و من المعلوم أنّهم لم يكونوا عاملين بالاحتياط قطعاً، و لا أظنّه(قده)يلتزم بذلك.
و إذا ثبت وجود عامّي متشرّع في ذلك العصر كما هو ثابت بضرورة من العقل ثبت جواز البقاء على تقليد الميّت؛ إذ لو كان البقاء محرّماً لكان ذلك أمراً معروفاً بينهم، فكانوا يسألون الإمام عمّا يصنعون بعد وفاة مرجعهم، أو كان الإمام(عليه السلام)يرشدهم ابتداء إلى حلّ هذه المشكلة التي تأتيهم مراراً و مستمراً.
و ثانياً: أنّ الفروع التي يبتلى بها الناس لا تحصى، فإذا سال العامّي راوياً عن حكم مسألة فجوابه عنه بذكر نصّ اجتهاد من الراوي، فإنّه تطبيق الحكم الكلّي على مصداقه، فكأنّ الاجتهاد عنده(قده)منحصر في استخراج حكم المسائل الصعبة العويصة، و الحال أنّ نقل كلام المعصوم بالمعنى اجتهاد من الناقل؛ لأنّه ينقل بحسب فهمه ورائه.
و قد مرّ أنّ الاجتهاد في ذلك العصر لم يكن بصعوبة الاجتهاد في عصرنا، و إن شئت تفصيل ذلك فاصغ لما نتلو عليك:
إنّ سيرة المتشرّعة في ذلك العصر كانت جارية على أمرين: أحدهما: على أخذ الحديث من الصحابي و المشايخ. ثانيهما: على أخذ الفتوى منهم؛ بدليل أمرهم «فضلاء صحابتهم بالإفتاء، كما مرّ في صدر البحث؛ و بدليل قوله(عليه السلام): «خذوا ما رووا، و ذروا ما رأوا». فالتلميذ كان يأخذ من الشيخ الحديث، و العامّي كان يأخذ من الفقيه الحكم، و قد يجتمع الوصفان في كلا الطرفين، فقد يكون التلميذ عامّيّاً، و قد يكون العامّي تلميذاً، كما يكون مشايخ الحديث فقهاء، و الفقهاء مشايخ للحديث.
ثمّ إنّ قوله(قده): «و لم يعلم حتّى الان حال من تعبّد بقول غيره ورائه» إلخ لا يخلو من خفاء، فإنّ عدم العلم في هذا الباب دليل على العلم بالعدم؛ إذ لو كان لبان؛ لأنّ ذلك دليل على عدم رجوعهم إلى الحي بعد وفاة مرجعهم، فلو كانت سيرتهم على العدول إلى الحي لظهرت و بانت.
الرابع: أنّ حرمة البقاء على تقليد الميّت لو كان ثابتاً في الشرع لبان و ظهر
، و ذلك
بصدور إرشادات من المعصومين(عليهما السلام).
و عدم وصول نهي إلينا منهم(عليهما السلام)في هذا الباب دليل على عدم صدوره، إمّا ابتداء أو جواباً عن سؤال السائل؛ فإنّ المسألة كانت كثيرة الابتلاء بين الناس كما وصل إلينا صدور الذمّ عنهم(عليه السلام)عن تقليد علماء السوء، وصل إلينا نهيهم(عليه السلام)عن الفتوى بالقياس، و الاستحسان، فإنّ البقاء لو كان محرّماً لكان من هذا القبيل ثمّ إنّ التقليد البقائي لو لم يكن أكثر ابتلاء من تقليد علماء السوء، أو من يفتي بالقياس لم يكن أقلّ ابتلاء منه، و الحال أنّ الباحث لا يجد للنهي عن التقليد البقائي في النصوص الواردة عن أهل بيت النبي الكريم(صلّى اللّه عليه و آله)، عيناً و لا أثراً.
أضف إلى ذلك: أنّه لم يرد في إرجاعات المعصومين(عليه السلام)إلى أشخاص فقهاء صحابتهم فرض وفاة من أرجع إليه الإرجاع إلى الحي، و قد صنع ذلك نبيّنا الكريم(صلّى اللّه عليه و آله)في جهاد مؤتة عند بعثه الجيش إليه، فقال: «إن قتل جعفر و هو القائد الأوّل فالقائد زيد بن حارثة، و إن قتل فالقائد عبد الله بن رواحة، و إن قتل فليختاروا أميراً»[1].
مضافاً إلى الإطلاق الأحوالي في مثل قوله(عليه السلام): «العمري و ابنه ثقتان» إلخ. متناول لصورة وفاة الأب، و حياة الابن، و هي كثيرة بحسب العادة.
الخامس: الاستصحاب
، فقد يقرّر باستصحاب جواز تقليده بعد الموت.
و أورد عليه في الكفاية ب:
أنّ جواز التقليد إن كان بحكم العقل، فإنّه لا يقتضي أزيد من تنجّز ما أصابه من التكليف، و العذر فيما أخطأ، و إن كان بالنقل فكذلك على ما هو التحقيق من أنّ قضيّة الحجّيّة شرعاً ليست إلا ذلك لا إنشاء أحكام شرعيّة على طبق مؤدّاها فلا مجال لاستصحاب ما قلّده؛ لعدم القطع به سابقاً، إلا على ما تكلّفنا في بعض تنبيهات الاستصحاب.[2]
[1]تاريخ الطبري، ج 3، ص 36 غزوة مؤتة.
[2]كفاية الأُصول، ج 2، ص 444.
أقول: و لعلّ المشار إليه في كلامه ما أفاده في التنبيه الثاني من تنبيهات الاستصحاب، فقد أجاب هناك عن نظير هذا الإشكال ب:
أنّ الحكم الواقعي الذي هو مؤدّى الطريق حينئذ محكوم بالبقاء، فتكون الحجّة على ثبوته حجّة على بقائه تعبّداً؛ للملازمة بينه و بين ثبوته الواقعي.[1]و توضيح هذا الكلام: أنّ مقتضى دليل الاستصحاب جعل الملازمة بين ثبوت الحكم في الزمان الأوّل واقعاً و بين ثبوته في الزمان الثاني تعبّداً، فالحكم بالبقاء مرتّب على الثبوت؛ فإذا كان الحكم بالبقاء من لوازم ثبوته السابق فالحجّة على ثبوته السابق حجّة على البقاء؛ لأنّ الحجّة على الملزوم حجّة على لازمه، فلا حاجة إلى تحقيق الثبوت قطعاً.
أقول: و التحقيق جريان الاستصحاب في الحجّيّة، و وجود اليقين بثبوت الحكم السابق، فإنّ الحجّيّة حكم من الأحكام الوضعيّة الشرعيّة. فقد يكون مجعولًا بالمطابقة و الاستقلال، كما في قوله(عليه السلام): «فإنّهم حجّتي عليكم». و قد يكون مجعولًا بالدلالة الالتزاميّة، كما في الإرجاعات الشخصيّة الواردة من المعصومين(عليهما السلام).
ثمّ إنّ التنجيز و التعذير من آثار الحجّة و لوازمها، و لا بأس باستصحابهما أيضاً بنحو الإجمال في مواردهما الواقعيّة؛ لوجود أركان الاستصحاب.
و قرر الإيراد على الاستصحاب في المستمسك بنحو آخر و هو:
أنّ إجراء الاستصحاب في الحجّيّة يتوقّف على كونها متأصّلة في الجعل بحيث يصحّ اعتبارها من مجرّد جعلها، و تترتّب عليها أثارها عقلًا من صحّة اعتذار كلّ من المولى و العبد بها و ليست كذلك، بل هي منتزعة من الحكم الظاهري الراجع إلى الأمر بالواقع على تقدير المصادفة، نظير الأمر بالاحتياط في بعض موارد الشكّ، و إلى الترخيص على تقدير المخالفة؛ فإنّ ذلك هو منشأ صحّة الاعتذار و الاحتجاج، فالحجّيّة نظير الوجوب و الحرمة المنتزعين عن مقام الإرادة و الكراهة، و لا يصحّ اعتبارهما من مجرّد جعلهما،
[1]كفاية الأُصول، ج 2، ص 310.
مع قطع النظر عن الإرادة و الكراهة، و على هذا الحال لا مجال لجريان الاستصحاب فيها؛ لعدم كونها أثراً شرعيّاً، و لا موضوعاً لأثر شرعي.[1]أقول: قد عرفت أنفاً أنّ الحجّيّة متأصّلة في الجعل سواء أ كانت مجعولة بالمطابقة أو بالالتزام.
ثمّ إن كان المراد من قوله: «و ليست كذلك، بل هي منتزعة» إلخ أنّ الحجّيّة ليس لها وجود في عالم الاعتبار؛ لكونها منتزعة من الحكم الظاهري فليست بمجعولة من ناحية الشرع، فلا يجوز فيها الاستصحاب، كما يشهد بذلك قوله: «لعدم كونها أثراً شرعيّاً، و لا موضوعاً لأثر شرعي فهو فاسد؛ إذ لا مانع من جعل شيء بجعل منشإ انتزاعه؛ إذ الجعل ليس بمنحصر بالجعل بالاستقلال. كيف و أنحاء الجعل مختلفة فقد يكون الجعل بالاستقلال، و قد يكون بالتبع، كما يكون الجعل بالمطابقة و بالالتزام.
و المراد من مجعوليّة الشيء بجعل منشإ انتزاعه كون منشإ الانتزاع متحيّثاً بحيثيّة ينتزع منه ذلك الحكم، و هذا أحد معاني جعل الحكم شرعاً.
مثلًا: النهي عن جواز التشكيك في رواية الثقة يجعل خبر الثقة متحيّثاً بحيثيّة ينتزع منه الحجّيّة، فيقال: خبر الثقة حجّة، و من المعلوم أنّ تلك الحيثيّة اعتباريّة.
و إن كان مراده أنّ شرط جريان الاستصحاب أن يكون الحكم مجعولًا بالأصالة، و أنّ حجّيّة قول الفقيه ليست بمجعولة بالأصالة فهو أفسد؛ لجريان الاستصحاب في الأحكام المجعولة بالتبع أيضاً.
أضف إلى ذلك أنّ قوله(عليه السلام): «فإنّهم حجّتي عليكم» و قوله(عليه السلام): «فإنّي قد جعلته حاكماً» صريحان في استقلال الحجّيّة في الجعل، و إنّ إرجاع المعصومين «العامّة و الخاصّة تدلّ على جعل الحجّيّة للفقيه مستقِلا، لكنّه بالالتزام.
و ممّا ذكرنا ظهرت كيفيّة جريان الاستصحاب في الحكم الواقعي، فإنّ مجراه نفس تنجّز الحكم الواقعي فيما أصاب رأى الميّت الذي حدث الشكّ في خروجه عن التنجّز
[1]المستمسك، ج 1، ص 15 و 16.
بسبب حدوث الموت له، و يجري أيضاً في نفس المعذّريّة عن الواقع فيما أخطأ رأيه.
فوجوب الرجوع إلى الحي على فرض ثبوته مستلزم لخروج الحكم المنجّز الواقعي للعامّي عن التنجّز بسبب مخالفة فتوى الحي لفتوى الميّت؛ و موجب لخروج معذوريّة العامّي عن الواقع فيما أخطأ الميّت في فتواه.
نظرة إلى بعض كلمات القوم
قال السيد دام ظلّه في مستمسكه:
إنّ الأدلّة اللفظيّة الدالّة على حجّيّة الفتوى لو تمّت في نفسها فإنّها تدلّ على حجّيّة الفتوى بنحو صرف الوجود الصادق على القليل و الكثر، كأدلّة حجّيّة الخبر، فلا مجال للتمسّك بها مع اختلاف الرأيين؛ لتكاذبهما المانع من شمول الدليل لهما؛ و لا لأحدهما، فلا بدّ من إثبات الحجّة من رأي الميّت، أو الحي من الرجوع إلى دليل آخر من إجماع، أو بناء العقلاء، أو سيرة المتشرّعة، أو الأصل.[1]ثمّ إنّه دام بقاؤه ضعّف الأوّل بعدم الثبوت، و ضعّف الثاني بعدم شموله لصورة الاختلاف، و ضعّف الثالث بأنّ السيرة و إن ادّعى استقرارها في عصر المعصومين على البقاء على تقليد الميّت، كما هو المظنون قويّاً، لكن بلوغه نحواً يصحّ التعويل عليه لا يخلو من إشكال.
ثمّ قال: «فيتعيّن الأخير».
أقول: و في كلامه دام بقاؤه مواقع للنظر:
أحدها: في قوله: «فإنّها تدلّ على حجّيّة الفتوى بنحو صرف الوجود» فإنّ ظاهر هذا الكلام أنّ الدليل اللفظي لحجّيّة الفتوى لا يكون في مقام البيان؛ لكونه في مقام الإهمال و أصل التشريع، فلا إطلاق له حتّى يتناول الرأيين المتكاذبين.
فذلك دعوى بلا دليل، و مناف لتعليله الاتي بقوله: «لتكاذبهما المانع من شمول
[1]المستمسك، ج 1، ص 15.
الدليل لهما» فإنّ ظاهره وجود المقتضي و الإطلاق لدليل الحجّيّة، لكن عدم الشمول من ناحية وجود المانع، و هو التكاذب.
و الثمرة بين الصورتين تظهر في صورة اختلاف المتكاذبين في القوّة و الضعف؛ إذ بناءً على عدم الإطلاق لدليل الحجّيّة لا يشملهما الدليل؛ و بناءً على وجود الإطلاق له يشمل أقواهما؛ لوجود المرجّح فيه، و التحقيق: أنّ الدليل اللفظي على حجّيّة الخبر من قبيل الثاني، و الإطلاق له محقّق، و يشهد لذلك قوله(عليه السلام): «لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنّا ثقاتنا، فقد عرفوا بأنّا نفاوضهم سرّنا، و نحمّلهم إيّاه إليهم»[1]، فهذا النصّ صريح في الإطلاق. و التفصيل في محلّه.
ثانيها: في تشبيه الدليل اللفظي لحجّيّة الفتوى بدليل حجّيّة الخبر، و قد سبقه في ذلك بعض الأكابر، فإنّ القياس مع الفارق؛ لأنّ لسان دليل حجّيّة الخبر إثبات الحجّيّة الفعليّة لخبر الثقة، فهو الظاهر من قوله(عليه السلام): «لا عذر» فيجب العمل بجميع مرويّات الثقات في مسألة واحدة؛ و لذا يقع التعارض بين الخبرين المختلفين في الدلالة.
و أمّا لسان دليل حجّيّة الفتوى فهو إثبات الحجّيّة الشأنيّة لقول المفتي. و فعليّة حجّيّة قوله مشروطة بالسؤال و الرجوع، و من المعلوم أنّ مقتضى الحجّيّة الشأنيّة التي اشترطت فعليّتها بالسؤال و الرجوع هو التخيير بين الحجج الشأنيّة عند تعدّدها في مسألة واحدة.
فالعامّي مخيّر في الرجوع إلى أيّهم، و لا يقع في مخمصة التعارض بين الفتاوى أبداً، و ذلك من معالي أُمور المعصومين(عليهما السلام).
و بعبارة أُخرى: أنّ لسان دليل حجّيّة الفتوى كلسان دليل نفوذ حكم القاضي هو العموم البدلي، و لازمه التخيير في الأخذ بين أفراد العامّ، بخلاف لسان دليل حجّيّة خبر الثقة؛ فإنّه العموم الاستغراقي، و لازمه الأخذ بكلّ واحد من أفراد العامّ.
فالحكم بالتخيير على فرض ثبوته في صورة تعارض الخبرين غير مستفاد من نفس
[1]وسائل الشيعة، ج 27، ص 149، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 40.
دليل حجّيّة الخبر، بل هو مستفاد من دليل آخر، بخلاف تخيير العامّي في الرجوع إلى المفتين، فإنّه مستفاد من نفس دليل حجّيّة الفتوى فانظر إلى أية السؤال، فإنّ ظاهرها العرفي إيجاب السؤال عن أحد أهل الذكر، لاعن جميعهم.
و انظر إلى التوقيع، فإنّ المتبادر العرفي منه وجوب الرجوع إلى أحد الرواة، لا إلى كلّ واحد منهم.
و ذلك فضلًا عمّا ورد بلفظة «أحدكم» أو باسم صريح لشخص معيّن عند الإرجاع إليه، أو فيما أرجع فيه إلى رجلين من الفقهاء، فإنّ ظاهره الإرجاع إلى أيّهما، لا إلى كليهما.
ثالثها: في قوله: «فلا بدّ من إثبات الحجّة من رأي الميّت، أو الحي من الرجوع إلى دليل آخر».
فقد عرفت عدم وجوب الرجوع إلى دليل آخر، فإنّ دليل التقليد اللفظي فضلًا عن دليله اللبّي كاف لإثبات الحجّيّة التخييريّة بين الميّت و الحي.
و كلامه قد نشأ من قياس دليل حجّيّة الفتوى إلى دليل حجّيّة الخبر، و هو قياس مع الباطل، و توهّم فاسد.
رابعها: في قوله: «بأنّ سيرة العقلاء غير شاملة لصورة الاختلاف» فإنّه دعوى بلا دليل، بل هي باطلة، إذ قلّما يتحقّق اتّفاق المقوّمين في قيمة شيء، و كثير ما يتحقّق اختلاف الأطبّاء في معرفة حال مريض، و في طريق علاجه، و ذلك بمرأى من العقلاء و مسمع منهم؛ فدعوى اختصاص سيرتهم بصورة العلم بعدم اختلاف الخبراء في الرأي فاسدة جدّاً.
نعم، شمولها لصورة العلم التفصيلي بالاختلاف غير معلوم. و سيجيء الكلام فيها في البحث عن تقليد الأعلم إن شاء الله تعالى.
خامسها: في قوله: «لكن بلوغه على نحو يصحّ التعويل عليه لا يخلو من إشكال» فإنّ التحقيق صحّة التعويل على سيرة المتشرّعة، إلا في صورة العلم بأنّ عوام المتشرّعة في ذلك العصر لم يكونوا عاملين بالأحكام الدينيّة، و إلا فإن كانوا عاملين بها كما هو
المقطوع حيث كانوا يرجعون إلى فقهاء الأصحاب فالتعويل على سيرتهم ممّا لا ريب فيه.
فإذا كانت سيرتهم قائمة على الرجوع إلى الحي بعد وفاة مرجعهم لشاعت و ذاعت، فإنّه من المبتلى به عند الجميع، و عدم الشياع و الاشتهار دليل قطعي على أنّ عملهم كان على البقاء على تقليد الميّت. و خير شاهد على ذلك أنّك لا تجد في الأخبار سؤالًا أُلقي على المعصوم(عليه السلام)بأنّ مرجعنا قد توفّي، فإلى من نرجع بعد وفاته؟
و بهذا البيان ندّعي استقرار سيرتهم على التقليد الابتدائي للميّت؛ إذ لو كانت المتشرّعة يمنعون أولادهم و أحفادهم عند صيرورتهم بالغين عن العمل بفتوى من كانوا يرجعون إليه و هو ميّت لاشتهر المنع قطعاً، و بان يقيناً، و نقل مستفيضاً، فإنّ ذلك المنع غير مخصوص بزمان خاصّ، أو مكان خاصّ، أو أُناس معدودين، و عدم وصول أقصر خبر عن هذا المنع يكشف عن عدم وجوده.
و لذا قلنا: إنّ سيرة المتشرّعة على البقاء على تقليد الميّت ملازمة لسيرتهم على التقليد الابتدائي له.
هذا تمام الكلام في اشتراط وصف الحياة في المفتي بقاء، و قد عرفت عدم دليل عليه، بل الدليل على خلافه، فلا فرق بين الحي و الميّت من حيث المرجعيّة للتقليد، فالأقوى جواز البقاء على تقليد الميّت.
و أمّا البحث عن صورة كون الحي أعلم من الميّت، أو بالعكس، أو صورة تساويهما فسيأتي إن شاء الله تعالى.
هل يختصّ جواز البقاء بما عمل؟
إنّ بعض من ذهب إلى أنّ التقليد هو العمل خصّص جواز البقاء على تقليد الميّت بالمسائل التي عمل فيها المقلّد بفتوى الميّت؛ خوفاً من أنّ القول بجواز البقاء فيما لم يعمل مستلزم للقول بجواز التقليد الابتدائي للميّت.
فلنسأل من هذا القائل أوّلًا: عن الفرق بين الواقعة التي لم يعمل فيها بفتوى الميّت