و إن كان المستصحب هو الجواز لا في ضمن الوجوب، فلم يثبت ذلك من أوّل الأمر حتّى يستصحب.
و لهذا التقرير قطع رأس الاستصحابين الباقيين؛ و بعد عدم جريان هذه الاستصحابات، يبقى أدلّتنا سليمة عن المعارض.
فإن قلت: قبل البلوغ إلى هذه الرتبة كان مأمورا بالامتثال بالتكاليف، و هو قد كان يحصل بأمرين الاحتياط و التقليد، فهذا المجتهد كان من قبل مخيّرا بين التقليد و الاحتياط، و بعد حصول الملكة له نستصحب التخيير الثابت له من قبل، و نتمّ به المطلوب.
قلت: على فرض تسليم وجوب الاحتياط، الواجب عليه من قبل أحد الأمرين، و بعد البلوغ إليها صار الواجب عليه أحد الأمور: الاحتياط و الاجتهاد و التقليد، فارتفع المستصحب قطعا، لأنّه كان وجوب أحد الأمرين و هو منتف قطعا، لثبوت وجوب أحد الأمور الثلاثة عليه حينئذ، فلا يجري هذا الاستصحاب أيضا.
و لا يخفى أنّ هذا الجواب أيضا غير مرضى، لأنّ هذا الجواب إنّما يتمشّى على مختار الأشاعرة في الوجوب التخييري، فإنّهم يقولون: إنّ الواجب فيه هو أحد الأمرين، أو أحد الأمور؛ بمعنى أنّ متعلّق الوجوب هو الواحد لا بعينه، و بالإتيان بواحد من الأفراد يسقط الوجوب؛ فعلى هذا، بعد ما صار الواجب أحد الأمور، ارتفع وجوب أحد الأمرين قطعا، فلا معنى لاستصحابه.
و لكن لمّا كان مختارنا في الواجب التخييري ما ذهب إليه المعتزلة فيه، من أنّ كلّ واحد من الأفراد واجب على سبيل الاستقلال، غاية الأمر أنّه بعد الإتيان بواجب واحد يسقط عنه الباقي؛ لا يمكننا هذا الجواب، لأنّ للخصم أن يقول: إنّ الواجب عليه قبل الاجتهاد كان أمرين، لكن لا على وجه العينيّة، بل على وجه التخيير؛ و بعد الاجتهاد زاد بواسطة اقتضاء الدليل على هذين الواجبين واجب آخر،
فالمستصحب هو الجواز الحاصل من التخيير بين الواجبين قبل الاجتهاد، فبعد الاجتهاد و زيادة واجب آخر، هو مخيّر بين الواجبات الثلاثة، و به يتمّ المطلوب من عدم وجوب الاجتهاد عليه عينا.
و ثالثا: إنّ استصحاب جواز التقليد معارض باستصحاب وجوب الاجتهاد، فيما لو فرضنا أنّ مجتهدا اختار الاجتهاد و استنبط الأحكام، فإنّه حينئذ لتعيين الاجتهاد على نفسه يصير الاجتهاد واجبا عينيّا عليه، و يحرم عليه التقليد، ثمّ نسي الأحكام طرّا و ذهل عنها؛ فنشكّ في أنّه هل يجب عليه الاجتهاد ثانيا أم لا؟ فالاستصحاب حاكم بوجوبه عينا عليه.
فبعد ما ثبت وجوب الاجتهاد عينا في صورة، نتعدّى إلى غيرها بالإجماع المركّب؛ غاية الأمر أنّك تثبت جواز التقليد في سائر الصور بالاستصحاب، و تتعدّى إليها بالإجماع المركّب؛ فنقول: تعارض الإجماعان و تساقطا، لتساوي ضميمتهما، فيبقى الأدلّة الخمسة الدالّة على وجوب الاجتهاد عينا، سليمة من المعارض.
و لا يخفى أنّ الفرض لا يكون منحصرا فيما ذكر، بل يمكن فرض صورتان أخريان، إحداهما ما لو اجتهد مرّة و قلنا بوجوب تجديد النظر؛ و الثانية ما لو اجتهد أوّلا، ثمّ توقّف فيه لتجديد النظر في الأدلّة مثلا.
فإن قلت: إنّ ضميمتنا أقوى، لكونها استصحابات عديدة، و ضميمتك إمّا استصحاب أو استصحابان؛ و الاستصحابات العديدة، لكونها كالنصوص العديدة، واردة على استصحاب واحد؛ مضافا إلى أنّ في العمل باستصحاب جواز التقليد، يلزم العمل بأكثر مدلولات الدليل، و لا يشذّ منه إلّا فرد أو فردان؛ و من العمل باستصحاب الاجتهاد لندرة مورده، يلزم عدم العمل بالدليل في أكثر أفراده، و بعبارة يلزم على الأوّل تخصيص واحد أو تخصيصين، و على الثاني تخصيصات عديدة، و لا ريب في أنّ الأمر إذا دار بين قلّة التخصيص و كثرته، فالأوّل أولى.
قلت: بعد ما ثبت أنّ حجّيّة الاستصحاب إنّما هي للأخبار لا لحصول الوصف، فلو كان في طرف مائة استصحاب و طرف آخر استصحاب واحد، لكان المآل إلى تعارض أخبار الدالّة على الاستصحاب مع نفسها.
و بعبارة أخرى: ضميمة إجماعنا هذه الأخبار، كما أنّ ضميمة إجماعك أيضا هذه الأخبار، و لا رجحان للشيء على نفسها؛ و ما يتخيّل من أنّ الاستصحابات العديدة كالنصوص العديدة، إنّما يتمّ إذا كان حجّيّة الاستصحاب من باب الوصف، أو كان من باب التعبّد، و كان قوله «لا تنقض اليقين» الخ دليلا على حجّيّة الاستصحاب؛ لكن بعد ما قرّرنا في محلّه من أنّ الأخبار أدلّة على نفس حكم الواقعة، لا على حجّيّة الاستصحاب، هو الحكم الذي دلّت عليه الأخبار، و من أنّ حجّيّته ليس من باب الوصف، بل من باب التعبّد على الوجه المزبور، فلا مساق لما قلت.
و ما قلت من «أنّ الأمر إذا دار بين قلّة التخصيص و كثرته فالأوّل أولى» فهو أيضا في المقام مدفوع، لأنّ ما قلت من أولويّة التخصيص إنّما يتمّ في المقام، لو كان في البين لزوم تخصيصات كثيرة في طرف، و لزوم تخصيص واحد مثلا في طرف آخر، كما لو قال المولى: أكرم العلماء إلّا زيدا، و حصل الشكّ في أنّه كما قال «إلّا زيدا» كذلك قال «إلّا عمرا» أم لا؟ و حينئذ، حمل الكلام على نحو يلزم عليه قلّة التخصيص أولى، لبقاء العام على ظهوره في الفرد المشكوك تخصيصه، بخلاف ما لو حملناه على نحو يلزم عليه كثرته.
و أمّا لو حصل العلم بتخصيص واحد، دار أمره بين تخصيص يخرج منه الصنف الذي هو أكثر أفرادا، و بين التخصيص الذي يخرج منه الصنف الذي هو أقلّ أفرادا، كما لو قال: أكرم العلماء، و علمنا بتعقيب تخصيص لذلك العام، و لكن لم ندر أنّه «إلّا الفقهاء» حتّى يخرج منه مائة فرد مثلا، أو أنّه «إلّا النحاة» حتّى يخرج فردان مثلا.
فرجحان الحكم بكونه «إلّا النحاة» لقلّة أفراده ممنوع، لتوقّف العرف في أمثال
هذا المقام؛ و ما نحن من قبيل الثاني، لأنّا استفدنا من الأخبار حجّيّة الاستصحاب، و علمنا أنّه(عليه السلام)استثنى منه صنفا، و لكن لم ندر أنّ الصنف المستثنى هو الصنف الذي أفراده أكثر، اعني المسبوق بالتقليد، أو هو الصنف الذي أفراده أقلّ، أعني المسبوق بالاجتهاد؟ فالقول بتعيين أنّ المستثنى من الحجّيّة هو استصحاب لزوم الاجتهاد للمسبوق به لقلّة أفراده، شطط من الكلام، لتوقّف العرف في ترجيح أحدهما على الآخر.
فبعد تساوي الضميمتين في القوّة و الضعف، لضعف ما تخيّله الخصم مرجّحا لاستصحاب جواز التقليد، و تساقطهما، ثبت كون الاجتهاد على الملكة المفروض واجبا عينيّا.
ثمّ لا يخفى أنّ هذا الجواب كسابقيه فاسد، لأنّ للخصم أن يقول: إنّ الاستصحاب الذي عارضت به استصحاب جواز التقليد غير جار أصلا، لكون الاستصحاب عرضيّا.
بيانه: أنّ هذا المجتهد الذي اختار الاجتهاد و صار لذلك التقليد عليه حراما، كان مسبوقا بالاجتهاد الملكي، و هو في هذه الحالة كان مخيّرا بين فعليّة الاجتهاد و التقليد، لاستصحاب جواز التقليد الذي كان ثابتا له قبل حصول الملكة، و حينئذ لم يكن لهذا الاستصحاب معارض؛ و بعد ما اختار فعليّة الاجتهاد، صار التقليد عليه حراما بالعرض، و ارتفع عنه التخيير ما دام مجتهدا بالفعل.
ثمّ بعد ما آل أمره بسبب نسيان المستنبطات إلى الحالة الأولى و انتكس على عقبه، فإن كنت تستصحب لزوم الاجتهاد عينا، الذي ثبت على وجه التعليق، أعني على نحو ما دام؛ أو تستصحب حرمة التقليد التي كانت ثابتة له في هذه الحالة، فقد ارتفع قطعا لزوال سببه؛ و إن كان المستصحب هو لزوم الاجتهاد عينا بالذات، فقد كان من أوّل الأمر مشكوكا، فبعد ما ارتفع عينيّة الاجتهاد لزوال الفعليّة، و شككنا في بقاء التخيير الثابت له أوّلا فنستصحبه.
سلّمنا أنّ الاستصحاب ليس بعرضيّ، لكن الموضوع ليس باقيا؛ و قد مرّ نظير ما نحن فيه في مسألة رجوع المجتهد عمّا أفتى به أوّلا بتجديد النظر و علم المقلّد به، فلا نطيل الكلام بإعادة ما سطر سابقا، فعلينا الحوالة و عليك التطبيق؛ فتذكّر.
فبعد اللتيا و التي، آل الكلام إلى الإذعان بجريان استصحاب جواز التقليد، و الحكم ببطلان الوجوه الخمسة لهذا الاستصحاب؛ لكن لمّا كان المشهور من الأصحاب ذهبوا إلى وجوب الاجتهاد على ذي الملكة عينا، بحيث انتسبوا الخلاف إلى بعض أهل الخلاف، و كانت الشهرة مفيدة للظنّ، و كان الظنّ دليلا اجتهاديّا مع صيرورة الوجوه الخمسة معتضدة به؛ يشكل الحكم بتقديم الاستصحاب، بل الاستصحاب مورود بالنسبة إلى الشهرة العظيمة فقط، فضلا عمّا كان في المقام أدلّة معتضدة به؛ فالحكم بتعيين الاجتهاد حينئذ- وفاقا للمعظم- أولى.
لكن يشكل الأمر من حيث أنّ المسألة أصوليّة، و الدليل الظنّي لا يكفي فيها؛ اللهمّ إلّا أن يقال: تعارض الاستصحاب و الشهرة، و صارت قاعدة الاشتغال و نحوها مرجّحا لأحد الطرفين؛ و هو كما ترى.
أو يقال: إنّ المسألة فرعيّة، لأنّ الكلام فيها في أنّ ذي الملكة يجب عليه الاجتهاد، أم لا؛ و المسألة التي يبحث فيه عن عوارض أفعال المكلّفين فرعيّة؛ و هو أيضا كما ترى، لأنّ مآل الكلام إلى أنّ قول المجتهد الآخر حجّة لهذا الشخص أم لا، كما نظيره في مسألة التجزّي، و لئن سلّمنا أنّ المسألة ليست أصوليّة، لكن لا أقلّ من كونها مشكوكة الأصوليّة و الفرعيّة، فلا بدّ أيضا فيها من الأدلّة العلميّة؛ فتأمّل.
فإن قلت: كما أنّ الأدلّة الخمسة معتضدة بالشهرة، كذلك استصحاب جواز التقليد معتضد بقوله تعالىفَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَفإنّ المجتهد المفروض لعدم استنباطه حكما ممّن لا يعلم، و كلّ من لا يعلم فليسأل أهل الذكر؛ و المجتهد الآخر لفعليّة استنباطه من أهل الذكر؛ فلئن سلّمنا عدم ترجيح الاستصحاب لهذا المرجّح، فلا أقلّ من التساوي و التساقط، فيبقى الحكم بلا دليل.
قلت: على فرض تسليم أنّ المراد بأهل الذكر هو العلماء، فنقول أوّلا: إنّ الذكر على هذا الفرض بمعنى العلم، و أهل الشيء من هو متأهّل لذلك الشيء، أي قابل له، لا من حصل له ذلك الشيء بالفعل، كما في قولنا «اللّه تعالى أهل الجود و الجبروت، و أهل العفو و الرحمة، و أهل التقوى و المغفرة»، أي متأهّل لما أضيف إليه الأهل، و لفظ الأهل حقيقة في ذلك المعنى في أمثال هذه التراكيب؛ و الأصل تنزيل اللفظ على ما هو حقيقة فيه.
و على هذا، فمعنى الآية الشريفة: فاسألوا يا أيّها الذين ليسوا متمكّنين من تحصيل العلم، لعدم الأهليّة، ممّن هو متمكّن من تحصيله؛ فيختصّ العامي بكونه مأمورا بالسؤال.
و على ما قلت يلزم أن يكون أهل العلم مأمورا بالسؤال من أهل العلم، و هو خلاف ظاهر الآية، مضافا إلى أنّ المتبادر من الآية أنّها خطاب مع العاميّ الصرف، فإنّ قوله تعالىلا تَعْلَمُونَيفيد العموم، لحذف المتعلّق، فمنطوقها: أنّ من لا يعلم شيئا يجب عليه السؤال، و مفهومها: أنّ من يقدر على العلم بنفسه لا يجب عليه السؤال؛ و ذلك المجتهد المفروض ممّن يقدر، فلا يجب عليه؛ و ذلك أعمّ من أن يكون السؤال عليه حراما أو جائزا، و لا دلالة للعام على الخاصّ.
و ثانيا: سلّمنا أنّ المجتهد المفروض ليس من أهل الذكر، بل أهل الذكر من حصل له العلم بالفعل؛ لكن نقول: الآية مجملة، لعدم إمكان حملها على ظاهرها؛ و ذلك لأنّ الأمر للوجوب، و هو حقيقة في الوجوب العيني، لتبادره منه، فلا بدّ من حمل اللفظ على معناه المتبادر، فيكون معنى الآية حينئذ: يجب على ذلك المجتهد بالوجوب العيني السؤال من أهل العلم، فهو مخالف للإجماع، بل هذا ممّا لا يقول به أحد، لانحصار القائلين بين من يحكم بحرمته عليه، و بين من يحكم بجوازه له على وجه التخيير.
و بعد ما انقطعت اليد عن حمل الآية على ظاهرها، لمخالفته للإجماع، فلا بدّ من
صرفها عن ظاهرها، و هو منحصر في أمرين، أحدهما ارتكاب المجاز بحمل الوجوب على الوجوب التخييري، و الآخر ارتكاب التخصيص، بمعنى أنّ المراد من الآية: أنّه فليسأل كلّ من لا يعلم إلّا ذو الملكة ممّن يعلم؛ فلئن سلّمنا عدم رجحان ارتكاب التخصيص على ارتكاب المجاز، فلا أقلّ من التساوي و التساقط، فيصير الآية فيما نحن فيه مرميّة بالإجمال، و تسقط بذلك عن درجة أهليّتها للاستدلال.
ثمّ لا يخفى أنّ ما ذكر إلى هنا من «إن قلت، قلت» إنّما كان من باب المماشاة مع الخصم بتسليم جريان استصحاب جواز التقليد، و إلّا لكان لنا أوّلا أن نجزّ المجادلة من أوّل الأمر جزّا، و نحسم مادّة النزاع حسما، بأن نثير في مضارّ المكافحة غبارا و نوتر قوس المناضلة إيتارا و نقول:
إنّ هذا الاستصحاب غير جار، لعدم بقاء الموضوع، فإنّ المكلّف ما دام عاميّا يتعيّن عليه التقليد وجوبا عينيّا، لعدم تمكّنه من الاجتهاد الذي هو أقرب إلى العلم من التقليد، و لعدم لزوم الاحتياط عليه، للإجماع و للزوم العسر و الحرج في بعض الصور؛ و إلحاق ما عداه به بالإجماع المركّب، مع عدم استطاعة الخصم من الجولان بقلب الإجماع، فالموضوع الذي ثبت بنفسه له هذا الحكم، هو العاميّ المتّصف بالوصف العنواني؛ و بعد ما ترقّى من هذه المرتبة الدنيّة و صار مجتهدا، فالموضوع غير باق، فكيف نستصحب الحكم الثابت لموضوع آخر؟
و قياس ما نحن فيه بالحاضر المتمكّن من السفر، فإنّه مع ذلك يجب عليه الإتمام، فليكن هذا المجتهد أيضا ممّن يجب عليه التقليد، لعدم فعليّة اجتهاده، كما أنّ الحاضر يجب عليه الإتمام، لعدم فعليّة سفره؛ فاسد جدّا.
أمّا أوّلا: فلأنّ الأمر لو كان كذلك، لكان التقليد عليه متعيّنا بالوجوب العيني، كما أنّ الإتمام واجب على هذا الحاضر كذلك، مع أنّ الخصم أيضا لا يرضى بذلك.
و أمّا ثانيا: فلأنّ الحاضر ما دام حاضرا، يكون الموضوع الذي تعلّق به حكم الإتمام باقيا، و إن كان متمكّنا من السفر، فإنّ أهل العرف لا يطلقون عليه اسم المسافر حقيقة؛ و أمّا فيما نحن فيه فلا يسمّيه أحد أبدا بالعامي، بل يطلقون عليه اسم
المجتهد حقيقة، على ما حقّقنا في تعريف الاجتهاد، و بعد تغيّر الموضوع عرفا بل حقيقة، كيف يمكن الاستصحاب؟
نعم، نظير الحاضر المفروض هو العامي الذي يحوم حول حمى ملكة الاستنباط، و لم يدخله بعد؛ و الحكم بلزوم التقليد على مثل هذا العامي، لو لا أمر خارجي صحيح، لا غبار فيه للاستصحاب، و أمّا فيما نحن فيه فلا.
و كيف ما كان، فالحكم بلزوم الاجتهاد على هذا المجتهد ممّا يكاد و أن يقال:
لا شبهة فيه؛ فإنّ التقليد مع تمكّن الاجتهاد على هذا النحو من التمكّن، كأكل الميتة مع التمكّن من تحصيل الغذاء الحلال؛ كما أنّ الاجتهاد و الاستنباط الظنّي مع التمكّن من تحصيل العلم، كأكل الميتة على هذه الحالة؛ و لا أرى أنّ العاقل غير المتديّن يرضى بذلك، فضلا عن المتديّن.
ثمّ لا يخفى أنّ ما ذكرنا ليس مختصّا بمجتهد لم يجتهد أصلا، بل حال كلّ مجتهد بالنسبة إلى الأحكام التي لم يجتهد فيها كذلك، سواء اجتهد بعضا أو لم يجتهد في مسألة بعد.
هذا حال المجتهد عند التمكّن؛ و أمّا عند عدم التمكّن، فلا مجال للقول بلزوم الاجتهاد عليه حينئذ، لاستلزامه العسر و الحرج الشديد، بل التكليف بما لا يطاق.
و إن سلّمنا تماميّة أدلّة التقليد، فهو أيضا معاضدة لما ذكرنا في المقام، لكن مراعات طريقة الاحتياط ما أمكن أسلم؛ و عند عدم التمكّن منه فلا محيص له عن التقليد، لبقاء التكليف بالضرورة، و عدم تمكّن الامتثال به حينئذ إلّا بالتقليد؛ و هذا أيضا ليس مختصّا بمن لم يستنبط حكما بعد، بل الحال كذلك مطلقا، كما في من بنى على الاجتهاد و استنبط بعض مسائل الطهارة و دخل الوقت، فإنّه ليس متمكّنا من استنباط جميع مسائلها في نصف يوم مثلا، بل هذا ممّا يحصل له في زمان طويل.
و أمّا سائر الأقوال في المسألة، فممّا يعلم مستندها و جوابها للمتأمّل فيما حرّرنا، بل لمّا كان القائل بها من أهل الخلاف غالبا، فترك التعرّض لها تفصيلا و الاشتغال بما هو أهمّ أولى.