بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 145

الوقت بالاستصحاب، نتعدّى إلى ما كان بعده بظهور الإجماع المركّب، فإنّ من قال بلزوم الإعادة على الجاهل الذي هذا حاله إذا كان الانكشاف في الوقت، قال به إذا كان بعده أيضا و لم يفصّل من هذه الجهة، إلّا أن يقال: نثبت عدم لزوم الإعادة إذا كان الانكشاف في خارج الوقت بأصل البراءة، و نقلّب الإجماع المركّب بالتعدّي إلى ما كان الانكشاف في الوقت.

لكن نقول في الجواب: إنّ ضميمة إجماعنا الاستصحاب، و ضميمتكم أصل البراءة، و قوّة الإجماع المركّب و ضعفه باعتبار قوّة الضميمة و ضعفها، فلكون الاستصحاب واردا على أصل البراءة يتضعضع أركان إجماعكم، فتبيّن أنّ مقتضى القاعدة لزوم الإعادة على الجاهل في هذه الحالة أيضا، كما اقتضتها في الأحوال السابقة، سواء كان قاصرا أو مقصّرا، و سواء كان المجهول دائمي الوقوع أو اتّفاقيّة بكلا قسميه، و سواء كان انكشاف عدم المطابقة في الموقّت أو غيره، و في الموقّت سواء كان في الوقت أو في خارجه، و سواء كان متمكّنا أو غير متمكّن، و سواء كان جاهلا بالموضوع أو بالحكم التكليفي منه أو الوضعي هكذا.

و أمّا في القسم الأخير، و هو ما كان موقّتا و انكشف الخلاف في خارج الوقت، و لم نقل بأنّ القضاء بالأمر الأوّل و لم يكن الأمر الجديد موجودا، كصوم يوم الخميس مثلا، فأصلنا هذا لا يجري فيه، لفوات وقته، فلا يجري فيه الاستصحاب لكونه عرضيّا، على ما تقرّر في مسألة الاستصحاب في أنّ الموقّت بعد فوات وقته لا يجري فيه الاستصحاب؛ فتذكّر.

المقدّمة الثالثة: في أنّه لا ريب و لا شكّ في وجوب تعلّم المسائل‌

، و ذلك لأنّ المسائل إمّا دائميّة و إمّا اتّفاقيّة عامّة البلوى و إمّا اتّفاقيّة نادرة الوقوع.

و الدليل على وجوب التعلّم في القسم الأوّل: أمّا من الكتاب فقوله تعالى‌فَلَوْ لا نَفَرَإلى آخره، فإنّ التوبيخ على ترك النفر للتفقّه دالّ على وجوب التفقّه؛ و أمّا من السنّة فالأخبار المتظافرة الدالّة على وجوب التعلّم حتّى أنّه ورد في المعاملات‌


صفحه 146

الفقه ثمّ المتجر؛ و أمّا الإجماع فهو أيضا موجود في المقام، لإجماعهم على وجوب التعلّم و أنّ تاركه آثم، و أمّا العقل فلحكمه على وجوب المقدّمة.

و ليعلم أوّلا أنّ المقدّمة إمّا مقدّمة وجوديّة كالوضوء بالنسبة إلى الصلاة، و إمّا وجوبيّة كالاستطاعة الشرعيّة بالنسبة إلى الحجّ، و إمّا وجوديّة و وجوبيّة كلاهما كالقدرة بالنسبة إلى المكلّف به، و إمّا مقدّمة فعليّة و هي ما يتوقّف فعل ذي المقدّمة عليه، و إمّا تركيّة و هي ما يتوقّف تركه عليه كما إذا كان ذي المقدّمة من المحرّمات، و إمّا مقدّمة علميّة و هي ما يتوقّف العلم بذي المقدمة عليه كما في الصلاة إلى الجهات الأربع عند اشتباه القبلة مثلا، فإنّه مقدّمة علميّة فعليّة، و كالاجتناب في الشبهة المحصورة فإنّه مقدّمة علميّة تركيّة.

و التعلّم مقدّمة علميّة لما أمر اللّه به أو نهى عنه، فإنّ العلم بأنّ الشي‌ء الفلاني واجب أو حرام و هكذا، يتوقّف على تعلّم المسائل، و بعد ما كان ذو المقدّمة واجبا فالعقل حاكم بوجوب مقدّمته، و لا يخفى أنّ هذا الكلام إنّما هو بالنسبة إلى المقصّر و أمّا بالنسبة إلى القاصر فلا يجري هذا الكلام فيه.

و أمّا في القسم الثاني: فالدليل إطلاق الكتاب و السنّة إن قلنا لشموله له بواسطة كونه عام البلوى، و كذا العقل من باب المقدّميّة، و أمّا الإجماع فغير موجود في هذا القسم، فإنّ بعضهم حاكمون بعدم وجوب تعلّم مسائل الشكّ و السهو قبل حصولهما.

و أمّا في القسم الثالث: فقاعدة المقدّميّة و إن كانت حاكمة بلزوم التعلّم فيه أيضا، لكن لزوم العسر و الحرج و اختلال النظم إن قلنا بوجوب التعلّم فيه أيضا على كلّ أحد، بل التكليف بما لا يطاق، فإنّ المسائل ممّا لا يعدّ و لا يحصى و احاطة الانسان عليها متعذّر، ممّا ينفي لزوم التعلّم على كلّ أحد عينا.

نعم، معرفة كلّ الأحكام لازمة على وجه الكفاية، لكن لا فعلا بل قوّة قرينة منه، و يظهر ثمرة وجوب التعلّم و عدمه في ترتّب الإثم و عدمه.


صفحه 147

إنّما الكلام في أنّ التعلّم شرط للامتثال، أم لا؟

و بعبارة أخرى: هل التعلّم واجب نفسي أو غيري؟ و يظهر الثمرة فيما لو أتى بالفعل مطابقا للواقع مع عدم التعلّم، فإن كان واجبا نفسيّا امتثل بالفعل في هذه الحالة، لكنّه معاقب على ترك التعلّم، و لا يلزم عليه الإعادة و لا القضاء فيما كان له قضاء؛ و إن كان واجبا غيريّا لم يمتثل بالفعل، و يلزم عليه الإعادة و القضاء، كما هو الشأن فيما إذا ترك الواجبات الغيريّة كالوضوء مثلا بالنسبة إلى الصلاة.

فالغرض من تمهيد هذه المقدّمة أنّ الأصل في التعلّم الذي ثبت وجوبه كونه نفسيّا أو غيريّا، فنقول أوّلا إنّ الواجب إمّا معلوم النفسيّة و مشكوك الغيريّة و إمّا بالعكس أو مشكوكهما.

أمّا في القسم الأوّل، كما في ردّ السلام في الصلاة، فإنّ وجوبه معلوم النفسيّة، إنّما الشكّ في أنّه أيضا مقدّمة لصحّة الصلاة أم لا؟ فنقول فيه: إنّ الأصل بناء على ما اخترناه في الأقلّ و الأكثر الارتباطي من جريان أصل البراءة، فيه كونه نفسيّا لأصالة البراءة عن كونه واجبا غيريّا، و أمّا إن قلنا بأصالة الاشتغال فالأصل كونه غيريّا أيضا، لأنّ الاشتغال بالصلاة ثابت و القطع بالاشتغال يقتضي للقطع بالامتثال، و هو لا يحصل إلّا برّد السلام، فالردّ أيضا واجب غيريّ بالنسبة إلى الصلاة.

و أمّا في القسم الثاني، كالوضوء مثلا، فإنّ كون وجوبه للصلاة معلوم، إنّما الشكّ في أنّه مع ذلك واجب نفسيّ أيضا أم لا، فينتفي الوجوب النفسي بالأصل و هو أصالة عدم تعدّد التكليف.

و أمّا في القسم الثالث، كما لو ثبت بدليل لبيّ وجوب شي‌ء و دار أمره بين أن يكون نفسيّا أو غيريّا، فإن كنّا أصلا اشتغاليّا يسهل الأمر، لأنّا نثبت غيريّة ذلك الواجب الذي يحتمل أن يكون ذلك الواجب مقدّمة له، و ينتفي النفسيّة بأصل البراءة، فإنّ الأصل من تعدّد التكليف أحدهما التكليف الاستقلالي بهذا، و الآخر


صفحه 148

التكليف بالواجب المعلوم النفسيّة، و لا ينافي إجراء هذا الأصل الاشتغاليّة، لأنّ الشكّ في التكليف فيه، و لكنّا لمّا اخترنا أصل البراءة يشكل الأمر علينا، لأنّا إن أجرينا الأصل بالنسبة إلى النفسيّة و الغيريّة كليهما فهو مناف لوجوبه الثابت.

و إن عملنا بكلّ واحد في موضع لم يتعدّد التكليف فيه، كأن نعمل بأصالة عدم النفسيّة فيما لو شككنا في نفسيّة الوضوء مثلا، و غيريّته قبل الوقت، فإنّ نفسيّة الوضوء مقتضية للتكليف به قبل الوقت، فيتعدّد التكليف، أحدهما بالوضوء و الثاني بالصلاة، و غيريّته لا يقتضي التعدّد، بل يقتضي التكليف بالصلاة فقط بعد دخول الوقت، و كذلك في فاقد الطهورين في الوقت، فإنّ غيريّة الطهور مقتضية لسقوط التكليف بالصلاة، و نفسيّته مقتضية لعدم السقوط.

فبعد ما أجرينا أصالة عدم النفسيّة لا يلزم زيادة التكليف، و نعمل بأصالة عدم الغيريّة فيما لو كان الوضوء مثلا، مشكوك النفسيّة و الغيريّة، و تركنا الوضوء سهوا و صلّينا، فحينئذ إن كان الوضوء نفسيّا لا يلزم الإعادة، و إن كان غيريّا يلزم لبطلان الصلاة، فالأصل عدم الغيريّة يلزم المخالفة القطعيّة، لأنّ الوضوء في الواقع لا يخلو من أحدهما، فجعله مرّة نفسيّا و أخرى غيريّا يكون أحدهما مخالفا للواقع قطعا و هي أيضا باطلة، فلا محيص من أن نقول: تعارض الأصلان فتساقطا؛ لكن استصحاب الأمر و الاشتغال بالصلاة- لو أتى بالصلاة بدون الوضوء- حاكمان بكون وجوب الوضوء غيريّا، فالأصل فيما شكّ في نفسيّته و غيريّته بعد ثبوت وجوبه الغيريّة، لا لأصالة عدم النفسيّة بل لاستصحاب الأمر و الاشتغال بما يحتمل كون المشكوك فيه، مقدّمة له.

لا يقال: قلت إنّ بنائنا على أصل البراءة في الأقلّ و الأكثر الارتباطي، فكيف أجريت قاعدة الاشتغال و استصحاب الأمر؟

لأنّا نقول: مفاد كلامنا أنّ أصل البراءة عند التعارض مع قاعدة الاشتغال مقدّم عليها، لأنّا لا نعمل بقاعدة الاشتغال أبدا، و في المقام لمّا كانت أصالتي البراءة


صفحه 149

متعارضة متساقطة و كانت القاعدة سليمة عن المعارض، عملنا بها.

إذا تمهّد هذا، فلنرجع إلى ما كنّا فيه، فنقول: يمكن أن يقال: إنّ نفسيّة وجوب التعلّم معلوم لدلالة أدلّة اللفظيّة من الكتاب و السنّة عليه، و الأصل فيما دلّ عليه الدليل اللفظي النفسيّة، إنّما الشكّ في أنّه مع كون وجوبه نفسيّا هل وجوبه غيريّ أيضا، للأعمال الصادرة منه أم لا؟ فبناء على ما اخترنا من إعمال أصالة البراءة، نقول: الأصل البراءة من الوجوب الغيري، فالتعلّم واجب نفسيّ فقط، فلا يلزم الإعادة بعد العلم بمطابقة العمل للواقع؛ نعم، إنّما يعاقب على ترك هذا الواجب النفسي.

لكن الحقّ: أنّ وجوب التعلّم مع دلالة الأدلّة اللفظيّة عليه غيريّ، فإنّه من البيّن أن لا فائدة في التعلّم إلّا لإتيان المأمور به مطلقا للواقع.

و بعبارة أخرى: من البيّن أنّ وجوبه توصّليّ لا تعبّديّ، إنّما الشكّ في أنّه من أيّ فردي الغيري؛ فإنّ الواجب الغيري قد يكون مقدّمة عمليّة كما في الشبهة المحصورة، فإنّ الاحتراز عن كلّ واحد فيها واجب للعلم بالاحتراز عن الحرام الواقعي، و كذا في الصلاة إلى الجهات الأربع؛ و قد يكون مقدّمة وجوديّة يتوقّف صحّة ذي المقدّمة عليه، كالوضوء بالنسبة إلى الصلاة، فإن كان الأوّل لا يلزم الإعادة بعد العلم بالمطابقة، و إن كان الثاني يلزم، و الأصل براءة الذمّة عن الإعادة.

و الحاصل: أنّ الواجب الغيري لا يبطل ذو المقدّمة بالإخلال به مطلقا، بل يبطل إذا كان ذلك الواجب الغيري مقدّمة وجوديّة لا علميّة، فيكون التعلّم وجوبه الغيري من باب المقدّمة العلميّة لا من باب المقدّمة الوجوديّة، فثبت أنّ مقتضى الأصل في عبادة الجاهل بعد ما علم مطابقته للواقع عدم لزوم الإعادة.

و ما يقال من أنّ هذا الكلام إنّما يتمّ في القاصر و أمّا في المقصّر فلا، لأنّ إتيان العبادة موقوف على قصد التقرّب و هو لا يحصل للمقصّر، لكونه متزلزلا في أنّ ما يأتي به أمر الشارع به أم لا؟ فلا يحصل قصد التقرّب له، فمدفوع بأنّ هذا النزاع‌


صفحه 150

صغرويّ و كلامنا على فرض ثبوتها، بمعنى أنّا نقول: إنّ كلّ من أتى بالعبادة على وجهها مع عدم تعلّم المسائل، كما يجب سواء كان قاصرا أو مقصّرا، فالأصل فيه عدم الإعادة، فلا يضرّنا النزاع في الصغرى.

المقدّمة الرابعة: في إثبات الصغرى، بمعنى أنّه يمكن مطابقة عمل الجاهل للواقع، أم لا؟

يمكن أن يقال بعدم الإمكان استنادا بأحد الأمور الخمسة:

الأوّل: إنّ المطابقة[1]العمل للواقع موقوف بالاتّفاق على قصد التقرّب، و حصول قصد التقرّب و الامتثال غير ممكن للجاهل، فالمطابقة غير ممكنة له.

الثاني: إنّ فعل العبادة مقدّمة لترك تحصيل المسائل، و ترك التحصيل حرام، ففعل العبادة الذي مقدّمة للحرام حرام، و بعد ما كان فعل العبادة حراما ليس عبادته مطابقة للواقع، لأنّ الحرام ليس مأمورا به.

الثالث: إنّ ترك العبادة مقدّمة لتحصيل المسائل، و بعد ما كان التحصيل واجبا يكون ترك العبادة الذي مقدّمته واجبا، و بعد ما كان الترك واجبا يكون الفعل حراما و الحرام ليس مطابقا للواقع، لعدم تعلّق الأمر به.

و مآل هذين الوجهين إلى كون فعل العبادة حراما، لكن بتقريرين أحدهما مع الواسطة و الآخر بدونها.

الرابع: إنّ فعل العبادة و ترك التحصيل متلازمان في الوجود، و من المستحيل تخالف المتلازمين في الحكم، فبعد ما ثبت حرمة أحد المتلازمين و هو ترك التحصيل، يثبت حرمة المتلازم الآخر و هو فعل العبادة؛ و حاصل هذا الوجه حرمة العبادة لكن لا من باب المقدّمة، بل من باب التلازم.

الخامس: إنّ الجاهل لا يخلو إمّا ممكن في حقّه قصد التقرّب و الدخول في العبادة

[1]- هكذا في الأصل.


صفحه 151

أم لا؟ و على الثاني ثبت المطلوب، و على الأوّل يلزم توجّه أمرين متضادّين إليه في آن واحد، أحدهما الأمر بإتمام العبادة المستفاد من قوله تعالى‌لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ‌، و الثاني الأمر بتحصيل المسائل المستفاد من الأدلّة الأربعة، و التضاد بين الأمرين واضح، و توجّه الأمرين الذين هذا حالهما مستلزم للتكليف بما لا يطاق، و هو مخالف لمذهب العدليّة، و هذا المحال إنّما نشأ من الحكم بإمكان دخوله فى هذه الحالة في العبادة.

لكن الحقّ: الإمكان، لضعف ما يمكن أن يتمسّك به الخصم من الوجوه الخمسة.

أمّا ضعف الأوّل فلوجوه:

أمّا أوّلا: فللنقض بالقاصر، فإنّه مع كونه جاهلا معتقد أنّ هذا العمل ممّا أمر اللّه به و يأتي به بقصد التقرّب و الامتثال، فقولك «قصد الامتثال غير ممكن للجاهل» ليس على إطلاقه.

و أمّا ثانيا: فلأنّ قصد التقرّب كما أنّه يمكن للقاصر يمكن للمقصّر الغير المتمكّن، كما لو فرضنا أنّ أحدا التفت بوجوب التحصيل و كان متمكّنا من الأخذ و قصّر، ثمّ حصل له اسباب عدم التمكّن، فإنّه حينئذ يأتي بالعبادة على ما علّمه أبواه قاصدا للتقرّب بها.

و أمّا ثالثا: فنقول: سلّمنا عدم إمكان قصد التقرّب للمقصّر الغير المتمكّن، لكن نقول: قصد التقرّب يجتمع مع القطع بأنّ ما يأتي به هو ما أمر اللّه به، و مع الظنّ به و كذا مع احتماله له أيضا كما في المقاطعين، فإنّ المحتاط يأتي بما يحتمل كونه مكلّفا به مع قصد التقرّب، و كما في من عرض له مسألة ثمّ يسمع حكمها في أثناء الصلاة مثلا، فإنّه يتمّ صلاته حينئذ قاصدا للتقرّب مع الشكّ، فلا تنافي بين قصد التقرّب و الظنّ و الشكّ.

و أمّا رابعا: فنقول: يمكن فرض الاجتماع في المقصّر، إذا اعتقد بعد تقصيره في أخذ المسائل أنّ الصلاة مثلا ما علّمه أبواه، فإنّه يمكن له حينئذ قصد التقرّب، بناء


صفحه 152

على زعمكم أيضا من عدم إمكان اجتماع قصد التقرّب مع الشكّ، فإنّه حينئذ معتقد لمطابقة عمله للواقع مع كونه مقصّرا، و ليس هذا مجرّد الفرض بل هو واقع، كما في أكثر العوام الملتفتين إلى وجوب أخذ المسائل بعد التقصير.

و أمّا ضعف الثاني، فلأنّ فعل العبادة و تحصيل المسائل ضدّان، لكونهما أمران وجوديان لا يجتمعان في موضوع واحد، و قد اختلفوا في كون فعل أحد الضدّين مقدّمة لترك الضدّ الآخر، و كون ترك أحدهما مقدّمة لفعل الآخر على أقوال، قول بكون كلّ واحد منهما مقدّمة للآخر و هو المنتسب إلى الكعبي، و قول ينفي المقدّميّة من الطرفين، بمعنى أنّ لا فعل الضدّ مقدّمة لترك ضدّه و لا ترك الضدّ مقدّمة لفعل ضدّه، و هو المنتسب إلى السلطان(رحمه اللّه)؛ و قول بأنّ ترك أحد الضدّين مقدّمة لفعل الضدّ الآخر و لكن فعل أحدهما ليس مقدّمة لترك الآخر، و هو المنتسب إلى المشهور، و هو المختار.

و بيان الدليل عليه يتوقّف على تقديم مقدّمتين:

الأولى: أنّ وجود المعلول يتوقّف على وجود العلّة التامّة، و هي مركّبة من وجود المقتضي و رفع المانع، و أمّا عدمه فيكفي فيه انتفاء أحد جزئي العلّة التامّة، و المعلول في وجوده يستند إلى الجزء الأخير من العلّة التامّة، كما أنّه في عدمه يستند إلى انتفاء الجزء الأوّل من أجزاء العلّة التامّة.

و الدليل على كفاية انتفاء أحد الأجزاء في انعدام المعلول: أنّه لو كان انعدامه متوقّفا على انعدام جميع الأجزاء، كما أنّ وجوده متوقّف على وجود جميع الأجزاء، للزم أن لا يكون المعلول موجودا و لا معدوما فيما لو كان بعض أجزاء العلّة معدوما و بعضها موجود، و الملازمة واضحة و بطلان التالي أوضح، لأنّ الواسطة بين الوجود و العدم غير معقولة.

و تبيّن من ذلك استناد وجوده إلى الجزء الأخير من العلّة، فإنّه متى حصل حصل المعلول؛ و أمّا استناد انعدامه إلى انتفاء الجزء الأوّل فقط، فلأنّه بمحض انتفاء