بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 110

مضافاً إلى المناقشة في أصل الدعوى، فإنّ فقدان العدالة في جميع غير الإماميّين من الطوائف الإسلاميّة، سيّما غير المقصّرين منهم ممنوع.

ثمّ إنّ سيرة العقلاء قائمة على جواز الرجوع إلى فقيه غير إمامي؛ إذا أفتى بمذهب أهل البيت، و لم يصل من الشارع ردع عن هذه السيرة، بل الإطلاقات الواردة في الباب مثل الراوي لحديثهم، و العارف بأحكامهم، و مثل أهل الذكر، تعمّ الفقيه غير الإمامي، بل قد جاء في النصّ: أنّ عنوان أهل الذكر شامل لغير المسلم أيضاً من علماء أهل الكتاب، فهو عنوان عامّ شامل لكلّ من له معرفة بالحقّ و الدين و المذهب.

و ممّا يدلّ على جواز الرجوع إلى فقيه غير إمامي إجماع الطائفة على العمل بالأحاديث الموثّقة، و المقصود من الخبر الموثّق في اصطلاحهم أن يكون الراوي له عادلًا غير إمامي، فإذا كان قوله حجّة في حكاية ألفاظهم «فهو حجّة في حكاية معاني ألفاظهم؛ فإنّ العقل لا يرى ميزة في حكاية اللفظ دون المعنى، و العقلاء لا يرون فرقاً في حكاية اللفظ الشامل للحكم و بين حكاية نفس الحكم.

مضافاً إلى أنّ النقل بالمعنى في الأخبار الموثّقة ليس بقليل، و الشاهد موثّقات عمّار الساباطي، فلا بأس بدعوى دخول النقل بالمعنى في معقد الإجماع.

العدالة

من الأوصاف التي قالوا باعتبارها في المفتي العدالة؛ فلا يجوز تقليد الفاسق.

و تحقيق البحث فيها أنّ الإطلاقات الواردة في الباب حاكمة بعدم اعتبار هذا الوصف في المفتي زائداً على الوثوق باجتهاده، و على الوثوق بقوله. و سيرة العقلاء حاكمة بعدم اعتبار وصف العدالة في أهل الخبرة و التخصّص.

نعم، المعتبر عند العقلاء الوثوق بخبرويّة الخبير، و بعدم تعمّده الكذب إذا أخبر عن رأيه. فالواجب هو الفحص عن مقيّد للإطلاقات حتّى يكون رادعاً عن تنفيذ السيرة في المقام، فنقول: المقيّد: إمّا لفظي أو لبّي.

أمّا المقيّد اللفظي فهو عبارة عن العلل المنصوصة الواردة في باب الإرجاعات إلى‌


صفحه 111

فقهاء الصحابة، كقول الإمام الصادق(عليه السلام)في الإرجاع إلى الثقفي: «فإنّه سمع أبي، و كان عنده مرضيّاً وجيهاً»[1]و كقول الإمام العسكري(عليه السلام)في الإرجاع إلى العمرى و ابنه: «فإنّهما الثقتان المأمونان»[2]و مثلهما الوصف المذكور المصرّح به في قول الإمام الرضا(عليه السلام)في الإرجاع إلى زكريّا بن آدم: «المأمون على الدين و الدنيا»[3].

و تقريب الاستدلال بها: أنّ المرضي عند الإمام و الوجيه و الثقة و المأمون على الدين و الدنيا لا يكون إلا عدلًا، فهذا الوصف هو السبب للإرجاع، فالإرجاع يدور مداره.

و من المقيّد اللفظي مفهوم الشرط لقوله(عليه السلام): «أمّا من كان من العلماء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلّدوه»[4].

و يشهد للمفهوم المنطوق الوارد في ذيله بلسان التعليل: «لأنّ الفسقة يتحمّلون عنّا فيحرّفونه بأسره لجهلهم، و يضعون الأشياء على غير وجهها؛ لقلّة معرفتهم، و آخرون يتعمّدون الكذب علينا»[5].

فإن قلت: ظاهر قوله(عليه السلام): «فللعوامّ أنّ يقلّدوه» وجوب التقليد عن الموصوف بتلك الصفات، فيفيد مفهومه نفي وجوب التقيّد عن غير الموصوف بتلك الصفات، فلا يدلّ على المنع عن تقليده.

قلت: بل ظاهره جواز تقليده؛ لوقوع الجملة الشرطيّة عقيب النهي عن تقليد من ذكر قبلًا، فيفيد مفهومها عدم الجواز.

ثمّ إنّ بعضهم قد احتمل أن تكون أية «النبإ» مقيّداً لفظيّاً للإطلاقات؛ بناء على شمول «النبإ» للفتوى.

[1]وسائل الشيعة، ج 27، ص 144، الباب 11 من أبواب وجوب الرجوع في القضاء و الفتوى، ح 23.

[2]وسائل الشيعة، ج 27، ص 138، الباب 11 أبواب صفات القاضي، ح 4.

[3]وسائل الشيعة، ج 27، ص 146، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 27.

[4]وسائل الشيعة، ج 27، ص 91، الباب 8 من أبواب صفات القاضي، ح 50.

[5]الفصول في علم الأُصول، ج 2، ص 137 و 138.


صفحه 112

أقول: عدم شمول «النبإ» للفتوى غير مانع عن تقييد الإطلاقات بالآية؛ فإنّ تعليل الأمر بالتبيّن عن خبر الفاسق، و هو الإصابة بالجهالة في فتوى الفاسق موجود أيضاً، لكنّ الذي يصدّنا عن القول به أنّ المفروض في البحث تحقّق التبيّن، و حصول الوثوق بفتوى الفاسق.

و ذكر صاحب الفصول مقيّداً آخر هو:

أنّ الفاسق ظالم؛ لقوله تعالى: و الفاسقون هم الظالمون، و التعويل عليه في الفتوى ركون إليه و هو محرّم؛ لقوله تعالى‌وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا[1].

أقول: يرد عليه بالنقض: بجواز التعويل على خبر الفاسق الذي حصل التبيّن عنه، و بجواز التعويل على الخبر الضعيف الذي عمل به المشهور، و بجواز التعويل على الخبر الموثّق؛ فإنّ الظلم الاعتقادي فوق الظلم الجوارحي، و بجواز التعلّم عند الفاسق.

و بالحلّ: أنّ ظاهر الركون منصرف عن الركون العلمي بشهادة النصوص الواردة، كما أنّ المتبادر من الظلم هو الظلم الجوارحي. و تنزيل الفاسق منزلة الظالم في الآية الأُولى ليس في جميع الآثار. فتبيّن أنّ ما تقدّم من الأدلّة يصلح لتقييد الإطلاقات، و للمنع عن إجراء السيرة العقلائيّة في المقام.

و أمّا المقيّد اللبّي: فقد ادّعي الإجماع على اشتراط وصف العدالة في المفتي. قال السيد في المستمسك:

إنّ جواز تقليد الفاسق المأمون خلاف المتسالم عليه بين الأصحاب، و خلاف المرتكز في أذهان المتشرّعة، بل المرتكز عندهم قدح المعصية على نحو لا يجدي عندهم التوبة.[2]أقول: تعبّديّة الإجماع محلّ نظر؛ لاحتمال اعتماد المجمعين على ما ورد من المقيّدات اللفظيّة، و أمّا تسالم الأصحاب فلا حجّيّة له ما لم يصل إلى حدّ الإجمال،

[1]هود (11) الآية 113.

[2]المستمسك، ج 1، ص 42.


صفحه 113

مع أنّه قد ينشأ التسالم من الاحتياط بعدم الوثوق بمقدار البحث عن الأدلّة.

و أمّا المرتكز في أذهان المتشرّعة فلا عبرة به؛ لاحتمال كونه ناشئاً من تسالم المفتين فليس بوجه آخر، على أنّه قد يرتكز في أذهانهم ما ينشأ من الخلقيّات، و تشتبه عليهم الخلقيات، و العادات بسنن الشرع، و يشهد لذلك ما ذكره من عدم إجداء التوبة و الندم عندهم، مع كونه خلاف صريح للقران، و الضرورة من الدين.

و قال بعض الأساطين:

إنّ دعوى القطع بأنّ الشارع لا يرضى بأن يكون زمام أُمور الدين بيد من هو خارج عن جادّة الشرع بارتكابه المعاصي دعوى صحيحة؛ فإنّ منصب الإفتاء منصب رفيع دون منصب الإمامة، فكيف يمكن أن يتصدّاه من هو في مقام التمرّد و الطغيان على الله؟[1].

طهارة المولد

و من الأوصاف التي قالوا باعتبارها في المفتي طهارة المولد.

قال السيد في المستمسك:

طهارة المولد داخلة في الإيمان، بناء على كفر المتولّد من الزنى. و أمّا بناء على خلافه فلا دليل على اعتبارها غير الأصل المحكوم ببناء العقلاء. نعم، عن الروضة دعوى الإجماع عليه فهو المعتمد.[2]أقول: لم أعثر على القول بالكفر الظاهري للمتولّد من الزنى، بل و على ما يدلّ على ذلك من النصّ، و على فرض تسليم ثبوته فهي داخلة في اعتبار الإسلام لا الإيمان.

و أمّا الإجماع فثبوته محلّ تأمّل؛ لعدم العلم بكون المسألة مبحوثاً عنها عند القدماء.

و قال بعض الأساطين:

إنّ الصحيح في الاستدلال على اشتراط طهارة المولد في المفتي فحوى ما دلّ على اعتبارها في إمام الجماعة، و على عدم قبول شهادة ولد الزنى؛ فإنّ منصب الإفتاء أهمّ‌

[1]دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 124.

[2]المستمسك، ج 1، ص 45.


صفحه 114

من الإمامة للجماعة و شهادة الشاهد.[1]أقول: يلزم من هذا الكلام أن لا يكون المفتي أغلف و لا محدوداً؛ لاشتراطهما في إمام الجماعة. و أن يكون أصبح وجهاً من المفتين عند تعدّدهم و مساواتهم في الفضل و اختلافهم في الفتيا.

فالتحقيق: أنّ قياس من يكون رأيه قدوة إلى من تكون صلاته قدوة قياس مع الفارق، و الحكم بالأولويّة ممنوع؛ للفرق الواضح بين الفعل العبادي الخارجي و بين الفعل القلبي غير العبادي.

نعم، لو قام دليل شرعي على اتّحاد المفتي، و إمام الجماعة في الأوصاف لكان لما ذكره دام ظلّه وجه.

و أمّا فحوى اعتبار طيب المولد في الشاهد فلازمها اعتباره في الراوي؛ فإنّه يخبر عن كلام الإمام، و لازمها عدم حجّيّة قول المفتي في غير ما قطع به؛ إذا المعتبر في الشاهد هو الشهادة عن علم، و لا تسمع شهادته فيما ظنّ به.

و التحقيق: أنّ إسراء أحكام باب القضاء إلى باب الإفتاء محتاج إلى دليل من الشرع؛ لاحتمال احتياج باب القضاء إلى قيود، و اعتبارات أكثر، كما مرّ. و الذي يهوّن الخطب عدم وجود ثمرة عمليّة لهذا البحث؛ لإجراء أصالة الصحّة في نكاح والديه؛ و عدم إمكان حصول العلم عادة بصدور الزنى منهما.

عدم الإقبال على الدنيا

قال السيّد في العروة: «و من أوصاف المفتي أن لا يكون مقبلًا على الدنيا، و طالباً لها، و مكبّاً عليها، و مجدّاً في تحصيلها»[2]. احتجّ لذلك بقوله(عليه السلام): «من كان من العلماء صائناً لنفسه»[3]الحديث.

[1]دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 132.

[2]العروة الوثقى، ج 1، ص 10 المسألة 22.

[3]وسائل الشيعة، ج 27، ص 91، الباب 8 من أبواب صفات القاضي، ح 50.


صفحه 115

أقول: لعلّ محطّ نظره(قده)في الاحتجاج قوله(عليه السلام): «مخالفاً لهواه» و إلا فبقيّة الجمل أجنبيّة عن مدّعاه.

و يرد عليه: أنّ الجملات الأربع في الخبر بمعنى واحد، و كلّ واحدة من اللاحقة مفسّرة للسابقة؛ لكونها عطفاً تفسيرياً لها، مع أنّ الإقبال على الدنيا يجتمع مع الاجتناب عن المحرّم الذي هو المخالفة للهوى، فالرواية لا تدلّ على أكثر من اعتبار العدالة.

الضبط

و من الأوصاف التي ذكرت في الفصول: «أن يكون المفتي ضابطاً، فلا عبرة بفتوى من يكثر السهو عليه، إلا مع الأمن منه فيما يرجع إليه» قال: «و وجهه واضح ممّا مرّ في خبر الواحد»[1].

و جعل(قده)في ذلك الباب الضبط وصفاً سادساً للراوي، و قال:

إنّ من لا ضبط له لا وثوق بخبره؛ لاحتمال الزيادة في روايته، و النقصان؛ و التغيير احتمالًا مساوياً لعدمها أو قريباً منه، فلا يبقى تعويل على خبره‌[2].

أقول: إن أراد من الضبط ما يتوقّف عليه الاجتهاد و الوثوق بقوله فذلك ممّا لا ريب فيه، لكنّ الكلام ليس فيما يتوقّف عليه الاجتهاد، و إلا يجب أن يعتبر في المفتي الفهم و نحوه. فالبحث عن الأوصاف المعتبرة في المفتي إنّما يكون بعد الفراغ من صحّة اجتهاده و من الوثوق بقوله.

و إن أراد من الضبط زائداً على ما يتوقّف عليه الاجتهاد، كما هو ظاهر سرده في أوصاف المفتي فما ادّعاه من الدليل غير دالّ. و الإطلاقات و السيرة حاكمة بعدم اعتباره.

الاجتهاد المطلق‌

و من الأوصاف التي صرّحوا باعتبارها في المفتي كونه مجتهداً مطلقاً، فلا يجوز

[1]الفصول في علم الأُصول، ج 2، ص 138.

[2]الفصول في علم الأُصول، ج 2، ص 138.


صفحه 116

تقليد المتجزّي في الاجتهاد، لكنّك قد عرفت عند البحث عن الاجتهاد جواز التقليد عن المتجزّئ؛ فإنّ إطلاقات الباب شاملة له، و السيرة العقلائيّة حاكمة بجواز تقليده.

و نزيدك هنا دليلًا و هو مفهوم ما دلّ على عدم جواز الفتوى بغير علم، و مفهوم ما دلّ على عدم جواز الفتوى بالرأي، أو بالقياس، أو بالاستحسان؛ فإنّ هذه المفهومات حاكمة بجواز الفتوى عن علم، و جواز الفتوى بغير الرأي، و القياس، و الاستحسان. و هو الذي لا يخرج عن نطاق الكتاب و السنة، و من المعلوم أنّ فتوى عن العلم، و غير خارج عن نطاق الكتاب و السنّة جائزة بحكم هذه المفاهيم. و لا يخفى أنّ جواز الإفتاء ملازم لجواز الاستفتاء.

هذا كلّه بناء على القول بتحقّق الإطلاق كما هو التحقيق، و إلا بناء على القول بعدمه فاستفادة الجواز منها صعب. اللهمّ إلا أن يقال بأنّها تدلّ على إمضاء سيرتهم الشرعيّة في اجتهاداتهم من الكتاب و السنّة، و الردع عن سيرتهم في اجتهاداتهم بالرأي، أو بالقياس، أو بالاستحسان.

طرؤ النسيان على المفتي‌

إذا طرأ النسيان على المفتي لكبر أو مرض فهل يجوز تقليده أم لا؟ أم هل يجوز البقاء على تقليده؟ السيرة العقلائيّة حاكمة بجواز التقليد عنه مطلقاً، سواء أ كان التقليد عنه ابتدائيّاً أم بقائيّاً، كما أنّ الاستصحاب حاكم بذلك أيضاً.

و قال بعض الأساطين ب:

عدم الجواز؛ لظهور الأدلّة اللفظيّة في أنّ المرجع هو الفقيه لا رأيه، و لا يصدق الفقيه و العالم على الناسي؛ فلا اعتبار برأيه السابق قبل طروء النسيان عليه‌[1].

أقول أوّلًا: هذا الكلام مناف لقوله بجواز البقاء على تقليد الميّت و وجوبه.

و ثانياً: أنّ ظهور الأدلّة في كون المرجع هو الفقيه لا رأيه لا يوجب ظهورها في‌

[1]دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 169.


صفحه 117

كون الفقيه حائزاً لجميع شرائط الإفتاء عند عمل المستفتي بفتواه؛ و إلا يجب أن يصدق على العامل بفتواه حال طروء النسيان عليه أنّه رجع إلى عامّي، و فساده واضح.

و ثالثاً: أنّ الظاهر من الإرجاع إلى الفقيه هو الإرجاع إلى فقهه و أخذ رأيه، لا الإرجاع إلى شخصه الموصوف بالفقاهة.

و بيان ذلك: أنّ الظهور العرفي للمشتقّات على نحوين:

فقد يطلق المشتقّ و يقصد منه تعريف الموصوف، فيكون له ظهور في التلبّس في الحال كقولك: «أرسل حكيماً، أو جاءني طبيب، أو يزورك عالم».

و قد يطلق و يقصد منه تعريف نفس الصفة، و إنّما جي‌ء بالمشتقّ؛ لقيام الوصف به، كقولك: «اتّبع حكيماً، أو ارجع إلى طبيب، أو أقتد بعالم» فيكون له ظهور في التلبّس في الجملة، و يتناول الظهور لمن انقضى عنه البدء؛ إذ المقصود في مثل هذا الإطلاق اتّباع حكمة الحكيم، و الرجوع إلى طبّ الطبيب، و الاقتداء بعلم العالم.

فإذا اتّبع حكيماً طرأ عليه الجنون حال الاتّباع يصدق عليه أنّه اتّبع حكيماً، أو إذا عمل بإرشاد طبيب حال نسيانه الطبّ، يصدق عليه أنّه رجع إلى الطبيب، و كذلك الحال في صدق الاقتداء بعالم عند نسيانه علمه.