أصلًا، و بين التي عمل في مثلها بفتواه، فيجب أن يقول بعدم الجواز فيهما من جهة عدم الفرق بينهما من استلزامها تقليداً ابتدائيّاً للميّت.
مثلًا: لو كان الميّت قائلًا بعدم اشتراط العربيّة في العقود، و عمل المقلّد بهذه الفتوى في حياته فالبقاء عليها بعد موته هو ترتيب الأحكام و الآثار على ذلك العقد بخصوصه.
و أمّا إذا حدث له موضوع جديد بعد وفاة المفتي فإلغاء شرط العربيّة في هذا العقد الجديد ليس ببقاء عليها، سيّما لو كان العقد غير مماثل للعقد السابق بأن يكون عقد بيع، و العقد السابق عقد نكاح مثلًا.
و ثانياً: قد عرفت عدم دليل لفظي على عدم جواز التقليد الابتدائي للميّت حتّى يتوهّم وجود إطلاق له، بل قد عرفت عدم دليل أصلًا على عدم الجواز.
سلّمنا وجود الدليل لكنّه لبّي، و هو الإجماع، و لا إطلاق له، و المتيقّن من معقده العامّي الذي لم يكن مقلّداً عن الميّت في أيّة مسألة من المسائل بأيّ معنى من معاني التقليد؛ فإنّ الدليل قائم على جواز البقاء في غير تلك الصورة و قد مرّ. فالأقوى عدم اعتبار العمل في جواز البقاء.
وظيفة العامّي
هذا حسبما يقتضيه البحث العلمي في المقام. و أمّا وظيفة العامّي الذي هو أجنبي عن الحقائق العلميّة؛ بناءً على أن هذه المسألة ليست من المسائل التقليديّة، أو ممّا لا يجب التقليد فيها، فيجب على العامّي العمل بمقتضى عقله؛ خالياً عن العاطفة، فإنّه الحجّة دون سواه.
و نقول إرشاداً إليه: إن أمكنه الاختيار في أصل المسألة بمقتضى عقله فعليه العمل بما اختاره، و إلا فإن كان الميّت ممّن يقول بالتخيير بين البقاء و الرجوع إلى الحي فيجب عليه الرجوع إلى الحي؛ لأنّه المتيقّن في مقام العمل، فلو كان الرجوع إلى الحيّ بحسب الواقع واجباً أو جائزاً فقد تحقّق، و لو كان البقاء بحسب الواقع واجباً أو جائزاً
فقد بقي أيضاً، فإنّ المفروض أنّه عمل بقول الميّت في هذه المسألة، و ذلك من غير فرق بين كون الحي قائلًا بوجوب البقاء أو جوازه أو حرمته؛ لأنّه على فرض قوله بوجوب البقاء فقد بقي المقلّد على تقليده، و على فرض قوله بحرمة البقاء فقد عدل إلى الحيّ، فإنّ عمله بقول الميّت في مسألة البقاء غير مضرّ برجوعه إلى الحي، فهو كضمّ الحجر إلى جنب الإنسان.
و إن كان الميّت قائلًا بعدم جواز البقاء يجب الرجوع إلى الحي؛ للقطع الحاصل بعدم حجّيّة قول الميّت، فإنّه على فرض حجّيّة قوله بحسب الواقع فهي مستلزمة لعدم حجّيّة قوله، و لأنّه إذا كان قول الميّت حجّة بحسب الواقع فقد وجب الرجوع إلى الحيّ؛ عملًا بالحجّة. و إن لم يكن قول الميّت بحسب الواقع حجّة فقد وجب الرجوع إلى الحي؛ لانحصار الحجّة بقوله.
و إن كان الميّت قائلًا بوجوب البقاء فإمّا أن يقول الحي بوجوب البقاء أم لا.
فإن كان قائلًا بوجوب البقاء فالبقاء واجب عليه؛ لأنّه المتيقّن في البين؛ و لكون حجّيّة قول الحيّ بحسب الواقع مستلزماً لوجوب البقاء أيضاً، و كذلك الحال في صورة قول الحي بجواز البقاء.
و إن كان قائلًا بحرمة البقاء فإن حصل له الوثوق بصحّة أحد القولين فعليه العمل به، و إلا فالواجب عليه هو الرجوع إلى أحوط القولين في المسائل و العمل به؛ فإنّ ذلك عمل بالمتيقّن الذي يرجى فيه النجاة.
إذا تعدّد المفتي
إذا كان المفتي متعدّداً، و كانوا متّفقين في الفتيا في المسائل المبتلى بها للناس فلا خلاف في كون العامّي مخيّراً في الرجوع إلى أيّهم شاء.
و إن اختلفوا في الفتاوى في تلك المسائل، فإذا كانوا متساوين في الفضل فقد يقال بأنّ الأصل الأوّلي حاكم بلزوم الاحتياط؛ لتنجّز الأحكام الواقعيّة على المكلّفين بسبب العلم الإجمالي بوجودها؛ و لكون الشبهة قبل الفحص، فيحكم العقل بلزوم تحصيل
الموافقة القطعيّة بواسطة العمل بأحوط الأقوال أو الجمع بينها إن كان الاحتياط في الجمع، و إن لم يمكن العمل بالاحتياط فالظاهر هو التخيير.
و أمّا مقتضى الدليل الاجتهادي فهو التخيير مطلقاً حتّى في صورة إمكان الأخذ بالاحتياط.
و لذا لم أعثر على قائل بين القدماء، و لا بين الطبقة الوسطى يقول بوجوب الأخذ بالاحتياط عند اختلاف المفتين المتساوين.
قال المحقّق(قده)في المعارج:
«فإن تساووا في العلم و العدالة جاز استفتاء كلّ منهم، فإن اختلفوا في الفتوى و الحال هذه كان المستفتي مخيّراً في العمل بقول أيّهم شاء»[1]و لنصرف عنان الكلام إلى بيان الأدلّة.
حجج القول بالتخيير
منها: النصوص الواردة في الباب
. و تقريب الاستدلال بها: أنّها تدلّ على الحجّيّة الشأنيّة لرأي الفقيه، و من المعلوم أنّ مقتضى الحجج الشأنيّة هو التخيير بمعنى أنّ من يقصد التعويل عليها مخيّر في العمل بأي حجّة منها.
و إليك قوله(عليه السلام): «العمري و ابنه ثقتان». فإنّ المتبادر منه كفاية الرجوع إلى أيّهما، و مثله بقيّة النصوص، فإنّ الإطلاقات الواردة فيها شاملة لصورة اتّفاق المفتين في الفتوى، و لصورة اختلافهم فيها.
و منها: سيرة المتشرّعة
و هي السيرة العمليّة التي تتّصل بزمان المعصومين «فإنّها جارية على تخيير
[1]معارج الأُصول، ص 201.
المستفتي في الرجوع إلى أي أحد من المفتين، فهذه السيرة قائمة عند المتشرّعة على الرجوع إلى من يكون قريباً إليهم من المفتين منذ زمان المعصومين(عليه السلام). فهم في كلّ قطر كانوا يرجعون إلى مرجع لهم في الفتوى، كان فضل بن شاذان(قده)مرجعاً لخراسان، و عبد العظيم الحسني(قده)مرجعاً لأهل الري، و غير هما لغيرهما من البلاد ممّن نعرفه و ممن لا نعرفه.
و أمّا احتمال اتّفاق المفتين في ذلك العصر في الفتيا فيدفعه ما حكي من كثرة اختلافهم في المسائل، بحيث كان سبباً لهجرة بعضهم بعضاً، بل ربّما رفع الاختلاف في الرأي بحضرة المعصوم(عليه السلام).
و كفاك شاهداً خبر أبي عليّ بن راشد، و قصّة يونس بن عبد الرحمن، و قد مرّ.
و إليك ما أورده في أُصول الكافي عن علي بن إبراهيم، عن السرّي، قال: «لم يكن ابن أبي عمير يعدل بهشام بن الحكم شيئاً، و كان لا يغبّ إتيانه، ثمّ انقطع عنه و خالفه، و كان سبب ذلك أنّ أبا مالك الحضرمي كان أحد رجال هشام وقع بينه و بين ابن أبي عمير ملاحاة في شيء من الإمامة».
قال ابن أبي عمير: «الدنيا كلّها للإمام على جهة الملك، و إنّه هو أولى بها من الذين هي في أيديهم».
و قال أبو مالك: «ليس كذلك أملاك الناس لهم، إلا ما حكم الله به للإمام من الفيء و الخمس و المغنم، فذلك له، و ذلك أيضاً قد بيّن الله للإمام أين يضعه، و كيف يصنع به» فتراضيا بهشام بن الحكم، و صارا إليه. و حكم هشام لأبي مالك على ابن أبي عمير، فغضب ابن أبي عمير و هجر هشاماً بعد ذلك.[1]
منها: الإجماع
ادّعى بعض أصحابنا الإجماع على عدم وجوب الاحتياط.
[1]الكافي، ج 1، ص 409، كتاب الحجّة، باب أنّ الأرض كلّها للإمام (ع)، ح 8.
أقول: الاتّفاق في الفتوى على عدم وجوب الاحتياط بين القدماء محقّق؛ إذ لا تجد من أفتى منهم، و من الطبقة الوسطى بوجوب الاحتياط عند اختلاف المفتين.
و منها: سيرة أهل السنّة
فإنّ سيرة المتشرّعة منهم قائمة على رجوع أهالي كلّ ناحية إلى فقيهها، فكان العراقيّون منهم يقلّدون فقيه العراق، و الشاميّون منهم يقلّدون فقيه الشام، و المصريّون منهم يقلّدون فقيه مصر، و الحجازيّون منهم يقلّدون فقيه الحجاز، مع أنّ الاختلاف في الفتيا بين الفقهاء ممّا لا يمكن إنكاره.
و من المعلوم: أنّ هذه السيرة كانت جارية في عصر المعصومين «بمرأى منهم و مسمع، فلو كانت غير مرضيّة لهم لصدر نهي منها عنهم «إلى شيعتهم، و عدم صدور النهي يكشف عن رضاهم بها، و لا يخفى أنّ صدور مثل هذا النهي ملازم للوصول إلينا.
و منها: سيرة العقلاء
فإنّها قائمة على التخيير في الرجوع إلى آحاد الخبراء، حال العلم الإجمالي باختلافهم في الآراء، كما مرّ.
و أمّا سيرتهم في صورة العلم التفصيلي بالاختلاف فهي الاعتماد على الرأي الأوثق عندهم، و ما هو أكثر اطمئناناً لديهم.
فإذا وثقوا بقول خبير يعملون به، فإنّ ملاك العمل عندهم على الوثوق من أي طريق حصل، و بأي دليل ثبت.
ثمّ إنّ بعض الأساطين دام ظلّه ذهب إلى نفي التخيير، و إلى القول بأحوط القولين عند العلم باختلاف المفتين في الفتيا، و احتجّ لمذهبه ب:
أنّ الدليل على التخيير إن كان هو الأخبار الدالّة على حجّيّة الفتوى فإنّها ساقطة في موارد معارضة الفتاوى؛ بناءً على حجّيّة الأمارات من باب الطريقيّة؛ إذ لا يجوز شمولها لكلّ واحد من المتعارضين للتكاذب، و لا لأحدهما المعيّن؛ لكونه ترجيحاً
بلا مرجّح، و لا لأحدهما المخيّر بأن يقيّد إطلاق وجوب الأخذ بأحدهما باختياره؛ لكونه مستلزماً لعدم وجوب الأخذ بكلّ منهما إذا لم يختر أحدهما.
و أمّا إن كان دليل التخيير مستفاداً من النصّ الوارد في باب التعارض بين الخبرين فهو ضعيف السند.
و إن كان دليله الإجماع فالإجماع التعبّدي غير ثابت في المقام. و إن كان سيرة المتشرّعة فثبوتها في الجملة و إن كان لا ينكر، لكن لم تثبت سيرة على التخيير حتّى في صورة العلم بالمخالفة.
كيف و بناء العقلاء على التساقط عند التعارض. فلا بدّ أن يكون التخيير بدليل تعبّدي من الشارع، و هو غير واصل إلينا.[1]أقول: و يرد عليه أوّلًا: بالنقض بتخيير المدّعى في الرجوع إلى أحد القضاة عند مساواتهم في الفضل، فإنّه من المسلّمات عند القوم. قال العلامة في القواعد: «و لو تعدّد تخيّر المدّعى لا المنكر في الترافع إلى من شاء إن تساووا»[2].
و من المعلوم: أنّ الرجوع إلى القاضي كما يكون في الشبهة الموضوعيّة، كذلك قد يكون في الشبهة الحكميّة أيضاً.
و العجب منه دام ظلّه أنّه قال بهذا القول في ذلك الباب، حيث لم يعلّق في تعليقته على مسألة 56 من مسائل التقليد من كتاب «العروة الوثقى».
قال السيّد في العروة في تلك المسألة: «في المرافعات اختيار تعيين الحاكم بيد المدّعى، إلا إذا كان مختار المدّعى عليه أعلم»[3].
ثمّ إنّي لم أعثر في باب القضاء على قول من أوجب الرجوع عند تعدّد القضاة، و مساواتهم إلى القاضي الذي يعلم المدّعى بأنّ حكمه أحوط.
و ثانياً: قد عرفت أنّ قياس أخبار الباب إلى الأخبار الواردة في حجّيّة الخبر قياس
[1]دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 80.
[2]قواعد الأحكام، ج 2، ص 202.
[3]العروة الوثقى، ج 1، ص 20، المسألة 56.
مع الفارق، فإنّ ما يدلّ على حجّيّة الفتوى يدلّ على حجّيّتها الشأنيّة؛ فإذا عمل بها العامّي تصير حجّة فعليّة، و لازم الحجج الشأنيّة تخيير من يريد الاحتجاج بين تلك الحجج.
و أمّا ما يدلّ على حجّيّة الخبر فيدلّ على حجّيّته الفعليّة، و الحكم في الحجّة الفعليّة تعيّن الأخذ بها. و إليك النظر في كلتا الأدلّة حتّى يتبيّن لك صدق هذه الدعوى، و قد مرّ بيانها.
و ثالثاً: سلّمنا وحدة الدلالة بين دليل حجّيّة الخبر، و دليل حجّيّة الفتوى، لكن ما ادّعاه من سقوط دليل الحجّيّة في مورد المعارضة من جهة بطلان الشقوق الثلاثة ليس بمقبول، فإنّ لنا اختيار ثالث الشقوق، و هو وجوب الأخذ بأحدهما المخيّر، لكن لا نقول بما قرّره، بل بتقيّد إطلاق وجوب الأخذ بأحدهما بصورة عدم الأخذ بالآخر، و لا يلزم من ذلك إلا وجوب الأخذ بكلّ منهما عند عدم الأخذ بكلّ منهما، و ذلك ليس بتال فاسد؛ إذ لا يلزم منه التكاذب، و اجتماع البعث و الزجر في مقام العمل.
و رابعاً: قد عرفت ثبوت السيرة من المتشرّعة على التخيير بين الرجوع إلى الفقهاء في زمان الحضور حتّى في صورة العلم بالاختلاف.
و خامساً: قد عرفت قيام سيرة العقلاء على التخيير بين الرجوع إلى أحد الخبراء عند العلم الإجمالي بالخلاف باختلافهم في الأنظار.
و أمّا صورة العلم التفصيلي باختلاف الخبيرين في الرأي فقد عرفت أنّها قائمة على الوثوق و الاطمئنان.
فإنّ رأي الخبير موثوق به عند العقلاء؛ فإذا عورض برأي خبير آخر يضعف الوثوق به، فيفحصون عمّا يقوّي به الوثوق بأحد الرأيين، أو برأي ثالث موثوق به؛ فإذا حصل لهم الوثوق برأي عملوا به.
و لا يخفى أنّ ظاهر كلامه دام ظلّه اتّحاد السيرتين: المتشرّعة، و العقلائيةّ عنده، كأنّه يزعم رجوع سيرة المتشرّعة إلى سيرة العقلاء، و هذا و إن أمكن القول به في بعض السير، لكن لا سبيل إلى القول به هنا؛ لما مرّ.
تقليد الأعلم
إنّ البحث عن وجوب تقليد الأعلم عند اختلافه مع غيره في الفتوى إنّما يكون في صورة إمكان الرجوع إلى الأعلم، و إلا فجواز الرجوع إلى المفضول محلّ وفاق.
فهل يجب على العامّي في صورة تمكّن الرجوع إلى الأعلم الرجوع إليه؟ أو هو مخيّر بين الرجوع إليه و إلى غيره؟
قال السيّد المرتضى(قده)في الذريعة:
و إن كان بعضهم عنده أعلم من بعض، أو أورع، أو أدين فقد اختلفوا، فمنهم من جعله مخيّراً، و منهم من أوجب أن يستفتي المقدّم في العلم و الدين و هو أولى؛ لأنّ الثقة منها أقرب و أوكد، و الأُصول بذلك كلّها شاهدة.[1]و قال الآمدي من علماء أهل السنّة في كتاب الإحكام:
إذا حدثت للعامّي حادثة، و أراد الاستفتاء عن حكمها، فإن كان في البلد مفت واحد وجب الرجوع إليه و الأخذ بقوله، و إن تعدّد المفتون، فمن الأُصوليّين من ذهب إلى أنّه يجب عليه البحث عن أعيان المفتين، و اتّباع الأورع، و الأعلم، و الأدين. و منهم من ذهب إلى أنّه مخيّر بينهم يأخذ برأي من شاء منهم سواء أ تساووا،
[1]الذريعة إلى أُصول الشريعة، ج 2، ص 801، و أيضا حكاه عنه السيد الحكيم في المستمسك، ج 1، ص 26.