تقدّم الاستصحاب التعليقي على الفعلي.
و أورد في الكفاية على الاستصحاب ب:
عدم بقاء الموضوع له عرفاً من جهة عدم بقاء الرأي مع الموت؛ فإنّ الرأي متقوّم بالحياة عند العرف و إن لم يكن كذلك واقعاً.
ثمّ قال:
و بقاء الرأي لا بدّ منه؛ لعدم جواز التقليد فيما إذا تبدّل الرأي، أو ارتفع؛ لمرض أو هرم إجماعاً.[1]أقول: هذا الكلام متّخذ من كلام الوحيد، أو صاحب الفصول، و قد مرّ، و مرّت المناقشة فيه فراجع[2].
و نزيدك هنا؛ أنّ المقصود من بقاء الرأي إن كان بقاء وجوده الذهني العارض لنفس المفتي فيجب العمل به عند تبدّل الرأي أيضاً؛ لبقاء وجود الرأي الأوّل في نفس المفتي عند كشف خطئه عليه.
و إن كان المقصود بقاء وجوده في عالم الاعتبار فهو باق و لا ينعدم بوفاة صاحبه، و انتفاؤه عن عالم الاعتبار إنّما يكون بإثبات فساده.
و أمّا المرض، أو الهرم، أو الموت فلا يوجب خروج الرأي عن عالم الاعتبار، و لا يوجب زواله عن النفس و إن كان صاحبه قد يذهل عنه.
ثمّ إنّ ما ادّعاه من الإجماع على عدم جواز التقليد عند حدوث مرض، أو هرم غير ثابت، و عليه إثباته؛ إذ لم نعثر على التصريح بهذا الإجماع في العدّة، و لا في الذريعة، و لا في الغنية، و لا في المعارج، بل لم أعثر على هذا البحث في كتب القدماء، و لم أعثر على حكاية بحثهم عنه؛ فإنّ الإجماع متوقّف على تذكّرهم للمسألة، ثمّ نقله فيها.
[1]كفاية الأُصول، ج 2، ص 441.
[2]مرّ تخريجه في ص 131.
و لو كان الإجماع قائماً على ذلك لكانوا مصرّحين به في كتبهم، مع أنّ المسألة للعقل فيها سبيل، فكيف يدّعى فيها الإجماع التعبّدي.
و أورد بعض الأساطين على الاستصحاب بتبدّل الموضوع فيه ببيان آخر و هو:
أنّ المقلّد هو الفقيه الناظر في الحلال و الحرام، و العارف بالأحكام، و لا تصدق هذه العناوين على الميّت، فإنّه غير موصوف بها، فلا تتّحد القضيّة المتيقّنة و المشكوك فيها.[1]و فيه أوّلًا: أنّ تقليد الميّت هو التقليد عنه في زمان حياته لا في زمان وفاته، فالتقليد عن الميّت إنّما يكون تقليداً عن الحي الموصوف بتلك الصفات، و ليس بتقليد للميّت حقيقة و إن يطلق عليه ذلك بحسب اللفظ و التوهّم.
و ذلك هو الذي أوقعهم في اللبس، فمن يقلّد المرجع الذي توفّي فهو لا يقلّده ميّتاً، بل هو مقلّد للحي الموجود في ذلك الزمان، إذن قد تغيّر عنوان البحث عن اشتراط الحياة في المفتي إلى اشتراط بقاء حياته حال الرجوع إليه، و العمل بفتاه.
فظهر أنّ الموضوع للاستصحاب هو الحي، و لا مانع من هذا لاستصحاب؛ لاتّحاد القضيّة المتيقّنة، و المشكوك فيها؛ لرجوع الشكّ في جواز تقليد الميّت إلى الشكّ في أنّ الحياة هل هي معتبرة في المفتي بقاء، كما كانت معتبرة عند الاستنباط، و حال الاجتهاد أم لا؟ فالموضوع لم يتغيّر، و لم يتبدّل حقيقة و لا عرفاً.
و ثانياً: أنّ التقليد هو العمل بقول الفقيه الموصوف بتلك الصفات، و موت القائل لا يغيّر القول عمّا هو عليه، و لا يبدّله إلى قول غير الموصوف بها حتّى يتبدّل موضوع الاستصحاب.
و أورد دام ظلّه على الاستصحاب أيضاً بما اختاره من عدم جريانه في الشبهات الحكميّة الكلّيّة؛ لمعارضته دائماً باستصحاب عدم الجعل. ثمّ قال:
بيان هذا الإجمال: هو أنّ الشكّ في بقاء المتيقّن في الشبهة الحكميّة يلازمه الشكّ في سعة الجعل و ضيقه باعتبار عموم المجعول و خصوصه، فاستصحاب المجعول إلى ظرف
[1]دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 50.
الشكّ يعارضه استصحاب عدم الجعل في غير المقدار المتيقّن جعله، كما في مسألة استصحاب نجاسة الماء المتغيّر بالنجاسة إذا زال تغيّره بنفسه؛ فإنّ استصحاب نجاسته بعد زوال تغيّره من قبل نفسه يعارضه استصحاب عدم جعل النجاسة للماء أزلًا في الفرض المزبور، و في المقام القدر المتيقّن إنّما هو جعل الحجّيّة لفتوى المجتهد حال حياته، و أمّا جعل الحجّيّة لفتواه بعد موته فهو مشكوك فيه، فيرجع إلى أصالة عدمه، و يعارض بها استصحاب الحجّيّة الثابتة حال حياته.[1]أقول: لازم هذا الكلام القول بعدم جريان استصحاب حكم المخصّص في جميع الصور، و بعدم جريان بعض أحكام الشرائع السابقة، و بعدم جريانه في الشكّ في المقتضي، و بعدم جريانه في الشكّ في رافعيّة الموجود، و بعدم جريانه في اليوم الذي شكّ فيه أنّه من رمضان أو من شوّال، مع أنّ النصّ يدلّ عليها.
ثمّ إنّ كلامه دام ظلّه يشبه أن يكون مأخوذاً ممّا حكي عن الفاضل النراقي من أنّ استصحاب وجوب الجلوس بعد الزوال معارض باستصحاب عدم إيجاب الشارع الجلوس بالنسبة إلى ما بعد الزوال.
قد أُجيب عنه: بأنّ أصالة بقاء نفي الحكم الكلّي إنّما يكون فيما لم يحصل الانتقاض بالوجود في الجملة، فإذا حصل الانتقاض في الجملة، كإيجاب الجلوس إلى الزوال، و لم يكن قبل الزوال، و بعد الزوال قيداً مفرداً للموضوع فلا مجرى لذلك الأصل.
نظرة إلى استصحاب العدم أزلًا
إنّ تحقيق البحث يقتضي عدم جريان الاستصحاب في العدم الأزلي، فإنّ موضوع الاستصحاب يجب أن يؤخذ من العرف لأمن العقل، و لا موضوع لهذا الاستصحاب عرفاً؛ فإنّ الموضوع الذي يتصوّر له أمر عقلي مغفول عنه عند العرف.
و بيان ذلك: أنّ العرف لا يرى مصداقاً لعدم وصف إلا بعد وجود ما يصلح
[1]دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 51.
لأن يوصف به.
و أمّا عند عدم وجود الموصوف به فلا يرى تحقّقاً لعدم الوصف؛ إذ الذي يراه العرف هو نفس عدم الموصوف فقط، و هو غافل حينئذ عن عدم أوصافه، مثلًا: العرف لا يرى للجهل تحقّقاً إلا بعد وجود الجاهل.
و أمّا عند عدم وجود الإنسان الفاقد للعلم فلا يرى للجهل تحقّقاً أصلًا، و هكذا الحال فيما شابه الجهل من الصفات العدميّة، كالفقر و الأُمّيّة و الجبن، و نحو ذلك؛ فإنّ عدم الموصوف يصحّ أن يكون مصداقاً لعدم الوصف، لكن بالدقّة العقليّة، فإنّه لا ميز في الإعدام.
و أمّا عند العرف فالوصف و عدمه منتفيان عند فقدان الموصوف، و عدم الموصوف عند العرف مصداق لنفسه فقط، و ليس بمصداق لنفسه، و لعدم وصفه، و يشهد لذلك أنّ المتبادر العرفي من القضيّة السالبة هو نفي المحمول بسبب انتفاء الموضوع، و لذا لو أريد من السالبة نفي الموضوع لاحتاج إلى ذكر القرينة.
و لعلّ السر في ذلك: أنّ تقابل الأوصاف و أعدامها عند العرف من قبيل تقابل العدم و الملكة، فالعرف يرى أنّ شرط اتّصاف وصف بالوجود و العدم هو وجود موصوفه، فإذا لم يكن له موصوف في عالم الوجود فلا يرى له عدماً، كما لا يرى له وجوداً.
إذا عرفت ذلك فاصغ لما نتلو عليك: و هو أنّ استصحاب العدم الأزلي ليس له موضوع في الحالة السابقة عند العرف، فلا مجال لجرّها، و إبقائها إلى زمان الشكّ، فإنّ جرّ شيء من الزمان الأوّل إلى الزمان الثاني موقوف على وجوده في الزمان الأوّل.
و قد ثبت في أُصول الفقه أنّ إحراز الموضوع من مقوّمات الاستصحاب بحيث لو شكّ في تحقّق موضوع لما كان سبيل إلى استصحابه، فكيف بصورة العلم بعدم الموضوع، فاليقين السابق منتف في استصحاب العدم الأزلي.
و لا يخفى أنّ لازم ما اختاره دام ظلّه من عدم جريان الاستصحاب في الشبهة الحكميّة أن لا يقول بجواز البقاء على تقليد الميّت إلا بوجود دليل اجتهادي يدلّ بالصراحة على جواز البقاء.
و يرد عليه دام ظلّه أنّ لازم هذا القول حرمة البقاء على تقليد الميّت مطلقاً، مع أنّه يقول بوجوب البقاء عند أعلميّة الميّت؛ اعتماداً على سيرة العقلاء، و سيجيء منّا الكلام في أنّ سيرة العقلاء غير قائمة على الرجوع إلى الأعلم حتّى في صورة العلم التفصيلي بمخالفة رأيه مع رأي غيره.
البقاء على تقليد الميّت
إنّ البحث عن جواز البقاء على تقليد الميّت و عدمه موقوف على القول بعدم جواز التقليد الابتدائي عن الميّت، كما هو المشهور بين أصحابنا المتأخّرين، و موقوف على إمكان رجوع العامّي إلى المجتهد الحي، و موقوف على فرض اختلاف الحي و الميّت في الفتيا في المسائل التي تعمّ بها البلوى، فلو فقد أحد الأُمور الثلاثة لجاز البقاء على تقليد الميّت بلا إشكال.
ما احتجّ به على عدم الجواز
الأوّل: ما ذكره في الكفاية
بأنّه:
إذا لم يجز البقاء على التقليد بعد زوال الرأي بسبب الهرم، أو المرض إجماعاً لم يجز في حال الموت بنحو أولى قطعاً.[1]أقول: يرد عليه أوّلًا: ما عرفت من عدم ثبوت الإجماع على عدم جواز البقاء عند عروض الهرم أو المرض، و على فرض الثبوت فكون الإجماع تعبّديّاً غير معلوم؛ لاحتمال أن يكون ذلك من جهة اعتبارهم بقاء الرأي في جواز العمل به، فزعموا زوال الرأي بسبب الهرم أو المرض. و قد أشبعنا الكلام في إبطال هذا الزعم، فراجع.
[1]كفاية الأُصول، ج 2، ص 445.
و ثانياً: أنّ زوال الرأي بسبب عروض الهرم، أو المرض غير صحيح مثل زواله بسبب عروض الموت، و قد عرفت عدم زوال الرأي بسبب الموت عرفاً و عقلًا.
و ثالثاً: أنّ الأولويّة القطعيّة ممنوعة؛ إذ المرجعيّة عند الإماميّة ملازمة للزعامة العامّة، و الهرم أو المريض لا يصلح للزعامة الدينيّة العامّة، فإنّ زعامتهما مضرّة بالإسلام و المسلمين، و من المحتمل أن يكون إجماعهم على عدم الجواز من هذه الجهة، لا بسبب زال الرأي، و لمّا كانت الزعامة مستحيلة للميّت فلا مجال لدعوى الأولويّة أصلًا.
الثاني: أنّ التقليد لا يفيد معرفة الحكم، بل يفيد جواز العمل
، فيكون التقليد في كلّ واقعة ابتدائيّاً.
و فيه أوّلًا: أنّ التقليد قد يفيد معرفة الحكم، كما إذا أصاب المرجع في اجتهاده، فالكلّيّة المدّعاة ممنوعة.
و ثانياً: أنّ لفظي الابتداء و البقاء غير واقعين في لسان الدليل حتّى يبحث عن صدق مفهوميهما، فالمعتمد ما قام عليه الدليل.
فإن كان الدليل الدالّ على عدم جواز تقليد الميّت لفظيّاً بحيث يمكن التمسّك بإطلاقه كان لهذا الكلام وقع في الجملة، و قد عرفت عدم وجود دليل لفظي هناك. و إنّ المعوّل عند من لم يجوّز تقليد الميّت إمّا الإجماع، أو عدم دلالة الأدلّة اللفظيّة للتقليد.
ثمّ إنّ المتيقّن من الإجماع على فرض تسليم ثبوته الصورة التي لم يتحقّق سبق تقليد فيها من الحي الذي توفّي بأي معنى من معاني التقليد، فيبقى غيرها تحت أدلّة الجواز. و هذا البيان من إفادات سيّدي الوالد(قده).
ما احتجّ به للقول بالجواز
الأوّل: أنّه لا ريب في أنّ المخاطب بأدلّة وجوب التقليد هو العامّي
الذي لم يرجع إلى مفت، فشمول خطاباتها للعامّي الذي رجع إليه، و بقي على تقليده بعد وفاته
موقوف على صيرورة تقليده البقائي كلا تقليد، و ذلك حكم محتاج إلى دليل، و هو مفقود في المقام.
و إذا شكّ في مثل هذا التقليد فلا تشمله تلك الأدلّة؛ لكون الشبهة مصداقيّة، و حينئذ، إمّا يجب عليه البقاء، أو يجب عليه العدول، أو هو مخيّر بينهما. و لكنّه لا دليل اجتهاديّاً على الأوّل، و الاستصحاب غير جار في جميع الصور، و جريانه في بعض الصور غير مفيد للكلّ، كما لا دليل على الثاني، فتعيّن الثالث بحكم العقل؛ لأنّه يرى البقاء تقليداً.
أقول: للعقل أن يحكم بطريق رابع و هو الاحتياط بالجمع بين القولين: الحي و الميّت.
الثاني: سيرة العقلاء
، فإنّها مستقرّة على البقاء في العمل بإرشادات المتخصّصين و الخبراء، و على عدم رفع اليد عن العمل بإرشاداتهم بسبب حدوث الموت لهم.
و من المعلوم: أنّه لم يصل من الشارع ردع عن اتّباع هذه السيرة في الأُمور الشرعيّة، و يكشف ذلك عن رضاه بتنفيذها فيما يتعلّق به.
الثالث: سيرة المتشرّعة في زمان الحضور
. فإنّه لم يظهر عدولهم عن تقليد الفقيه الذي رجعوا إليه بإرشاد من المعصوم(عليه السلام)بسبب موت ذلك الفقيه، فلو كان العدول عنه بعد وفاته واجباً في الشرع لبان؛ كما بأن أصل تقليدهم عن فقهاء الأصحاب.
و أورد في الكفاية على الاستدلال بهذه السيرة ب:
منع كونها في التقليد الفتوائي من أجل أنّهم كانوا يأخذون الأحكام ممّن ينقلها عنهم «بلا واسطة، أو معها من دون دخل رأي الناقل فيه و هو ليس بتقليد، و لم يعلم حتّى الان حال من تعبّد بقول غيره ورائه أنّه كان قد رجع، أو لم يرجع بعد موته.[1]و فيه أوّلًا: أنّ لازم هذا الكلام أنّ جميع المتشرّعة في ذلك العصر كانوا مجتهدين،
[1]كفاية الأُصول، ج 2، ص 446.