فإن قلت: فعلى هذا، لو أتى مقصّران بالصلاتين مثلا، أحدهما مطابق للواقع و الأخرى غير مطابق له، لكان من لم يطابق عمله له آثما و معاقبا، و من طابق عمله له مثابا و مأجورا، مع كونهما مساويان في الأفعال الاختياريّة، و ذلك ظلم و الظلم غير موافق لقواعد العدليّة.
توضيح هذا الإجمال: أنّ هذين المقصّرين المفروضين إمّا مستحقّان للعقاب أو غير مستحقّين له، أو المستحقّ من خالف عمله و غير المستحق من طابق عمله، أو بالعكس؛ و الأخير فاسد جدّا باتّفاق مني و منك، و الثاني لا قائل به على أنّه عليه يلزم خروج الواجب عن كونه واجبا، فإنّ الواجب ما يستحقّ تاركه العقاب، و المقصّر الذي لم يطابق عمله للواقع تارك للواجب باتّفاق منّي و منك، أيضا و إن كان الأوّل ثبت المطلوب من عدم معذوريّة المقصّر مطلقا.
و إن كان الثالث، فنقول: إنّ لهذين المقصّرين فعلين اختياريّين و هما الصلاتين، و فعلين قهريّين و هما مطابقة أحدهما للواقع و مخالفة الآخر، و هما متساويان بالفعل الاختياري الذي هو مناط الثواب و العقاب، لأنّهما إنّما يترتّبان على الامتثال بما كلّف به و العصيان فيه، و التكليف إنّما هو على الأمر الاختياري لا الاضطراري؛ و أمّا الفعلين القهريّين فإنّما هما من باب البخت و الاتّفاق و لا مدخليّة لفعلهما الاختياري فيهما، فحكمك بأنّ أحدهما معاقب و الآخر مثاب، إن كان على الفعل الاختياري فيلزم الظلم لتساويهما فيه، و إن كان على الفعل الاضطراري يلزم الجبر، لأنّه ليس باختيارهما، و كلاهما مخالف لمذهب الإماميّة.
و الظاهر أنّ هذا الاعتراض من الفاضل السبزواري(رحمه اللّه)و تلقاه الفاضل القمي(رحمه اللّه)بالقبول.
قلت أوّلا: إنّ بناء الفاضل القمي(رحمه اللّه)في مقدّمة الواجب على عدم وجوبها بأقسامها، بل الواجب إنّما هو ذو المقدّمة فقط، و لازمه أنّ المكلّف بإتيان الصلاة إلى الجهات الأربع، لو صلّى صلاة واحدة إلى جهة فقط، و صادقت جهة القبلة لكان
ممتثلا، لأنّ الصلاة إلى جميع الجهات إنّما كانت من المقدّمات العلميّة، و قد حصل ذو المقدّمة بالجهة الأولى و لم يكن المقدّمة واجبة عنده.
فلازم كلامه هذا أنّا لو فرضنا مكلّفين اشتبهت عليهما جهة القبلة، و صلّى كلّ واحد منهما صلاة واحدة إلى جهة غير الجهة التي صلّى الآخر إليها، و تركا الصلاة إلى سائر الجهات، ثمّ انكشف مصادفة أحدهما القبلة و مخالفة الأخرى، لكان من صادف صلاته مثابا و من خالف صلاته معاقبا، فكيف لا يلزم مخالفة قواعد العدليّة ثمّة، و يلزم هناك؟
و أمّا على مختارنا في المقدّمة الواجب، و كونه معاقبا على ترك ذي المقدّمة و لو حكما عند ترك المقدّمة، فنقول في المثال: إنّ من صادف القبلة ممتثل بالمأمور له، لكنّه معاقب على ترك المقدّمة و هي الصلاة إلى جميع الجهات الأربع، لإفضائه إلى ترك ذي المقدّمة حكما؛ و من لم يصادفها لم يمتثل بالمأمور به، و معاقب على ترك المقدّمة أي عند تركها، لإفضائه إلى ترك ذي المقدّمة حقيقة، و كذا فيما نحن فيه طابق النعل بالنعل، فإنّه قد عرفت أنّ التعلّم من المقدّمات العلميّة للامتثال.
فإن قلت: إنّ الفاضل القمي(رحمه اللّه)لعلّ بنائه على عدم وجوب المقدّمة إنّما هو فيما كانت من الأمور الخارجة عن ذي المقدّمة، و أمّا فيما كان من الأمور الداخلة، كما في هذا المثال، فبناؤه على وجوب المقدّمة.
قلت: قد صرّح في مسألة مقدّمة الواجب على عدم وجوبها في هذا المثال أيضا.
و ثانيا: إنّ المطابقة أمر اختياري، و ما هو قهري إنّما هو التطابق لا المطابقة، فإنّ هذا المقصّر إمّا قادر على إتيان الصلاة مع التعلّم، و إمّا غير قادر عليهما، و إمّا قادر على أحدهما دون الآخر؛ و الثلاثة الأخير فخارجة عن محلّ الفرض، إنّما الكلام في القسم الأوّل، و بعد ما كان قادرا على الصلاة مع التعلّم، فيمكنه أن يأتي بها بحيث يصير عالما بمطابقتها للواقع، و هو أن يأتي بها مع التعلّم.
و بعبارة أخرى: هنا أشياء ثلاثة، أحدها الصلاة و الثاني مطابقة الصلاة للواقع و
الثالث التطابق، فبعد ما كان المطابقة من الأمور الاختياريّة، فأيّ مفسدة يرد علينا لو قلنا بأنّ من طابق للواقع مثاب و من لم يطابق معاقب، بمعنى أنّ الأوّل مثاب على صيرورة عمله مطابقا للواقع و معاقب على ترك التعلّم لافضائه إلى ترك المطابقة حكما، و الثاني معاقب على ترك المقدّمة لافضائه إلى ترك ذي المقدّمة حكما و على ترك ذي المقدّمة حقيقة؛ فتأمّل.
و ثالثا: سلّمنا أنّ لكلّ واحد منهما فعلين أحدهما اختياري و الآخر قهريّ، لكن قولك إنّهما مساويان في الفعل الاختياري ممنوع، فإنّ أحدهما صلّى باختياره في الوقت أو صلّى الظهر باختياره مثلا أربع ركعات، و الآخر صلّى في خارج الوقت أو صلّى الظهر ثلاث ركعات مثلا باختياره، فلم يكونا في الفعل الاختياري متساويان.
و بعد عدم تساويهما، لا ينافي عدّ أحدهما ممتثلا و الآخر غير ممتثل قواعد العدليّة، فإنّ المولى لو قال لعبديه: آتياني أيّها العبدان كلّ واحد ببطّيخ، و قصّرا في تحصيل البطّيخ و معرفته، ثمّ جاءا على العميا بشيئين اتّفق كون أحدهما بطّيخا و الآخر شيئا آخر، لعدّ من جاء بالبطّيخ ممتثلا و الآخر عاصيا، على أنّه لو قال المولى:
من أتاني بالشيء الفلاني فهو مثاب و من تركه فهو معاقب، لكون هذا الشيء مطلوبي و ليس غرضي إتيان المقدّمات أبدا، و لم تتعلّق بها مطلوبيّة لا يلزم على المولى قبح، ثمّ لو جاء به أحد على أيّ وجه كان، لكان مثابا، و كذا لو تركه لكان معاقبا.
و هذا المثال هو المثال الذي أتى الفاضل القمي(رحمه اللّه)به في آخر مسألة اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضدّه، و قال: إنّ من أتى بالمطلوب على أيّ وجه كان، فقد امتثل و سقط الأمر، فما الفارق بين المقامين؟
رابعا: سلّمنا، لكن عدم الإثابة و العقاب على الأمر القهري ممنوع، فإنّ المأمور به كان في نفسه واجدا للمصلحة التي اقتضت وجوبها، و كذا المنهي عنه، و الثواب و العقاب أثران يترتّبان على وجدان المصلحة و فقدانها، فمع تسليمنا أنّ المطابقة أمر
قهريّ نقول: يترتّب على المطابق الحور و القصور و على غير المطابق النار و الحرور، كما لو شرب رجلان كلّ واحد منهما قدحا مملوّا مع الجهل به لرفع العطش و كان سما و الآخر ماء معينا، فيترتّب عليهما ما يترتّب.
و كيف ما كان، إدّعاء كون استحقاق أحد المقصّرين العقاب و الآخر الثواب منافيا لطريقة العدل، ممّا لا معنى له ظاهرا.
المقدّمة الخامسة: في تحرير محلّ النزاع، و فيه جهتان:
الجهة الأولى: في أنّ محل النزاع في قولهم «الجاهل معذور أم لا» هل هو الحكم التكليفي من الإثم و عدمه، أو الحكم الوضعي من الصحة و الفساد و لزوم الإعادة و القضاء، أو أعمّ منهما؟
الحقّ: أنّ محلّ النزاع هي الحكم الوضعي فقط، و يشهد عليه وجوه:
الأوّل: إنّ بعضهم جعلوا العنوان هكذا «عبادة الجاهل صحيح أم فاسد» و هو ظاهر في أنّ النزاع في الحكم الوضعي.
فإن قلت: عنوان بعضهم «الجاهل معذور أم لا» ظاهر في الحكم التكليفي.
قلت: العنوان الأوّل ظهوره في الحكم الوضعي أكثر من ظهور العنوان الثاني في الحكم التكليفي.
فإن قلت: لعلّ في المسألة كلام في الحكم التكلفي و كلام في الحكم الوضعي، فجعل بعضهم عنوان الكلام في الأوّل و البعض الآخر في الثاني.
قلت: هذه السجيّة غير متعارفة منهم، فليحمل هذا على السجيّة المتعارفة.
الثاني: إنّهم اتّفقوا في أنّ معاملة الجاهل لو طابقت الواقع صحيحة و إن لم يطابق فاسدة، بمعنى أنّهم اتّفقوا في معذوريّة الجاهل في المعاملات إن طابقت الواقع، فلو كان نزاعهم في الحكم التكليفي لجرى الأقوال الثلاثة في المعاملات أيضا، فإنّ المعاملات أيضا من متعلّقات التكاليف، و الكلّ متّفقون على لزوم أخذ المسائل و معرفتها مطلقا، فالاختلاف في العبادات و الاتّفاق في المعاملات كاشف عن كون
النزاع في الحكم الوضعي، فإنّ المعاملات لكونها أمورا توصّليّة صرفة، اتّفقوا على صحّتها على فرض المطابقة، بخلاف العبادات.
الثالث: أنّه لو كان النزاع في الحكم التكليفي، لم يكن للتفصيل بين المطابق فمعذور و غير المطابق فغير معذور معنى، أمّا بالنسبة إلى القاصر، بمعنى أنّه لو كان التفصيل بالنسبة إليه لم يكن لعدم المعذوريّة عند عدم المطابقة معنى، لأنّه غير مكلّف بالتكليف الواقعي ما دام القصور، فالقول بكونه آثما حينئذ لا معنى له؛ و أمّا بالنسبة إلى المقصّر، فلأنّه ليس للقول بعدم إثمه بمحض المطابقة معنى؛ و لو كان بالنسبة إلى كليهما، لم يكن للتفصيل في القاصر من جهة و في المقصّر من جهة معنى، بل الكلّ مطبقون على أنّ القاصر لا إثم عليه و أنّ المقصّر آثم؛ فتبيّن أنّ النزاع في الحكم الوضعي.
لا يقال: التفصيل بين القاصر و المقصّر كاشف عن أنّ النزاع في الحكم التكليفي.
لأنّا نقول: هذا التفصيل إنّما نشأ من متأخري المتأخّرين و لم يكن متعارفا بين قدماء الأصحاب، بل كان القول عندهم منحصرا في قولين، عدم المعذوريّة مطلقا و المعذوريّة عند المطابقة.
الجهة الثانية: في أنّ المراد بالجاهل هل هو الجاهل بالجنس و الفصل أو الجاهل بالفصل؟
الظاهر: أنّ نزاعهم أعمّ من القسمين، لإطلاق عنواناتهم، إلّا عند من لا يشترط العلم بالوجه؛ و لا يخفى أنّ المراد بالقاصر من لم يتمكّن من الأخذ عن أهله، سواء كان عدم التمكّن ناشيا عن عدم التفاته أو ناشيا من عدم حضور من يأخذ منه عند الالتفات؛ و المراد بالمقصّر المتمكّن من الأخذ، بمعنى أنّه عند التفاته كان متمكّنا و قصّر، سواء كان التمكّن باقيا أو زائلا.
و الحقّ: بعد ما عرفت أنّ النزاع في الحكم الوضعي، أعمّيّة النزاع بالنسبة إلى القاصر و المقصّر، كما لا يخفى.
و قد عرفت أنّ الأقوال في المسألة ثلاثة، إطلاق و تفصيلان؛ نعم، يظهر من صاحب الحدائق قول رابع و هو المعذوريّة مطلقا إلّا في مواضع خاصّة، لكن لا مستند له بعد ما عرفت المقدّمات، فاعلم أنّ
هنا مقامات:
المقام الأوّل: في المقصّر
الجاهل بالجنس و الفصل لو أتى بعمل، و كان الوقت باقيا مع تمكّن ذلك المقصّر من التعلّم بالفعل، و يتصوّر للمسألة صور ثلاث:
الأولى: ما لو حصل له العلم بالمطابقة.
الثانية: ما حصل له العلم بالمخالفة.
الثالثة: ما لو كان شاكّا في المطابقة و عدمها، فهل يلزم عليه الإعادة في الوقت و القضاء في خارجه، فيما لو أخلّ بالإعادة في الوقت، أم لا يلزم عليه الإعادة و القضاء؟
و الحقّ في الصورة الثانية: لزوم الإعادة في الوقت و القضاء في خارجه، و يدلّ على الأوّل وجوه:
الأوّل: ظهور الإجماع، فإنّ الأقوال في المسألة ثلاثة، و لزوم الإعادة لكون ما أتى به فاسدة على كلّ واحد من الأقوال ظاهر، و مخالفة من قال بالمعذوريّة مطلقا غير مضرّ بدعوى الإجماع، على أنّه يمكن أن يقال: إنّ انصراف حكمه بالمعذوريّة على الإطلاق إلى هذه الصورة أيضا ممنوع، بمعنى أنّه أيضا موافق لنا في الحكم في هذه الصورة.
أقول: يمكن أن يقال: إنّ جهة الإجماع تعبّديّة، لأنّ المشهور حاكمون بلزوم الإعادة، لأنّ بنائهم على عدم معذوريّة الجاهل مطلقا، و المقدّس الأردبيلى حاكم به لكون عمله غير مطابق للواقع، و الفاضل القمي(رحمه اللّه)حاكم به لكونه مقصّرا؛ و بعد ما كان الجهة التقييديّة، لا يمكن بمحض الاتّفاق على لزوم الإعادة دعوى الإجماع عليه و الاستدلال به، لسقوطه عن درجة الاستدلال؛ فتأمّل.
الثاني: الشهرة، فإن جلّ الأصحاب إن لم نقل كلّهم، ذهبوا إلى لزوم الإعادة في
هذه الصورة؛ و الشهرة حجّة في المقام، لكون المسألة فقهيّة.
الثالث: رواية عمّار حيث أصابه جنابة فتمعك في التراب، فقال له رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله): كذلك يتمرغ الحمار، أ فلا صنعت هكذا؟ فعلّمه التيمّم؛ فإنّ الظاهر من تشبيه تمرغه بتمرغ الحمار و التوبيخ بقوله «أ فلا صنعت هكذا» أمران، أحدهما فساد التمعك في التراب، لكونه غير مطابق للواقع، و الثاني أنّه لو أتى بالتيمّم مع عدم أخذه لكان مجزيا.
و غرضنا من الاستدلال بالرواية هنا هو الأمر الأوّل المستفاد منها، فنقول: إنّ عمّارا لا يخلو إمّا كان مقصّرا أو قاصرا، و على الأوّل و إن كان في غاية البعد لجلالة عمّار، نثبت المطلوب بنفس الرواية؛ و على الثاني نثبته بالأولويّة القطعيّة، فإنّ القاصر مع عدم تسبّب مخالفته للواقع عن تقصيره، إذا كان مأمورا بالإعادة فالمقصّر بطريق أولى.
أقول: الأولويّة في الحكم التكليفي بمعنى أنّ الكافر لو كان آثما لكان المقصّر آثما مسلّمة، لكنّها في الحكم الوضعي ممنوعة، فإنّ كليهما غير واجد للمصلحة الذاتية، و لا أولويّة لأحدهما في ذلك على الآخر، فكلاهما في الأمر بالإعادة متساويان.
بل يمكن أن يقال: إنّ الرواية مجملة، لاستبعاد حملها على ظاهرها، لأنّ عمّارا إن كان قاصرا فلا يخلو إمّا النبي(صلّى اللّه عليه و آله)كان مطّلعا على قصوره و إمّا لا؛ و على الأوّل لا معنى للتوبيخ، و على الثاني كان له أن يعذر بقصوره، فإنّ طبيعة الإنسان مفطورة على دفع التوبيخ عن نفسه إن كان له عذر، فعدم عذره كاشفا كشفا ظنّيا عن عدم قصوره، و إن كان مقصّرا، فهذا أي التقصير كان مستبعدا جدّا في حقّ مثل عمّار، مضافا إلى أنّهم ذكروا في أسباب نزول الآيات أنّ حكاية عمّار صار سببا لنزول آية التيمّم.
و كيف ما كان، فالرواية إن كانت باقية على ظاهرها، يمكن الاستدلال بها فيما نحن فيه؛ و ضعف سندها غير قادح، لانجباره في الباب بعمل الأصحاب.
الرابع: الأصل الذي أصّلناه في المقدّمة الثانية من كون الأحكام تابعة للصفات الكامنة، و أنّهما لا تتغيّر بالعلم و الجهل، و المقتضي و هو المصلحة للصلاة الواقعيّة موجود و المانع و هو الجهل مفقود، لأنّه المفروض؛ و بعد وجود العلّة التامّة للتكليف، فهو الآن أي عند اطّلاعه على مخالفة مأتية الواقع، مكلّف بالصلاة الواقعيّة.
الخامس: إنّه قد قرّر في مسألة النسخ أنّ نسخ المأمور به الحقيقي قبل حضور وقت العمل محال، لاستلزامه نسبة الجهل إليه، تعالى عن ذلك؛ و كذا نسخه بعد حضور وقت العمل و قبل الإتيان أيضا، محال لما ذكر.
و ما نحن فيه من نظائر القسم الثاني، فإنّ المصلحة الذاتية إنّما كان في الصلاة الواجدة للفاتحة مثلا، و كذلك صارت مأمورا بها؛ و المفروض أنّ هذا الجاهل لم يأت بها، بل أتى بالصلاة الفاقدة لها مثلا، التي إمّا كانت غير مأمورا بها لتساوي المصلحة و المفسدة فيها مثلا، و إمّا كانت منهيّا عنها لكون المفسدة المقتضية لحرمتها، فإتيانها بهذه الصلاة كلا إتيانه مثلا، لتركه الصلاة الواقعيّة؛ فلو قلنا بنسخ الأمر بالصلاة الواقعيّة قبل الإتيان بها، لزمت المفسدة.
نعم، يجوز نسخ الأمر الحقيقي لو كان آتيا به أو ببدله بعد الإتيان، فإنّ ذلك البدل و إن لم يكن واجدا للمصلحة التي كانت في المبدل منه، لكن لا يخلو عن مصلحة معتدّ بها، و إلّا لم يجعله الحكيم على الإطلاق بدلا له، للزوم الترجيح من غير مرجّح أو ترجيح المرجوح، مثال ذلك في الأحكام الإلهيّة كالتيمّم الذي صار بدلا للوضوء، و في الأحكام العرفيّة كتدبير الجزر بدلا عن حبّ اللؤلؤ في قوّة الباه مثلا.
لكن قد عرفت أنّ ذلك الجاهل لم يأت لا بالمأمور به الواقعي و لا ببدله، لأنّه لم يثبت بدليّة ما أتى له للواقع، فهو لم يأت بالأمر الواقعي الاختياري و لا بالواقعي الاضطراري، بل لم يأت بالظاهري العقلي أيضا، لكونه مقصّرا؛ فإنّ الأمر الظاهري العقلي إنّما يتصوّر في القاصر فقط.
و بعد ما أحطّت خبرا بما ذكرنا من الوجوه الخمسة، تبيّن لزوم الإعادة على