مخالف الحقّ، لانجرار اجتهاده إليه، فلأنّ القول بعقابه مستلزم لجواز الظلم على اللّه تعالى، بل على فرض وجوده لا كلام في معذوريّته؛ إنّما الكلام في الصغرى، بمعنى أنّ القياس الذي نرتّبه على هذا النحو، و هو أنّ هذا الذي أدّى اجتهاده إلى خلاف الحقّ قاصر، و كلّ قاصر معذور؛ كبراه مسلّمة بحكم العقل القاطع، إنّما الكلام في أنّ فرض القصور ممكن، بمعنى أنّ الصغرى ممكن أم لا؟
قال بعض بعدم الإمكان، و استدلّ عليه بوجوه ثلاثة:
الأوّل: دعوى الإجماع من الخاصّة و العامّة، كالشيخ في التبيان و الشهيد الثاني و غيرهما و ابن الحاجب و من تبعه على أنّ المخطئ في أصول العقائد آثم، فلا بدّ أن يكون المخطئ مقصّرا حتّى يمكن القول، بل تحقّق الإجماع على عدم معذوريّة جميع المخطئين.
الثاني: قوله تعالىوَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا، فإنّه تعالى أكّد الحكم بهداية من اجتهد في أصول العقائد إلى سبله باللام و النون، المفيدتين كمال تأكيد الحكم، فمن اجتهد و أدّى اجتهاده إلى خلاف الواقع لا بدّ أن يكون مقصّرا، و إلّا لزم الكذب في قوله تعالى عن ذلك.
الثالث: العمومات الدالّة على تعذيب جميع فرق الكفّار و خلودهم في النار من الآيات و الأخبار، فنقول: إنّه لا يخلو إمّا أنّ الكفّار المخلّدين إمّا قاصرون جميعا، و إمّا مقصّرون جميعا، و إمّا بعضهم قاصر و بعضهم مقصّر.
فإن كان الأوّل، لزم الظلم عليه تعالى، فإنّ العقل القاطع حاكم بقبح تعذيب القاصر، و عدم جواز الظلم عليه من البديهيّات التي لا ينكرها إلّا من ليس له من العقل، بل من مطلق الإدراك نصيب.
و إن كان الثاني، ثبت المطلوب من عدم وجدان القاصر.
و إن كان الثالث، لزم التخصيص في العمومات عن غير دليل، فإنّ العمومات حاكمة بأنّ جميع الكفّار معذّب؛ و على فرض كون بعضهم قاصرين، يلزم أن نقول:
بعض الكفّار و هم المقصّرون معذّبون و البعض الآخر غير معذّب، و ذلك ينافي ظاهر العمومات، و لا يجوز ارتكاب خلاف الظاهر من غير دليل، فكلّ من اجتهد و أخطأ، فخطاؤه كاشف عن تقصيره.
و المختار إمكان كون الشخص قاصرا في أصول العقائد للأصل، فإنّ الأصل فيما شكّ في امتناعه و إمكانه الإمكان، و منكره مطالب بالبرهان؛ مضافا إلى أنّ العيان و الوجدان شاهدان على وقوعه، كما نراه في العوام من ملل الكفّار و نسوانهم و مستضعفيهم؛ و لا ينافي الحكم بقصورهم ترتّب الأحكام الوضعيّة من النجاسة و كذا وجوب القتال معهم، فإنّ ذلك من حيث اعتقادهم خلاف الحقّ، و كلّ من اعتقد خلاف الحقّ يترتّب عليه هذه الأحكام، بل الحكم بقصورهم ينافي كونهم آثمين معذّبين في دار الآخرة، لاستلزامه التكليف بما لا يطاق و الظلم عليه تعالى؛ هذا بحسب الظاهر.
و أمّا الكلام في أنّ قصورهم في هذه النشأة كاشف عن إنكارهم عالم الذرّ، فهو خارج عمّا نحن فيه، فإنّا نقول: إنّ مع قصورهم لا يمكن الحكم بكونهم آثمين من هذه الجهة، و ذلك لا ينافي كونهم معذّبين في الآخرة لأجل إنكارهم في عالم الذرّ.
و أمّا حجج الخصم على عدم الإمكان، فالجواب عن الأوّل: أنّ الإجماع على عدم معذوريّة المخطئ في أصول العقائد إنّما يثبت به كون كلّ المخطئين مقصّرين إذا كان في المقام إجماعان، أحدهما الإجماع على أنّ كلّ مخطئ مقصّر، و الثاني الإجماع على أنّ كلّ مقصّر آثم.
فإن كان الإجماع الذي ادّعاه الخصم هو الإجماع الثاني، فهو مسلّم و لكن لا يثبت بذلك مدّعاه؛ و إن كان الإجماع الأوّل، فنقول: إنّ هذا الإجماع على الموضوع الصرف، و نحن إن سلّمنا حجّيّة الإجماع المحقّق فيه، لكن لا نسلّم حجّيّة الإجماع المنقول فيه، لأنّ المنقول من الإجماع مفيد للظنّ، و الظنّ ليس بحجّة في الموضوعات، كما قرّر في محلّه، و الإجماع فيما نحن فيه منقول.
و بعبارة أخرى: الإجماع تقييديّ، فإنّ إجماعهم على كون المخطئ آثما إنّما هو من حيث أنّ كلّ مخطئ آثم، و ذلك غير ثابت.
و الجواب عن الثاني: أمّا أوّلا: فبأنّ الآية مرمية بالإجمال، لعدم ظهور معنى واحد من المعاني المحتملة.
و ثانيا: سلّمنا عدم إجمالها، لكن في تفسير علي بن ابراهيم أنّ معنى الآية: إنّ الذين صبروا و جاهدوا مع رسول اللّه (ص) لنهدينّهم أي لنثبتنّهم، فلا يدلّ على المطلوب.
و ثالثا: سلّمنا، لكن نقول: إن المراد لا يخلو إمّا المجاهدة مع رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله)، و إمّا المجاهدة مع النفس، و إمّا الاجتهاد في أحكام اللّه أعمّ من العقائد و الفروع.
و على الأوّل لا دلالة فيها على المقصود.
و على الثاني إمّا المراد المجاهدة مع النفس بأيّ نحو كان، و إمّا المراد المجاهدة بنحو خاصّ؛ إن كان الأوّل يلزم الكذب في الآية، لأنّ الوجدان شاهد على أنّ البعض الداخلين في مجاهدة النفس من غير بابها، كالطائفة الصوفيّة مثلا، لا يهتدون إلى سبيل الحقّ، و إن كان الثاني، أي المجاهدة مع النفس على الطريق الوارد في الشرع من لزوم الطاعات و اجتناب المحرّمات، فمن البيّن أنّ ذلك لا يوجد إلّا في الخواص و هم يهتدون إلى سبيل قطعا، فلا دلالة في الآية أيضا على أنّ كلّ مخطئ مقصّر و لا يوجد فيهم قاصر أبدا.
و على الثالث يلزم المجاز في لفظ «جاهدوا» لأنّه من باب المفاعلة، و هذا الباب حقيقة فيما كان بين الاثنين، و المجاز للابصار إليه إلّا بدليل و ليس.
و الجواب عن الثالث: أوّلا: أنّ الدليل أخصّ من المدّعى، لأنّ المدّعى أن كلّ مخطئ آثم، سواء كان خطائه في الإسلام، أي كان معتقدا نفي الصانع و إنكار الرسول(صلّى اللّه عليه و آله)حتّى يكون كافرا، أو كان مسلما و كان خطائه في بعض العقائد، كنفي العصمة و تجويز التكليف بما لا يطاق مثلا، كما في ملل الإسلام؛ و العمومات كانت
حاكمة بتعذيب الكافرون لا بتعذيب كلّ من اعتقد خلاف الحقّ.
أقول: كلّ من اعتقد في العقائد خلاف الحقّ كافر، سواء كان مقرّا بالشهادتين أم لا، نعم هذا الإقرار تحقن دمائهم و أموالهم.
و ثانيا: سلّمنا، لكن نختار الشقّ الثالث من الترديد قولك هذا تخصيص باطل، فإنّ الكفّار الواردة في العمومات منصرفة إلى من أنكر الحقّ عنادا و يشهد عليه قول علي في بعض الخطب: اللهمّ عذّب كفرة أهل الكتاب الخ؛ و المتبادر من الكافر هو الجاحد، و بعد ما كان الكفّار منصرفة إلى هؤلاء، فخروج القاصرين منهم من باب التخصّص لا التخصيص.
و ثالثا: سلّمنا أنّه تخصيص، لكن دليلنا على التخصيص إنّا وجدنا بالعيان أنّ بعض الكفّار كالمستضعفين و العوام قاصرون، أمّا الأوّلون فلعدم بلوغ فهمهم إلى شيء، و أمّا العوام فلأنّهم جازمون بأنّ دين الحقّ منحصر في ما اعتقدوا، و لا يحتمل عندهم حقّيّة دين آخر حتّى يكلّفوا بالاجتهاد فيه، فعلى فرض شمول العمومات لهم، إن حكمنا ببقائهم تحت العمومات و تعذيبهم لزم الظلم؛ فالدليل العقلي القطعي، و هو لزوم الظلم في التعذيب على فرض القصور، صار مخصّصا للعمومات؛ فتأمّل.
اللهمّ عجّل فرج وليّنا(عليه السلام)، لعلّنا نستخلص من أيدي بعض أبناء الزمان بحقّ الشهيد المظلوم.
المقام الثاني: في الأحكام الفرعيّة التي يستقلّ بحكمها العقل،
كوجوب ردّ الوديعة و أداء الدين و استحباب التفضّل و الإحسان و قبح الظلم و العدوان.
و المختار فيه من حيث التصويب و التخطئة أنّ المصيب واحد و الباقون مخطئون، حذرا من لزوم اجتماع النقيضين في الواقع، فيما لو اعتقد واحد أنّ الظلم قبيح و الآخر أنّه حسن.
و من حيث المعذوريّة و عدمها أيضا التفصيل بين القاصر و المقصّر، بل لا كلام هنا أيضا في الكبرى؛ إنّما النزاع في إمكان الصغرى، بمعنى أنّه يمكن القصور في ما
يستقلّ به العقل، فكلامنا في هذا المقام أيضا مع الجمهور صغرويّ؛ و من البيّن أنّ عدم التقصير في حقّ المجتهدين الكاملين مستبعد جدّا، فلا يستبعد بكونهم آثمين؛ و أمّا دعوى التقصير في حقّ المستضعفين من جهة العقل فمجازفة جدّا، و على فرض إمكان القصور يجوز الآثميّة و المعذّبيّة في حقّهم مستلزم لتجويز الظلم عليه تعالى؛ و من البيّن أنّه لا دليل على امتناع القصور في هذا المقام أيضا، بل العيان و الوجدان شاهدا صدق على وقوعه.
اللهمّ اهدنا كما ربّيتنا في مهدنا، و بلّغنا إلى من يرشدنا في أمر التحصيل بالتحقيق و الترشيق إلى طريق السواء و سواء الطريق، و أخرجنا من غياهب الجهل و الشين، و اعذنا من شرّ شياطين الجنّ و الإنس، بحرمة أبي عبد اللّه الحسين(عليه السلام).
المقام الثالث: في التصويب و التخطئة في الأحكام الفرعيّة الضروريّة
، كوجوب الصلاة و كون صلاة الظهر أربع ركعات مثلا، فلو اعتقد أحد ذلك و الآخر خلافه، فهل الكلّ مصيب أو المصيب واحد و الآخر مخط؟
الحقّ في هذا المقام أيضا: أنّ المصيب واحد، حذرا من لزوم اجتماع النقيضين، لو قلنا إنّ كون الظهر أربع ركعات مثلا و كونها ركعتين كليهما ضروريّان، فإنّ كون الأوّل ضروريّا ينفي كون الثاني ضروريّا و بالعكس؛ و أمّا الكلام في نفس الصلاة، بمعنى أنّ كلا الصلاتين هي المجعولة في الواقع أو الواقع واحدة منهما، فهو نظير الكلام في المقام الرابع.
هذا من حيث التخطئة و التصويب، و أمّا من حيث كون المخطئ آثما أو معذورا، فالحقّ أيضا التفصيل بين القاصر و المقصّر؛ فلو فرضنا أنّ رجلا جديد العهد بالإسلام أو مسلما بعيد المكان من أمصار المسلمين، اعتقد ما يخالف الضروري، فهو معذور؛ و هل الأحكام الوضعيّة من النجاسة و غيرها يترتّب عليه أم لا؟
حقّ: لا، لأنّ الضروريّات ليس من أصول الدين حتّى يصير الشخص بمحض عدم الاعتقاد بها كافرا، كأصول العقائد؛ نعم، من علم أنّ ذلك ممّا جاء به النبي(صلّى اللّه عليه و آله)
و أنكره مع ذلك فهو كافر، لأنّه إنكاره ذلك الضروري مستلزم لإنكار النبوّة التي هي من الأصول.
إنّما الإشكال في أنّ الأصل للقاصريّة أو المقصّريّة إذا وجدنا أحدا ينكر الضروري، يظهر من الأصحاب أنّه لو احتمل القصور بالنسبة إلى من شككنا في قصوره و تقصيره بالاحتمال العقلاني، كما في اليهود الجديد الإسلام مثلا، فالأصل القاصريّة، و إلّا فالأصل المقصّريّة، كما في المتديّنين بدين الإسلام مع ممارستهم فيه، و إلّا فلو اكتفينا في الحمل على القصور بمجرّد الاحتمال لا نسدّ باب الحدود و الأمر بالمعروف، فإنّ كلّ أحد يصدر منه ما يخالف الشرع فروعا و أصولا، لسانا و أركانا، يحتمل فيه كونه غافلا أو ساهيا و نحو ذلك.
و أمّا الشاكّ في الضروري، فقال الأستاذ: إنّه كافر كالشاكّ في أصول العقائد، أمّا الثاني فكفره لأنّ الإسلام هو الاعتقاد المخصوص، و من لم يكن له ذلك الاعتقاد فهو كافر، لأنّ التقابل بين الإسلام و الكفر تقابل العدم و الملكة، فمتى انتفى الملكة التي هي الإسلام يتحقّق العدم و هو الكفر، و لا واسطة بينهما، فالشاكّ لكونه فاقدا للاعتقاد كافر، و أمّا المتفحّص لاستعلام دين الحقّ فهو أيضا كافر؛ غاية الأمر أنّه معذور، و أمّا كفر الثاني فلأنّ الشكّ في الضروري مستلزم للشكّ في الأصول، و الشاكّ فيه كافر، فكذا ذلك، و هذا الكلام لظاهره كما ترى.
و تحقيق المقال: أنّ الكلام في هذا المقام بعد باق في بوتقة الإجمال؛ اللهمّ اكشف القناع عن هذه البقاع؛ و للّه درّ الفاضل القمي(رحمه اللّه)حيث حقّق في هذا المقام ما حقّق؛ فتأمّل في كلامه و صرف الهمّة في فهم ما زبره أحسن.
المقام الرابع: في الأحكام الفرعيّة الغير الضروريّة.
و اختلفوا فيه على قولين، قول بالتصويب و قول بالتخطئة و معذوريّة المخطئ، و أطبق أصحابنا على القول الثاني، إلّا أنّه قال الشيخ في العدّة: و الذي ذهب إليه و هو مذهب جميع شيوخنا المتكلّمين المتقدّمين و المتأخّرين، و هو الذي اختاره
المرتضى(رحمه اللّه)و إليه كان يذهب شيخنا أبو عبد اللّه أنّ الحقّ في و ان عليه دليلا و من خالفه كان مخطأ فاسقا و أوّل الفاضل القمي(رحمه اللّه)كلامه بما استفاده من ملاحظة ما بعد هذا الكلام، من أنّ ذلك إذا كان اجتهادهم بالقياس و الرأي؛ لكن يرد عليهم حينئذ أنّ المجتهد بالقياس و الرأي فاسق، سواء أصاب الحقّ أم لا.
أقول: يمكن تأويله بأنّ من خالف الحقّ لتقصيره فهو فاسق، و قول الأستاد بأنّ هذا التأويل أيضا فاسد، لأنّ المجتهد المقصّر فاسق- سواء أصاب أم لا- غير مرضى، لأنّ في المقام على هذا التأويل أمرين موجبين للفسق، أحدهما نفس التقصير و الآخر المخالفة الناشئة منه؛ و الفسق الذي أثبته الشيخ هو الفسق الناشئ عن الأمر الثاني، بمعنى أنّه على فرض إصابة الحقّ مع التقصير، ليس فاسقا من هذه الجهة، و إن كان فاسقا لنفس التقصير؛ و يظهر الثمرة على بعض الوجوه.
و كيف ما كان، قال الأستاد: كأنّه سهو من الشيخ(رحمه اللّه)، فإنّه لا خلاف بين أصحابنا أنّ المخطئ على فرض عدم تقصيره في الاجتهاد معذور، بل له أجر واحد و للمصيب أجران.
و لا يخفى أنّ القول بالتصويب يحتمل معان أربعة:
الأوّل: أن يكون مرادهم أن ليس للّه تعالى في الواقع حكم، بل إنّما يحدث باجتهاد المجتهدين، بمعنى أنّ اجتهادهم علّة حدوث الحكم، فإن فرضنا أنّه ليس في عالم الكون مجتهد، ليس في الواقع أيضا حكم؛ و هذا الاحتمال مناسب لمذاق من قال بأنّ الحسن و القبح بوجوه الاعتبار، و منها العلم و الجهل، بمعنى أنّ المجتهد بعد ما علم باجتهاده أنّ صلاة الظهر أربع ركعات مثلا، يصير هذه الصلاة حسنا و يكلّفه اللّه بها.
الثاني: أن يكون مرادهم أنّ للّه تعالى في كلّ واقعة أحكاما متعدّدة بعدد آراء المجتهدين، و إنّما يجبر كلّ واحد منهم بمطابقة رأيه لواحد من الأحكام؛ و هذا مناسب لمذاق الأشاعرة من العامّة، حيث يقولون بسلب الاختيار عن الإنسان.
الثالث: أن يكون مرادهم أنّ للّه تعالى أحكاما متعدّدة في كلّ واقعة بعدد الآراء، و يطابق رأي كلّ واحد بواحد منها من دون جبر، بل من باب البخت و الاتّفاق؛ و لا يخفى أنّ هذا الاحتمال أنسب بمذاق المعتزلة من المصوّبة.
الرابع: أن يكون مرادهم أنّ اللّه تعالى لمّا كان يعلم أنّ رأي المجتهد الفلاني يؤدّيه إلى هذا الحكم، صيّر هذا الحكم في الواقع مجعولا له؛ و كذا بالنسبة إلى سائر المجتهدين.
و إذا عرفت الاحتمالات المتصوّرة للمصوّبة و الأقوال في المسألة، فاعلم أنّ تحقيق الحقّ في المسألة يتوقّف على تقديم مقدّمتين:
المقدّمة الأولى: في تحرير محلّ النزاع، فإنّه يمكن أن يقال: إنّ النزاع بين الفريقين لا معنى له، لأنّ المتنازع فيه بالتخطئة و التصويب إن كان هو الحكم الذي نزل به جبرئيل على النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله)، فباتّفاق الفريقين هو حكم واحد، فلا معنى للاختلاف فيه بالتخطئة و التصويب، لأنّ الاختلاف فرع التعدّد؛ و إن كان المتنازع فيه الأحكام المختلفة التي يستنبطها المجتهدون، فهو بالاتّفاق متعدّد، فلا معنى لأن يقال: إنّ الحكم الواقعي واحد أو متعدّد.
لكن الحقّ: أنّ النزاع بينهم معنويّ، لأنّ المصوّبة يقولون على الاحتمال الأوّل: إنّ رأي كلّ مجتهد يحدث حكما في اللوح المحفوظ، سواء كان ذلك المجتهد النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله)- على زعمهم الفاسد- أو غيره(صلّى اللّه عليه و آله)؛ و على الاحتمالات الباقية يقولون: إنّ الأحكام المثبتة في اللوح متعدّد بتعدّد آراء المجتهدين في كلّ واقعة خاصّة، و إنّ النازل على النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله)، سواء كان بطريق الوحي أو الاجتهاد، واحد منها، و آراء سائر المجتهدين كلّ واحد مطابق لواحد من الأحكام كائنا ما كان.
و أمّا المخطئة فهم يقولون: بأنّ الحكم الواقعي المثبت في اللوح في كلّ واقعة حكم واحد، و هو الذي نزل إلى النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله)، و نحن مكلّفون بتحصيل ذلك الحكم، و هو الحكم الذي أراده اللّه تعالى منّا على فرض التمكّن من تحصيله، كالمشافهين و