إلى المجتهد المطلق؟
يحتمل أن يكون تكليفه الاحتياط، لأنّه القدر المتيقّن، و لأنّ دوران أمره بين المحذورين إنّما كان من مقدّماته بطلان الاحتياط، لإفضائه إلى العسر و الحرج، و فيما نحن فيه الاحتياط لا يفضى إلى العسر، لقلّة الموارد التي لم يتمكّن المجتهد فيها عن الظنّ بالحكم الواقعي.
لكن الحقّ: أنّه يعمل الأصول الفقاهتيّة من أصل البراءة إذا كان الشكّ في التكليف، و أصالة الاشتغال إذا كان الشكّ في المكلّف به، و الاستصحاب إذا كان الشكّ في البقاء، و أصل الحرمة إذا كان في اللحوم، و أصل الإباحة إذا كان في غيرها.
و بعبارة أخرى: يتعيّن عليه العمل بمقتضى ظنّه، سواء كان الظنّ بالحكم الواقعي كما قرّر في المقام السابق، و سواء كان بالظاهري، كما في هذا المقام، فإنّ المتجزّي بعد عدم تمكّنه من تحصيل الظنّ بالحكم الواقعي شاكّ فيه، و ظانّ بأنّ حكمه الظاهري البراءة مثلا، و يحرم عليه التقليد، و ذلك لوجوه:
الأوّل: ظهور عدم القول بالفصل بجواز العمل بالظنّ إذا كان بالحكم الواقعي، و بعدم جوازه إذا كان بالحكم الظاهري، فبعد ما ثبت جواز عمله بظنّه في الأوّل ثبت في الثاني.
الثاني: استصحاب وجوب العمل بالظنّ مطلقا، إذا صار المطلق متجزّيا، و قد ذكر سابقا أنّ هذا الاستصحاب معتضد بالشهرة، فهو حاكم على استصحاب وجوب التقليد إذا صار المقلّد متجزّيا.
الثالث: الدليل العقلي، و تقريره كما سبق، إلّا أنّ بطلان الاحتياط هنا إنّما هو للإجماع فقط، فنقول: بعد دوران أمره بين المحذورين، تقليد الغير في هذه المسألة و إعمال الأصل، لا يخلو إمّا أنّ ذلك الغير أيضا متوقّف من حيث الأدلّة الاجتهاديّة، أو مرجّح لأحد الطرفين، كما إذا تعارض الأدلّة الاجتهاديّة و صار المتجزّي متوقّفا
و المطلق مرجّحا.
و على الأوّل: غاية الأمر أن يصير المتجزّي مخيّرا بين أن يحكم بالبراءة مثلا، بالتقليد أو الاجتهاد؛ و بعد ما ثبت الجواز و لو بالتخيير، يتعيّن الاجتهاد، للإجماع المركّب.
و على الثاني: يدور الأمر بين أن يعمل بظنّه الظاهري أو يعمل بظنّ المطلق، الذي هو وهم عنده؛ و للزوم ترجيح المرجوح على الراجح، إن عمل بقول الغير يتعيّن العمل عليه بظنّه، مضافا إلى أنّ ذلك معتضد بإطلاق قول المشهور، فإنّ المشهور حكموا بجواز عمله بظنّه، و ذلك القول مطلق بالنسبة إلى الظنّ الواقعي و الظاهري، فظهر من ما وراء المقام الأوّل أنّ المتجزّي في العمل بعلمه و بظنّه مطلقا، مساو للمجتهد المطلق.
[المقام الخامس: في أنّ المتجزّي لو لم يحصل له الظنّ بالحكم الواقعي فهل له حينئذ العمل بالظنّ الظاهري أو التقليد]
المقام الخامس: في أنّ المتجزّي بعد ما بنى على الاجتهاد، فلو استفرغ وسعه و لم يحصل له الظنّ بالحكم الواقعي بل صار شاكّا؛ فهل له حينئذ العمل بالظنّ الظاهري من البراءة مثلا، أو التقليد؟
الحقّ: أنّه إن كان له قوّة تحصيل الظنّ الواقعي، و لكن عدم حصول الظن في مورد أو موردين إنّما من باب الاتّفاق، فله العمل بالظنّ الظاهري بالأدلّة السابقة؛ و إن لم يكن له تلك القوّة، بمعنى أنّه لا يقتدر إلّا على تحصيل الظاهري، و لا يقتدر على الترجيح أبدا في تعارض الأدلّة مثلا، فنقول أوّلا: تحقّق مثل هذا الشخص مستبعد جدّا، و على فرض تحقّقه فهو ليس من أفراد المجتهد، لما تقرّر في المطلب الخامس، فإنّ الاجتهاد و هو تحصيل الاعتقاد علما أو ظنّا، و ذلك لا يمكن له تحصيل الاعتقاد، فلا يصدق عليه أنّه مجتهد، و بعد ما لم يصدق عليه ذلك يتعيّن عليه التقليد، و الأدلّة السابقة غير جارية هنا، بل استصحاب التقليد هنا سليم عن التعارض، و ذلك بيّن.
[المقام السادس: في أنّه هل يجوز للغير العمل بقوله أم لا]
المقام السادس: في أنّه يجوز للغير العمل بقوله، أم لا؟.
و الحقّ: أنّ هذه المسألة من مسائل التقليد، و نحن الآن في صدد تنقيح الكلام في مبحث الاجتهاد؛ [و] لعدم خلوّها عن المناسبة لما نحن بصدده لا ضير في تحقيقها هنا، فنقول: لو علمنا بعدم وجود مفصّل بين عمله بمجتهده و عمل الغير به، يكفينا في هذا المقام الإجماع المركّب؛ و إن علمنا بوجود المفصّل، كأن تقول يجوز للغير، أو شككنا في وجوده، لا بدّ لنا من إقامة الدليل على ما صار مختارنا.
و ربما يقال: يستفاد من كلامهم، حيث يوجبون تقليد الأعلم، أنّهم يفصلون بين عمله و عمل الغير، فيحكمون بالجواز في الأوّل و عدمه في الثاني؛ و لكن ذلك سهو، لأنّ المتجزّي يمكن أن يكون أعلم فيما له قوّة الاجتهاد فيه من المطلق.
فإنّ الأعلم يحتمل أن يكون المراد به الذي فعليّة استنباطه أكثر، و أن يكون المراد به من يكون له القدرة الكاملة، بحيث يتمكّن من إيراد الأدلّة المتعدّدة على حكم؛ و الظاهر من الأعلم المعنى الثاني، و لأنّ من يحكم بوجوب تقليد الأعلم إنّما يكون ذلك الحكم على فرض وجود الأعلم؛ و أمّا إذا لم يكن أعلم، فالكلّ متّفقون على وجوب تقليد المجتهد المطلق، و لسنا الآن في صدد أنّ أمر المقلّد إذا دار بين تقليد المتجزّي و المطلق، يجب عليه تقليد أيّها؛ بل غرضنا أنّه هل يجوز بالذات تقليد المتجزّي لو فرضنا انحصار المجتهد فيه أيضا أم لا؟ فنقول: إنّ هنا صورا ثلاث:
الصورة الأولى: ما لو كان مجتهد مطلق و متجزّ، و المفروض تساويهما من جميع الوجوه إلّا في الإطلاق و التجزّي، و دار أمر المقلّد بين هذا و ذلك.
الصورة الثانية: ما لو دار أمره بين أن يقلّد المتجزّي الحيّ و أن يقلّد المطلق الميّت، مع فرض سبق تقليده له حال حياته.
و في هاتين الصورتين مقتضى الأصل لزوم تقليد المطلق؛ أمّا في صورة الأولى، ففيها أصلان:
أحدهما قاعدة الاشتغال، بيانها: أنّ تقليد المجتهد المطلق مبرئ للذمّة قطعا، و تقليد المتجزّي كونه مبرأ للذمّة مشكوك، و القطعي بالاشتغال يقتضي القطع
بالامتثال، فمقتضى هذا الأصل عدم جواز تقليد المتجزّي في هذه الصورة.
الثاني: أنّه يستفاد من الكتاب عمومات ثلاثة ناهية عن العمل بالتقليد:
أحدها: ما يستفاد من عمومإِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَ إِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَفإنّه ناه عن التقليد صريحا.
الثاني: ما يستفاد من قولهإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً.
الثالث: ما يستفاد من قولهوَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ.
فإنّهما ناهيان عن العمل لما وراء العلم، و التقليد عمل بما وراء العلم، فهما ناهيان عن التقليد ضمنا، فالأصل الأوّلي حرمة التقليد، خرج منه تقليد المجتهد المطلق بالإجماع، و بقي الباقي و هو تقليد المتجزّي تحته.
فإن قلت: قد وقع الإجماع على تقليد المجتهد، و المتجزّي أيضا مجتهد.
قلت: القدر المتيقّن من موضوع الإجماع هو تقليد المطلق، بمعنى أنّه ورد على العمومات تقييد و هو الإجماع، و لا ندري أنّه أخرج المطلق فقط أو مع المتجزّي؛ فنقول: الأصل عدم خروج تقليد المتجزّي من تحت الأصل و نتمسّك بالقدر المتيقّن، و أمّا في الصورة الثانية فالاستصحاب حاكم بالبقاء على تقليد المطلق.
فإن قلت: عدم جواز تقليد الميّت إجماعيّ.
قلت: الإجماع محقّق إذا تمكّن من المجتهد المطلق، و بعد عدم التمكّن يدور أمره بين تقليد أحد هذين المجتهدين، و الاستصحاب حاكم بالبقاء على التقليد.
الصورة الثالثة: ما لو دار الأمر بين تقليد المتجزّي الحيّ و تقليد الميّت المطلق بدوا، و الأمر حينئذ دائر بين المحذورين، و لا قدر متيقّن في البين، فإن كان الإطلاق مرجّحا لتقليد المطلق الميّت، لا يجوز تقليد الحيّ و إن لم يكن مرجّحا لوجود الحياة في الجانب الآخر، فلا أقلّ من التساوي؛ فحكمه حينئذ بمقتضى القاعدة، كونه مخيّرا في تقليد أيّهما شاء.
و لكن الحقّ: جواز تقليد المتجزّي في الصور الثلاث جميعا، لوجوه:
الأوّل: قوله تعالىفَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِالخ، و فيه نظر كما عرفت.
الثاني الاستصحاب، فإنّ المقلّد كان تقليد المطلق له جائزا، ثمّ بعد تنزّله عن الإطلاق إلى التجزّي، الأصل بقاء التقليد، و نتعدّى إلى سائر الصور بالإجماع المركّب؛ و الأصلان اللذان ادّعيتهما في الصورة الأولى، غير قابلين للمعارضة مع الاستصحاب، لكونه واردا عليهما؛ و الاستصحاب المدّعى في الصورة الثانية مغلوب بالنسبة إلى هذه الاستصحاب، لتعاضده بالمرجّحات.
فإن قلت: نفرض في المقلّد الذي صار متجزّيا، فإنّه ما دام مقلّد حرم تقليده و بعد صيرورته متجزّيا الأصل بقاء الحرمة، و نتعدّى بالإجماع المركّب.
قلت: ضميمتها التي هي الاستصحاب أقوى، لتعاضده بالشهرة المستفاد عن سكوتهم عن عنوان هذه المسألة، و هي جواز تقليد المتجزّي، و الرواية و الآية على فرض كون الذكر بمعنى العلم.
الثالث: إنّا نفرض الكلام فيما لو دار الأمر بين تقليد المطلق الميّت و تقليد المتجزّي الحيّ، مع كون ظنّ المقلّد في جانب المتجزّي، فحينئذ نقول: التكليف ثابت، و التكليف بالعلم باطل، و التكليف بالاحتياط أيضا باطل، و التكليف بالاجتهاد أيضا كذلك؛ فينحصر أمره في التقليد، فإن قلّد المطلق يلزم ترجيح المرجوح، لكون الظنّ على خلافه و للشهرة و للرواية، فإنّهما مرجّح لتقليد المتجزّي.
سلّمنا تساوي هذا المرجّح مع الإطلاق الذي هو في الجانب الآخر، فغاية الأمر كونه مخيّرا بين تقليد أيّهما شاء، و يثبت منه المطلوب و هو جواز تقليد المتجزّي بالذات، و نتعدّى إلى سائر الصور بالإجماع المركّب؛ فإنّ كلّ من قال بجواز تقليد المتجزّي بالذات في صورة، قال به في سائر الصور.
أقول: اغشاش هذا الدرس على الناقد البصير غير خفيّ؛ ربّ وفّق.
ثمّ أقول: مبنى أدلّة الأستاد على إثبات الشهرة و إثبات الإجماع المركّب كما لا يخفى، و لكن ثبوتهما ممنوعة؛ سند المنع: أنّ القوم لم يعنونوا مسألة جواز تقليد الغير
للمتجزّي أصلا، فضلا عن ذهاب المعظم إلى جواز التقليد، و فضلا عن الإجماع المركّب.
فإن قلت: سكوتهم عن هذا العنوان يدلّ على كون الجواز مشهورا.
قلت: السكوت كما يحتمل أن يدلّ على ذلك، كذلك يحتمل أن يدلّ على عدم الجواز.
فإن قلت: قد استدلّوا في مقام عمل المتجزّي بظنّه برواية أبي خديجة، و هي و إن دلّت بمنطوقها على جواز التحاكم إليه، لكنّها بالأولويّة دالّة على جواز تقليده، فالشهرة مستفادة من ظاهر هذا الاستدلال.
قلت: يحتمل أن يكون غرضهم من الاستدلال بالرواية إثبات أولويّة حجّيّة ظنّه لنفسه فقط بالنسبة إلى جواز التحاكم، و يكون جواز تقليد الغير غير ملتفت إليه، بل الظاهر أنّ غرضهم ذلك، و إلّا فما الداعي على ترك هذا العنوان مع استفادته من الرواية.
فإن قلت: الداعي ظهور ذلك.
قلت: بنائهم على عنوان القطعيّات بل الضروريّات، كحجّيّة علمه لنفسه؛ فإن كان الداعي الظهور، فلم يلاحظوا ذلك في القطعيّات.
و كيف ما كان، دعوى الشهرة في المقام في غاية الإشكال؛ و أمّا الإجماع المركّب فهو على ما فسّروه أن يختلف الأصحاب في مسألة على قولين، و تحقّق إجماعهم على نفي القول الثالث؛ و أمّا في المقام فالأصحاب ساكتون عن الاختلاف.
سلّمنا اختلافهم على قولين، أحدهما الجواز و الآخر عدمه؛ و سلّمنا أنّ من قال بالجواز لم يفصل بين الصور، و كذا من قال بالعدم؛ لكن غاية ما يستفاد من ذلك ظهور عدم القول بالفصل، و ذلك دليل ظنّي لا يمكن التمسّك به في المسائل الأصوليّة؛ فتحقّق الإجماع على نفي القول الثالث من أين؟
ثمّ لا يخفى أنّ الأستاد قال: مع قطع النظر عن الشهرة و الإجماع و الإجماع
المركّب، نثبت جواز تقليد المتجزّي بوجوه أربعة:
الأوّل: إنّا نفرض الكلام في المتجزّي المسبوق بالإطلاق، كالمجتهد المطلق الذي زال ملكته إلّا عن العبادات مثلا، و قد ثبت أنّه يجوز للمقلّد تقليده في العبادات بالاستصحاب؛ ثمّ نفرض أنّ ذلك المتجزّي مارس الفقه ثانيا إلى أن حصل له الملكة في الديات مثلا، لكنّه لم يصر مجتهدا مطلقا بعد؛ فحينئذ إن قلنا بعدم جواز تقليد الغير له في الديات، يلزم التبعّض في آراء مجتهد واحد، بالعمل ببعض الآراء كالعبادات و بعدم العمل ببعض آخر كالديات، و قد تحقّق الإجماع البسيط على عدم جواز التبعّض.
أقول: هذا الدليل مردود بوجوه:
أمّا أوّلا: فلأنّ هذا الكلام، أعني استصحاب جواز التقليد، لا يتمّ إلّا فيما فرض كون الرجل مجتهدا مطلقا في يوم الجمعة مثلا، و قائلا بوجوب الغسل و فرض عدم إتيان المقلّد بالغسل في حال إطلاقه؛ ثمّ فرض صيرورته متجزّيا بعد ساعتين؛ و وجه عدم تماميّة الكلام إلّا في هذا الفرض أنّه في غير هذا الفرض يصير الاستصحاب عرضيّا أو الشكّ ساريا، على ما تقرّر في المقام الثالث؛ و وقوع هذا الفرض مستبعد جدّا، بل محال عادة، سيّما إذا فرض صيرورته أعلى مرتبة.
و أمّا ثانيا: فنقول: سلّمنا وقوعه، لكن هذا الإجماع البسيط الذي ادّعيته على فرض تسليمه دليل لبّي مجمل، فنأخذ بالقدر المتيقّن و هو عدم جواز التبعّض في آراء المجتهد المطلق، و نمنع عن شموله لما نحن فيه.
و أمّا ثالثا: فسلّمنا الإجماع و الشمول، لكن نقول: غاية الأمر ثبوت جواز تقليد المتجزّي في هذا الفرض المخصوص، فما الدليل على جوازه مطلقا؟
فإن قلت: الإجماع المركّب.
قلت: هذا رجوع إلى ما قطعت النظر عنه.
فإن قلت: كان الغرض إثبات جوازه بالذات، و يحصل ذلك بوجود فرض
واحد.
قلت: أيّ فائدة في ذلك؟ بل الغرض إثبات الجواز مطلقا، كما لا يخفى؛ و القول بأنّ الغرض إثبات الجواز بالذات، لا يتفوه به إلّا من انفصم عروة تمسّكه على أنّا نقول: إنّ المقلّد يبعّض بالدليل الشرعي الذي هو الاستصحاب يجوز له العمل في حال تجزّي المجتهد بما كان مقلّدا فيه في حال الإطلاق بالاستصحاب، و لا يجوز له العمل بما اجتهد فيه ثانيا بالاستصحاب، أي استصحاب حرمة تقليده، فإنّه بعد صيرورته متجزّيا يحرم تقليد الغير له فيما ليس له ملكة فيه، لتساويه فيه مع العوام؛ و بعد حصول الملكة فيه في حال التجزّي يحكم الاستصحاب بحرمة التقليد في هذه الحالة أيضا.
قال سلّمه اللّه: الدليل الثاني: إنّا نفرض الكلام في المطلق الذي صار متجزّيا و بقي له ملكة وهميّة في مسألة، و كان في المقابل متجزّ حصل له الملكة الظنّيّة المتاخمة بالملكة العلميّة في هذه المسألة، فبعد اعترافك بجواز تقليد المتجزّي الأوّل، الأولويّة القطعيّة حاكمة بجواز تقليد المتجزّي الثاني.
فإن قلت: حكمي بجواز تقليد الأوّل إنّما كان للدليل الشرعي و هو الاستصحاب، و ليس مثله موجودا في الثاني.
قلت: ليس بنائنا في التقليد على التعبّد بل على الوصف، كما يقول به الفاضل القمي(رحمه اللّه)، و من البيّن أنّ الوصف في جانب الثاني.
أقول أوّلا: إنّ كون هذه الأولويّة قطعيّة ممنوع، فإنّ الظنّ و الوهم إنّما هو بالنسبة إلى المتجزّيّين، و أمّا المقلّد فيحتمل أن يكون كلا القولين موهوما أو مظنونا أو مشكوكا عنده، فلا أولويّة للمقلّد أصلا.
نعم، يمكن فرض الأولويّة فيما لو كان قول الأوّل مظنونا له و قول الثاني موهوما، لكن كون الأولويّة قطعيّة ممنوع، سلّمنا في هذه الصورة، لكن بأيّ شيء تتعدّى إلى سائر الصور.