الأصول، يبقى القسم الآخر داخلا في محلّ النزاع، فما وجه التخصيص؛ فتأمّل.
اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ الاختلاف في جواز التجزّي في الفروع يستلزم الاختلاف في جواز التجزّي في هذا القسم من الأصول؛ و بعد تحقيق الحقّ في الفروع، يظهر الحال في الأصول.
و لذا اكتفوا بالنزاع في ملكة الفقه، و لعلّ هذا هو السرّ في إهمال القوم ذكر هذا القسم.
ثمّ أقول: بعد ما تقرّر سابقا، أنّ الاجتهاد في الاصطلاح حقيقة في ملكة الاقتدار على استنباط حكم شرعي فرعي الخ، يصير ملكة الأصول خارجة عن محلّ النزاع، بمجرّد عنوان المسألة، لأنّ العنوان أنّ الاجتهاد هل يجوز التجزّي فيه، أم فبلفظ الاجتهاد خرج ملكة الأصول عن محلّ النزاع، فلا احتياج إلى تمهيد مقدّمة و إيراد تناقض و التمحل في رفعه.
[المقامات التسعة]
و بعد ما مهّدنا المقدّمات الخمسة، فقد حان أن نشرع في المقامات التسعة، فنقول:
المقام الأوّل: في إمكان التجزّي و امتناعه.
اختلفوا فيه على قولين، قول بالإمكان و هو الحقّ، و قول بالامتناع؛ و لنا على المختار وجوه ثلاثة:
الأوّل: أنّ التجزّي لو لم يمكن، لم يمكن صيرورة أحد مجتهدا مطلقا، و الثاني باطل، فالمقدّم مثله.
بيان الملازمة يتوقّف على تمهيد مقدّمتين:
الأولى: أنّ ملكة الفقه ليست ملكة وحدانيّة، بل هي ملكات متعدّدة، فإنّ ملكة الصلاة غير ملكة العقود، و ملكة الميراث غير ملكة الحدود، و هكذا نظير ذلك، كما في ملكة الطب، فإنّه و إن كان علما واحدا و لكن له ملكات متعدّدة، و ذلك لأنّ علم الطب علم يبحث فيه عن أحوال بدن الإنسان صحّة و مرضا، لتحفظ الصحّة و يعالج المرض؛ و ملكة الكحاليّة التي يعالج بها مرض العين، غير الملكة التي يعالج بها
مرض أغشية الصدر، المسمّى بذات الجنب مثلا، و هكذا.
الثانية: أنّ ملكات أبواب الفقه لا ارتباط بينها، حتّى يتوقّف اجتهاد كلّ باب إلى التتبّع في كلّ أبواب الفقه و الممارسة التامّة في كلّها، و ذلك بيّن، فإنّ مسألة منزوحات البئر لا رابط لها مع مسألة أجداد الثمانية، و هكذا؛ بل مسائل كلّ باب مقرّرة عن مسائل الأبواب الآخر، و مداركها مبوّب بابا بابا.
و بعد تمهيد المقدّمتين نقول: إنّ تحصيل ملكة الأبواب- لكونها متعدّدة غير مرتبطة بعضها مع البعض الآخر- تدريجي، كأن تتبّع أوّلا في الآيات و الأخبار المتعلّقة بكتاب الصلاة، و يطّلع على موارد الإجماع فيه، و على سائر ما يجب الاطّلاع عليه في هذا الكتاب، حتّى يحصل له ملكة الاقتدار على استنباط مسائل الصلاة من المظانّ، و تحصيل هذه الملكة له لا يتوقّف على التتبّع في سائر الأبواب، لعدم الارتباط بينهما.
و من البيّن، أنّ لهذا الشخص في هذه الحالة ليس قوّة استنباط مسائل الحدود، لعدم تتبّعه بعد في مداركها و مكانها.
و المراد بالقوّة هو القوّة القريبة بالفعل، و إلّا فللعامي أيضا القوّة البعيدة على الاستنباط، فهذا الشخص حينئذ فيما لم يتتبّعه كالعامي؛ و بعد تحصيل الملكة في كتاب الصلاة يدخل مثلا في كتاب الصوم، و هكذا، إلى أن يحصل له ملكة في الكلّ، فتبيّن أنّ صيرورته مجتهدا مطلقا يتوقّف على صيرورته متجزّيا أوّلا؛ و أمّا بطلان التالي، فالخصم نفسه معترف به.
و الثاني: سلّمنا عدم العلم بإمكان التجزّي، و لكن لا أقلّ من الشكّ، فالأصل إمكانه، لأنّ الغالب فيما شكّ في إمكانه و امتناعه الإمكان.
و فيه: أنّ الاستقراء دليل ظنّي لا يثبت به المسألة العقليّة، و القول بأنّ بناء العقلاء على ذلك غير كاف؛ لأنّ الخصم لو قال البناء القطعي على ذلك فممنوع، و لو قال البناء الظنّي عليه، بمعنى أنّهم يظنّون أنّ مشكوك الإمكان ممكن، فذلك لا يغني و
لا يسمن عن جوع، إلّا أن يقال: إنّ هذه القاعدة مقرّرة عند الحكماء، حيث يقولون:
ما قرع سمعك من الغرائب فذره في بقعة الإمكان، حتّى يقوم على امتناع بيّنة و برهان؛ فكأنّها إجماعيّة عندهم.
الثالث: العيان و الوجدان، فإنّا نرى اقتدار بعض على استنباط مسائل الطهارة و الصلاة لكثرة الممارسة، مع عجزه بالفعل عن استنباط مسائل سائر الأبواب، بمعنى أنّ ملكته فيها ليست حاليّة بل له قوّة على تحصيل الملكة، و مرحلة الوقوع أخصّ من مرحلة الإمكان، بل نقول: إنّ ظهور إمكان التجزّي قد وصل إلى مرتبة ينسب منكره إلى المكابرة و إنكار البديهي.
فإن قلت: كلّ ما يقدّر جهله يجوز تعلّقه بالحكم الذي استنبطه فكيف يحصل له الظنّ به فلا بدّ به من التتبّع في جميع الأبواب حتّى يحصل له الظنّ، فيكون ظنّه حجّة.
قلت أوّلا: إنّ المجتهد المطلق أيضا كلّ ما يقدّر جهله تعلّقه الخ، فما هو جوابك هو جوابنا.
و ثانيا: إنّ المفروض أنّ كلّ مسألة اقتدر على استنباطه جميع ما يتعلّق به حاضر عنده و ليس له فيه حالة منتظرة، و كلامنا في الإمكان إنّما هو على الفرض، و بعد ما كان الفرض ذلك لا مساق لما قلت أصلا.
و ثالثا: إنّ ما ذكرت مانع عن حجيّة ظنّه لا عن إمكانه، و لسنا الآن في هذا المقام.
و رابعا: إنّ الظنّ بعدم التعلّق كاف، و ذلك لا يتوقّف على حصول الملكة في الجميع، بل يمكن قبل حصول الملكة أن يتتبّع في جميع الأبواب و يحصل له العلم بأنّ الأخبار الواردة في الصلاة مثلا، ليست مذكورة في الديات؛ و بعد حصول الملكة في الصلاة هو ظانّ بعدم تعلّق شيء آخر بهذا الكتاب غير ما هو حاضر عنده.
المقام الثاني: في حجّية قطع المتجزّي لنفسه
، بمعنى أنّ المتجزّي لو استفرغ وسعه فيما حصل له الملكة، و استنبط حكما، و حصل له القطع بأنّ حكمه ذلك، بحيث
لم يكن غيره موهوما، بأن لا يحتمل عند نفسه أنّ حكمه غير ما استنبطه، فهل يجب عليه العمل بعلمه، أم يجب عليه تقليد المجتهد المطلق في هذه المسألة؟
و بعبارة أخرى: هل هذا العلم حجّة له أم لا؟ و من البيّن أنّه حجّة له، بل ذلك ليس مختصّا بالمتجزّي، بل كلّ من حصل له القطع سواء كان عامّيّا أو مجتهدا، و سواء حصل القطع من الأسباب المعتبرة أو من الغير المعتبرة، فهو حجّة له؛ و يدلّ على ذلك وجوه:
الأوّل: الإجماع، بل الاتّفاق.
الثاني: بناء كلّ أهل العقول، بل لو كان واحد منهم عالما بحكم، و مع ذلك سأل عن الغير، مع القطع بأنّ ما أجاب الغير ليس هو الحكم، لنسبوه إلى السفه.
الثالث: حكم القوّة العاقلة بأنّ ذلك الشخص القاطع في هذه الحالة، لو كان مكلّفا بغير ما علم، لزم التكليف بما لا يطاق، لعدم احتمال الغير؛ و القول بأنّه يحتمل أن يكون الحكم غير ما علمه، و يحتمل أن يكون ذلك العلم جهلا مركّبا، شطط من الكلام، لأنّ هذين الاحتمالين إن كان من العالم، لم يكن عالما قاطعا، و هو خلف؛ و إن كان من غيره، فلا يضرّ احتمال الغير بتكليفه بعلمه، بل نقول: ذلك الكلام يجري في المجتهد المطلق أيضا.
الرابع: عموم أدلّة الاشتراك مع المشافهين، فكما أنّ العلم كان حجّة عند حصوله من خبر المعصوم، فكذلك لذلك المتجزّي أو غيره، لعموم الأدلّة.
الخامس: مفهوم قوله تعالىفَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.
السادس: رواية أبي خديجة «من عرف شيئا من أحكامنا» الخ، فإنّ كون علمه حجّة للغير، و كون الغير مأمورا بالرضاء بما حكم به، موقوف على كونه حجّة لنفسه، و ذلك التوقّف ظهر من الإجماع المركّب، فإنّ كلّ من قال بحجّيّة علمه لغيره قال بها لنفسه.
و لا يخفى أنّ الرواية من الآحاد، و المسألة أصوليّة، و لكن ذكره من باب تأييد
سائر الأدلّة غير مضرّ.
أقول: و ليت شعري أنّ الموضع اللائق بذكر هذه الأدلّة هل هو هنا، أو المقدّمة الرابعة؟ فإنّ بعد تخصيص محلّ النزاع في هذا المقام بما وراء العلم، لا معنى لذكره في المسألة.
المقام الثالث: في أنّه لو حصل للمتجزّي بعد الاستفراغ الظنّ بالحكم، فهل عليه يجب عليه العمل بظنّه في هذا الحكم
، أو يجب عليه التقليد فيه، أو الاحتياط؛ كأن يحكم بالوجوب فيما دار الأمر بينه و بين غير الحرام، و بالحرمة فيما دار بينها و غير الوجوب، أو التخيير؟
سواء كان بدويّا أو استمراريّا، و سواء كان في المسألة الأصوليّة، أي في جواز عمله بظنّه، بأن يكون مخيّرا بين أن يجتهد في هذه المسألة الأصوليّة، و بين أن يقلّد فيها؛ أو في المسألة الفرعيّة، بأن يكون مخيّرا بين أن يعمله بظنّه فيما استنبطه، و بين أن يقلّد فيه؛ أو يفصل بين أن يكون ذلك المتجزّي في أوّل أمره عاميا، فيحكم بالتقليد للاستصحاب، و بين أن يكون في أوّل الأمر مجتهدا مطلقا، ثمّ صار بسبب صيرورته تاركا للتوطّن في القرى و ترك المباحثة و المراجعة متجزّيا، فيحكم بالعمل بالظنّ لاستصحاب حرمة التقليد، احتمالات ثمانية.
و بعد ما اثبتنا لزوم الاجتهاد في المسألة الأصوليّة في المقدّمة الثانية، ارتفع احتمالان و بقي ستّة احتمالات: العمل بالظنّ، و التقليد، و التخيير بينهما بدوا، و التخيير استمرارا، و الاحتياط، و التفصيل.
و لا يخفى أنّ ما ذكر من الاحتمالات إنّما هو بيان طرق الاجتهاد، بأن يجتهد المتجزّي في أنّ حكمه بعد تحصيل الظنّ أيّ هذا الاحتمالات، و إلّا فقد أثبتنا في المقدّمة أنّ هذه المسألة اجتهاديّ.
ثمّ لا يخفى أنّ هذا الاجتهاد يلزم على المتجزّي لا على المجتهد المطلق، فإنّه بالنسبة إلى ظنّه غير محتاج إلى هذا الاجتهاد، لكون العلم بالظنّ في حقّه متعيّنا، و بالنسبة
إلى ظنّ المتجزّي؛ فهذا الاجتهاد غير مثمر، لعدم جواز تقليد المتجزّي في هذه المسألة له، للزوم الدور.
إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ احتمال وجوب الاحتياط باطل لوجهين:
الأوّل: الإجماع على عدم الوجوب.
الثاني: لزوم العسر و الحرج، فإنّ المتجزّي بعد ما حصل له الظنّ بمسائل الطهارة مثلا، إن وجب عليه الاحتياط، فلزوم العسر و الحرج بيّن.
فإن قلت: لو حصل له الظنّ بمسألة واحدة مثلا، فوجوب الاحتياط فيها غير مستلزم للغير.
قلت أوّلا: ما تقول في المتجزّي الذي حصل له الظنّ في أكثر أبواب الفقه، فبعد عدم وجوب الاحتياط عليه للزوم العسر، نتعدّى إلى المثال الذي فرضت بالإجماع المركّب؛ فتأمّل.
و ثانيا: إنّ ما ذكرنا في الدليل الأوّل في المقام الأوّل، كان مشعرا بعدم جواز التجزّي في مسألة واحدة من كتاب واحد، لارتباط مسائل هذا الكتاب بعضها ببعض، فحصول الملكة في مسألة يتوقّف على حصول الملكة في سائر مسائل ذلك الباب؛ فتأمّل.
و احتمال التخيير أيضا باطل، لاشتراط بالتخيير بأمور: عدم إمكان الجمع، و عدم إمكان الطرح، و عدم وجود القدر المتيقّن، و عدم كون أحدهما راجحا.
أمّا فيما نحن فيه، فالجمع غير ممكن، لعدم إمكان العمل بحكم من حيث الاجتهاد و التقليد معا، لتنافي الحيثيّتين؛ و الطرح أيضا غير ممكن، لثبوت التكليف، و لا الاحتياط إلى لزوم العسر و الحرج؛ و القدر المتيقّن أيضا مفقود، لأنّه ليس واحدا من الطرفين إجماعيّا؛ و لكن الشرط الأخير و هو عدم كون أحدهما راجحا، منفيّ لما سنذكره؛ و بعد انتفاء الشرط ينتفي المشروط، و هو التخيير بكلا قسميه.
بقي ثلاثة احتمالات آخر، يمكن أن يقال: يجب عليه التقليد لوجوه:
الأوّل: مفهوم مقبولة عمرو بن حنظلة، قال(عليه السلام)فيها: انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا و نظر حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا، فارضوا به حكما، الخ.
فإنّ منطوقها إنّ من عرف جميع أحكامنا فارضوا به، فمن لم يعرف جميع الأحكام، بل عرف بعضه، فلا ترضوا به، فهذا المتجزّي عارف ببعض الأحكام، و من كان كذلك فظنّه ليس بحجّة، أمّا الصغرى فللفرض، و أمّا الكبرى فلمفهوم الرواية.
فإن قلت: الرواية من الآحاد و المسألة أصوليّة.
قلت: أمر المتجزّي دائر بين المحذورين: وجوب العمل بظنّه، و وجوب التقليد المستلزم لحرمته، و العقل القاطع حاكم باختيار أحد الطرفين فيما دار الأمر بين المحذورين، إذا وجد مرجّحا له، سواء كان المرجّح علميّا أو ظنّيّا، و سواء كان المسألة أصوليّة أو فروعيّة.
و الحاصل: أنّ الرواية تصير مرجّحا لوجوب تقليد المتجزّي، و لا يشترط في المرجّح في أمثال ما نحن فيه أن يكون علميّا، و ما اشترط كونه علميّا هو الدليل المثبت للمسائل الأصوليّة في غير ما دار الأمر فيه بين المحذورين.
و يمكن الجواب بوجوه:
الأوّل: أنّ المفهوم لا بدّ أن يكون موافقا للمنطوق في الكمّ، فإذا كان المنطوق موجبة كلّيّة فالمفهوم سالبة كلّيّة.
و بعبارة أخرى: المراد بالمفهوم ليس النقيض المنطقي، حتّى يكون المفهوم رفع الإيجاب الكلّي المتحقّق في ضمن السلب الجزئي، كما في قوله(عليه السلام): اغسل ثوبك عن ارواث ما لا يؤكل لحمه، فإنّ مفهومه: لا تغسل ثوبك عن أرواث كلّ ما يؤكل لحمه، فمفهوم الرواية: إنّ من لم يعرف شيئا من أحكامنا الخ، فلا يصدق على المتجزّي، لأنّ المفروض أنّه عارف ببعض الأحكام، فلا يتمّ الاستدلال.
الثاني: سلّمنا عدم اشتراط موافقة المفهوم للمنطوق في الكم، بل مفهوم الموجبة الكلّيّة السالبة الجزئيّة، و لكن نقول: غاية ما يستفاد من المفهوم حينئذ، أنّ من عرف بعض الأحكام فقط كالمتجزّي فلا ترضوا به حكما، و النهي عن الرضاء بحكومته لا يستلزم النهي عن عمله بظنّه، فأيّ عيب في أن يكون ظنّه حجّة على نفسه لا على غيره؛ و لا إجماع مركّب في البين، بأنّ كلّ من قال بحرمة عمل الغير بظنّه قال بحرمة عمله بظنّه، كما بعض من قال بحرمة الأوّل قال بجواز الثاني، كما سيأتي، كما أنّ الإجماع موجود في عكسه، فإنّ من قال بحرمة الثاني قال بحرمة الأوّل، و قد مرّ نظير ذلك في العلم عند التمسّك برواية أبي خديجة في المقام الثاني.
الثالث: سلّمنا الاستلزام و وجود الإجماع المركّب، و لكن نقول: لا يمكن إبقاء الرواية على ظاهرها، لأنّ قوله(عليه السلام)«من عرف أحكامنا» المتبادر من العرفان أن يكون ذلك الشخص عارفا فعليّا، بمعنى أن يعرف بالفعل ما يعرف لا بالقوّة.
و الأحكام جمع مضاف، و قد قرّر في محلّه أنّ الجمع المضاف حقيقة في العلوم، و على هذا يكون معنى الرواية: إنّ كلّ من عرف عرفانا فعليّا جميع أحكامنا، و من البيّن أنّ مجتهدا ليس كذلك إلّا الأئمّة(عليهم السلام)، و هم ليسوا مجتهدين، فإن أبقينا الرواية على ظاهرها يلزم أن لا يكون مصداق لها، و هو فاسد لاستلزامه اللغويّة، و بعد ما لم يمكن الحمل على الظاهر لا بدّ من الحمل على خلاف الظاهر، إمّا بحمل العارف على العارف بالقوّة و إبقاء الأحكام على ظاهره، فيكون مصداق الرواية منحصرا على المجتهد المطلق؛ و إمّا بحمل الأحكام على الجنس لا الاستغراق، و إبقاء العارف على ظاهره، حتّى يكون المتجزّي داخلا في مصداق الرواية كالمطلق، فإنّ المتجزّي بالفعل عارف بالحكم.
و نظير ما نحن فيه في حمل «الأحكام» على الجنس حملهم «الأحكام» في تعريف الفقه على الجنس بمعنى أنّ العالم بالأحكام معناه العالم بالحكم، و بعد دوران الأمر بين ارتكاب أحد المجازين، نقول: إنّ ارتكاب المجاز الثاني أرجح، لأنّه مستلزم لمجاز