و بعد ما عرفت محلّ النزاع و الأصل في المسألة، فنقول:
المقام الأوّل: في أنّه هل يكفي القطع بالأصول لا عن الأدلّة التفصيليّة
في ترتّب أحكام المسلم على ذلك القاطع على هذا النحو، من الطهارة و حليّة الذبيحة و حقن الأموال و الدماء و نحوها، كما لو حصل القطع بالتسامع و التظافر، كما أنّه بعد ما فتح عينه رأى أنّ كلّ الناس يقولون بربّ و نبيّ و وصي و معاد، و حصل له القطع بذلك، لكنّه إن سئل منه ما الدليل على ذلك، كان عاجزا عن إقامة البرهان؛ أم لا.
الحقّ: الكفاية، لوجهين:
الأوّل: السيرة، فإنّ سيرة النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله)و الأئمّة(عليهم السلام)مع الرعيّة، و كذا سيرة المجتهدين من الغيبة الكبرى إلى زماننا هذا، كانت على ترتّب أحكام الإسلام على من كان مظهرا للشهادتين، فضلا عن القاطع بأصول العقائد، فإنّهم(عليهم السلام)كانوا يعاشرون مع الأعراب و أهل البوادي و القرى، و يأكلون ذبائحهم، و يسقطون عنهم الجزية بمحض إظهار الشهادتين، و لا يحرزون عنهم، و لم يكونوا يسألون عنهم هل حصل لكم القطع بهذه المعارف من الأدلّة التفصيليّة، أم اعتقدتم من دون دليل؟
فإنّ كنتم من القسم الثاني فاحترزوا عنّا، و هكذا؛ و قد حصل بأنّ هذه السيرة كانت سيرتهم(عليهم السلام)، و السيرة القطعيّة حجّة من دون خلاف.
الثاني: لزوم العسر و الحرج، لو لا الكفاية بذلك في ذلك، و هو بيّن؛ إنّما الكلام في أنّ المعرفة بالدليل التفصيلي واجبة للمتمكّن منها على هذا الوجه، حتّى يكون غير العارف على هذا الوجه مع التمكّن فاسقا أم لا؟ و على فرض الوجوب، هل الإخلال به موجب للكفر و الخلود في النار، أم لا يضرّ بالإسلام؟
و بعبارة أخرى: على فرض الوجوب، فهل هو- أي القطع- بالدليل التفصيلي، واجب نفسي حتّى يترتّب الإثم فقط عند الإخلال به، أم واجب غيري، حتّى يرتّب على الإخلال الخلود في النار؟
فهنا مرحلتان الأولى:
في أنّه على هذا الوجه واجب، أم لا.
المرحلة الثانية: في أنّه على فرض الوجوب، هل وجوبه نفسي أو غيري؟
و لمّا كان الكلام في المرحلة الثانية منوطا على إثبات أصل الوجوب، و كان مختارنا عدم الوجوب، و عند إثبات المختار كان يسقط الكلام في المرحلة الثانية، فلذا نكتفي من الكلام في المرحلتين بالكلام في المرحلة الأولى، فنقول:
الحقّ: عدم الوجوب، لوجوه عديدة:
الأوّل: إطلاق الآيات كقوله تعالىالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَويُؤْتُونَ الزَّكاةَوأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَو قوله تعالىفَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُو نحوهما من سائر الآيات، فإنّها بإطلاقها حاكمة بأنّ المعتقد بالأصول، و لو من غير دليل، من أهل الفلاح؛ فإنّ الإيمان بمعنى الاعتقاد، و كذا العلم، و هو مطلق بالنسبة إلى الاعتقاد الحاصل من الدليل أو الحاصل من دونه؛ و بعد ما كان مطلق المعتقد من أهل الفلاح و ممتثلا بالأمر بالعلم و بالإيقان، فلا دليل على فسقه بالإخلال، و الشكّ في وجوب الاستدلال على الاعتقاد شكّ في التكليف، فالأصل عدمه.
الثاني: مفهوم قولهفَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَفإنّ ذلك المعتقد من أهل العلم، فلا يجب عليه السؤال و الاستدلال؛ فتأمّل.
الثالث: تقرير الأئمّة المعصومين(صلوات اللّه عليهم)، فإنّهم كانوا يكتفون بمجرّد الاعتقاد، و لو كان الاستدلال واجبا، لكان اللازم عليهم(رحمه اللّه)نصب المعلّمين لتعليم الأدلّة بالناس 7 و نهيهم عن الاكتفاء بمجرّد الاعتقاد من باب الأمر بالمعروف؛ فبعد ما علمنا أنّهم(رحمه اللّه)كانوا مطّلعين على أنّ جلّ الناس كان اعتقادهم لا عن دليل، مع كونهم(رحمه اللّه)قادرين على الردع، و مع ذلك لم يردعوا، علمنا رضاهم ع بذلك القدر فالتقرير كاشف عن عدم وجوب الاستدلال.
الرابع: إنّ الاستدلال لو كان واجبا، لكان المتمكّنين منه فسّاقا عند الإخلال به، و بذلك يختلّ الأمور في الشهادات و كلّ ما يحتاج إلى العدالة؛ مع أنّ بناء المسلمين
ليس على ذلك، فإنّهم لا يسألون عن الشاهد: هل اعتقادك من الدليل أم لا؟ و ليس بنائهم على ردّ الشهادة إن كان الاعتقاد عن الدليل.
الخامس: إنّه لو كان واجبا، للزم العسر و الحرج الشديد، فإنّهم إن كانوا مكلّفين على المعرفة بالدليل، لكان اللازم عليهم ترك أمور معاشهم و الاشتغال بتحصيل الدليل، و ذلك ممّا لا يحصل إلّا بعد معانات النفس و الاشتغال بالتحصيل سنين كثيرة، حتّى يتيسّر لهم فهم الأدلّة، و بذلك يختلّ النظام.
و كيف و ما كان، فعدم لزوم الاشتغال على العقائد واضح عند من تدبّر في الناس سيّما في عوامهم، و سيّما في النساء و الوالدان في أوّل البلوغ.
و بعد ما ثبت عدم وجوب الاستدلال، فالمعتقدون من دون دليل يترتّب عليهم أحكام المسلمين جميعا، من الطهارة و قبول الشهادة، و كونهم ناجين في دار الآخرة، إلّا أنّ رتبتهم دون من حصل العقائد بالأدلّة.
المقام الثاني: في أنّه هل يكفي الظنّ في أصول العقائد، أم لا؟
في ترتّب أحكام الإسلام.
و الحقّ: أنّ هذا الظانّ إمّا متمكّن من تحصيل العلم أو لا؛ و على الثاني، ليس مكلّفا بتحصيل العلم، حذرا من لزوم التكليف بما لا يطاق، فهو معذور في الآخرة؛ و أمّا ترتّب أحكام المسلمين عليه في الدنيا، ففيه إشكال، لعدم شمول المؤمن إيّاه، ففي المعذوريّة و عدمها هو معذور في الكفاية و عدمها، فالحقّ عدم الكفاية.
و إن كان متمكّنا منه، فهو ليس بمعذور لتقصيره، و ليس هذا القدر كافيا، للأمر بالعلم في الأصول، و للعمومات الدالّة على حرمة العمل بالظنّ الظاهرة، و للعمومات الدالّة على حرمة العمل بما وراء العلم، و الاستصحاب، و قاعدة الاشتغال.
و كيف ما كان، الظانّ في أصول الدين شاكّ، و من يترتّب عليه حكم الإسلام هو المعتقد لا الشاكّ.
المقام الثالث: في عدم كفاية التقليد
، و هو أوضح، و المراد به الأخذ بقول الغير من غير دليل و اعتقاد، و هو أنزل المراتب الخمسة، و بعد عدم كفاية الظنّ الذي هو أقوى، فعدم كفاية التقليد أوضح و اللّه درّ الفاضل القمي(رحمه اللّه)حيث لم يرض بإبقاء هذه المسألة في عهدة الإهمال، ففي تفصيلها الرجوع إلى ما زبره أحسن.
المسألة الثانية: في أنّ من بلغ مرتبة الاجتهاد، هل يجوز له حينئذ التقليد، أم لا؟
و ليعلم أوّلا: أنّه لو اجتهد في بعض المسائل و صار متجزّيا فيه بالفعل، لا يجوز له فيه- مع ذلك- التقليد، لظهور الإجماع على ذلك، و للإجماعات المنقولة المتظافرة، بل ليس فيه خلاف يعرف، إنّما الخلاف فيمن حصل له ملكة الاجتهاد و لم يستنبط حكما بعد؛ و هو أيضا إن كان متمكّنا من الاحتياط، و بنى عليه في الأحكام المستقلّة، كما في شرب التتن، و في الأحكام المرتبطة، كوجوب السورة مثلا و استحبابها، على فرض الاجتهاد، و في مسألة عدم لزوم تعيين الوجه، فلا خلاف حينئذ أيضا، في عدم وجوب الاجتهاد و لا التقليد.
و أمّا إن لم يكن متمكّنا منه، كما [في] دوران الأمر بين المحذورين مثلا، أو كان الاحتياط مستلزم للعسر و الحرج، أو لم يكن ذا و لا ذاك، بل ليس بنائه على الاحتياط أصلا.
فاختلفوا فيه في جواز التقليد على أقوال:
منها: عدم جوازه مطلقا.
و منها: جوازه كذلك.
و منها: جواز تقليد الأعلم، و إلّا يجب عليه الاجتهاد.
و منها: جواز تقليد الصحابي، دون غيره.
و منها: جواز التقليد لنفسه، لا للافتاء للغير.
و منها: جواز التقليد في ضيق الوقت، دون غيره.
و الظاهر: أنّ مرادهم بضيق الوقت، هو حالة عدم التمكّن من الاجتهاد، سواء كان ناشيا من ضيق الوقت، أو من عدم تهيّأ الأسباب؛ و المختار هو القول الأخير.
و الدليل على عدم جواز التقليد، بل وجوب الاجتهاد عند التمكّن، وجوه خمسة:
الأوّل: العمومات الناهية عن العمل بما وراء العلم، خرج منها صورتان بالدليل، إحداهما عمل المجتهد بظنّه، و الآخر عمل العامي لقول المجتهد، و بقي الباقي، و هو تقليد المجتهد المفروض للمجتهد الآخر تحتها، و لا مخرج له، فليكن الاجتهاد عليه واجبا عينيّا.
الثاني: استصحاب الأمر بالصلاة، فإنّه بعد ما صلّى بتقليد الغير، و شكّ في ارتفاع الأمر، فالأصل بقائه.
الثالث: قاعدة الاشتغال بالصلاة، بالتقرير المذكور.
الرابع: أيضا قاعدة الاشتغال، بتقرير آخر و هو: أنّ أمر هذا المجتهد دائر بين المتباينين، و هما التقليد و الاجتهاد، و لا قائل بوجوب التقليد عليه عينا، بل هو إمّا أحد أفراد الواجب التخييري، و إمّا غير جائز، و لكن الاجتهاد إمّا واجب عيني، و إمّا أحد أفراد الواجب التخييري؛ و قد تقرّر في محلّه أنّ أمر الواجب إذا دار بين العيني و التخييري، فمقتضى قاعدة الاشتغال كونه واجبا عينيّا، كما أنّه لو دار أمره بين كونه عينيّا أو كفائيّا، فمقتضى القاعدة كونه عينيّا.
و بعبارة أخرى: محصّل الدليل الثالث إجراء القاعدة في المسألة الفرعيّة، و محصّل الرابع إجرائها في المسألة الأصوليّة.
الخامس: البرهان القطعي و هو: أنّ أمر ذلك المجتهد دائر بين أن يكون أحد الأمور الثلاثة عليه واجبا، و هي الاحتياط و التقليد و الاجتهاد، و لا قائل بوجوب الأوّل، فانحصر أمره بين الأخيرين، لكن في التقليد عمل بظنّ الغير من غير بصيرة، و في الاجتهاد عمل الظنّ نفسه عن خبرة و بصيرة، و لا ريب في أنّ القوّة العاقلة حاكمة بترجيح الثاني، و كذا بناء العقلاء عليه؛ و على هذا، إن قلنا أنّه مخيّر بينهما، يلزم التسوية بين الراجح و المرجوح؛ و إن قلنا بتعيين التقليد، يلزم ترجيح المرجوح على الراجح، و لفسادهما لا بدّ من القول بتعيين الاجتهاد عليه، و هو المطلوب.
فإن قلت: في بعض الموارد حكم الشارع بتقديم المرجوح في نظرنا، كما في حجّيّة خبر ذي اليد، و حجّيّة شهادة العدلين، مع تمكّن تحصيل العلم، كما في الخبر الصحيح المعارض بالظنّ القياسي، فأيّ عيب في أن يكون ما نحن فيه من هذا القبيل؟
قلت: برهاننا العقلي تعليقيّ، بمعنى أنّ بنائنا على تقديم الراجح في نظرنا ما لم نطّلع على أنّه مرجوح في نظر الشارع؛ و الأمثلة التي مثّلت بها إنّما هي ممّا اطّلعنا فيها على ذلك، فلذا نطرح الراجح في نظرنا فيها و نأخذ بالمرجوح؛ و أمّا فيما نحن فيه، فلم يدلّ على ذلك دليل، فليكن الراجح مقدّما.
فإن قلت: الدليل على أنّ الراجح في نظرنا مرجوح في نظر الشارع ثلاثة استصحابات.
الأوّل: استصحاب جواز التقليد، فإنّه قبل حصول الملكة له كان التقليد له جائزا قطعا، و بعد حصول الملكة و قبل الاجتهاد بالفعل نشكّ في بقاء الجواز، و الأصل بقائه.
الثاني: استصحاب وجوب صلاة الجمعة مثلا.
و الثالث: استصحاب صحّتها بالتقرير المذكور.
و بعد وجدان الدليل الشرعي الذي هو استصحاب، يسقط البرهان العقلي،
لكونه تعليقيّا.
فإن قلت: هذه الاستصحابات معارضة بالعمومات الناهية من العمل بما وراء العلم.
قلت: لا تعارض بينهما، لكون العمل بالاستصحاب عملا بالعلم الشرعي.
فإن قلت: معارضة باستصحاب الأمر.
قلت: استصحابنا مزيل، لأنّ الشكّ في بقاء الأمر مسبّب عن الشكّ في جواز التقليد.
فإن قلت: معارضة بقاعدتي الاشتغال.
قلت: الاستصحاب وارد على القاعدة، فاندفع بهذه الاستصحابات جميع الأدلّة الخمسة، فالحقّ جواز التقليد.
قلت أوّلا: نفرض الكلام في من بلغ رتبة الاجتهاد في أوّل البلوغ، فإنّ الأدلّة الدالّة على وجوب الاجتهاد في حقّه سليمة عن المعارض، لعدم جريان استصحابك فيه؛ و بعد ثبوت المطلوب في هذه الصورة الواحدة، نتعدّى إلى غيرها بالإجماع المركّب.
و لكن هذا الجواب ليس بصواب، لأنّ للخصم أن يقول: نثبت جواز التقليد في غير هذه الصورة بالاستصحاب، و نتعدّى إليها بالإجماع المركّب، و ضميمتنا التي هي الاستصحاب أقوى، لما عرفت.
و ثانيا: إنّ التقليد عليه قبل البلوغ إلى هذه المرتبة كان واجبا عينيّا لا جائزا؛ و بعد البلوغ إليها أيّ شيء تستصحب؟
فإن كان المستصحب هو الوجوب العيني، فقد زال قطعا، لعدم القائل عليه، بل عدم الوجوب على وجه العينيّة حينئذ متّفق عليه بين الخصم و بيننا.
و إن كان المستصحب هو الجواز الذي كان في ضمن الوجوب، فهو قد كان جنسا للوجوب؛ و بعد انتفاء الفصل ينتفي الجنس قطعا.