تصنيفه: و قلت إنّك أن يكون عندك كتاب كاف يجمع من جميع فنون علم الدين، و العمل به بالآثار الصحيحة عن الصادقين(عليها السلام)، إلى أن قال: و قد يسّر اللّه و له الحمد، تأليف ما سألت، و أرجو أن يكون بحيث توخّيت.
و قيل: إنّه هذا الكتاب عرض على صاحب العصر(عجّل اللّه فرجه)، فتلقّاه بالقبول، و قال: إنّه كاف لشيعتنا؛ و لذا سمّي بالكافي؛ و قال الشيخ في العدّة: إنّ ما عملت به من الأخبار فهو صحيح؛ و بعد ما كان هذه الأحاديث صحاح، كما شهدوا عليه، يرتفع احتمال الاحتياج إلى الرجال.
و الجواب: إنّ الصحيح يحتمل معان ثلاثة عند القدماء:
الأوّل: أن يكون المراد به عندهم القطعي الصدور.
الثاني: أن يكون المراد به المعتمد، سواء كان قطعيّا أو ظنّيّا.
الثالث: أن يكون المراد به مقطوع الحجّيّة، و لو لم يقطع بصدوره من المعصوم؛ بمعنى أنّ المراد به القطعيّ المصون.
و دعوى الخصم على كلّ من الاحتمالات الثلاثة فاسدة.
أمّا على الاحتمال الأوّل، فلأنّا نقول: إنّ كون الصحيح عند القدماء، أعني المشايخ الثلاثة، الشاهدين على صحّة كتبهم، مع أنّ شهادة الشيخ الطوسي ممنوعة، بمعنى قطعي الصدور ممنوع؛ و على الخصم إثبات ذلك الاصطلاح منهم.
سلّمنا عدم قطعنا بنفي هذا الاصطلاح، لكنّه مشكوك، فيكون أخبار المشايخ مجملا.
سلّمنا ثبوت هذا الاصطلاح، لكن كون الأخبار قطعيّا عندهم، لا يستلزم كونها قطعيّا عندنا، فإنّه كثيرا ما يكون الشيء قطعيّا عند شخص، و غير قطعي عند آخر، نظير ذلك الإجماعات المنقولة، فإنّها قطعيّات عند ناقلها و ظنّيّات عندنا.
سلّمنا أنّ القطعيّة عندهم مستلزمة القطعيّة عندنا، لكنّ ذلك إنّما يتمّ إذا علمنا أنّ كلّ الروايات المزبورة في الكتب التي بأيدينا هي التي قطع المشايخ بصدورها، من غير تغيير، و أنّى ذلك؛ فإنّه يحتمل أنّ النسّاخ غيّروا ما في النسخة الأصليّة سهوا منهم، و يشهد عليه تغاير النسخ التي بأيدينا، بل الغالب في حال النسّاخ تغيير ما في الأصل، مضافا إلى أنّ احتمال السهو يجري في المصنّف أيضا عند التأليف.
سلّمنا، لكن كيف العلاج عند التعارض إلّا بالترجيح، و من جملة وجوه الترجيح ملاحظة أحوال الرجال، كما نطق به الأخبار المودّعة في هذه الكتب، الواردة للعلاج، من ملاحظة الأعدليّة و الأوثقيّة؛ على أنّ ذلك الأخبار أيضا متعارضة، فإنّ في بعضها ذكر الأعدليّة بعد الشهرة، و في بعضها ذكرها قبل المرجّحات؛ فتأمّل.
مضافا إلى أنّ أمرهم(عليهم السلام)بالأخذ بقول الأعدل، كاشف عن كون الأخبار ظنّية، فإنّه على فرض كون الخبرين قطعيّان صدورهما، لا معنى للتعارض، إلّا من باب حمل أحدهما على التقيّة؛ و ذلك قد كان يستفاد من الأخذ بما خالف العامّة، لا من الأخذ بقول الأعدل؛ فتدبّر.
و أمّا على الاحتمال الثاني، و الظاهر أنّ مراد المشايخ من الصحّة هو ذلك المعنى، و يشهد على ذلك أنّ الشيخ في أوّل الاستبصار، قسّم الخبر على قسمين، صحيح و غير صحيح، و عدّ من الصحيح ما وافق الكتاب و ما خالف العامّة؛ و من البيّن أنّ موافقة الكتاب و مخالفة العامّة و نحوهما، لا تصير سببا للقطع بالصدور، و إنّما يصير سببا للاعتماد، بمعنى أنّا نظنّ أنّ هذا الخبر لموافقة الكتاب، صادر من المعصوم، فلأنّ كون الشيء مظنون الصدور عندهم، لا يوجب صيرورته كذلك عندنا.